تفسير و تدارس

٤٣١ التعليق علي تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٢ التعليق علي تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٣ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٤٣٤ التعليق علي تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٥ برنامج يا بني إسرائيل الوقفة كاملة
٤٣٦ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٧ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٨ التعليق علي تفسير القرطبي . الوقفة كاملة
٤٣٩ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٤٠ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٤٣١ {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)} والمعنى: - والله أعلم – أنكم لا تشاؤون إلا أن يشاء الله أنكم تشاؤون، أي أن مشيئتكم واختياركم كانا بمشيئة الله وإرادته، فإنه شاء لكم أن تختاروا ولو شاء لم يمنحكم هذه المشيئة، وذلك أن الله عليم بما يخلق وكيف يخلق، وكل ذلك لحكمة أرادها سبحانه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 268 إلى ص 268. الوقفة كاملة
٤٣٢ {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)} قد تقول: كيف يدخل من يشاء في رحمته وربما كان فيهم من لا يستحق الرحمة؟ والجواب: أنه لما قال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} علم أنه يفعل ذلك لعلم وحكمة، وأنه لا يدخل في رحمته إلا من علم الله أنه يستحق ذلك واقتضت ذلك حكمته. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لما قال: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} علم أن من يدخلهم في رحمته هم من غير الظالمين. وقد يقول قائل: ولم قال في أول السورة: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} وقال هنا: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} فإن العذاب الأول أشد؛ لأن العذاب الأليم قد لا يكون بالسعير والنار والسلاسل والأغلال؟ والجواب: أنه ذكر العذاب الأول للكافرين، وهذا العذاب للظالمين، والظالم قد لا يكون كافرًا، فإن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرًا، قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] فاقتضى أن يكون العذاب الأول أشد؛ لأن صاحبه كافر ظالم والثاني ظالم. إن هذا الآية هي خاتمة السورة، وقد ارتبطت ببداية السورة ارتباطًا لطيفًا، فقد بدأت السورة بالإنسان وهو لم يكن شيئًا مذكورًا، وانتهت بخاتمة هذا الإنسان ومصيره، فبدأت ببدئه وختمت بخاتمته. وكما ذكر صنفين من الناس في أول السورة وهما الشاكر والكفور، ذكر صنفين في خاتمتها وهما المرحوم والمعذب. إن لهذه السورة خطوطًا تعبيرية ظاهرة فيها؛ فمن الخطوط التعبيرية فيها أنها بنيت على التثنية، فإنها ترد الأشياء فيها صنفين، ومن ذلك على سبيل المثال: 1- أنه ذكر صنفين من الناس: الشاكر والكفور {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. 2- ذكر صنفين من العذاب: القيود والسعير: والقيود نوعان: وهما السلاسل والأغلال. 3- ذكر صنفين من أصحاب الجنة: الأبرار وعباد الله وهم السابقون {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ}. 4- ذكر نوعين من الشراب الممزوج: شرابًا ممزوجًا بالكافور، وآخر ممزوجًا بالزنجبيل. 5- ذكر نوعين من العبادات الظاهرة: وهما الوفاء بالنذر والإطعام. 6- ذكر نوعين من العبادات القلبية: الخوف والإخلاص {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا} {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}. 7- نفى المطعمون عن أنفسهم إرادة شيئين: الجزاء والشكور، والجزاء: هو المكافأة بالفعل، والشكور: هو الثناء باللسان. 8- ذكر تعالى أنه لقاهم شيئين: النضرة والسرور، والنضرة تكون في الوجوه، والسرور في القلب. 9- ذكر أنه جزاهم بصبرهم شيئين: جنة وحريرًا، والجنة للأكل، والحرير للبس. 10- ونفى عنهم رؤية شيئين: الشمس والزمهرير. 11- وذكر دنو شيئين منهم: الظلال والقطوف {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا}. 12- وذكر الطواف بشيئين: الآنية والأكواب {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ}. 13- وذكر الشرب بصورتين: من الكأس ومن العين {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} 14- وذكر نوعين من الشرب من الكأس: الشرب دون ساق، والسقي { إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ} {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا}. 15- ذكر نوعين من الثياب: السندس والإستبرق. 16- وذكر نوعين من الزينة: اللباس والأساور. 17- ذكر أنه قال لهم شيئين: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً}، {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا}، وهذا بمقابل قولهم: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}. 18- نهى رسوله عن إطاعة صنفين من الناس: الآثم والكفور {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا} 19- طلب منه التسبيح والصلاة في النهار والليل، فالبكرة والأصيل في النهار، وقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} في الليل. 20- ذكر وقتين من أوقات النهار: وهما البكرة والأصيل {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}. 21- ذكر عبادتين في الليل: السجود والتسبيح. 22- ذكر الحياتين: الدنيا والآخرة {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا}. 23- ذكر الحب والترك: {يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ} 24- وذكر أمرين من أمر الإنسان: الخلق وشد الأسر {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} 25- ذكر مشيئتين: مشيئة الله ومشيئة الإنسان {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 26- ختم السورة بذكر صنفين من الناس: المرحوم والمعذب {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} وهناك خط آخر في ذكر الأحداث، وهو ذكر الأحداث المستقبلة بالفعل الماضي، ومن ذلك قوله تعالى: 1- {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} 2- {يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} 3- {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} 4- {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ} 5- {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} 6- {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا} 7- {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا} 8- {وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ} 9- {قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} 10- {كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا} 11- {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} 12- {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} 13- {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} 14- {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} 15- {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} إلى غير ذلك من الخطوط والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 268 إلى ص 272. الوقفة كاملة
٤٣٣ {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)} التسبيح: هو التنزيه، فمعنى {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أن هؤلاء نزهوه عما لا يليق من الصفات، وأنهم ذكروا ذلك بما يليق من حالهم مما نفقه من التسبيح ومما لا نفقه. لقد ورد فعل التسبيح في القرآن الكريم معدّى بنفسه ومعدّى باللام، فمما ورد معدى بنفسه قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 – 42]، وقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49]. ومما ورد معدّى باللام هذه الآية التي افتتح بها السورة. ونظيرها في مفتتح سورة الحديد وسورة الحشر، وقوله: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] وغيرها. إن معنى (سبّحه): نزّهه – كما ذكرنا – ومعنى (سبّح له): أي فعل ذلك لأجله، فاللام تفيد التعليل، فالتسبيح هو الفعل، والتسبيح له هو الفعل لأجله، كما تقول: صلّى وصلّى له، ونسك له. ولا ينفع الفعل حتى يكون له سبحانه، فكل فعل أو عبادة لا تنفع حتى تكون له وحده وإلا كان ذلك ضلالاً. فكل فعل لا يكون له باطل، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]. فمن سبّح رياء فليس بمسبّح لله، ومن صلى رياء فليس بمصل له، فالتسبيح ينبغي أن يكون له تعالى خالصًا كسائر العبادات. فالتسبيح هو الفعل، والتسبيح له هو إخلاص النية والعمل لله. جاء في (البحر المحيط): "واللام في (لله) إما أن تكون بمنزلة اللام في (نصحت لزيد) يقال: (سبح الله) كما يقال: (نصحت زيدًا) فجئ باللام لتقوية وصول الفعل إلى المفعول، وإما أن تكون لام التعليل، أي أحدث التسبيح لأجل الله، أي لوجهه خالصًا" (1). ومن الملاحظ في هذين الاستعمالين في القرآن