أسرار بلاغية
| ٣٣١ | {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)} {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} (يأني) مضارع (أنى)، ومعنى (أنى) حان ونضج، و{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} معناه ألم يحن لهم ذلك؟ {أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} أسند الخشوع إلى القلوب، والخشوع أمر مشترك بين القلب والجوارح، فهو يسند إلى الأبصار وإلى الوجوه وإلى الأصوات فيقال: بصر خاشع ووجه خاشع وصوت خاشع، كما يسند إلى الشخص كله فيقال: رجل خاشع أي خاضع، كما قال تعالى: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء : 90]، وقال: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} [الشورى: 45]. والخشوع هو الخضوع والخشية والذل، فخشوع القلب خضوعه وخشيته ووجله وتذلله، فطلب من المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، وذكر الله عام، وما نزل من الحق هو القرآن، وكل منهما مدعاة إلى الخشوع والخشية. فذكر الله مدعاة إلى الخشوع والخشية كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2]، وقال: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 34 – 35]. والقرآن مدعاة إلى الخشية والوجل كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109]، وقال: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21]، وقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]. والقرآن ذكر وقد سماه الله ذكرًا، فقد حكى عن الكفار قولهم: {أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 8]، وقال: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: 99]، وقال: {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} [الطلاق: 10]، وقال: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50]. فإذا كان علماء أهل الكتاب يزيدهم القرآن خشوعًا، وإذا كان الجبل يتصدع منه خاشعًا لله فكيف لا يخشع قلب المؤمن له؟ لقد ذكر ثلاثة أمور كل منها يستدعي الخشية: 1-كون المخاطبين مؤمنين، وهذا يستدعي الخشية. 2- ذكر الله، وهو مدعاة إلى الخشية. 3- ما نزل من الحق أي القرآن، وهو مدعاة إلى الخشية. وهذه الآية نظير قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] (۱) فقد ذكر فيها ذكر الله وذكر آياته. وقد تقول: إذا كان المراد خشوع القلب فلم لم يقل مثلاً : (ألم يأن لقلوب المؤمنين أن تخشع لذكر الله) أو (ألم يأن أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله) ونحو ذلك، وقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}؟ والجواب: أن ذلك لجملة أسباب. منها: أنه حذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب وليس كقلوب الذين أوتوا الكتاب فقال: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فناسب أن يكون الكلام على المؤمنين بمقابل الذين أوتوا الكتاب. ومنها: أنه قال: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} وهذا وصف للأشخاص لا للقلوب، فأراد أن يحذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب في قسوة القلوب وفسق كثير منهم. فناسب قوله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} أن يكون بمقابل (الذين أوتوا الكتاب). ومنها: أنه ذكر المؤمنين وقلوبهم، وذكر أهل الكتاب وقلوبهم، فناسب ذلك ألطف مناسبة. وقال: {أُوتُوا الْكِتَابَ} ولم يقل: (أتيناهم الكتاب) لأنه في مقام الذم لهم. ومن سمة التعبير القرآني أنه إذا ذم أهل الكتاب بنى الفعل للمجهول فقال: {أُوتُوا الْكِتَابَ} وإذا مدحهم أسند الفعل إلى نفسه تعالى فقال: {آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} (2). {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} بين أن طول الأمد يقسي القلوب فحذرنا من أن نكون كذلك، فإنه ينبغي أن نتعهد قلوبنا وألا ندع للقسوة سبيلاً إليها. وفي ذكر الله وما نزل من الحق غناء وكفاية لحياة القلوب وخشوعها. وأسند القسوة إلى القلوب وذلك بمقابل إسناد الخشوع إلى القلوب أيضًا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لم يسند القسوة في القرآن الكريم إلا للقلوب ولم يسندها إلى غيرها، قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]، وقال: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام: 43]، وقال: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13]، وقال: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22] وغيرها. وذلك أنه إذا قسا القلب قسا صاحبه وإذا خشع القلب خشعت الجوارح. وقد تقول: ولم قال: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ} فذكر {مِنْ قَبْلُ}، ولم يقل: (كالذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد) من دون أن يذكر (من قبل)؟ والجواب: أنه لو قال ذلك لم يدل على أن الأولين قست قلوبهم، بل لربما دل على أن المعنيين هم المعاصرون لزمن الرسول، فلما قال: {مِنْ قَبْلُ} دل على أن آباءهم الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فما بالك بهؤلاء وقد تطاول عليهم الزمن؟ فذمهم وذم أسلافهم، بخلاف ما لو حذف {مِنْ قَبْلُ} ثم إنه حذرهم من أن يكونوا كأولئك الأولين فما بالك بالآخرين؟ فيكون التحذير عن التشبه بهؤلاء أشد وأشد. {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} ذكر أن كثيرًا منهم فاسقون خارجون عن طاعة الله. ومجيء هذا القول بعد قوله: {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} يدل على أن قسوة القلب من أسباب الفسوق ودواعيه، وبالمقابل يكون خشوع القلب من أسباب الطاعة ودواعيها. وقد تقول: لقد قال في أكثر من موطن: إن أكثرهم فاسقون بصيغة اسم التفضيل، وقال ههنا: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} فما حقيقة الأمر؟ أإن كثيرًا منهم فاسقون أم إن أكثرهم فاسقون؟ وما السبب في هذا الاختلاف في التعبير؟ والجواب: أنه لا تناقض بين قوله: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} وقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}. فقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} يعني أن كثيرًا منهم فاسقون، وإنما التناقض يكون لو قال: (إن قليلاً منهم فاسقون) أو (إن أقلهم فاسقون). فقولك: (محمد أفضل الناس) لا يناقض قولك: (إنه فاضل)، وقولك: (هو أعلم الناس) لا يناقض قولك: (هو عالم)، ولكنه يناقض قولك: (هو أجهل الناس) أو (هو جاهل). أما لماذا عبر عن ذلك مرة بقوله: (كثير) ومرة بـ (أكثر) فهذا ما يقتضيه سياق كل تعبير. فإنه يعبر بـ (أكثر) إذا كان السياق في تعداد أسوأ صفاتهم والإطالة في ذكرها، بخلاف الوصف بـ (كثير) فإنه لا يبلغ ذلك المبلغ، وإليك إيضاح ذلك: لقد جاء الوصف بـ (أكثر) في موضعين وهما قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59]، وقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] وبالنظر في سياق كل من الآيتين يتضح ما ذكرته. فقد جاء في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .....} ويستمر في تعداد مساوئهم إلى الآية الخامسة والستين [57 – 65] فناسب قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}. وكذلك الأمر في آل عمران، فقد ذكر أهل الكتاب ومساوئهم وأعاد ذكرهم وذكرها أكثر من مرة. من ذلك ما ذكره من الآية الخامسة والستين إلى الآية الثامنة والسبعين، ومن الآية الثامنة والتسعين إلى الآية الواحدة بعد المائة، ومن الآية العاشرة بعد المائة إلى الآية الخامسة عشرة بعد المائة عدا المواطن الأخرى المنتشرة في السورة، فناسب أن يذكر ذلك بقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 372 إلى ص 377. (1) انظر الكشاف 4/64. (2) انظر معاني النحو 2/92 وما بعدها. {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أمرنا بأن نعلم هذا الأمر، أي أن الله هو الذي يحيي الأرض بعد موتها وأنه ما كانت لتحيا لولا أن الله يحييها، فهي لا تحيا من الماء بنفسها ولا أن ذاتًا أخرى دونه أو معه قادرة على ذلك، فالله هو الذي يحيي الأرض بعد موتها. ووجه ارتباط الآية بما قبلها ظاهر من جهتين؛ ذلك أنها تمثيل لأثر الذكر والقرآن في القلوب، فإن يحييها كما يحيي الغيث الأرض (1). جاء في (روح المعاني): أن قوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} "تمثيل ذكر استطرادًا لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث، للترغيب في الخشوع والتحذير من القساوة" (2). ومن جهة أخرى أن هذه الآية تدل على بعث الأموات وأن الله سيحييهم ويبعثهم كما يحيي الأرض. وقد مر قبل هذه الآية ذكر الآخرة وجملة من مشاهدها. وهي كما ترتبط بما قبلها من جهتين ترتبط بما بعدها من جهتين أيضًا. فإنه ذكر بعد هذه الآية أن المصدقين والمصدقات يضاعف لهم، وذلك شأن الأرض التي تحيا بالغيث فإنها تضاعف ما يزرع فيها. وقد ذكر الله ذلك في مكان أخر فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]. كما أنه ذكر الآخرة بعدها وطرفًا من أحوالها، فارتبطت الآية بما قبلها وما بعدها والله أعلم، جاء في (تفسير الرازي): "أن قوله هذا "تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، والثاني أن المراد من قوله: {يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} بعث الأموات، فذكر ذلك ترغيبًا في الخشوع والخضوع وزجرًا على القساوة" (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 377 إلى ص 378. (1) انظر الكشاف 4/64. (2) روح المعاني 27/181. (3) تفسير الرازي 29/231. الوقفة كاملة |
| ٣٣٢ | {وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)} أي ليس ثم صديق إلا هؤلاء، فمن لم يؤمن بالله ورسله فليس بصديق، غير الصديقين درجات وأجورهم متفاوتة، فالصديقية قد تكون وصفًا لنبي وغيره، فقد وصف الله قسمًا من رسله بالصديقية، فقد وصف بها سيدنا إبراهيم عليه السلام فقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم: 41]، ووصف بها إدريس عليه السلام فقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم: 56] ووصف بها غيرهم من المؤمنين، فقد وصف بها مريم فقال: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75] وقد يعدهم صنفًا آخر بعد الأنبياء فيقول: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69]، وذكر الرسول من لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، فهي صفة مبالغة من الصدق أو التصديق، فالصديقون درجات كما أن الشهداء درجات وأن غيرهم من الصالحين درجات، فالذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وليس ثمة صديق غيرهم وأجورهم بقدر أعمالهم. ثم إن رسول الله سئل عن المؤمن يسرق ويزني؟ فأجاب: نعم، أي في حال من الأحوال ولا يخرجه ذلك عن دائرة الإيمان، وسئل عن المؤمن يكذب؟ فقال: لا. إذن فالمؤمن يصدق دائمًا فإن كذب خرج عن دائرة الإيمان، وعلى هذا فالمؤمن صديق ولا يكون إلا كذلك. {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} وهذا على أحد معنيين: إما أن يكون للشهداء أجر الصديقين ونورهم باعتبار أن الشهداء من الصديقين، لأنه ليس ثمة شهيد إلا ممن آمن بالله ورسله. وإما أن يكون للشهداء أجرهم ونورهم الخاص بهم، كما نقول: لكم أجركم ولهم أجرهم على اعتبار أن الشهداء صنف آخر، فللصديقية اعتباران: اعتبار عام وهو من آمن بالله ورسله، واعتبار خاص وذلك أنهم من صفوة المؤمنين بالله ورسله فلا يناقض أحدهما الآخر. وقوله: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} يمكن حمله على الاعتبارين: على اعتبار أنهم من الصديقين لأنهم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين. وعلى اعتبار أنهم صنف خاص لهم وصفهم الخاص من بين عموم المؤمنين. جاء في (الكشاف): "{وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله. {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} أي مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم. فإن قلت: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ قلت: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم أضعافه أجر أولئك. ويجوز أن يكون {وَالشُّهَدَاءُ} مبتدأ و{لَهُمْ أَجْرُهُمْ} خبره" (1). وقد ذكر في الآية الشهداء بعد الصديقين، كما في موطن آخر من القرآن الكريم وهو قوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فقد جعل الصديقين صنفًا بعد الأنبياء وذكر بعدهم الشهداء وذكر بعدهم عموم الصالحين. وقال: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} فذكر أمرين الأجر والنور، وقد تردد هذان الأمران في السورة في أكثر من موطن، فقد ذكر بعد قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} قوله: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}. وذكر بعد قوله: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} قوله: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 381 إلى ص 383. (1) الكشاف 4/65. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ذكر هؤلاء بمقابل ما مر في صدر الآية، فذكر الذين كفروا بمقابل الذين آمنوا بالله، وذكر الذين كذبوا بآياته سبحانه بمقابل الذين آمنوا برسله، فإن الإيمان بالآيات يكون عن طريق الإيمان بالرسل، فذكر أن هؤلاء أصحاب الجحيم، أي ملازموه لا يفارقونه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 384 إلى ص 384. الوقفة كاملة |