الكريم، أي في نحو (سبح لله) و(سبحه) أنه يستعمل اللام مع العاقل وغير العاقل، وأما المتعدي بنفسه فلا يستعمله إلا للعقلاء. قال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحديد: 1]، وقال: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] فهذا لغير العاقل والعاقل. وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ } [النور: 41] فهنا اختلط العقلاء بغيرهم. وقال: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} [النور: 36 – 37]، وقال: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] وهذا خاص بالعقلاء. أما المتعدي بنفسه فلم يرد إلا للعاقل، قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 – 42]: فتسبيح غير العقلاء لم يرد إلا باللام، أما تسبيح العقلاء فقد ورد باللام وبدونها. وثمة ملاحظة أخرى في استعمال هذين التعبيرين، وهي أنه يستعمل اللام مع ما هو أعم وأشمل، سواء كان ذلك من حيث المسبحون أم من حيث أوقات التسبيح، فقد قال الله: إنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض، وإنه تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وهذا أعم تسبيح وأشمله. في حين أنه قد يستعمل المتعدي بنفسه للواحد أو للجماعة التي لا تبلغ ذلك المبلغ في الشمول والسعة، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40]، وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 – 42]. ولم يرد في المتعدي بنفسه نحو ذلك الشمول في المسبحين. ويكفي ذلك بيانًا أن الفعل مع اللام يستعمل للعقلاء وغيرهم، أما المتعدي بنفسه فلم يستعمله إلا للعقلاء. ومثل ذلك الاتساع في الأوقات، فما ورد من الأوقات مع اللام أكثر اتساعًا وأعم وأشمل. قال تعالى مع المتعدي بنفسه: {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9]، وقال: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42]. في حين قال مع اللام: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ} [النور: 36] فذكر ذلك بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد، فالغدو جمع غدوة، والآصال جمع أصيل. وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40]، وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49]، وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26] ففي كل ذلك قال: (من الليل) بـ (من) التبعيضية، ثم ذكر وقتًا آخر ليس طويلًا وهو (أدبار السجود) أو (إدبار النجوم) حتى أنه في آية الإنسان لم يذكر غير الليل. في جين قال: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] فقال: {بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} بإطلاق الليل والنهار من دون تقييد، ولم يذكر (من) الدالة على البعضية، بل ذكر الباء التي تفيد الظرفية. ثم قال: {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} للدلالة على مداومة التسبيح وطوله. لقد ورد التسبيح في القرآن الكريم بصور شتى، فقد ورد بالفعل الماضي نحو {سَبَّحَ لِلَّهِ}، وورد بالمضارع نحو {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} وورد بالأمر نحو {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] وقوله: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}. كما ورد باسم المصدر وهو (سبحان) وذلك ليشمل الأزمنة كلها ويستغرقها. فالفعل الماضي يستغرق الزمن الماضي، والمضارع يستغرق الحال والاستقبال، والأمر يفيد طلب التسبيح في المستقبل، والمصدر على حدوث التسبيح سواء كان هناك من يسبحه أم لا، فاستغرق ذلك الأوقات كلها، وأفاد أنه مستحق التسبيح على الدوام سواء كان هناك من يسبح أم لم يكن. جاء في (التفسير الكبير): "ثم إنه تعالى قال في البعض في السور: {سَبَّحَ لِلَّهِ}: وفي البعض (يسبّح)، بصيغة الأمر، ليعلم أن تسبيح الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال" (2). لقد افتتحت السورة بالتسبيح بالفعل الماضي {سَبَّحَ لِلَّهِ} شأن سور أخرى، وقد افتتح قسم آخر من السور بالفعل المضارع، أي {يُسَبِّحُ لِلَّهِ}. ومن الملاحظ أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي، أي {سَبَّحَ لِلَّهِ} يجري فيها ذكر للقتال، بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع، أي {يُسَبِّحُ لِلَّهِ}، فقد قال في سورة الحديد: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ} [الحديد: 10]. وذكر في سورة الحشر إخراج الكافرين من حصونهم وتكرر في السورة ذكر القتال (انظر على سبيل المثال الآيات 10، 11، 13). وقال في سورة الصف: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}، وذكر الجهاد بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}، وكل تلك السور تبدأ بالفعل الماضي (سبّح)، ولم يرد مثل ذلك فيما بدأ بالفعل المضارع. ومن الملاحظ أيضًا أنه في قسم من الآيات يكرر (ما) فيقول: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ولا يكرر في قسم آخر فيقول: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، وقد كرر (ما) في هذه الآية فقال: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فكرر (ما) فقال: {وَمَا فِي الْأَرْضِ}. وحيث كرر (ما) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض، وإذا لم يكرر (ما) فإنه لا يذكر شيئًا يتعلق بأهل الأرض بعدها. وقد ذكر بعد هذه الآية أمرًا يتعلق بأهل الأرض فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} فكان تكرار (ما) هو المناسب (3). وقد قدم الجار والمجرور (لله) على الفاعل وهو {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وذلك لأن المجرور أهم، فإن السياق ليس على الفاعل، وإنما هو على مستحق التسبيح وهو الله، ولذا ذكر بعد ذلك قسمًا من صفاته فقال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، ثم قال بعدها: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} فذكر ما يحبه الله وما لا يحبه، فقدم ما هو أهم وأولى. وقدم {مَا فِي السَّمَاوَاتِ} على {وَمَا فِي الْأَرْضِ}؛ وذلك لأن أهل السماوات أسبق في التسبيح من أهل الأرض، فإنه لما أراد خلق آدم قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] فقدم ما هو أسبق. وهناك أمر آخر، وهو أنه قدم ما هو أدوم تسبيحًا، فما في السماوات أدوم تسبيحًا، قال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20]. ولا تقل: إن (ما) لغير العاقل فلا تشمل الملائكة، فإن (ما) – كما هو معلوم – تكون لذوات غير العقلاء ولصفات العقلاء، كقوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 – 8] فاتضح ما قلناه. {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} العزيز: هو الغالب الممتنع من أن يغلبه أحد، والحكيم قد يكون فعيلاً من الحكم، وقد يكون من الحكمة. والعزيز إذا حكم كان ذلك منتهى العزة، فقد يكون العزيز حاكمًا وقد يكون غير حاكم، وقد ذكر هنا أنه جمع العزة والحكم فكان ذلك غاية الكمال فيهما. وإذا كان (الحكيم) من الحكمة فذلك منتهى الكمال أيضًا، ذلك أنه يكمل عزته بالحكمة، فقد يكون العزيز متهورًا فيكون ذلك نقصًا فيه. والراجح أن كلا المعنيين مراد، فهو حكيم من الحكم، وحكيم من الحكمة، فهو العزيز الحاكم ذو الحكمة. وقال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} بتعريف الوصفين ليدل على أنه لا عزيز في الحقيقة سواه، ولا حاكم ولا حكيم في الحقيقة سواه، فإن كل عز يناله غيره فمن عزته سبحانه، وكل حكم أو حكمة لغيره فذلك منه سبحانه، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، وقال: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269]. إن قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ} يعني أن ما في السماوات وما في الأرض نزهوه عن صفات النقص وأثبتوا له صفات الكمال. وقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} يدل على الوحدانية وإبطال الشرك، إذ لا عزيز سواه ولا حاكم غيره، فهذه الآية تدل على توحيد الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقص، وتفيد إقرار ما في السماوات وما في الأرض له بذلك وخضوعهم له دون غيره خضوع قهر وعبادة. فإن الخضوع قد يكون خضوع قهر وغلبة لا خضوع عبادة وتقديس، أما خضوع ما في السماوات وما في الأرض فهو خضوع قهر وعبادة، فخضوع القهر يدل عليه قوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ويدل عليه وصفه نفسه بـ (القهار)، وخضوع العبادة والاستحقاق يدل عليه قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ} فدل ذلك على الكمال المطلق له سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): "{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض، و(العزيز) من عز إذا غلب، وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يغلب عليه غيره. و(الحكيم) من حكم على الشيء إذا قضى عليه، وهو الذي يحكم على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يحكم عليه غيره، فقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} يدل على الربوبية والوحدانية إذن" (4). لقد ارتبط هذان الاسمان الكريمان بما ورد في السورة على العموم، فقد شاع فيها جو العزة والحكم والحكمة. فقد ارتبط باسمه العزيز واسمه الحكيم من معنى الحكم قوله تعالى: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ولا يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط بهما أيضًا قوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} وقوله: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}، وقوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة قوله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} فإن نور الله إنما هو للهداية، والهداية من الحكمة، والذي يهدي إنما هو الحكيم. وارتبط به أيضًا قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} والهدى من الحكمة، والحق إنما يدل عليه الحكيم. وارتبط به أيضًا قوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} والذي يدل على ذلك حكيم، وقوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} والذي يعلم إنما هو حكيم لأن من مقتضيات الحكمة العلم، والذي لا يعلم لا يكون حكيمًا، وذلك من لطيف الارتباط. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 274 إلى ص 281. (1) البحر المحيط 10/100. (2) التفسير الكبير 29/311. (3) انظر معاني النحو 1/79! وما بعدها. (4) التفسير الكبير 29/311. الوقفة كاملة
٤٣٤ {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} أي ونعمة أخرى محبوبة عندكم وهي النصر من الله والفتح القريب، ومعنى ذلك أن النصر لا يأتي من دون جهاد. وقوله: (تحبونها) له دلالته الخاصة في السورة، ذلك أنه قول في أول السورة: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ} فكأنه: افعلوا ما يحبه الله يعطكم ما تحبون، هو النصر والفتح القريب. وقوله: (تحبونها) دلالة أخرى، ذلك أنه لم يقل: (هل أدلكم على تجارة تحبونها) فإن في بعض تلك التجارة كرهًا وهو القتال، فكأنه قال: أطيعوا الله بما يحب وتكرهون يعطكم ما تحبون. ثم إنه قال: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ} ليدل على أن النصر إنما هو من الله وليس بجهادكم وعدتكم، كما قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] ووعدهم إن فعلوا ذلك بأمرين محبوبين: النصر والفتح القريب، ثم قال: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} للدلالة على أن ذلك كائن وحاصل. لقد أمر الله رسوله أن يبشر المؤمنين بالنصر والفتح القريب. ولم يجعل البشارة داخلة في جواب الشرط أو الطلب، وإنما هي أمر بالتبليغ لما هو حاصل قطعًا، ومعلوم أن البشارة لا تكون إلا لما هو حاصل قطعًا، وقد حصل ما بشر به، فدل على صدقه  . ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 319 إلى ص 319. الوقفة كاملة
٤٣٥ {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} {هُوَ الْأَوَّلُ} أي ليس لوجوده بداية وهو قبل كل شيء. (والآخر) أي ليس لوجوده نهاية وليس بعده شيء، وهذا مقتضي قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. (والظاهر) أي الذي تجلى للعقول ونصب الدلائل الظاهرة على وجوده، وهو الغائب العالي على كل شيء وفوق كل شيء، فليس معه شيء وليس فوقه شيء، من الظهور وهو الغلبة، كما قال تعالى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14]، فالظاهر معنيان كلاهما مراد: الظاهر بدلائله، الغالب على كل شيء. (والباطن) أي غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار، كما قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، وهو الذي يعلم بواطن كل شيء وخفاياه. فللباطن معنيان: المحتجب عن الأبصار، والذي يعلم باطن كل شيء، وكلاهما حق، وإن كان أحد المعنيين أظهر من الآخر. وتعريف الصفات بـ (أل) يفيد القصر، فلا يشاركه شيء في هذه الصفات، فليس معه أول ولا آخر، وليس معه ظاهر ولا باطن، فهو أول كل شيء وآخر كل شيء، يزول كل شيء ولا يزول وليس معه أحد في كونه ظاهرًا أو باطنًا. ولم يفيد هذه الصفات بشيء، ولا بإضافة ولا بوصف أو أي تقييد آخر، وذلك للدلالة على أنه الأول المطلق والآخر المطلق، والظاهر المطلق والباطن المطلق، لا بحسب شيء من الأشياء. لقد دلت هذه الآيات على إبطال الشرك، فليس معه شريك، كما دلت على أنه الغني المطلق فلا يحتاج إلى شيء لأنه كان قبل كل شيء، وأنه الخالق وأنه القادر، ودل قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} على علمه المطلق فهو الإله الحق.جاء في (التفسير الكبير): "أنه الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء ... وأنه ظاهر بحسب الدلائل، وأنه باطن الحواس محتجب عن الأبصار ... وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر: هو الغالب العالي على كل شيء، ومنه قوله تعالى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} اي غالبين عالين ... وهذا معنى ما روي في الحديث( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء). وأما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن، كما يقول القائل: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم أحواله الباطنة" (1).وجاء في (الكشاف): "{وَالظَّاهِرُ } بالأدلة الدالة عليه {وَالْبَاطِنُ} لكونه غير مدرك بالحواس ... وقيل (الظاهر) العالي على كل شيء الغالب له، من: ظهر عليه إذا علاه وغلبه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، وليس بذاك" (2). وجاء في (البحر المحيط): "{هُوَ الْأَوَّلُ} الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة ... وقيل: الأول الذي كان قبل كل شيء ... (الظاهر) العالي على كل شيء الغالب له، من: ظهر عليه، إذا علاه وغلبه، و(الباطن) الذي بطن كل شيء، أي علم باطنه" (3). وجاء في (التحرير والتنوير): في قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ} أنه "لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلق (بكسر اللام) ولا ما يدل على متعلق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد. ويرادف هذا الوصف في اصطلاح المتكلمين صفة (القدم). واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغنى المطلق، وهي عدم الاحتياج إلى المخصص، أي مخصص يخصه بالوجود بدلًا من العدم، لأن (الأول) هنا معناه: الموجود لذاته دون سبق عدم، وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر، ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود؛ لأنه لو كان غير الله واجبًا وجوده لما كان الله موصوفًا بالأولية ... فلذلك تثبت له الوحدانية ... فلما تقرر أن كونه (الأول) متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه بـ (الآخر) متعلقًا بانتقاض ذلك الوجود، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض" (4). {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي المحيط علمه بكل شيء وأنه وسع كل شيء علمًا. وقال: (عليم) ولم يقل: (عالم) للدلالة على بالغ علمه وسعته. ومن دقيق الاستعمال القرآني وطريفة أنه خصص اسم الفاعل (عالم) بعلم الغيب مفردًا والشهادة مفردة فيقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أو {عَالِمُ الْغَيْبِ} ولم يذكر مرة لفظ (عالم) مع الجمع، فإذا جمع الغيب أتى بـ (علام) الدال على المبالغة والكثرة فيقول: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}، فخصص اسم الفاعل (عالم) بالمفرد، وقرن صيغة المبالغة (علام) بالجمع، فهو يقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ} وذلك في ثلاثة عشر موضعًا (5)، وقال: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} في أربعة مواضع من القرآن الكريم (6). فناسب بين الصيغة ومتعلقها. بل إنه خصص لفظ (عالم) بعلم الغيب أو علم الغيب والشهادة، وخصص (علام) بجمع الغيب فلم يستعمله مع غيره. أما (عليم) فقد أطلق استعماله فلم يقيده بمعلوم معين، بل يذكره مع جميع المعلومات، فهو يقول مثلًا: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29، 231]، {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95، 246]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]، أو يطلق الاسم الكريم فلا يخصصه بشيء وذلك نحو {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 127]، {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 247، 268، آل عمران: 73]. ومن الملاحظ أيضًا أنه حيث ذكر اسمه (العليم) فإما أن يطلقه كما ذكرنا فلم يقيده بشيء نحو {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أو {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، أو أن يجعله محيطًا بكل شيء نحو {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أو {بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} . أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجمع وذلك نحو قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95، 246]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] فاستعمله مع الجمع. ونحو {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] فقد جمع الصدر. وقوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] فأضاف الكيد إلى ضمير الجمع. أو أن يقول: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215]، ونحو {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273]، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283]. فقد جمع الفاعل فقال (تفعلوا) ولم يقل: (تفعل). ونحوه (تنفقوا) و(تعلمون). ولم يرد استعمال اسم الله (العليم) مع متعلق مفرد أو فعل فاعل مفرد، وهو تناسب لطيف بين المبالغة في الاسم الكريم وكثرة متعلقات الفاعلين. وبهذا يتبين أنه خصص اسمه: (العالم): بعلم الغيب المفرد، أو الغيب والشهادة المفردين. واسمه (العلام): بعلم الغيب مجموعًا فيقول: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}.