| ٣٣٣ | {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)} أجمل حقيقة ما يعيشه الناس في هذه الحياة بما ذكر في الآية. وقد رتب هذه الأشياء بحسب ترتيبها في حياة الناس مبتدئًا باللعب واللهو منتهيًا بالجد. فبدأ باللعب وهو ما يقع في دور الطفولة والصبا. هذا هو الأصل وإن كان يطلق اللعب أحيانًا على نقيض الجد كقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65]، وقوله: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [الزخرف: 83]، وقوله: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} [الدخان: 9]، وقوله: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء: 55]. ثم ذكر اللهو وهو ما يكون في دور الفتوة والشباب. ثم إن اللهو أعم من اللعب، فاللهو يقع للصغير والكبير. ثم ذكر الزينة وهو مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن. وذكر بعدها التفاخر وهو أكثر ما يكون من شأن الرجال فيفتخرون بمآثر أفعالهم وأحسابهم وأنسابهم ومآثر آبائهم وأجدادهم. ثم يأتي بعد ذلك دور التكاثر في الأموال والأولاد وهو التباري في جمعها، وهو المقصد الأهم في الحياة، إذ بالمال والأولاد تدوم الحياة وبهما ينشغل الناس وفيهما يجدون. أما ما قبلها من الأمور فهي ليست بتلك المنزلة والمكانة. وقد الأموال على الأولاد لأن التكاثر في الأموال أكثر، وختم بالأولاد لأنهم أجل ما ذكر ولهم يترك المال. جاء في (نظم الدرر): "لعب: أي تعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان، ولهو أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك عظم ما يلهي في الدنيا فقال: (وزينة) أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان، وأتبعها ثمرتها فقال: (وتفاخر) أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض" (1). وجاء في (تفسير الرازي): "المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة... ثم إنه وصفها بأمور: (أولها) أنها لعب وهو فعل الصبيان الذي يتبعون أنفسهم جدًا، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة. و(ثانيها) أنها لهو، وهو فعل الشبان... و(رابعها) تفاخر بينكم بالصفات الفانية الزائلة" (2). وجاء في (التحرير والتنوير): "وهي أيضًا أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم. فإن اللعب طور سن الطفولة والصبا، واللهو طور الشباب، والزينة طور الفتوة، والتفاخر طور الكهولة، والتكاثر طور الشيخوخة... واللعب هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب، ويتفاوت غيرهم في الإتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإنسان وفي رجاحة العقول وضعفها. والإفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل، ولذلك قال قون إبراهيم له: {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} ....واللهو اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس بخ وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد، يقال: لها عن الشيء، أي تشاغل عنه... ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره، ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب. والزينة: تخسين الذات أو المكان بما جعل وقعه عند ناظره مسرًا له، وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم، وذلك في طباع النساء أشد... ويغلب التزيين على أحوال الحياة، فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة... والتفاخر: الكلام الذي يفخر به، والفخر: حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل، وصيغ منه زنة التفاعل لأن شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف (بينكم)... والتكاثر: تفاعل من الكثرة، وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء... ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه" (3). وقد اقتصر في مواضع أخرى من القرآن الكريم على اللعب واللهو ولم يذكر الزينة وما بعدها، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32]. وقال: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} [محمد: 36]. وقال: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]. فاقتصر كما ترى على اللعب واللهو؛ ذلك لأن ما ذكره في آية الحديد من زينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد قد يندرج تحت اللهو. فالزينة قد تلهي، والتفاخر قد يلهي، والتكاثر في الأموال والأولاد قد يلهي، فقد سمى الله المال والبنين زينة فقال: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون: 9]، وقال: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 1 - 2]. وتندرج كثير من أمور الحياة في معنى اللعب بمعناه الواسع، وهو ما كان نقيض الجد وما لا يقصد به من الأعمال قصدًا صحيحًا كما ورد في القرآن مما سماه لعبًا. ولما فصل في آية الحديد في حقيقة الحياة الدنيا فصل في وصفها وعاقبتها، ولما أجمل في الآيات الأخرى لم يذكر شيئًا آخر يتعلق بها وإنما ذكر الآخرة أو أمورًا أخرى لا تتعلق بوصف الحياة. وقدم اللعب على اللهو فيما مر من الآيات إلا في آية واحدة قدم فيها اللهو على اللعب وهو قوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] وذلك لأن السياق يقتضي هذا التقديم، ذلك أنه تقدم الآية قوله: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} والرزق مدعاة إلى الالتهاء به والمشغلة لجمعه لا إلى اللعب، ولذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} فالذي بسط له رزقه ملتٍه بجمعه والذي قدر عليه رزقه ملتٍه بالحصول عليه. ثم قال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] ومع معرفتهم وإقرارهم بذاك التهوا بالدنيا عن الله وعبادته وعن الآخرة، فناسب تقديم اللهو. ولم يتقدم آية الأنعام ولا آية محمد ما يدعو إلى اللهو فكان تقديمه في آية العنكبوت أنسب. {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} شبه الحياة الدنيا بغيث أعجب الكفار نباته. والكفار هم الكافرون بالله الجاحدون لنعمه. وقال بعضهم: إن الكفار هم الزراع؛ لأن الزراع قد يسمى كافرًا؛ لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض، أي يغطيه (4). ويترجح عندي المعنى الأول، فإن الكافرين هم الذين يغترون بالدنيا وهم أشد إعجابًا بها وبزينتها. ولا مانع من أن يكون المعنيان مقصودين، فإنه من التوسع في المعنى الذي يراعيه القرآن كثيرًا. وقد ذكر القرآن الزراع باسمهم في سورة الفتح حين وصف أصحاب محمد فقال: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]. واخيار الزراع هنا أنسب، كما اختيار الكفار هناك أنسب، ذلك أن التشبيه في سورة الفتح وقع لصورة محمودة فناسب ذكر الزراع لا الكفار، بخلاف ما في سورة الحديد. ثم إنه قال في آية الفتح: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} فلا يناسب أن يقول: يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار. ثم إنه قال: (الزراع) في آية الفتح للدلالة على أنه زرع مقصود؛ لأن الزراع يزرع ما ينتفع وينتفع به الآخرون، بخلاف ما ذكر في آية الحديد فإنه قال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} وهو ما يخرج بسبب المطر من أنواع مختلفة، منها ما لا فائدة فيه للإنسان ومنها الأدغال والحشائش، فكان كل تعبير في مكانه أنسب. {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} ذكر مآل الزرع وناسب ذلك الزينة والأموال فذكر زوالهما وذهابهما وذلك شأن الدنيا. لقد قال: {فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} ولم يقل: (ثم يكون مصفرًا). كما قال: {ثُمَّ يَهِيجُ} و {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} بإسناد الفعل إلى النبات. أي يراه الناظر مصفرًا وذلك للدلالة على زوال الزينة وذهابها، فإن الزينة تتعلق بالناظر كما قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16]، ومن ناحية أخرى ليدل على موطن العبرة والاتعاظ فإن ذلك يحصل بالرؤية. وقال: {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} أي هذا مآله، ولم يقل: (ثم تراه حطامًا) فلم يعلق ذلك بالرؤية، وإنما أراد أن يبين أنه يكون كذلك، إذ ربما يكون الشيء غير ذي زينة للناظر ولكنه ثمين نافع وهو من كرائم الأموال، فقال: {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} فيذهب المال ويزول فلا يبقى مال ولا تكاثر ولا تفاخر ولا زينة لأن الحطام ليس مالًا ولا يتفاخر أو يتكاثر به. بل سيذهب اللعب واللهو معه، فإن الذي لم يبق له إلا الحطام لا يلعب ولا يلهو، وكيف يلهو ويلعب وقد أصبح ما لدية حطامًا؟ وقد تقول: ولم لم يقل: (ثم يجعله حطامًا) كما قال في سورة الزمر؟ والجواب: إن السياق مختلف في الآيتين. ففي آية الزمر الأفعال مسندة إلى الله، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21]، فالله هو الذي أنزل من السماء ماء، وهو الذي سلكه ينابيع في الأرض، وهو الذي أخرج به الزرع، فناسب أن يقول: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} لأن الذي أخرجه هو الذي يجعله حطامًا. وليس كذلك التعبير في آية الحديد، فإنه قال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} فلم يسند حدثًا إلى نفسه سبحانه، فناسب كل تعبير موضعه. {وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} قدم العذاب على المغفرة لأنه ذكر قبله اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر مما ليس محمودًا على العموم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن العذاب يسبق المغفرة والرضوان، فعذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء وقبل الدخول في الجنة والنار. وورود النار لجميع الخلق قبل الدخول في الجنة كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] ومن الناس من يعذب أولًا ثم يدخل الجنة. ووصف العذاب بأنه شديد. وذكر أن المغفرة والرضوان من الله، ولم يذكر مثل ذلك في العذاب للدلالة علة سعة رحمته، وقدم المغفرة على الرضوان لأنها أسبق منه وهي قبله، جاء في (روح المعاني): "{وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا، و(مغفرة) عظيمة ( من الله ورضوان) عظيم لا يقادر قدره. وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب ( لن يغلب عسر يسرين). وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضًا" (5). وقال: (مغفرة) ولم يقل: (غفران)؛ ذلك أن كلمة (غفران) لم ترد في القرآن الكريم إلا في موطن واحد لمعنى واحد وهو طلب المغفرة من الله وهو قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]. وأما المغفرة من الله فتأتي في غير الطلب كالإخبار بها والدعوة إليها وغير ذلك. قال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 221] وقال: {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268]، وقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6]. وقد تكون المغفرة من غير الله، قال تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} [البقرة: 263]. وقال: (رضوان) ولم يقل: (مرضاة) لأن الرضوان معناه "الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى" (6).قال تعالى: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 162]، وقال: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21]، وقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} [التوبة: 109]. وأما المرضاة فإنها تستعمل له ولغيره، قال تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1]، وقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة: 207]. ثم إن (المرضاة) لم تستعمل إلا في ابتغاء الرضا، وأما الرضوان فهو عام يستعمل في ابتغاء الرضا وغيره، قال تعالى في المرضاة: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة: 265]، وقال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]. وقال في الرضوان: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21] وهذا في غير ابتغاء الرضا. وقال في ابتغاء الرضا: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27]، وقال: {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29] ومن هذا يتبين أن المغفرة: 1- تستعمل في المغفرة من الله وغيره، فهي عامة من حيث الغافر. 2- انها عامة في غير الطلب، فهي عامة من حيث الدلالة بخلاف (الغفران) فإنه خاص بمعنى واحد وهو طلب المغفرة، وخاص في الغافر وهو الله. وأن المرضاة: 1- خاصة في ابتغاء الرضا، فهي لم تستعمل في غيره. 2- وأنها عامة في المبتغى منه الرضا، فهو الله أو غيره. وأن الرضوان: 1- خاص في أنه من الله. 2- عام في ابتغاء الرضا وغيره، فهو عام من حيث الدلالة. فخصص المغفرة وقال: {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ} لتقابل الرضوان؛ لأن الرضوان مخصص في كونه من الله. وكلاهما مطلق من حيث الدلالة، فتناظرا من حيث كونهما خاصين بالله، عامين من حيث الدلالة. والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 384 إلى ص 393. (1) نظم الدرر 7/452. (2) تفسير الرازي 29/233 – 234. (3) التحرير والتنوير 27/401 – 403. (4) انظر تفسير الرازي 29/235، الكشاف 4/65. (5) روح المعاني 27/185. (6) مفردات الراغب، مادة (رضي). الوقفة كاملة |