أما اسمه (العليم): فإنه أطلق فيه العلم بالمعلومات عمومًا ولم يخصصه بنوع من المعلومات ميعن. أو أن يطلق الاسم فلا يفيده بشيء، أو يستعمله مع الجمع أو فعل الجماعة. وأما إذا ذكر اسمه بصيغة الجمع (عالمين) فإنه للتعظيم كما هو معلوم، وهذا من دقيق الاستعمال القرآني وخواصه، وهو من أوضح الأمور على القصد في التعبير القرآني. إن هذه الآية – أعني قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} - مرتبطة بما بعدها ارتباطًا وثيقًا. فقوله: {هُوَ الْأَوَّلُ} مرتبط بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فالذي خلق السماوات والأرض هو الأول. وقوله: (الآخر) مرتبط بقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} وقوله: (الظاهر) مرتبط بقوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فالذي له الملك هو الظاهر الغالب في أحد معنييه، وفي المعنى الآخر مرتبط بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فهي آيات دالة على وجوده سبحانه. وقوله: (الباطن) بمعنى المحتجب الذي لا يدرك، مرتبط بقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، وبمعنى الذي بطن كل شيء، أي علمه مرتبط بقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 331 إلى ص 336. (1) التفسير الكبير 29/210 – 215. (2) الكشاف 4/61 (دار الفكر). (3) البحر المحيط 10/100، (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع). (4) التحرير والتنوير 27/360 – 361 (دار سحنون) (5) انظر على سبيل المثال: الأنعام 73، التوبة 94، 105، سبأ 3، الجن 26. (6) انظر المائدة 109، 116، التوبة 78، سبأ 48. الوقفة كاملة
٤٣٦ {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)} لقد دل قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} على أنه هو المالك لهما، إضافة إلى دلالته على أنه الأول. ودل قوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أنه الملك الحاكم المسيطر، فهو مالك الملك، أي أن الملك هو ملك له، فهو المالك والملك. جاء في (المصباح المنير): "(ملكته) ملكًا من باب ضرب، والملك بكسر الميم: اسم منه، والفاعل: مالك، والجمع: ملاك، مثل كافر وكفار ... وملك على الناس أمرهم: إذا تولى السلطنة، فهو ملك بكسر اللام، وتخفف بالسكون، والجمع ملوك، مثل: فلس وفلوس، والاسم: الملك، بضم الميم" (1). ولما كان كل من الملك والمالك ينبغي أن لا يند عنه شيء في ملكه ذكر أنه {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فكان ذلك الكمال الأعلى في الملك والتملك، فهو لا يند عنه شيء في ملكوته، وإنما يعلم كل شيء عن المسكن والساكن في السماء والأرض. وليس ذلك فقط، وإنما هو يبصر أيضًا ما فيهما، وهذه مرتبة فوق العلم، فإن الفرد قد يعلم عن طريق الإخبار، أما الله سبحانه فهو يعلمه ويشاهده، بل له مرتبة فوق ذلك وهي المعية والمصاحبة، فهو مع عباده أينما كانوا، وهذه مرتبة فوق المشاهدة، وهي مرتبة القرب. بل له مرتبة فوق ذلك أيضًا، وهي أنه بصير بما نعمل ظاهرًا وباطنًا، فهو يعلم عمل كل عامل، ويعلم لم عمله؟ وهذه مرتبة فوق المعية؛ لأنك قد تصاحب إنسانًا وتراه يعمل عملًا ما ولكنك لا تعلم لم فعل ذلك، فذكر أنه تعالى بصير بما يعمل العاملون، وأنه عليم بذات الصدور. فذكر كل مراتب العلم وهي: 1- أنه يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، فهو يعلم الداخل والخارج، والنازل والصاعد. 2- وأنه مصاحب لنا أينما كنا. 3- وأنه مبصر لأعمالنا. 4- وأنه يعلم لم فعلنا ذلك. فاستوفى كل مراتب العلم، فناسب ذلك ختام الآية السابقة وهو قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 337 إلى ص 338. (1) المصباح المنير (ملك) 221. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} قال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} ولم يقل: (ما يولج)، وقال: {وَمَا يَخْرُجُ} ولم يقل: (ما يخرج)، وقال: {وَمَا يَنْزِلُ} ولم يقل: (ما ينزل)، وقال: {وَمَا يَعْرُجُ} ولم يقل: (ما يعرج)، وهذا أدل على العلم؛ لأن الفرد في العادة يعلم ما يفعله هو ولكنه يجهل ما لم يفعله هو، أما ربنا فقد أخبر عن نفسه أنه يعلم ما يلج وما يخرج وما ينزل وما يعرج، وهذا أدل على العلم. وقد ما يلج في الأرض على ما يخرج منها، وقدم ما ينزل من السماء على ما يعرج فيها، فقد ما ينزل وما يلج وأخر ما يخرج وما يعرج، ذلك أن كثيرًا مما ينزل من السماء قد يلج في الأرض ثم يخرج بعد ذلك من الأرض ما يخرج بسببه أو بغيره من الأسباب كالنباتات والينابيع وغيرها، فالو لوج قد يكون سببًا للخروج. والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، فالذي ينزل من السماء قد يلج ف الأرض، والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، وذلك أن قوله: {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} يحتمل معنيين: الأول: أنه يخرج من داخلها كالنباتات والحشرات وغير ذلك، والآخر: أنه يخرج من دائرتها ومحيطها. وبدأ بالأرض وأخر السماء؛ لأن السياق في الكلام على أهل الأرض وهو قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وهي مسكنهم. وقد تقول: لقد قال في سبأ نحو هذا، غير أنه لم يذكر {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، كما أن خاتمة كل من الآيتين اختلفت عن الأخرى، فقد قال في سبأ: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2] فما السبب؟ والجواب: أن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك. 1- فقد قال في سورة الحديد قبل هذه الآية: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] فجاء في الآية التي قبلها بما يدل على علمه تعالى وإحاطته بكل شيء فقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وجاء بعد ذلك قوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} مما يؤكد هذا المعنى. ولم يرد في سياق آية سبأ نحو ذلك، فناسب المجيء بذكر العلم في آية الحديد دون آية سبأ. 2- قال في آية الحديد: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} وهذا مما يدل على المراقبة، ولذا جاء بعدها بما يدل على معرفته بعملنا فقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . وقال في خاتمة الآية في سورة سبأ: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} فختمها بالرحمة والمغفرة، فكأنه أراد أن يرحمهم ويغفر لهم فرفع ذكر المراقبة، ولا شك أن عدم ذكر المراقبة أنسب مع ذكر الرحمة والمغفرة، وأن ذكره أنه بصير بعملنا أنسب مع ذكر المراقبة. 3- أنه ذكر الآخرة قبل الآية فقال: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ} وليست الآخرة وقت عمل أو مراقبة. كما أن الآية بعدها إنما هي في الساعة وهي قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} فلم يذكر المراقبة ولا أنه بصير بما نعمل في هذا السياق. وأما آية الحديد فهي في سياق بداية الخلق، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وهو زمان بداية الأعمال واستمرارها ومراقبتها، بخلاف سياق آية سبأ فإنه في طي صفحة الأعمال والمراقبة، فناسب كل تعبير موطنه. 4- إن جو سورة الحديد تردد فيه ذكر العلم والمراقبة بصور شتى، فقد قال: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الآية: 3]، وقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الآية: 4]، وقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الآية: 4]، {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الآية: 6]، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الآية: 10] {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الآية: 22]، {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} [الآية: 25]. وشاع في سورة سبأ ذكر الآخرة من مثل قوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ} [الآية: 1]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} [الآية: 3]، {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الآية: 4] {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [الآية: 5]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الآية: 7]، {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} [الآية: 8] {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} [الآية: 21]، {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [الآية: 23]، {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [الآية: 26]، {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الآية: 29] {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ} [الآية: 30]، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ ....} [الآيات: 31 - 33]، {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الآيتان: 37 - 38]، {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ....} [الآيات: 40 - 42]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} [الآيات: 51 - 54]؛ فناسب كل تعبير موطنه. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قدم {بِمَا تَعْمَلُونَ} على (بصير)؛ ذلك لأنه وردت بعد قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} فقدم ما يتعلق بهم وهو عملهم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 338 إلى ص 341. الوقفة كاملة
٤٣٧ {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)} {يَوْمَ يَقُولُ ....} بدل من {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ ....} (1)ويجوز أيضًا أن يكون منصوبًا على تقدير (اذكر) (2) وذكر المنافقين والمنافقات ليدل على أن كل فرد من الجنسين ينال جزاءه ولا يشفع لأحدهما قرابة، فلا تغني المؤمنة عن قريبها المنافق أو قريبتها المنافقة، ولا المؤمن عن قريبه أو زوجته المنافقة. ولا تقول المنافقة إني كنت تبعًا لزوجي أو أخي أو أبي، فإن كل واحد مسؤول عن نفسه وعما قدّم أو أخر. {انْظُرُونَا} أي انتظرونا، غير أنهم لم يقولوا: (انتظرونا) لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء، والمؤمنون يسرعون أو يسرع بهم إلى الجنة، فطلبوا انتظارا قليلاً أو تمهلاً قليلاً، وقد أدركوا أنهم لو طلبوا انتظارًا لم يجابوا. ولو كان في الوقت فسحة لساغ طلب الانتظار، كما في قوله تعالى: {فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [يونس: 102] فقال {فَانْتَظِرُوا}، وقال: {إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} لأن في الوقت متسعًا. جاء في (نظم الدرر): "وكأن الفعل جرد في قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز بغاية ما توصل المقدرة إليه خوف الفوت؛ لأن المسؤولين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف" (3). قيل: ويجوز أن يكون المعنى (انظروا إلينا) "لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به" (4). {نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} أي "نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به" (5)، وقالوا: (نقتبس) ولم يقولوا: (نأخذ) لأن الاقتباس لا ينقص من المقتبس منه، بخلاف الأخذ فإنك إذا اقتبست من النار فإن ذلك لا ينقصها بخلاف ما إذا أخذت منها، والمعنى نستفد منه فلا ينقص فانظرونا. وقالوا: (نقتبس) ولم يقولوا: (نقبس)؛ لأن الاقتباس أبلغ من القبس، وذلك دليل على عظم نور المؤمنين وهو لا ينقص بالاقتباس. وقالوا: {مِنْ نُورِكُمْ} ولم يقولوا: (من النور الذي معكم) للدلالة على أنه نورهم هم، قيل: "يعطى يوم القيامة كل أحد نورًا على قدر عمله ... ثم على ذلك تغشاهم ظلمة فتطفئ نور المنافقين، فهنالك يقول المنافقون: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} كقبس النار" (6). {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} لم يقل: (قالوا) بل (قيل): "ويظهر من إسناد (قيل) بصيغة المبني للمجهول أن قائله غير المؤمنين المخاطبين، وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين. وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكمًا، إذ لا نور وراءهم" (7). و(وراءكم) إما أن يكون ظرفًا مؤكدًا، فإن الرجوع إنما يكون إلى الوراء، وإما أن يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون أيضًا مؤكدا لفعل الأمر (8). {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} قيل: الباء في (بسور) زائدة للتوكيد، والتقدير: ضُرب بينهم سور (9)، وقيل: ضمن (ضرب) معنى (حجز) أي حجز بينهم بسور ولذلك عدي بالباء "أي ضرب بينهم سور للحجز به بين المنافقين والمؤمنين" (10)، والسور: هو ما أحاط بالشيء من بناء وغيره. وقال: {لَهُ بَابٌ} لئلا يظن أن المؤمنين محتجزون فيه، وإنما ينفذون منه إلى مرادهم وهو الطريق إلى الجنة والله أعلم. فالمنافقون لا يتمكنون من الدخول فيه ليلتقوا بالمؤمنين، والمؤمنون يتمكنون من الخروج منه. ووصف السور بأن باطنه فيه الرحمة وهي الجهة التي فيها المؤمنون، وأن ظاهره يأتي العذاب من جهته للمنافقين ولمن حقت عليه كلمة العذاب. وهذا السور - كما ترى - يخالف باطنه ظاهره، كما أن المنافقين يخالف باطنهم ظاهرهم، فهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وذلك السور باطنه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وهو تناظر لطيف بين السور والمنافقين في اختلاف الباطن عن الظاهر. {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} استعمل الفعل (ينادونهم) وقد استعمل قبل قليل الفعل (يقول)؛ ذلك لأنه صار بينهم حاجز فاحتاجوا إلى رفع الصوت للنداء. {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} ولم يقولوا: (ألم نكن منكم) لأنهم كانوا معهم ولم يكونوا منهم، ولذلك أجابوهم بـ (بلي)، ولو قالوا: (ألم نكن منكم) لأجابوهم بكلاّ. {قَالُوا بَلَى} ولم يقل: (فنادوهم بلى) ذلك أنه حيث استعمل القرآن الفعل (نادي) أو متصرفاته يكون الجواب بفعل القول، وذلك نحو قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ} [هود: 42 – 43]. {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي أوقعتموها في الفتنة. واختيار هذا الفعل اختيار رفيع، فإن (فتن) له معان كثيرة، أكثرها مراد هنا. فمن معانيه: إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته. وأنتم وضعتم أنفسكم في هذا الموضع ففتنتم أنفسكم وبانت رداءتكم وخسة معدنكم. ومن معانيه: الامتحان والاختبار، وقد وضعتم أنفسكم في هذا الموضع أيضًا فأوقعتم أنفسكم في الفتنة والاختبار والامتحان؛ لأنكم أظهرتم الإيمان وأبطنتم الكفر، فتقولون للمؤمنين: نحن معكم، وتقولون للكافرين: إنا معكم، ولا شك أن كل فريق يختبركم ويمتحنكم ليتبين أأنتم معه أم عليه. ثم إن هذا الأمر يحتاج إلى موازنة الموقف وإظهار تعامل خاص لكل فريق، وهذا امتحان أيضًا لبيان القدرة على السلوك المتناقض الذي يرضي الطرفين المتباينين، فأنتم وضعتم أنفسكم تحت الاختبار والمراقبة من كل فريق ومن أنفسكم أيضًا. ومن معانيه: الشدة والتعذيب، ومنه قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191]، وقوله: {فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ} [يونس: 83] أي يعذبهم. وأنتم فتنتم أنفسكم فأوقعتموها في الشدة والتعذيب في الدنيا والآخرة بالتربص والخوف ومحاولة إخفاء الحقيقة بصورة مستمرة ولجوئكم إلى الكذب والمراوغة واختلاق المعاذير، وفي الآخرة أنتم كما ترون. ومن معانيه: إدخال الإنسان النار (11)، قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات: 13 - 14] وأنتم فتنتم أنفسكم في الدنيا والآخرة وأوقعتموها في المحنة والعذاب وأدخلتموها النار، فأنتم الذين فتنتم أنفسكم في الدنيا والآخرة وأوقعتموها في المحنة والعذاب وأدخلتموها النار، فأنتم الذين فتنتم أنفسكم. جاء في (الكشاف): "{فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ}: محنتموها بالنفاق وأهلكتموها" (12). {وَتَرَبَّصْتُمْ} وتربصهم مطلق، فهم كانوا يتربصون بالمؤمنين الدوائر ليتمكنوا من إعلان كفرهم صراحة، وكانوا أيضًا يتربصون ظهور أحد الفريقين وانتصاره ليعلنوا أنهم كانوا معه، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء : 141]. فالفتنة هذه تقتضي التربص للانتفاع من كل فريق، وهذا التربص يفضي إلى الريبة فيمن سيفوز ويربح ليعلنوا أنهم معه، فقال: (وارتبتم) أي شككتم في أمر محمد وهل هو على حق، وارتبتم فلا تعلمون أي فريق سيغلب. ولما لم يتبين لكم الأمر على حقيقته (غرتكم الأماني) وخدعتكم وقلتم: لعله سيُغلب محمد، وبقيتم في هذه التمنيات الخادعة حتى جاءكم أمر الله وهو الموت. هذا علاوة على ما خدعكم به الشيطان وغركم بالله وقال لكم: إن الله سيغفر لكم ولا يعذبكم (13)، فغرتكم أماني أنفسكم والشيطان. إن هذه المذكورات مرتبة ترتيبًا منطقيًا يفضي أحدها إلى الآخر، فهم فتنوا أنفسهم بأن أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر فكان عليهم التربص والانتظار، وبذا كان التربص من أثر الفتنة والاختبار. ثم لما طال التربص ولم تظهر له نتيجة حاسمة داخلتهم الريبة والشكوك فيمن سيظهر ويغلب. وبعدها جاء دور الأماني الخادعة تغرهم وتمنيهم. ثم إن الشيطان ولج لئلا تصحو ضمائرهم ويخافوا بطش الله فغرهم بالله وهون عليهم الأمر. واستمروا على ذلك حتى جاء أمر الله ورحلوا عن الدنيا منافقين مغرورين من أنفسهم ومن الشيطان فسوف يلقون غيًّا. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 359 إلى ص 365. (1) تفسير الرازي 29/224. (2) انظر روح المعاني 27/176. (3) نظم الدرر 7/444. (4) الكشاف 4/63، وانظر تفسير الرازي 29/225، روح المعاني 27/176. (5) الكشاف 4/63. (6) تفسير الرازي 29/226. (7) التحرير والتنوير 27/382. (8) انظر روح المعاني 27/177. (9) ينظر تفسير الرازي 29/227، روح المعاني 27/177. (10) التحرير والتنوير 27/383. (11) انظر المفردات في غريب القرآن (فتن). (12) الكشاف 4/63. (13) انظر الكشاف 4/63، تفسير الرازي 29/227، البحر المحيط 10/106. الوقفة كاملة