| ٣٣٤ | {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)} بعد أن ذكر الدنيا وعاقبتها دعا إلى ما هو خير وأبقى فقال: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ }، وقدم المغفرة على الجنة لأنها تسبقها وهي سبب دخولها. وقال: {إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} فذكر أن المغفرة من ربنا، وقال في الآية التي قبلها: { وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ }فذكر أن المغفرة من الله. وسبب هذا الاختلاف – والله أعلم – أنه في هذه الآية أمر عباده بالمسابقة فقال: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} فناسب أن يقول لهم إن المغفرة من ربكم فيضيف الربوبية إليهم. فهو ربهم ومتولي أمرهم وهو يرشدهم إلى ما هو خير لهم. أما الآية التي قبلها فهي وصف للحياة الدنيا وليست خطابًا لأحد، فذكر أنها كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًا إلى آخر ما ذكر، فناسب أن يقول: {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ}. وقد تقول: لقد قال في سورة آل عمران: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133 - 134] وثمة اختلاف ظاهر بين الآيتين على ما بينهما من تشابه كبير نجمله بما يأتي: آية الحديد آية آل عمران سابقوا وسارعوا كعرض السماء والأرض عرضها السماوات والأرض (بذكر أداة التشبيه وإفراد السماء) (بحذف أداة التشبيه وبجمع السماء) أعدت للذين آمنوا بالله ورسله أعدت للمتقين الذين ينفقون ... ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء - - والله ذو الفضل العظيم - - فما سر هذا الاختلاف؟ ونقول: لقد بينا ذلك في كتابنا (التعبير القرآني) (1). فذكرنا أن كلمة (السماء) تستعمل في القرآن الكريم على أحد معنيين: إما أن تكون لواحدة السماوات كقوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك: 5]، وإما أن تكون لما عدا الأرض مما علا، كالجو والسحاب والمطر والسقف والسماوات عمومًا، وذلك كقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: 24] والسماء هنا بمعنى السحاب، وقوله: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ} [الروم: 48] أي يبسطه في الجو، وقوله: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ} [النحل: 79]، وقوله: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] أي يأخذ في العلو والارتفاع، وقوله: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] وهي هنا بمعنى المطر، وقوله: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل: 75]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] وهي هنا عامة تشمل السماوات السبع وغيرها. فالسماء بالمعنى العام متسعة اتساعًا كبيرًا، وهي تشمل السماوات السبع وغيرهن مما علا وارتفع عن الأرض. فلما جاء بالسموات قال: {عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} فحذف كاف التشبيه، ولما جاء بالسماء التي هي متسعة اتساعًا كبيرًا والسماوات جزء منها قال: {كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} فجاء بكاف التشبيه. "ثم ألا ترى كيف قال الله تعالى في كل الآيتين؟ ففي آية السماوات قال: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، وفي آية السماء قال: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} وذلك لأن المتقين أخص من المؤمنين بالله ورسله، لأن المتقي لا يكون إلا يكون إلا مؤمنًا أما المؤمن بالله ورسله فقد لا يكون متقيًا، فالمؤمنون بالله ورسله أكثر من المتقين، فجاء للطبقة الواسعة وهم المؤمنون بالله ورسله بذكر صفتها الواسعة {كَعَرْضِ السَّمَاءِ}، وجاء مع الطبقة الخاصة الذين هم أقل ممن قبلهم وهم المتقون بفظ (السماوات) التي هي أقل سعة من السماء، فناسب بين السعة والعدد. ثم انظر كيف زاد في آية الحديد قوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، وذلك لما زاد تفضله على الخلق فوسع دائرة الداخلين في الجنة، وجعلها في المؤمنين عامة ولم يقصرها على المتقين منهم، ذكر هذا الفضل العظيم في آية الحديد. ثم انظر كيف أنه لما ذكر الجنة بأوسع صفة لها وذكر كثرة الخلق الداخلين فيها وذكر فضله العظيم على عبادة قال: (سابقوا)، وفي الآية الأخرى قال: (سارعوا)، وذلك لأن كثرة الخلق المتوجهين إلى مكانٍ ما تستدعي المسابقة إلية لا مجرد المسارعة. فانظر كيف ذكر في آية الحديد (المسابقة) وهي تشمل المسارعة وزيادة، وذكر (السماء) وهي تشمل السماوات وزيادة، وذكر المؤمنين بالله ورسله وهم يشملون المتقين وزيادة، وزاد فيها ذكر الفضل غلى المغفرة والجنة، فجعل في كل موضع ما يناسبه من الألفاظ فجعلت حكمة الله" (2). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن كل آية مناسبة للسياق الذي وردت فيه، فإنه تقدم آية الحديد المسابقة في أمور الدنيا من لعب وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، فإن اللعب قد تكون فيه مسابقة، والزينة قد تكون فيها مسابقة، والتفاخر إنما هو مسابقة بين المتفاخرين، والتكاثر في الأموال إنما هو تبارٍ وتسابق في جمعها، فناسب أن يقول: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} فنبههم على ما تجدر فيه المسابقة. ولم يتقدم آية آل عمران ما يدل على المسابقة، وإنما تقدمها النهي عن أكل الربا و الأمر باتقاء النار والأمر بطاعة الله والرسول، فناسب الأمر بالمسارعة وعدم التوان في ذلك. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 130 - 133]. ولما تقدم ذكر متعاطفات في آيات آل عمران من نحو قوله: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا .... وَاتَّقُوا اللَّهَ .... وَاتَّقُوا النَّارَ .... وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ....} ناسب أن يعطف عليها فقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}. ولما يتقدم آية الحديد ما يعطفها عليه قال: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} من دون ذكر لواو العطف. ولما تقدم آية آل عمران الأمر بالتقوى فقال: { وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ... وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ناسب أن يقول في الجنة إنها {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين} ولما تقدم آية الحديد ذكر المؤمنين بالله ورسله فقال: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} ناسب أن يقول إنها: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} .وقال في آيات آل عمران: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ....} وذلك أنه تقدم الآية النهي عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة فدعا إلى الإنفاق في السراء والضراء، فناسب أن يذكر أن الجنة للمنفقين وهم الذين يخرجون من أموالهم ابتغاء مرضاة الله في الرخاء والشدة لا لمن يأكل أموال الناس بغير وجه حق. فالمؤمنون ينفقون في الشدة، وأولئك يأكلون مال من وقع في الشدة فاضطر إلى الاستدانة. وكذلك كل ما ذكر من صفات أخرى من نحو قوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} كل ذلك تقدمه ما يناسب ذكره. ولم يتقدم آية الحديد شيء من ذلك، ولولا خشية الإطالة والابتعاد عما نحن بصدده لبينت ذلك بالتفصيل. وختم آية الحديد بقوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} لما ذكر تفضله على عبادة فذكر أن الجنة أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ولم يذكر شيئًا آخر مع الإيمان حتى أنه لم يذكر العمل وذلك أعظم الفضل. جاء في (تفسير الرازي): "قوله: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} فيه أعظم رجاء وأقوى أمل إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر... ومما يتأكد به ما ذكرناه قوله بعد هذه الآية: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}" (3). هذه علاوة على ما ورد في السورة من أفضال أخرى من مضاعفة الأجور وأنه يؤتي المؤمنين كفلين من رحمته ويجعل لهم نورًا يشمون به ويغفر لهم فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الآية: 28]. وختم السورة بفضله العظيم فقال: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فناسب كل تعبير موضعه من كل وجه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 393 إلى ص 399. (1) التعبير القرآني – طبعة دار ابن كثير ص 53 وما بعدها. (2) التعبير القرآني – طبعة دار ابن كثير ص 53 – 54. (3) تفسير الرازي 29/236. الوقفة كاملة |
| ٣٣٥ | {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3] قدم الاستغفار على التوبة لأن الاستغفار إنما يكون من الذنوب التي فعلها العبد، وأما التوبة فتالية له، ومن شروطها عدم العودة على ما أسلف من المعصية. جاء في (البحر المحيط): "أمر بالاستغفار طلب المغفرة وهي الستر، والمعنى أنه لا يبقى لها تبعة. والتوبة الانسلاخ من المعاصي والندم على ما سلف منه والعزم على عدم العودة إليها" (1). وجاء في التفسير (تفسير الرازي): "في فائدة هذا الترتيب أن المراد: استغفروا من سالف الذنوب، ثم توبو إليه في المستأنف ... (الوجه الرابع): الاستغفار طلب من الله لإزالة ما لا ينبغي. والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله. ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة عمل يأتي به الانسان ويتوسل به إلى دفع المكروه. والاستعانة بفضل الله مقدمة على الاستعانة بسعي النفس" (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 12 إلى ص 13. (1) البحر المحيط 5/201. (2) تفسير الرازي 18/315. {يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} المتاع الحسن هو الأمن النفسي واطمئنان القلب إلى ما قدر الله والرضا به والقناعة بما قسم الله له ورجاؤه في ثوابه وإفاضة النعم على المجتمع المؤمن والتكافل فيما بينهم ومعاونة أحدهم الأخر وسلامة النفس وسلامة المجتمع، وهذا كله من المتاع الحسن، بخلاف الكافر فإنه في قلق نفسي والخوف من زوال النعم والجزع عند المصيبة. وهذا كله من المتاع الحسن وليس كل المتاع الحسن. جاء في (البحر المحيط): "المتاع الحسن: الرضا بالميسور والصبر علي المقدور، أو حسن العمل وقطع الأمل، أو النعمة الكافية مع الصحة والعافية ... أو لزوم القناعة وتوفيق الطاعة ... وقال [يعني ابن عطية]: ووصف المتاع بالحسن إنما هو لطيب عيش المؤمن برجائه في الله عز وجل وفي ثوابه وفي فرحه بالتقرب إليه بمرفوضاته والسرور بمواعيده. والكافر ليس في شيء من هذا" (1). وسمي منافع الدنيا بالمتاع "لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها. ونبه على كونها منقضية بقوله تعالى: {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة خسيسة منقضية" (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 13 إلى ص 14. (1) تفسير الرازي 18/315. (2) البحر المحيط 5/201. {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} "الضمير في (فضله) يحتمل أن يعود على الله تعالى، أي يعطي في الأخرة كل من كان له فضل في علم الخير وزيادة ما تفضل الذي عمله في الدنيا لا يبخس منه شيء" (1). فهذا التعبير يحتمل معنيين: الأول: إن الضمير في (فضله) يعود على صاحب الفضل، فالله يؤتيه فضله لا يبخس منه شيئًا بل يزيده. والأخر: أن يعود الضمير على الله، أي إن الله يؤتي فضله من كان ذا فضل. والمعنيان صحيحان وهما مرادان وهو من التوسع في المعنى. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 14 إلى ص 15. (1) تفسير الرازي 18/316. (2) البحر المحيط 5/201. {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} (تولوا) أي تتولوا حذف إحدى التاءين تخفيفًا. ومن الملاحظ في التعبير القرآني أنه حيث ذكر التاءين في هذا الفعل كان الموقف أشد، وإذا كان أخف خفف بحذف إحدى التاءين. فقد ذكرها ههنا أنه إن تولوا خاف عليهم عذاب يوم عظيم، ولم يقل إنه يعذبهم وإنما خاف عليهم العذاب، والخوف عليهم لا يقتضي وقوع المخوف. في حين قال: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16]. فقد ذكر أنهم إن تولوا يعذبهم عذابًا أليمًا ولم يقل إنه يخاف عليهم العذاب. ثم إنه وصف العذاب بأنه أليم، وههنا وصف اليوم ولم يصف العذاب وقال على لسان هود لقومه: {وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52] بتاءين. وقال على لسانه أيضًا: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} [هود: 57] بتاء واحدة. وسياق الآية الأولي أشد، ذلك أنهم قالوا له بعد أن قال لهم ذلك: {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 53 - 54]. في حين لم يقولوا شيئًا بعد قوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} وقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]. فقد ذكر أنهم تولوا عن طاعة الله والرسول فإن الله لا يحب الكافرين ولم يذكر عذابهم أو عقابهم. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20]. والخطاب للمؤمنين، ولم يطلق التولي بل خصه بالتولي عن الرسول. ولما كان المخاطبون مؤمنين فإنه نهاهم عن شيء من التولي من باب التحذير وقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]. فلم يذكر عاقبة التولي إلا أن عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا. في حين قال: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 15 إلى ص 16. {أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} اليوم الكبير هو يوم القيامة. ولم يرد في القرًان (إنني أخاف) بنون الوقاية مع (إن). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 16 إلى ص 16. الوقفة كاملة |
| ٣٣٦ | {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5] قيل: إن بعض المنافقين "كان إذا مر بالرسول ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كيلا يرى الرسول ... وقيل: فعلوا ذلك ليبعد عليهم صوت الرسول ولا يدخل أسماعهم القرآن" (1). ومعنى (ثنى رأسه) طواه. "وقيل: إن هذه الآيات نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله تطامنوا وثنوا صدروهم كالمتستر، وردوا اِليه ظهورهم، وغشوا وجوهم بثيابهم تباعدًا منهم وكراهية للقائه، وهم يظنون أن ذلك يخفي عليه أو عن الله تعالى، فنزلت الآية" (2). وذكر أنه حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون، ليدل على أنه يراهم ويراقبهم ويعلم فعلهم ونواياهم. فأفاد التعبير الرؤية والمراقبة والعلم وليس مجرد العلم من دون رؤية ومراقبة. وأفاد أنه حين يفعلون هذا الفعل يعلم ذلك ويعلم لمَ فعلوه؟ ولئلا يظن أن عمله محصور فيما يفعل من ظواهر الأمور، وأن عمله مقيد في ذلك الحين: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، ليدل على إطلاق علمه من غير تقييد. فدل بذلك على أنه يعلم الإعلان والإسرار على كل حال عند الفعل وقبله وبعده. فأفاد التعبير: 1- الرؤية والمراقبة. 2- ذكر أنه حين يستغشون ثيابهم يعلم أي في وقت الفعل لا بعده بعد التأمل والتفكير أو الاستفسار أو مجيء الخبر أو ظهور ما يدل على ذلك فيما بعد. وقوله {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} فيه احتمالان: الأول: أن تكون (ما) مصدرية، أي يعلم أسرارهم وإعلانهم. والأخر: أن تكون اسمًا موصولًا. والمعنى أنه يعلم الذي يسرونه والذي يعلنونه من الأمور. والمعنيان مرادان، فإنه يعلم الإسرار والذي يسرونه، ويعلم الإعلان يعلنونه. وهذا من التوسع في المعنى، ولو ذكر العائد فقال: (ما يسرونه وما يعلنونه) لدل على شيء واحد وهو الاسم الموصول. فكان ما ذكره أولى لأنه عَمَّ المعنيين. لقد قال هنا: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}، وقال في النمل: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] فذكر الإخفاء دون الإسرار، ذلك أن الإسرار قد يكون في النفس كما قال تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [يوسف: 77]. وقد تسره إلى غيرك، قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} [التحريم: 3]، وقال: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]، وقال: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [طه: 62]. وغالبًا ما يكون في الفعل والقول. جاء في (المفردات في غريب القرآن): "الإسرار خلاف الإعلان. قال تعالى: {سِرًّا وَعَلَانِيَةً} ... ويستعمل في الأعيان والمعاني ... وأسرت إلى فلان حديثًا: أقضيت إليه في خفية. قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} [التحريم: 3] ... فإن الإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضي إليه بالسر وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره. فأذن قولهم: (أسرت إلى فلان) يقتضي من وجه الإظهار ومن وجه الإخفاء" (3). وفي (لسان العرب): "أسر إليه حديثًا أي أفضى" (4). أما الإخفاء فكأنه أخفى من السر. قال تعالى: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}[طه: 7]. وقد يكون في الأشياء التي تسترها عن الناظر من الحاجات والبضائع، تقول: (أخفيت البضاعة تحت الأرض أو في صندوق) أي سترتها. جاء في (المفردات في غريب القرآن) : "خفي الشيء خفية إذا استتر ... وأخفيته: أوليته خفاء وذلك إذا سترته. ويقابل به الإبداء والإعلان" (5). أما قوله تعالى في النمل: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] دون (ما تسرون وما تعلنون) فالسياق يوضح ذلك. قال تعالى: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} ذلك أنه ذكر أنه يخرج الخبء. أي ما هو خافٍ أو مخفى. والخبء "يقال لكل مدخر مستور" (6). و"خبأ الشيء يخبؤه: ستره ... الخبء كل ما غاب" (7). فلما ذكر المخبوء ناسب ذكر الإخفاء لأن المخبأ مخفي. وقال تعالى: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} [الممتحنة: 1]. فقال: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} بعد قوله: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ} ولم يقل: (وأنا أعلم بما أسررتم وما أعلنتم) ذلك لأنه أفاد أنه يعلم الدافع الذي أخفوه في أنفسهم من هذا الإسرار. فإنك قد تسر شيئًا لشخص وأنت تبتغي غرضًا من ذلك تخفيه نفسك، فربنا يعلم ذلك الأمر وماذا أخفيت. ولو قال: (وأنا أعلم بما أسررتم) لكان ذلك ينصرف إلى إسرارهم بالمودة دون الغرض الذي يخفيه أصحابه. وقال سيدنا إبراهيم: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} [إبراهيم: 38]. دون (ما نسر وما نعلن) ذلك لأنه قال بعدها: {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} وقال في موطن أخر: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص: 69]. دون (ما يسرون) أو (ما يخفون) وذلك لسبب أخر. فإن (الكِنّ) هو ما تحتفظ فيه من الأشياء التي تريد صونها. والكِنّ "ما يحفظ فيه الشيء، يقال: كننت الشيء كَنًّا جعلته في كِنَ وخُصّ. وكننت بما يُستر ببيت أو ثوب وغير ذلك من الأجسام... وأكننت بما يستر في النفس... وجمع الكِنَ أكنان. والكنان: الغطاء الذي يكن فيه الشيء" (8). وفي (لسان العرب): "الكِنّ والكِنّة والكِنان: وقاء كل شيء وستره... كننت الشيء أي جعلته في كن... والأكنة: الأغطية" (9). قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} [الطور: 24]، وقال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81] أي وقاء وسترًا تحتمون بها وتحفظون أنفسكم. وقال: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5]. أي في صناديق مقفله فلا يصل إليها شيء من دعوته. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وذات الصدور "الأسرار المستكينة فيها أو القلوب التي في الصدور" (10). وقال (عليم) دون (يعلم) للدلالة على ثبوت العلم ودوامه. جاء في (روح المعاني): "وكان التعبير بالجملة الاسمية للإشارة إلى أنه سبحانه لم يزل عالمًا بذلك. وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وجودها الخارجي" (11). وقال: (عليم) دون (عالم) أو (علام)، لأن كلمة (عالم) خُصت في الاستعمال القرآني بعلم (الغيب) مفردًا، أو (علم الغيب بشهادة)، ولم تستعمل في غير ذلك، وذلك نحو قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن، 26]، وقوله {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 73]. وأما (علّام) فقد خص استعمالها متعقلة بـ (الغيوب) جمع الغيب نحو {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109، 116] وذلك أنه لما كان هذا الوصف للمبالغة والتكثير جاء بالجمع معه مناسبة للتكثير. وأما (عليم) فقد استعملها غير مختصة بمعلوم، معين، فقد يستعملها مطلقة من كل متعلق نحو {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32]، أو يجعلها متعلقة بكل شيء فلا تترك شيئًا إلا شملته نحو {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]، أو يعلقها بما ارتبط بالمجموع وذلك نحو {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95]، أو يعلقها بما ارتبط بالمجموع وذلك نحو {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] فإنه جمع الفاعلين فقال: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ}، وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] فذكر الصدور وليس صدرًا واحدًا (12). فاتضح ما قلناه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 19 إلى ص 25. (1) البحر المحيط 5/202. (2) البحر المحيط 5/203. (3) المفردات في غريب القرآن (سرر). (4) لسان العرب (سرر). (5) المفردات في غريب القرآن (خفي). (6) المفردات (خبء). (7) لسان العرب (خبأ). (8) مفردات الراغب (كنّ). (9) لسان العرب (كنن). (10) روح المعاني 11/211. (11) روح المعاني 11/211. (12) انظر كتابنا (من أسرار البيان القرآني) الوقفة كاملة |
| ٣٣٧ | {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 – 16]. هاتان الآيتان مناسبتان للجو الذي وردتا فيه. فقد ذكر في أول السورة سبيل المتاع الحسن في الدنيا وهو الاستغفار والتوبة فقال: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3]. والمتاع الحسن مما يريده الإنسان في هذه الدار مؤمنهم وكافرهم. فقال فيمن يريد الحياة الدنيا وزينتها أنه يوفي إليهم أعمالهم فيها. ولم يقل إنه يمتعهم متاعًا حسنًا. في حين قال في الصنف المستغفر التائب إنه يمتعهم متاعًا حسنًا. وقال فيمن يريد الحياة الدنيا: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} وقال في الصنف التائب: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}. ولا شك أن الصنف التائب متاعه أفضل ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها. ثم ذكر بعد ذلك أثر الرحمة والنعماء في الإنسان فقال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود: ۹ - ۱۰]. وذكر الذين يقولون: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ} [هود: ١٢] والكنز من وسائل متاع الحياة الدنيا وزينتها. فناسب ما مر ذكره من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها. جاء في (البحر المحيط): "مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر شيئًا من أحوال الكفار المناقضين في القرآن ذكر شيئًا من أحوالهم الدنيوية وما يؤولون إليه في الآخرة. وظاهر من العموم في كل من يريد زينة الحياة الدنيا والجزاء مقرون بمشيئته تعالى، كما بين ذلك في قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسراء: ۱۸]" (1). لقد قال: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}، فأدخل (كان) على الفعل المضارع (يريد)، وهذا التعبير يفيد الاستمرار، أي يريدها على وجه الـدوام. جاء في (روح المعـانـي): "وإدخـال (كـان) للدلالة على الاستمرار، أي من يريد ذلك بحيث لا يكاد يريد الآخرة أصلًا" (2). {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ} "نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق. وقيل: هم أهل الرياء، يقال للقراء منهم: أردت أن يقال فلان قارئ، فقد قيل ذلك. ولمن وصل الرحم وتصدق: فعلت حتى يقال، فقيل، ولمن قتل فقتل: قاتلت حتى يقال فلان جريء فقد قيل. وعن أنس بن مالك: هم اليهود والنصارى، إن أعطوا سائلاً أو وصلوا رحمًا عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن. وقيل: هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله فأسهم لهم في الغنائم" (3). وجاء في (روح المعاني): "(نوف) متضمن معنى (نوصل) ولذا عدي بـ إلى، وإلا فهو مما يتعدى بنفسه. وقيل: إنه مجاز عن د ذلك" (4). وقد عدى (نوف) هنا بـ (إلى) وعداه إلى مفعولين في آيات أخرى، فقد قال في آية أخرى من سورة هود: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} [هود: ۱۱۱]. فعداه إلى ضميرهم وإلى الأعمال. وقال: {وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} [آل عمران: 57]. وغير ذلك من الآيات (5). والذي يظهر من الفرق بين الاستعمالين في القرآن الكريم: أن تعدية هذا الفعل بـ (إلى) إنما خصها