٤٣٨ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)} {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} (يأني) مضارع (أنى)، ومعنى (أنى) حان ونضج، و{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} معناه ألم يحن لهم ذلك؟ {أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} أسند الخشوع إلى القلوب، والخشوع أمر مشترك بين القلب والجوارح، فهو يسند إلى الأبصار وإلى الوجوه وإلى الأصوات فيقال: بصر خاشع ووجه خاشع وصوت خاشع، كما يسند إلى الشخص كله فيقال: رجل خاشع أي خاضع، كما قال تعالى: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء : 90]، وقال: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} [الشورى: 45]. والخشوع هو الخضوع والخشية والذل، فخشوع القلب خضوعه وخشيته ووجله وتذلله، فطلب من المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، وذكر الله عام، وما نزل من الحق هو القرآن، وكل منهما مدعاة إلى الخشوع والخشية. فذكر الله مدعاة إلى الخشوع والخشية كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2]، وقال: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 34 – 35]. والقرآن مدعاة إلى الخشية والوجل كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109]، وقال: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21]، وقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]. والقرآن ذكر وقد سماه الله ذكرًا، فقد حكى عن الكفار قولهم: {أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 8]، وقال: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: 99]، وقال: {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} [الطلاق: 10]، وقال: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50]. فإذا كان علماء أهل الكتاب يزيدهم القرآن خشوعًا، وإذا كان الجبل يتصدع منه خاشعًا لله فكيف لا يخشع قلب المؤمن له؟ لقد ذكر ثلاثة أمور كل منها يستدعي الخشية: 1-كون المخاطبين مؤمنين، وهذا يستدعي الخشية. 2- ذكر الله، وهو مدعاة إلى الخشية. 3- ما نزل من الحق أي القرآن، وهو مدعاة إلى الخشية. وهذه الآية نظير قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] (۱) فقد ذكر فيها ذكر الله وذكر آياته. وقد تقول: إذا كان المراد خشوع القلب فلم لم يقل مثلاً : (ألم يأن لقلوب المؤمنين أن تخشع لذكر الله) أو (ألم يأن أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله) ونحو ذلك، وقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}؟ والجواب: أن ذلك لجملة أسباب. منها: أنه حذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب وليس كقلوب الذين أوتوا الكتاب فقال: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فناسب أن يكون الكلام على المؤمنين بمقابل الذين أوتوا الكتاب. ومنها: أنه قال: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} وهذا وصف للأشخاص لا للقلوب، فأراد أن يحذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب في قسوة القلوب وفسق كثير منهم. فناسب قوله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} أن يكون بمقابل (الذين أوتوا الكتاب). ومنها: أنه ذكر المؤمنين وقلوبهم، وذكر أهل الكتاب وقلوبهم، فناسب ذلك ألطف مناسبة. وقال: {أُوتُوا الْكِتَابَ} ولم يقل: (أتيناهم الكتاب) لأنه في مقام الذم لهم. ومن سمة التعبير القرآني أنه إذا ذم أهل الكتاب بنى الفعل للمجهول فقال: {أُوتُوا الْكِتَابَ} وإذا مدحهم أسند الفعل إلى نفسه تعالى فقال: {آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} (2). {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} بين أن طول الأمد يقسي القلوب فحذرنا من أن نكون كذلك، فإنه ينبغي أن نتعهد قلوبنا وألا ندع للقسوة سبيلاً إليها. وفي ذكر الله وما نزل من الحق غناء وكفاية لحياة القلوب وخشوعها. وأسند القسوة إلى القلوب وذلك بمقابل إسناد الخشوع إلى القلوب أيضًا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لم يسند القسوة في القرآن الكريم إلا للقلوب ولم يسندها إلى غيرها، قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]، وقال: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام: 43]، وقال: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13]، وقال: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22] وغيرها. وذلك أنه إذا قسا القلب قسا صاحبه وإذا خشع القلب خشعت الجوارح. وقد تقول: ولم قال: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ} فذكر {مِنْ قَبْلُ}، ولم يقل: (كالذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد) من دون أن يذكر (من قبل)؟ والجواب: أنه لو قال ذلك لم يدل على أن الأولين قست قلوبهم، بل لربما دل على أن المعنيين هم المعاصرون لزمن الرسول، فلما قال: {مِنْ قَبْلُ} دل على أن آباءهم الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فما بالك بهؤلاء وقد تطاول عليهم الزمن؟ فذمهم وذم أسلافهم، بخلاف ما لو حذف {مِنْ قَبْلُ} ثم إنه حذرهم من أن يكونوا كأولئك الأولين فما بالك بالآخرين؟ فيكون التحذير عن التشبه بهؤلاء أشد وأشد. {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} ذكر أن كثيرًا منهم فاسقون خارجون عن طاعة الله. ومجيء هذا القول بعد قوله: {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} يدل على أن قسوة القلب من أسباب الفسوق ودواعيه، وبالمقابل يكون خشوع القلب من أسباب الطاعة ودواعيها. وقد تقول: لقد قال في أكثر من موطن: إن أكثرهم فاسقون بصيغة اسم التفضيل، وقال ههنا: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} فما حقيقة الأمر؟ أإن كثيرًا منهم فاسقون أم إن أكثرهم فاسقون؟ وما السبب في هذا الاختلاف في التعبير؟ والجواب: أنه لا تناقض بين قوله: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} وقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}. فقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} يعني أن كثيرًا منهم فاسقون، وإنما التناقض يكون لو قال: (إن قليلاً منهم فاسقون) أو (إن أقلهم فاسقون). فقولك: (محمد أفضل الناس) لا يناقض قولك: (إنه فاضل)، وقولك: (هو أعلم الناس) لا يناقض قولك: (هو عالم)، ولكنه يناقض قولك: (هو أجهل الناس) أو (هو جاهل). أما لماذا عبر عن ذلك مرة بقوله: (كثير) ومرة بـ (أكثر) فهذا ما يقتضيه سياق كل تعبير. فإنه يعبر بـ (أكثر) إذا كان السياق في تعداد أسوأ صفاتهم والإطالة في ذكرها، بخلاف الوصف بـ (كثير) فإنه لا يبلغ ذلك المبلغ، وإليك إيضاح ذلك: لقد جاء الوصف بـ (أكثر) في موضعين وهما قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59]، وقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] وبالنظر في سياق كل من الآيتين يتضح ما ذكرته. فقد جاء في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .....} ويستمر في تعداد مساوئهم إلى الآية الخامسة والستين [57 – 65] فناسب قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}. وكذلك الأمر في آل عمران، فقد ذكر أهل الكتاب ومساوئهم وأعاد ذكرهم وذكرها أكثر من مرة. من ذلك ما ذكره من الآية الخامسة والستين إلى الآية الثامنة والسبعين، ومن الآية الثامنة والتسعين إلى الآية الواحدة بعد المائة، ومن الآية العاشرة بعد المائة إلى الآية الخامسة عشرة بعد المائة عدا المواطن الأخرى المنتشرة في السورة، فناسب أن يذكر ذلك بقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 372 إلى ص 377. (1) انظر الكشاف 4/64. (2) انظر معاني النحو 2/92 وما بعدها. {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أمرنا بأن نعلم هذا الأمر، أي أن الله هو الذي يحيي الأرض بعد موتها وأنه ما كانت لتحيا لولا أن الله يحييها، فهي لا تحيا من الماء بنفسها ولا أن ذاتًا أخرى دونه أو معه قادرة على ذلك، فالله هو الذي يحيي الأرض بعد موتها. ووجه ارتباط الآية بما قبلها ظاهر من جهتين؛ ذلك أنها تمثيل لأثر الذكر والقرآن في القلوب، فإن يحييها كما يحيي الغيث الأرض (1). جاء في (روح المعاني): أن قوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} "تمثيل ذكر استطرادًا لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث، للترغيب في الخشوع والتحذير من القساوة" (2). ومن جهة أخرى أن هذه الآية تدل على بعث الأموات وأن الله سيحييهم ويبعثهم كما يحيي الأرض. وقد مر قبل هذه الآية ذكر الآخرة وجملة من مشاهدها. وهي كما ترتبط بما قبلها من جهتين ترتبط بما بعدها من جهتين أيضًا. فإنه ذكر بعد هذه الآية أن المصدقين والمصدقات يضاعف لهم، وذلك شأن الأرض التي تحيا بالغيث فإنها تضاعف ما يزرع فيها. وقد ذكر الله ذلك في مكان أخر فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]. كما أنه ذكر الآخرة بعدها وطرفًا من أحوالها، فارتبطت الآية بما قبلها وما بعدها والله أعلم، جاء في (تفسير الرازي): "أن قوله هذا "تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، والثاني أن المراد من قوله: {يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} بعث الأموات، فذكر ذلك ترغيبًا في الخشوع والخضوع وزجرًا على القساوة" (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 377 إلى ص 378. (1) انظر الكشاف 4/64. (2) روح المعاني 27/181. (3) تفسير الرازي 29/231. الوقفة كاملة
٤٣٩ {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)} أجمل حقيقة ما يعيشه الناس في هذه الحياة بما ذكر في الآية. وقد رتب هذه الأشياء بحسب ترتيبها في حياة الناس مبتدئًا باللعب واللهو منتهيًا بالجد. فبدأ باللعب وهو ما يقع في دور الطفولة والصبا. هذا هو الأصل وإن كان يطلق اللعب أحيانًا على نقيض الجد كقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65]، وقوله: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [الزخرف: 83]، وقوله: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} [الدخان: 9]، وقوله: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء: 55]. ثم ذكر اللهو وهو ما يكون في دور الفتوة والشباب. ثم إن اللهو أعم من اللعب، فاللهو يقع للصغير والكبير. ثم ذكر الزينة وهو مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن. وذكر بعدها التفاخر وهو أكثر ما يكون من شأن الرجال فيفتخرون بمآثر أفعالهم وأحسابهم وأنسابهم ومآثر آبائهم وأجدادهم. ثم يأتي بعد ذلك دور التكاثر في الأموال والأولاد وهو التباري في جمعها، وهو المقصد الأهم في الحياة، إذ بالمال والأولاد تدوم الحياة وبهما ينشغل الناس وفيهما يجدون. أما ما قبلها من الأمور فهي ليست بتلك المنزلة والمكانة. وقد الأموال على الأولاد لأن التكاثر في الأموال أكثر، وختم بالأولاد لأنهم أجل ما ذكر ولهم يترك المال. جاء في (نظم الدرر): "لعب: أي تعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان، ولهو أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك عظم ما يلهي في الدنيا فقال: (وزينة) أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان، وأتبعها ثمرتها فقال: (وتفاخر) أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض" (1). وجاء في (تفسير الرازي): "المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة... ثم إنه وصفها بأمور: (أولها) أنها لعب وهو فعل الصبيان الذي يتبعون أنفسهم جدًا، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة. و(ثانيها) أنها لهو، وهو فعل الشبان... و(رابعها) تفاخر بينكم بالصفات الفانية الزائلة" (2). وجاء في (التحرير والتنوير): "وهي أيضًا أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم. فإن اللعب طور سن الطفولة والصبا، واللهو طور الشباب، والزينة طور الفتوة، والتفاخر طور الكهولة، والتكاثر طور الشيخوخة... واللعب هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب، ويتفاوت غيرهم في الإتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإنسان وفي رجاحة العقول وضعفها. والإفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل، ولذلك قال قون إبراهيم له: {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} ....واللهو اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس بخ وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد، يقال: لها عن الشيء، أي تشاغل عنه... ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره، ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب. والزينة: تخسين الذات أو المكان بما جعل وقعه عند ناظره مسرًا له، وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم، وذلك في طباع النساء أشد... ويغلب التزيين على أحوال الحياة، فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة... والتفاخر: الكلام الذي يفخر به، والفخر: حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل، وصيغ منه زنة التفاعل لأن شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف (بينكم)... والتكاثر: تفاعل من الكثرة، وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء... ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه" (3). وقد اقتصر في مواضع أخرى من القرآن الكريم على اللعب واللهو ولم يذكر الزينة وما بعدها، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32]. وقال: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} [محمد: 36]. وقال: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]. فاقتصر كما ترى على اللعب واللهو؛ ذلك لأن ما ذكره في آية الحديد من زينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد قد يندرج تحت اللهو. فالزينة قد تلهي، والتفاخر قد يلهي، والتكاثر في الأموال والأولاد قد يلهي، فقد سمى الله المال والبنين زينة فقال: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون: 9]، وقال: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 1 - 2]. وتندرج كثير من أمور الحياة في معنى اللعب بمعناه الواسع، وهو ما كان نقيض الجد وما لا يقصد به من الأعمال قصدًا صحيحًا كما ورد في القرآن مما سماه لعبًا. ولما فصل في آية الحديد في حقيقة الحياة الدنيا فصل في وصفها وعاقبتها، ولما أجمل في الآيات الأخرى لم يذكر شيئًا آخر يتعلق بها وإنما ذكر الآخرة أو أمورًا أخرى لا تتعلق بوصف الحياة. وقدم اللعب على اللهو فيما مر من الآيات إلا في آية واحدة قدم فيها اللهو على اللعب وهو قوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] وذلك لأن السياق يقتضي هذا التقديم، ذلك أنه تقدم الآية قوله: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} والرزق مدعاة إلى الالتهاء به والمشغلة لجمعه لا إلى اللعب، ولذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} فالذي بسط له رزقه ملتٍه بجمعه والذي قدر عليه رزقه ملتٍه بالحصول عليه. ثم قال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] ومع معرفتهم وإقرارهم بذاك التهوا بالدنيا عن الله وعبادته وعن الآخرة، فناسب تقديم اللهو. ولم يتقدم آية الأنعام ولا آية محمد ما يدعو إلى اللهو فكان تقديمه في آية العنكبوت أنسب. {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} شبه الحياة الدنيا بغيث أعجب الكفار نباته. والكفار هم الكافرون بالله الجاحدون لنعمه. وقال بعضهم: إن الكفار هم الزراع؛ لأن الزراع قد يسمى كافرًا؛ لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض، أي يغطيه (4). ويترجح عندي المعنى الأول، فإن الكافرين هم الذين يغترون بالدنيا وهم أشد إعجابًا بها وبزينتها. ولا مانع من أن يكون المعنيان مقصودين، فإنه من التوسع في المعنى الذي يراعيه القرآن كثيرًا. وقد ذكر القرآن الزراع باسمهم في سورة الفتح حين وصف أصحاب محمد فقال: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]. واخيار الزراع هنا أنسب، كما اختيار الكفار هناك أنسب، ذلك أن التشبيه في سورة الفتح وقع لصورة محمودة فناسب ذكر الزراع لا الكفار، بخلاف ما في سورة الحديد. ثم إنه قال في آية الفتح: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} فلا يناسب أن يقول: يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار. ثم إنه قال: (الزراع) في آية الفتح للدلالة على أنه زرع مقصود؛ لأن الزراع يزرع ما ينتفع وينتفع به الآخرون، بخلاف ما ذكر في آية الحديد فإنه قال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} وهو ما يخرج بسبب المطر من أنواع مختلفة، منها ما لا