بالأموال، قال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: ٢٧٢]. وقال: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]. وقال في آية هود هذه: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ}، والحياة الدنيا وزينتها إنما تتأتى عن طريق الأموال. ثم إن تعدية هذا الفعل بـ (إلى) أفادت معنى (نوصل إلى) كما مر، فمعنى (نوف إليه) نوصل إليه. والإيصال إلى شخص ما لا يقتضي المباشرة بالإيصال أو المواجهة، فقد توصل شيئًا إلى أحد عن طريق شخص آخر أو وسيلة ما. ويتضح من الاستعمال القرآني أن ما جاء معدى بنفسه إنما هو في الآخرة وذلك نحو قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور: ٢٥]. وقوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [الأحقاف: 19] وقوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [النحل: 111]. وغير ذلك. ومعنى ذلك أن الأمر يدل على المواجهة والتوفية المباشرة، ذلك أنه في يوم القيامة يعرض الجميع على ربهم فيواجههم بأعمالهم، كما قال: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الكهف: 47 – 48]. وأما ما عداه بـ (إلى) فهو لا يخص الآخرة، فقد يكون الإيصال في الدنيا، فإن آية هود إنما هي خاصة بالدنيا كما هو واضح، فقد قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} ... وأما آية الإنفاق فإنها لا تختص بالآخرة، بل قد يكون أثره في الدنيا، فإن قوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، وقوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: ٢٧٢]، قد يكون ذلك في الدنيا والآخرة، أي يوفيه ما أنفق في الدنيا، ويؤتيه أجره في الآخرة. ومصداق ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] وقوله : (ما نقص مال من صدقة). وعلى هذا فالفرق بين (وفاه) و(وفى إليه) في الاستعمال القرآني: 1ـ إن (وفى إليه) خصه القرآن بالأموال، وأما (وفاه) فهو عام. ٢ـ إن (وفى إليه) قد يكون ذلك في الدنيا، وأما (وفاه) فاستعمله لما بعد الدنيا. 3ـ لما كان (وفى إليه) تضمن معنى الإيصال فإن ذلك لا يقتضي المواجهة والمباشرة بالتوفية، بل قد تكون عن طريق آخر. ومن المعلوم أن ربنا إذا أراد أن يوفي في الدنيا من أنفق هيأ له أسباب التوفية. وأما (وفاه) فلما كان في الآخرة اقتضى ذلك مواجهة الرب الذي يوفي الأعمال. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 51 إلى ص 55. (1) البحر المحيط 5/209. (2) روح المعاني 12/23. (3) الكشاف 2/93. (4) روح المعاني 12/23. (5) انظر على سبيل المثال: النور 25، فاطر 30، النساء 173 وغيرها. {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} أي في الدنيا. وقوله: {وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} يحتمل معنيين: أحدهما: أن قوله: (فيها) أي في الأعمال، فالضمير في (فيها) يعود على الأعمال، والمعنى أننا نوفي إليهم أعمالهم في الدنيا ولا يبخسون على في أعمالهم. والآخر: أن (فيها) يعود على الدنيا، أي وهم في الدنيا لا يبخسون. وهذا هو الأظهر. فتكون التوفية في الدنيا، وكذلك عدم البخس. قد تقول: أما كان يمكن الاكتفاء بضمير واحد فلا يكرر (فيها) فيقول مثلاً: (نوف إليهم أعمالهم فيها وهم لا يبخسون)؟ فنقول: لو قال ذلك لكان عدم البخس في الدنيا والآخرة، ولكان المعنى أنه يوفي إليهم أعمالهم في الدنيا وأنهم لا يبخسون مطلقًا، فيكون عدم البخس في الدنيا والآخرة. في حين أنه أراد أن كل ذلك في الدنيا، فإنه يوفي إليهم أعمالهم فيها، وأنهم فيها لا يبخسون. وأما الآخرة فإنهم حبطت أعمالهم فيها وأنه ليس لهم فيها إلا النار، كما قال تعالى في الآية بعدها. جاء في (روح المعاني) في قوله: {وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} "أي لا ينقصون، والظاهر أن المجرور للحياة الدنيا. وقيل: الأظهر أن يكون للأعمال لئلا يكون تكرارًا بلا فائدة. ورد بأن فائدته إفادته من أول الأمر أن عدم البخس ليس إلا في الدنيا، فلو لم يذكر توهم أنه مطلق" (1). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 55 إلى ص 56. (1) روح المعاني 12/24. {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ١- لقد ذكر الصنع ثم ذكر العمل فقال: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا}، ثم قال:{ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }والصنع هو إجادة العمل، وأما العمل فهو عام يشمل الصنع وغيره، وقد ذكر بطلانه كله: ما بذلوا فيه جهدهم لإحسانه، وما عملوه على وجه العموم. وذكر الصنعة الحبوط، ومع العمل البطلان؛ ذلك أن الحبوط أخص من البطلان، فالحبوط خاص بالأعمال، وأما البطلان فهو عام في الأعمال وغيرها كما سنبين. والصنع أخص من العمل لأنه ما أجيد منه. فذكر الخاص مع الخاص، والعام مع العام. ٢- قوله: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} يحتمل أن يكون الجار والمجرور (فيها) متعلقًا بـ (حبط) فيكون المعنى: (وحبط فيها ما صنعوا) أي في الآخرة، فيعود الضمير على الآخرة فيكون الحبوط في الآخرة. كما يحتمل أن يكون الجار والمجرور متعلقا بـ (صنعوا) فيكون المعنى: (وحبط ما صنعوا في الدنيا) فيعود الضمير على الدنيا. والمعنيان مرادان، فإنه حبط في الآخرة ما صنعوا في الدنيا. وهذا من التوسع في المعنى. ولو قدم الجار والمجرور فقال: (وحبط فيها ما صنعوا) لكان احتمالاً واحدًا. فالتعبير القرآني أولى لأنه يشمل معنيين. جاء في (البحر المحيط): "والضمير في قوله: {مَا صَنَعُوا فِيهَا} الظاهر أ أنه عائد على الآخرة والجار والمجرور متعلق بحبط. والمعنى: وظهور حبوط ما صنعوا في الآخرة . ويجوز أن يتعلق بقوله: (صنعوا) فيكون عائدًا على الحياة الدنيا كما عاد عليها في (فيها) قبل" (1). 3- قوله: (ما صنعوا) يحتمل أن تكون فيه (ما) مصدرية فيكون المعنى: وحبط صنعهم. كما يحتمل أن تكون (ما) اسمًا موصولاً فيكون المعنى: وحبط الذي صنعوه من الأعمال. والمعنيان مرادان، فقد حبط الصنع والعمل، وحبط ما صنعوه، وهذا من التوسع في المعنى أيضًا. ولو قال: (ما صنعوه) لكان اسمًا موصولاً فقط. فما ذكره أولى لأنه أعم وأشمل. جاء في (البحر المحيط): "و(ما) في (ما صنعوا) بمعنى (الذي) أو مصدرية" (2). ثم لننظر في تأليف هذه العبارة، أعني قوله تعالى: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من جهة أخرى. فإن القسم الأول منها وهو قوله: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} مبني على الخصوص. والقسم الآخر: وهو قوله: {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} مبني على العموم. فقوله: {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أعم من قوله: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} من أكثر من جهة : 1- فقد قال في العبارة الأولى: (وحبط). وقال في العبارة الثانية: (وباطل). والباطل أعم من الحبوط، فإن الحبوط خاص بالأعمال، ولم يرد في القرآن إلا كذلك. قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة: 5]. وقال: {فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ} [البقرة: ٢١٧] وقال: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 53]. وأما الباطل فهو عام في الأعمال وغيرها مما لا يصح فيه الحبوط. قال تعالى: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: ۱۱۸]، وقال: {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 16]. ويكون الباطل لغير العمل، فقد يكون في المعبودات والمعتقدات وغيرها مما هو نقيض الحق. قال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٤٢]. وقال : {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: ٢٩]. وقال: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: ۷۲]. وقال: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: ٨١]. وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: ٦٢]. وقال: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [غافر: 5]. وقال: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [العنكبوت: 52]. وغير ذلك وغيره. فقد يكون الباطل يعني المعبودات الباطلة من دون الله، وقد يكون من المعتقدات الباطلة غير دين الله، وغير ذلك. فالباطل أعم من الحبوط. 2- وقال: (حبط) بالفعل الماضي. وقال: (باطل) بالاسم. والاسم على العموم أثبت وأعم من الفعل. فكان الباطل أعم من الحبوط من حيث الدلالة ومن حيث الصيغة. ٣- وقال في العبارة الأولى: (ما صنعوا). وقال في العبارة الثانية: (ما كانوا يعملون). والصنع هو إجادة العمل وإحسانه، فالعمل أعم من الصنع لأنه قد يكون بإجادة أو بغيره. 4- قال في العبارة الأولى: (ما صنعوا) بالفعل الماضي. وقال في العبارة الثانية: (ما كانوا يعملون). والعبارة الثانية أعم لأنها تدل على الاستمرار في الماضي. فقوله: (صنعوا) قد يدل على زمن من أزمنة الماضي، وقد يدل على الحدوث مرة واحدة في الزمن الماضي. أما قوله: {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فإنه يدل على الاستمرار في الماضي فهو أعم. فقولك: (صنعوا) حالة واحدة وزمن واحد من قولك: (كانوا يصنعون). 5- قال في العبارة الأولى: {مَا صَنَعُوا فِيهَا} فقيد الصنع في الدنيا أو الحبوط كما ذكرنا. وأطلق في العبارة الثانية فلم يقل (وباطل فيها)، كما لم يقل: (ما كانوا يعملون فيها)، فالعبارة الثانية أعم. 6- قوله : { وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }أعم من حيث التأليف من قوله: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} ذلك أن قوله: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} فعل وفاعل. وقوله: {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يحتمل أن يكون (باطل) خبرًا مقدمًا، وقوله: {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} مبتدأ مؤخر. كما يحتمل أن يكون {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فاعلاً لاسم الفاعل (باطل)، والباطل خبر ثان لأولئك. (3) فهو أعم على كل حال. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 57 إلى ص 61. (1) البحر المحيط 5/210. (2) البحر المحيط 5/210، وانظر الكشاف 2/93. (3) انظر البحر المحيط 5/210. الوقفة كاملة |
| ٣٣٨ | {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28] بدأ بالرد العام عليهم قائلًا لهم: يا قوم اخبروني إن كنت على بينة من ربي وهو البرهان والحجة التي تثبت صدقي وصحة ما أقول فإنه أيدني بمعجزات تدل على ذلك. وأتاني رحمة من عنده وهي النبوة خصني بها. ثم إن هذه البينة أبهمت عليكم ولبست أنلزمكم الحجة مع إبهامها وأنتم كارهون لها لا تحبونها ولا تحبون أن تظهر؟ كيف نلزمكم الحجة وهناك مانعان من ذلك: 1- الإبهام والالتباس. 2- الكراهة لها، إذ لو كنتم تحبونها وتودون معرفتها لتوصلتم إلى ذلك بكل سبيل، ولكنكم تكرهونها فكيف نلزمكم إياها؟ جاء في ( الكشاف):" أرأيتم: أخبروني، {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ} على برهان {مِنْ رَبِّي} وشاهد يشهد بصحة دعواي، {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} بإيتاء البينة على أن البيئة في نفسها هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة" (1). {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} : أبهمت وأخفيت (2). والأن لننظر في تأليف هذه الآية: 1- قال (يا قوم) بنداء قومة وأضافهم إلى نفسه تألفًا لهم ومدعاة إلى أن يستمعوا له. 2- قال: (أرأيتم)، ومعنى (أرأيتم) أخبروني، "ومعنى هذا الفعل منقول من الرؤية إلى معنى الإخبار، فقولك مثلًا: (أرأيت إن أصبحت أميرًا ماذا أنت فاعل؟) معناه: أنظرت في هذا الأمر؟ فأنت تستخبره عما سألته عنه" (3). فهو لا يطابق (أخبروني)، فلا تقول في: (أخبرني حين يسافر محمود ) مثلًا: (أرأيت حين يسافر محمود) ولكن هذا الفعل فيه معنى التعجيب. جاء في (شرح الرضي على الكافية): "ومعنى (أرأيت) أخبر، وهو منقول من (رأيت) بمعنى (أبصرت) أو (عرفت) كأنه قيل: أأبصرته وشاهدت حاله العجيبة، أو أعرفتها، وأخبرني عنها. فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حاله عجيبة"(4). وفي الآية معنى التعجب ظاهر، إذا المعنى: أفكرتم ونظرتم إذا كانت البينة مبهمة عليكم وأنتم لها كارهون فكيف نلزمكموها؟ أيصح ذلك؟ أيكون مقبولًا عقلًا؟! فاستعماله هنا أنسب من (أخبروني) الذي قد لا يكون فيه معنى التعجب. 3- قال: {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} فذكر أن البينة من ربه، ولم يقل: (من ربكم) لأن البينة جاءته هو، ولو كانت البينة جاءتهم هم لقال: (من ربكم) ذلك أنه حيث كان الكلام على المتكلم نفسه يقول إن البينة من ربي فيضيف الرب إلى ياء المتكلم، وحيث قال: إن البينة جاءتكم يقول: إن البينة من ربكم، بإضافة الرب إلى ضمير المخاطبين. قال تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ} [الأنعام: 57]. وقال: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} [هود: 28]. ونحو ذلك جاء في [هود: 63]، و[هود: 88]. بإضافة الرب إلى ضمير المتكلم. في حين قال: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأنعام: 157]. قال: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 73]. ونحو ذلك قال في [الأعراف 85 و105]. بإضافة الرب إلى ضمير المخاطبين. وكل تعبير مناسب في مكانه، فكل تأتيه البينة من ربه؛ لأن الرب هو المربي والمعلم والمرشد والموجه فناسب أن تكون البينة من رب تأتيه. ومن الطريف أن نذكر أن جميع الأمم السالفة التي خوطبت بنحو هذا الخطاب قيل لها: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} وذلك في قوم صالح [الأعراف: 73] ومدين [الأعراف: 85]. وقال موسى لفرعون: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 105] إلا الذين أرسل إليهم سيدنا محمد فإنه قال فيهم: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأنعام: 157]، بزيادة الهدى والرحمة على البينة. أما الأقوام البائدة فلم يزد فيها على البينة ولم يذكر هدى ولا رحمة، ذلك أنهم عذبوا وهلكوا. أما قوم سيدنا محمد فقد هدوا ورحموا. وقال في الأقوام البائدة: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} بتأنيث الفعل لأنها يراد بها المعجزات الدالة على صدق الرسول. وأما في سيدنا محمد فقد قال: {جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} بتذكير الفعل لأن المراد بها القرآن، فقد قال تعالى في سياق هذه الآيات: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 155]. فذكر الفعل لأن المراد به مذكر وهو الكتاب. 4- قال: {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} فقدم الرحمة على الجار والمجرور {مِنْ عِنْدِهِ} وذلك لأن الكلام على الرحمة، فقد قال في تمام الآية: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} فالكلام على الرحمة. في حين قال في السورة نفسها في موطن أخر: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} [هود: 63] فقدم الجار والمجرور المتصل بضمير الرب أي (منه) لأن الكلام على الله لا على الرحمة، ألا ترى إلى قوله: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} فلما كان الكلام على الرحمة قدمها. ولما كان الكلام على الله قدم ضميره عليها. 5- قال: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ}، وهو يقول في مواطن أخرى: {رَحْمَةٍ مِنْهُ} ذلك أنه يستعمل {} بذكر كلمة (عند) لما هو أخص فلا يستعمل ذلك إلا من المؤمنين. وأما مع (من) فيستعملها عامة للمؤمن والكافر (5). قال تعالى: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [يس: 43 - 44]. وقال {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} [هود: 9]. وقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص: 43]. أما مع (عند) فلم يستعملها إلا مع المؤمنين. 6- قال: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أي أبهمت وأخفيت، واستعمل (عميت) دون (أبهمت) أو (لبست) أو نحو ذلك، ذلك أنهم قالوا في الآية السابقة: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} [هود: 27] بذكر فعل الرؤية، ونقيض الرؤية العمى، فلما كانت رؤيتهم لم تهدهم إلى الحق وإلى رؤية البينة ناسب أن يذكر أنها عميت عليهم، فاستعمل (عميت) أنسب بالمقام. ولما ذكر الرؤية ثلاث مرات ناسب تضعيف التعمية. وقرى أيضًا (فعميت) بالتخفيف والبناء للفاعل، أي التبست عليهم البينة. والقراءتان معًا تفيدان أن البينة التبست عليهم وأبهمت فهي ملتبسة ومبهمة، فكان الالتباس مضاعفًا عليهم من كل وجه: من الشيء نفسه ومعمى من غيره فزاد ذلك التباسًا وتعمية. وإيضاح ذلك أنك: (التبس عليه الأمر ولبسته عليه) فالأمر في نفسه ملتبس لا يهتدي إليه صاحبه، فإن زدت على ذلك أنك لبسته أيضًا فإنه يزيد التباسًا. وكما تقول: (عسر عليه فهم المسألة وعُسّر عليه فهمها أيضًا) فجمع ذلك عسرين: عسرها هي وتعسيرها عليه، وكذلك ههنا (عميت عليهم) و(عميت عليهم) فجمعت القراءتان هذين المعنيين. وقال: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} ولم يقل: (فعميتم عنها) تلطفًا في الكلام. فنسب ذلك إلى البيتة لا إليهم. 7- قال: {وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} فقدم الجار والمجرور (لها) على اسم الفاعل ولم يقل (وأنتم كارهون لها) وذلك لإفادة القصر والاختصاص، أي تخصون هذا الأمر بالكراهة. أي أنلزمكم البينة وأنتم تخصونها بالكراهة فلا تكرهون شيئًا ككراهتكم لها. ولو قال: (وأنتم كارهون لها) لأفاد ذلك انهم يكرهونها ولكن لا يخصونها بالكراهة. فلما قدم الجار والمجرور دل على قصر الكراهة عليها، وبين ذلك شدة كراهتهم لها كيف يلزمهم إياها؟ 8- قال: {وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} بالاسم، ولم يقل: (وأنتم لها تكرهون) بالاسم، ولم يقل: (وأنتم لها تكرهون) للدلالة على ثبات هذه الكراهة ودوامها. ولو قال: (تكرهون) لكان ذلك دالًا على الحدوث. فذكر كل شيء يحول بينهم وبين البينة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 114 إلى ص 120. (1) الكشاف 3/95. (2) البحر المحيط 5/216. (3) معاني النحو 2/18. (4) شرح الرضي على الكافية 2/212. (5) انظر كتابنا (على طريق التفسير البياني) 2/204 وما بعدها. الوقفة كاملة |
| ٣٣٩ | {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] قيل: إن هذه الآية من كلام قوم نوح، أي يقولون افترى الوحي على الله. وقال أخرون: إن هذه الآية معترضة في قصة نوح والقائلون مشركو مكة، أي افترى محمد خبر نوح أو افترى القرآن (1). ومنطوق الآية يصلح في كل رسول كذبه قومه ورموه بالافتراء على الله. والرد يصلح على كل من قال هذا القول. فقوم نوح وموه بالافتراء على الله، والرد يصلح ردًا عليهم. وهناك أقوام أخرون رموا رسلهم بالافتراء على الله، والرد يصلح ردًا عليهم. ومشركو قريش رموا سيدا محمدًا بالافتراء على الله. وذكر القرآن ذلك في أكثر من موضع ورد عليهم في كل موضع بما يناسب قولهم. وهذا الكلام يصلح أن يكون في الكلام على سيدنا محمد، والرد يصلح أن يكون ردًا عليهم. فالأمر لا يختلف أيًا كان القائل والجواب يصلح للجميع. واختلف في معنى الآية: فقد قيل إن معناها: إن افتريته فعلى إثم ذلك، وأنا بريء مما ترتكبون من الآثام "والكفر والتكذيب" (2). فكل منا محاسب عما يعمل كما قال تعالى: {أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] وقيل إن معناها: إن افتريته فعلى عقوبة افترائي. ولكن الحقيقة أني برئ مما تنسبونه إلى من الافتراء. وادعاؤكم أني افتريته هو إجرام. فأنت إذا نسيت الافتراء إلى شخص وكان بريئًا من ذلك فأنت مجرم في حقه. جاء في (الكشاف): "والمعنى: إن صح وثبت أني افتريته فعلى عقوبة إجرامي: أي افترائي، وكان حقي حينئذ أن تعرضوا عني وتتألبوا على. {وَأَنَا بَرِيءٌ} يعني ولم يثبت ذلك وأنا برئ منه. ومعنى {مِمَّا تُجْرِمُونَ} من إجرامكم في إسناد الافتراء إلى. فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم" (3). والمعنيان صحيحان يصلحان لكل من قال ذلك. وقال: {إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} ولم يقل: (وأنا برئ من إجرامكم) كما قال: {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} ذلك لأنهم رموه بأمر واحد وهو الافتراء فقال: {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} وأما هم فإجرامهم مستمر من الكفر والتكذيب وغيرهما من الآثام فقال: {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} أي مما أنتم مستمرون عليه من الإجرام. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 141 إلى ص 143. (1) انظر روح المعاني 12/48، تفسير الرازي 6/343، البحر المحيط 5/220. (2) البحر المحيط 5/220. (3) الكشاف 2/97. الوقفة كاملة |
| ٣٤٠ | قصة نوح {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 25 - 26] وردت قصة نوح في أكثر من موضع من القرآن الكريم، غير أنها ليست متطابقة في كل جزئياتها، وإنما يذكر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه، وما يراد أن يسلط عليه الضوء منها. بل قد تكون القصص مكملة إحداها للأخرى، يذكر قسم منها في موضع ويذكر ما يليه في موضع آخر. وهي أطول ما ذكرت في هذه السورة، أعني سورة هود، فهي قد ذكرت في الأعراف ويونس وهـود والأنبياء والمـؤمنـون والشعـراء والعنكبوت والصافات والقمر وختمت في سورة نوح، وهناك إشارات موجزة في مواطن أخرى من القرآن الكريم غير أنها ليست مكررة. ولتوضيح ذلك نقول: 1- لقد وردت القصة في سورة الأعراف موجزة، وهو أول موضع وردت فيه القصة، والطريف أنها بدأت بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} من دون أن تسبق بالواو، وأما في المواطن الأخرى فيقول فيها جميعًا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا} بالواو فكأنها معطوفة على القصة الأولى مع أن هذه الواو فيها كلها ليست عاطفة على ما قبلها وإنما هي استئنافية . فقد قال في هود: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} وليس قبلها ما تعطف عليه، وكذا قال في سورة المؤمنون، وكذا قال في العنكبوت. أما في سورة نوح فقد بدأت السورة بقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} فلا يصح ذكر الواو. بل إنه قد يذكر الواو في غير هذا التعبير أيضًا، فقد قال في سورة يونس: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ}، وقال في الأنبياء: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ}، وقال في الصافات: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ}. وهو لا يذكر الواو عندما تكون القصص الأخرى الواردة في السورة كلها لا تذكر فيها الواو وذلك في سورتي الشعراء والقمر. فإن جميع القصص الواردة في الشعراء ابتداء من قصة نوح تبدأ بنحو قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}، فقد قال: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ}، وكلها على نمط واحد في السورة، تستأنف كل قصة على حدة. وكذلك في سورة القمر، فقد قال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}: وقال: {كَذَّبَتْ عَادٌ}، وقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ}، وقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ}. وهي على نمط واحد تبدأ بقصة نوح على هذا النمط وكلها من غير واو. إن قصة نوح في الأعراف تبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله، دعوة الرسل جميعًا، فقد قال لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59]. فأجابوه بقولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فرد عليهم أنه ليست به ضلالة وإنما هو رسول من رب العالمين. فكذبوه فنجاه الله ومن معه وأغرق الذين كذبوا. وهذا هو نص القصة: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: 59- 64]. ولم يذكر أن له أتباعًا معه وذلك أنه كان في ابتداء الدعوة. ٢- وأما القصة في يونس فكانت كأنها استكمال لما ورد منها في الأعراف. فهو لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله ولم يذكر ماذا قال له قومه، وإنما كان كلامه على شخصه هو، وأنه إن كان كبر عليهم تذكيره بآيات الله فليفعلوا به ما يشاؤون ولا يمهلوه، وأنه لم يسألهم على دعوته لهم أجرًا، وإنما أجره على الله، فكذبوه فنجاه الله وأغرق الذين كذبوا. ولم يذكر له أتباعًا ولا أنهم عرضوا بأتباعه، إذ لا تزال الدعوة في مهدها. وهذا هو نص القصة في يونس: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} فأنت ترى أنه اكتفى بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف، ولم يكررها في يونس واكتفى برد قومه عليه في الأعراف بأنهم يرون أنه في ضلالة، ولم يكرر ذلك في يونس. وكلام نوح في يونس في الرد عليهم ليس تكرارًا لما قاله في الأعراف، بل ذكر جوانب أخرى استكمالاً لما ذكره في الأعراف، ثم إنه تحداهم وهو ما لم يفعله في الأعراف، فكانت القصة استكمالاً لما ورد في الأعراف. 3- وأما في هود فالقصة طويلة، فقد ذكر أنه لهم نذير مبين، وأنه دعاهم إلى عبادة الله، وذكر ردّ الملأ الذين كفروا عليه، وقد أفاضوا في ردهم عليه. وظهر أن له أتباعًا وهو ما لم يذكره في الأعراف ولا في يونس، إذ قد كانت الدعوة في مهدها، وذكر رأي الملأ في هؤلاء الأتباع وأنهم كانوا يزدرونهم. وكان هناك كلام طويل وجدال بينهما حتى قالوا له: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} وذكر كيفية النجاة التي لم يفصل فيها فيما سبق في الأعراف ويونس، فذكر صنع الفلك واستهزاءهم به، وذكر حمل ما يحمل ومن يحمل فيها وجريان الفلك وغرق ابنه إلى أن انتهى الأمر وقضي واستوت السفينة وهبوطهم بسلام. وهي أطول ما ذكر من القصة وأكثر تفصيلاً من كل المواطن الأخرى. فهي كانت استكمالاً وتوضيحًا لما ورد في القصتين السابقتين. 