فائدة فيه للإنسان ومنها الأدغال والحشائش، فكان كل تعبير في مكانه أنسب. {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} ذكر مآل الزرع وناسب ذلك الزينة والأموال فذكر زوالهما وذهابهما وذلك شأن الدنيا. لقد قال: {فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} ولم يقل: (ثم يكون مصفرًا). كما قال: {ثُمَّ يَهِيجُ} و {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} بإسناد الفعل إلى النبات. أي يراه الناظر مصفرًا وذلك للدلالة على زوال الزينة وذهابها، فإن الزينة تتعلق بالناظر كما قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16]، ومن ناحية أخرى ليدل على موطن العبرة والاتعاظ فإن ذلك يحصل بالرؤية. وقال: {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} أي هذا مآله، ولم يقل: (ثم تراه حطامًا) فلم يعلق ذلك بالرؤية، وإنما أراد أن يبين أنه يكون كذلك، إذ ربما يكون الشيء غير ذي زينة للناظر ولكنه ثمين نافع وهو من كرائم الأموال، فقال: {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} فيذهب المال ويزول فلا يبقى مال ولا تكاثر ولا تفاخر ولا زينة لأن الحطام ليس مالًا ولا يتفاخر أو يتكاثر به. بل سيذهب اللعب واللهو معه، فإن الذي لم يبق له إلا الحطام لا يلعب ولا يلهو، وكيف يلهو ويلعب وقد أصبح ما لدية حطامًا؟ وقد تقول: ولم لم يقل: (ثم يجعله حطامًا) كما قال في سورة الزمر؟ والجواب: إن السياق مختلف في الآيتين. ففي آية الزمر الأفعال مسندة إلى الله، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21]، فالله هو الذي أنزل من السماء ماء، وهو الذي سلكه ينابيع في الأرض، وهو الذي أخرج به الزرع، فناسب أن يقول: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} لأن الذي أخرجه هو الذي يجعله حطامًا. وليس كذلك التعبير في آية الحديد، فإنه قال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} فلم يسند حدثًا إلى نفسه سبحانه، فناسب كل تعبير موضعه. {وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} قدم العذاب على المغفرة لأنه ذكر قبله اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر مما ليس محمودًا على العموم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن العذاب يسبق المغفرة والرضوان، فعذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء وقبل الدخول في الجنة والنار. وورود النار لجميع الخلق قبل الدخول في الجنة كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] ومن الناس من يعذب أولًا ثم يدخل الجنة. ووصف العذاب بأنه شديد. وذكر أن المغفرة والرضوان من الله، ولم يذكر مثل ذلك في العذاب للدلالة علة سعة رحمته، وقدم المغفرة على الرضوان لأنها أسبق منه وهي قبله، جاء في (روح المعاني): "{وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا، و(مغفرة) عظيمة ( من الله ورضوان) عظيم لا يقادر قدره. وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب ( لن يغلب عسر يسرين). وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضًا" (5). وقال: (مغفرة) ولم يقل: (غفران)؛ ذلك أن كلمة (غفران) لم ترد في القرآن الكريم إلا في موطن واحد لمعنى واحد وهو طلب المغفرة من الله وهو قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]. وأما المغفرة من الله فتأتي في غير الطلب كالإخبار بها والدعوة إليها وغير ذلك. قال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 221] وقال: {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268]، وقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6]. وقد تكون المغفرة من غير الله، قال تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} [البقرة: 263]. وقال: (رضوان) ولم يقل: (مرضاة) لأن الرضوان معناه "الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى" (6).قال تعالى: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 162]، وقال: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21]، وقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} [التوبة: 109]. وأما المرضاة فإنها تستعمل له ولغيره، قال تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1]، وقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة: 207]. ثم إن (المرضاة) لم تستعمل إلا في ابتغاء الرضا، وأما الرضوان فهو عام يستعمل في ابتغاء الرضا وغيره، قال تعالى في المرضاة: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة: 265]، وقال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]. وقال في الرضوان: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21] وهذا في غير ابتغاء الرضا. وقال في ابتغاء الرضا: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27]، وقال: {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29] ومن هذا يتبين أن المغفرة: 1- تستعمل في المغفرة من الله وغيره، فهي عامة من حيث الغافر. 2- انها عامة في غير الطلب، فهي عامة من حيث الدلالة بخلاف (الغفران) فإنه خاص بمعنى واحد وهو طلب المغفرة، وخاص في الغافر وهو الله. وأن المرضاة: 1- خاصة في ابتغاء الرضا، فهي لم تستعمل في غيره. 2- وأنها عامة في المبتغى منه الرضا، فهو الله أو غيره. وأن الرضوان: 1- خاص في أنه من الله. 2- عام في ابتغاء الرضا وغيره، فهو عام من حيث الدلالة. فخصص المغفرة وقال: {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ} لتقابل الرضوان؛ لأن الرضوان مخصص في كونه من الله. وكلاهما مطلق من حيث الدلالة، فتناظرا من حيث كونهما خاصين بالله، عامين من حيث الدلالة. والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 384 إلى ص 393. (1) نظم الدرر 7/452. (2) تفسير الرازي 29/233 – 234. (3) التحرير والتنوير 27/401 – 403. (4) انظر تفسير الرازي 29/235، الكشاف 4/65. (5) روح المعاني 27/185. (6) مفردات الراغب، مادة (رضي). الوقفة كاملة
٤٤٠ {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)} هذا وصف آخر للذين لا يحبهم الله، وهم الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله، لا يكتفون بذاك بل يأمرون الناس بالبخل، ولعل من دواعي ذلك أنهم لا يريدون أن يذكر غيرهم بخير فيتساوون في الوصف فلا يكون أحد أفضل من أحد، كما أخبر ربنا عن المنافقين بقوله: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89]. و{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بدل على رأي الأكثرين لاختلاف التابع والمتبوع تعريفًا وتنكيرًا، ونعت عند من يجيز أن تنعت النكرة المخصصة بالمعرفة، نظير قولهم في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ } [الهمزة: 1 - 2]. ومن يتول عما أمر الله به فإن الله غني عنه. وقال: {هُوَ الْغَنِيُّ} ولم يقل: (غني) لأنه لا غنى على الحقيقة سواه، فعرف الوصف بأل وجاء بضمير الفصل للدلالة على الحصر. وقد تقول: لقد قال الله في مكان آخر: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12] فلم يعرف الغني فما السبب؟ فنقول: إن السياق في كل من الآيتين مختلف، فإنه لم يذكر في سياق آية لقمان ملكًا له ولم يذكر أنه آتى الناس شيئًا فلم يعرف الغني. أما في سياق هذه الآية فإنه ذكر أنه هو الذي آتانا فقال: {وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ} فإذا كان الإنسان يرى أنه استغنى أو يرى أنه غني فذاك مما آتاه الله، فالله إذن هو الغني وحده. وهذه الآية في التوكيد والقصر نظير قوله في سورة لقمان: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الآية: 26] فإنه لكا ذكر ملكه وأن له ما في السماوات والأرض أكد غناه وقصره عليه فعرف الغني وجاء بضمير الفصل. ولم يكتف بوصف ذاته العلية بالغني بل قال: {هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فهو المحمود في غناه والمحمود في صفاته كلها على جهة الثبوت. وهو تعريض بالأغنياء المذمومين الذين لا يحمدهم أحد ولم يأتوا في غناهم بما يحمدون عليه. جاء في (الكشاف): "{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بدل من قوله: {كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} كأنه قال: (لا يحب الذين يبخلون) يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالًا وحظًا من الدنيا، فلحبهم له وعزته عندهم وعظمه في عيونهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبونهم في الإمساك ويزينوه لهم، وذلك كله نتيجة فرحهم وبطرهم عند إصابته، {وَمَنْ يَتَوَلَّ} عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته هما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن الله غني عنه" (1). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 405 إلى ص 406. (1) الكشاف 4/66. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 431 إلى 440 من إجمالي 1052 نتيجة.