4- وأما في الأنبياء فالقصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ، وإنما في سياق نجاة الأنبياء من أقوامهم واستجابة دعاء من دعا منهم. فقد ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه، واستجابة دعاء أيوب واستجابة دعاء ذي النون وزكريا. وهذا نص ما ورد فيها: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} وهو متناسب مع سياق ما ورد في السورة من قصص الأنبياء. 5- وأما في سورة المؤمنون فقد ذكر القصة بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك، فذكر قصة نوح والنجاة الفلك مناسبة لذكر الحمل على الأنعام والفلك، فقد جاءت القصة بعد قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون: 21 - 22]. وأما الجانب المذكور من قصة نوح فهو لا يطابق ما ورد من القصص فيما سبق، فإنه بلغهم بالدعوة فقال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} ولم يقل شيئًا آخر. وإن قومه لم يواجهوا بكلام ولا قالوا له شيئًا، بل إنهم كانوا يذكرون رأيهم فيه في غيبته وفي مجالسهم. ففي سورة هود ذكر ما كان يواجههم به ويواجهونه، وما كان يجادلهم به ويجادلونه، أما في المؤمنون فقد ذكر ما يحصل بعد ذلك، بعد الافتراق وفي مجالسهم، وهذا كأنه كان استكمالاً لما حصل في هود. ثم ذكر أنه دعا ربه لينصره، وهي أول مرة يدعو فيها نوح بصورة صريحة، فقد قال: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُون} وهذه هي القصة: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} 6- وأما في سورة الشعراء فقد قال تعالى في قوم نوح ما قاله الأقوام الأخرى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} وهو نحو ما قاله في الأقوام الأخر وفي رسلهم. ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم فكانت كلها على نمط واحد. وإضافة إلى هذا فإن قصة نوح كأنها استكمال لما قبلها وليست مماثلة لها. فقد دعا نوح قومه فيما سبق إلى عبادة الله {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} أو {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}. وأما في هذه السورة فقد طلب منهم تقوى الله وطاعة رسوله ولم يأمرهم بالعبادة فقد قال لهم: { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. والتقوى إنما تكون بعد الأمر بالعبادة فهي استكمال للأوامر السابقة. ولم يذكر أنهم كذبوه وإنما اعترضوا على أتباعه قائلين: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ}. وهددوه إن لم ينته بالرجم. فدعا ربه قائلاً إن قومه كذبوه وطلب النجاة له ولمن آمن، فاستجاب له ربه فأنجاه ومن آمن معه وأغرق الآخرين. وهذا هو نص ما جاء في الشعراء. {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} 7- وأما في سورة العنكبوت فإنه لم يذكر دعوته لقومه ولم يذكر موقف قومه، وإنما ذكر مدة لبثه في قومه وأن قومه أخذهم الطوفان لظلمهم وأنجاه الله ومن معه. وهذا ما ورد في القصة في هذه السورة. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ} 8- وأما في سورة الصافات فإنه ذكر أن نوحًا دعا ربه وأن ربه أجابه وأنه نجاه وأهله من الكرب العظيم وأنه جعل ذريته هم الباقين مما لم يذكر في المواطن الأخرى، فإنه ذكر فيها ما كان بعد نوح وبعد النجاة، وماذا ترك عليه في الآخرين، وذكر أنه أغرق الآخرين، ولم يذكر من هم الآخرون ولماذا أغرقهم. وهذا ما ورد فيها: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ} 9- وأما في سورة القمر فإنه قال كما قال في بقية الأقوام:{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح}، وكذلك قال في الأقوام الأخرى: {كَذَّبَتْ عَادٌ} {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ}. فالقصة على نمط ما ذكر في السورة من القصص. وهي لم تذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله، وإنما ذكر تكذيب قومه وزجرهم له، ثم إنه دعا ربه أنه مغلوب، والمغلوب إنما يطلب النصر، فطلب النصر قائلًا: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فأجابه ربه إلى ذلك. وقد تقول: وما الفرق بين القصص في سورتي القمر والشعراء وهي كلها تجري على نسق واحد؟ فنقول: إن المشهد يختلف في السورتين. ففي سورة الشعراء كان يذكر ماذا تقول الرسل لأقوامهم، وإلى ماذا كانوا يدعونهم، فكان كل رسول يقول لقومه: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. وأما في سورة القمر فلم يذكر دعوة الرسل لأقوامهم، وإنما ذكر فيها تكذيب أقوامهم لرسلهم وعاقبة التكذيب، وكان التعقيب على القصص كلها واحدًا، وهو قوله بعد كل قصة: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} فالقصص في سورة القمر تذكر جانبًا آخر وصورة أخرى من صور القصص القرآني، وإن قصة نوح على نمط القصص الأخرى في السورة، فهي لوحة متناسبة. وإليك ما جاء في سورة القمر: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} 10- وأما في سورة نوح وهي آخر موطن تذكر فيها قصة نوح وآخر موطن يذكر فيها اسم نوح فإنها تختلف عن كل ما جاء في القصص القرآني من هذه القصة. فإنها هنا أشبه بتقرير نهائي قدمه نوح إلى ربه في مسار دعوته، وموقف قومه منه. فهو هنا لم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء وإنما ذكر ماذا قال لهم وكيف واجهوه، فقد قال ربنا: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فأمره ربه بإنذار قومه. فقال نوح مستجيبًا لأمر ربه: {يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} فهو تنفيذ لأمر ربه {أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ}. فقد قال له ربه: {أَنْذِرْ قَوْمَكَ}، فقال لهم نوح: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } ثم ذكر إلى ماذا دعاهم، وذلك قوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} ثم ذكر نوح لربه ماذا كان منه ومنهم. فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا .....}، إلى آخر ما قال. {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ......} إلى آخر ما ذكر. ثم ذيل التقرير بمقترح وهو خاتمة التقرير فيهم، وهو أن يهلكهم كلهم فلا يترك كافرًا على وجه الأرض فقال: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} وقد علل هذا المقترح بقوله: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات فلعله أن يكون قد قصر في شيء من عمله. وهو تقرير عجيب جمع فيه خلاصة ما حصل في رحلته الطويلة مع قومه وذيله بمقترحه. فقد قال في الأعراف والمؤمنون: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وقال في هود: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}. وقال في الشعراء: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } وقال في التقرير النهائي في سورة نوح: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} فجمع ما جاء في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء. فإنه قال في الأعراف والمؤمنون: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وقال في سورة نوح: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ } وقال في هود: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} وكذلك قال في سورة نوح. وقال في الشعراء: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } ونحوه قال في سورة نوح. فجمع فيها كل ما قاله نوح في كل ما ورد من القصص القرآني. حتى إنه جمع في سورة نوح بين القول الصريح و(أن) المفسرة أو المصدرية فقال: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ } وهو ما تفرق في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء. فقد قال في الأعراف والمؤمنون: {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وقال في الشعراء: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} بذكر القول. وقال في هود: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} ولم يجمع بينهما في القصة في موطن آخر. ثم ذكر موقف قومه، فذكر أنهم عصوه واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا، وأنهم مكروا مكرًا كبارًا. ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة وهي أنهم أغرقوا، وهذا في الدنيا، وأنهم أدخلوا نارًا، وهذا في الآخرة، فهو تقرير جامع مع ذكر العقوبة الجامعة في الدنيا والآخرة. وقد وافق ربنا على طلبه مبينا سبب الإجابة وهو قوله: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} فإنه حصل ذلك الخطيئات لا بسبب آخر. ثم ختم التقرير بالدعاء بالمغفرة لأوسع مجموعة من المؤمنين وهو ما لم يذكر في غير هذا الموطن من القرآن فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}. ولم يذكر دعاء بمثل هذا التفصيل في طلب المغفرة وذلك مناسبة للتقرير الجامع. ذكر الدعاء في القصة: من الملاحظ في مسار قصة نوح أنه لم يدع بالنجاة في سورتي الأعراف ويونس؛ لأن الدعوة كانت في مهدها فلا يناسب طلب النجاة. وكذلك في سورة هود فإنه لم يدع بالنجاة وإنما أخبره ربه في هذه السورة أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وأمره بصنع الفلك، وقال له ربه: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} فعلم من ذلك أنهم ناجون لأنه قال له إنه سيغرق الذين ظلموا. وأول دعاء صريح له كان في سورة المؤمنون وهو قوله: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ}، فطلب النصر. وهذا أول دعاء صريح. قد تقول: لقد قال ربه في هذه السورة أيضًا: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}، كما قال في سورة هود، فلم دعا لنفسه ولم يكتف بما أخبره ربه فيعلم أنه ناج من غير دعاء؟ فنقول: إن الأمر مختلف في السورتين، فإنه في سورة المؤمنون قال له ذلك بعد الدعاء فكأنه استجابة لدعائه. وأما في سورة هود فقد قاله ربه ابتداء فلا حاجة إلى طلب النجاة بعد إخباره، فاختلف الأمر. وكل تعبير مناسب في مكانه، فإن سورة المؤمنون بعد هود في تسلسل السور، ومن المناسب أن يكون الطلب والدعاء بعد أن يمضي وقت طويل مع قومه وأن ينال من أذاهم الكثير فيلجأ إلى الدعاء فأخر الدعاء إلى الموقف المتأخر. ولما اشتد عليه الأمر في سورة الشعراء وهددوه بالرجم ونالوا منه ومن المؤمنين قائلين له: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} و{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} دعا بالنجاة له ولمن معه من المؤمنين. وقد تقول: ولم دعا لنفسه فقط بالنجاة في سورة المؤمنون ولم يذكر معه من آمن كما فعل في الشعراء؟ فنقول: إن قومه لم يذكروا من معه من المؤمنين في سورة المؤمنون فدعا لنفسه ولم يذكر من معه، فإنه لم يرد لهم ذكر. ولما ذكروا من معه في الشعراء دعا لنفسه ولمن آمن معه قائلاً: {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. ولم يذكر له دعاء صريح في سورة الصافات، فإنه لم يذكر له موقف مع قومه، وإنما ذكر ربنا أن نوحًا ناداه فاستجاب له. وأما في سورة القمر فقد دعا لنفسه ولم يذكر من آمن، ذلك لأنه ذكر تكذيب قومه وزجرهم له ولم يرد ذكر لمن معه فقال: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}. وكان الدعاء بطلب النصر وليس بطلب النجاة؛ لأنه ذكر أنه مغلوب، وذكر الانتصار هو الأنسب مع المغلوب. وأما في سورة نوح والتي هي التقرير النهائي فنرى نوحًا يدعو على قومه بأن يهلكهم الله جميعًا قائلًا: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} وهذا هو الموطن الوحيد الذي دعا فيه على قومه بالهلاك ولم يدع لنفسه بالنجاة، في حين كان يدعو بالنجاة في القصص الأخرى. ذلك أن هذا هو الموقف الأخير، فدعا ربه أن يكون هؤلاء الكفرة آخر عهدهم في الدنيا أن يستأصلهم جميعًا. ولم يدع لنفسه بالنجاة، فإنه إذا أهلك الله الكافرين فقد نجا المؤمنون منهم ومن شرورهم فلا داعي لطلب النجاة، فإنه رأى أن المقام لا يناسب الدعاء بالنجاة بعد هلاكهم فإن هذا من باب تحصيل الحاصل. وإنما دعا بالمغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات لأن هذا هو المناسب، فإن الدعاء بالمغفرة في خواتيم الأمور هو الأنسب، ألا ترى إلى قوله سبحانه: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: ١٥٧] فجعل خاتمة الحياة لهؤلاء المغفرة، وأنه رسوله في آخر سورة نزلت عليه وهي سورة النصر بالاستغفار فقال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3]. وكان رسول الله يدعو إذا أوى إلى فراشه قائلاً: (إن أمسكت نفسي فاغفر لها) فطلب المغفرة عند طي صفحة الحياة. وقد يكون بعد ذلك كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10]. وقد يكون يوم الحساب وقد دعا سيدنا إبراهيم قائلاً: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]. وقد يطلب المؤمنون المغفرة في عرصات القيامة كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8]. ومن الملاحظ أنه لم يرد التصريح بذكر المؤمنين في دعاء نوح بالنجاة، أو في أمر الله له أن يحمل معه من آمن إلا حيث ورد ذكر المؤمنين وازدرائهم في القصة وذلك في مكانين: الأول: في سورة هود حيث قال الملأ الذين كفروا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} وقد جرى ذكرهم أيضًا في بقية القصة فقال له ربنا: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ}. والآخر: في سورة الشعراء حيث قالوا له: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] فدعا نوح لنفسه ولهم قائلاً: {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 118]. فذكر وصف الإيمان لمن معه. وحيث لم يرد لهم ذكر فإنه يذكر النجاة له ولمن معه على العموم من دون تقييد بذكر صفة الإيمان فإنه مفهوم من المقام. ذكر الناجين: تختلف المواطن في قصة نوح في ذكر الناجين: فهو أحيانًا يذكر نجاته ومن معه ولا يذكر أهله مكتفيًا بذكر من معه. وأحيانًا يذكر أهله ولا يذكر معهم غيرهم. وأحيانًا يذر أهله ومن معه. وأحيانًا يذكر نوحًا ولا يذكر أحدًا معه لا من أهله ولا من غيرهم. وهذا يجري على وفق ضوابط دقيقة. فحيث يذكر تبليغ قومه يذكر من معه وقد يذكر أهله معهم. ففي سورة الأعراف قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} فقال في النجاة: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} وفي سورة يونس قال: {} فقال في النجاة: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} وفي سورة هود قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ....} فقال في النجاة: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ} وفي سورة المؤمنون قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } فقال في النجاة: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} وقال في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} فقال في النجاة: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} وقال في سورة العنكبوت: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} فقال في النجاة: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَة} وحيث لم يذكر تبليغ قومه ذكر أهله فقط وذلك في سورة الأنبياء فإنه قال: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} فذكر أهله ولم يذكر من معه، فإنه ذكر دعاءه ولم يذكر تبليغ قومه. وفي سورة الصافات قال تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} فذكر أهله ولم يذكر من معه، فقد ذكر دعاءه ولم يذكر قومه. أما في سورة القمر فقد ذكر نجاته ولم يذكر معه، لا أهله ولا الذين معه، فإنه دعا ربه {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فنصر المغلوب. وذكر الأهل ومن معه في مكانين: الأول: في سورة هود، وقد ذكر الأهل لما ورد في القصة من ذكر مناداة نوح لابنه ليركب معه، ومناداة نوح ربه قائلاً: { رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} فناسب ذكر أهله. والموضع الآخر: في سورة المؤمنون وذلك مناسبة لجو السورة. فمما بدأت به السورة قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [المؤمنون: 5 - 6]. والأزواج أهل، وأهل الرجل زوجه. ثم ذكر خلق الإنسان وتطوره من سلالة من طين إلى نطفة في قرار مكين إلى أن أنشأه خلقًا آخر، وهذا إنما يكون في رحم الأزواج، والأزواج أهل، وإن ذلك إنما يكون بين الرجل وزوجه. ثم إنه ذكر في السورة بعضًا من الرسل وذوي قرباهم، فقد ذكر موسى وأخاه هارون فقال: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [المؤمنون: 45] ثم ذكر ابن مريم وأمه فقال: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50]. وذكر البنين، والبنون من الأهل فقال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 – 56] فناسب ذكر الأهل في النجاة. خاتمة القصص: إن خاتمة القصص ونهاياتها ليست متطابقة في جميع المواضع، بل إن كل موضع مناسب للسياق الذي وردت فيه، كما إن النهايات قد يكمل بعضها بعضًا. فقد قال في الأعراف: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: 64]. وقال في يونس: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} [يونس: 73]. فقد وصف قوم نوح في الأعراف بأنهم كانوا قومًا عمين، وذلك أنهم قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فإنهم لما وصفوه بالضلال ناسب أن يصفهم بالعمى من جهتين: الجهة الأولى: أنهم قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ} وضد الرؤية العمى، فإن الذي لا يبصر أعمى، فناسب أن يصفهم بالعمى لأنهم في الحقيقة لا يرون. وقال: (عمين) ولم يقل: (عُمْي) لأن العمي هو أعمى القلب والبصيرة، والأعمى أعمى البصر. والرؤية في قولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} رؤية قلبية فوصفهم بعمى القلب فقال: {عَمِينَ } مناسبة للرؤية القلبية. والجهة الأخرى: أنهم وصفوه بالضلال ولم يتبين لهم الهدى وعموا عنه، فناسب وصفهم بالعمى. وأما في يونس فقد أنذرهم وذكرهم ولم يردوا عليه بشيء فناسب أن يقول: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}. ثم ذكر أنه نجاه ومن معه وجعلهم خلائف؛ وذلك مناسبة لما تقدم في السورة من قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 13 - 14]. فناسب قوله: {جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ} قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ}. وأما في هود فالمشهد طويل، والقصة مفصلة وقال في خاتمتها: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. والهبوط إنما هو بعد الركوب والجري والاستواء على الجودي مما لم يذكره في الأعراف ويونس. ثم إن المشاهد متسلسلة. فقد قال في الأعراف: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ}. وذكر في يونس أنه جعلهم خلائف وهي بعد النجاة في الفلك. وقال في هود: {يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ} فطلب منه الهبوط وهي مرحلة بعد النجاة في الفلك. ثم قال: {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وهي مرحلة تأتي بعد قوله في يونس: {جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ}. فقد ذكر في يونس أنه جعل الناجين خلائف. وذكر في هود من يكون بعدهم من الأقوام. وأما في المؤمنون فقد قال: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 29]، وهذا إنما يكون بعد الهبوط، فطلب المنزل إنما يكون بعد الهبوط من السفينة. فبعد الهبوط بسلام دعاه إلى أن يطلب المنزل المبارك. وأما في الشعراء فالقصة متناسبة مع القصص في السورة. فقد بيّن وحدة الرسالة وأن الأنبياء دعوا إلى أمر واحد، وكان موقف أممهم منهم واحدًا وكان التعقيب واحدًا. فنوح قال لقومه: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: ١٠٦ - 110]. وكذلك قال هود: [الشعراء: 124 - 127]. وكذلك قال صالح: [الشعراء: 142 - 145]. وكذلك قال لوط: [الشعراء: 161 - 164]. وكذا قال شعيب: [الشعراء: 177 - 180]. وكان التعقيب واحدًا وهو قوله: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. وذلك بعد هلاك قوم نوح ۱۲۱، ۱۲۲ وهلاك عاد 139، 140، وهلاك ثمود 158، 159، وهلاك قوم لوط 174، 175، وأصحاب الأيكة 190، ۱۹۱. فهي متناسبة القصص الواردة في السورة في وحدة الرسالة، والخاتمة، والتعقيب. ثم ذكر أن الفلك مشحون، أي ممتلئ، ولم يذكر ذلك في موضع، وأما في سورة العنكبوت فقد قال: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 15] وهذا هو الموطن الوحيد الذي ذكر فيه لفظة السفينة في قصة نوح. وقد بينا في كتابنا (أسئلة بيانية) سبب اختيار السفينة على الفلك في هذا الموطن، وما الفرق في الاستعمال القرآني بين السفينة والفلك فلا نعيد القول فيه. ثم بين أمر السفينة فقال فيها: {وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ} فذكر أنه جعلها آية للعالمين، ومما قيل في معنى ذلك أنه أبقاها بعد ذهاب نوح لتكون آية لمن بعده، فقد قيل إنها بقيت زمانًا طويلاً على الجودي يشاهدها المارة (1). ولم يذكر ذلك في موطن آخر. فذكر أمر الفلك في الشعراء عند النجاة ووصفه بأنه مشحون. وذكره هنا بعد خلوه مما فيه وأنه جعله آية للعالمين. وأما في سورة الصافات فقد قال: {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} [الصافات: 76 - 77] فذكر نجاته وأهله ولم يذكر من معه. وهذا من دقيق مراعاة المقام، فإن المقام لا يناسب ذكر من معه، وذلك أنه قال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} أي جعل ذريته هم الباقين على قيد الحياة، وأما من نجا معه من المؤمنين فقد هلكوا وبادوا، وإن البشر بعدهم إنما هم من ذرية نوح فهو أبو البشر الثاني والأول هو آدم. فلو قال: {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} ثم قال بعد ذلك: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} لدل ذلك على أنه أهلك من معه من المؤمنين، وأبقى أهل نوح وذريته، وهذا لا يناسب مع ذكر النجاة، إذ سيكون المعنى أنه أنجاهم من الماء ليهلكهم على اليابسة ويبقي ذرية نوح وحده. فلما ذكر أنه أبقى ذريته وحدهم ناسب ذكر نجاة أهله وعدم ذكر الآخرين. وأما في سورة القمر فقد ذكر أن نوحًا دعا ربه {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فذكر نجاته ولم يذكر أحدًا معه، ذلك أنه دعا لنفسه فذكر نجاته فقط. ثم ذكر السفينة التي حملته فقال هي: {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} ولم يذكر ذلك في موطن آخر. وهذه هي المرة الوحيدة التي ذكرت فيها صفة السفينة وأنها تجري برعاية الله، ثم ذكر مآلها بعد ذلك فقال: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. فذكر في سورة هود حال نوح وهو يصنع الفلك ومرور قومه عليه ساخرين. وذكر هنا حال السفينة وشأنها. فكأن ما ذكره في سورة القمر استكمال لما ورد في السور قبلها. وقد تقول: لقد دعا نوح في سورة القمر لنفسه فقال: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فذكر نجاته ولم يذكر أحدا معه. وقد دعا في سورة المؤمنون لنفسه أيضًا فقال: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} فذكر نجاته ونجاة أهله وذكر من معه، فما الفرق؟ فنقول: لقد دلّ السياق في سورة المؤمنون على أن هناك مؤمنين. فقد قال: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ}، فذكر قول الذين كفروا من قومه، ومعنى ذلك أن هناك من قومه من آمن. وقال: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} ومعنى ذلك أنه من لم يكن من الذين ظلموا لا يغرق، فدل ذلك على أن هناك صنفًا غير المذكورين. ثم أمره ربه إذا استوى هو ومن معه على الفلك أن يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} فذكر أن هناك من استوى معه على الفلك وليس هو وحده. وطلب أن يكون الدعاء بصيغة الجمع {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ووصف القوم الذين نجاه منهم بأنهم ظالمون. فالأمر مختلف عما في سورة القمر. فإنه لم يذكر في سورة القمر أن معه من آمن، ولم يجعل قومه على قسمين: قسم مؤمن وقسم ظالم ولو على سبيل التضمن أو الإشارة. وإنما ذكر تكذيب قومه على جهة العموم فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} وقال: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}، وهذا قولهم على العموم وليس كما قال في المؤمنون: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} فهو وحده بإزاء قومه فناسب ذكره هو. فكان كل تعبير مناسبًا لسياقه الذي ورد فيه. وأما سورة نوح فقد ذكرنا ما فيها. فتبين أن القصة ليست مكررة وأنه ذكر في كل مكان أمرًا لم يذكره في فتبين المواطن الأخرى. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 85 إلى ص 107. (1) انظر روح المعاني 20/143، تفسير ابن كثير 3/407. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 25 – 26] الواو في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} ابتدائية. وقوله: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} على إضمار القول (1) أي فقال: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}. وقوله: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} يحتمل أن يكون معلقًا بـ (أرسلنا) أي أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله كما في قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [المؤمنون: 32] أي أرسلناه بهذا الأمر. كما يحتمل أن يكون معلقًا بقوله: (نذير) أي إني لكم نذير بأن لا تعبدوا إلا الله، كما في قوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: ٢ - 3] والمعنى أني أنذركم بهذا الأمر. ويحتمل أيضًا أن تكون مفسرة للإرسال، أي لقد أرسلنا نوحًا والرسالة هي {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}. كما يحتمل أن تكون مفسرة للإنذار (2) أي قال لهم: إني لكم نذير مبين. وإنذاري لكم هو {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ .....} والمعنى أنه سبحانه أرسل نوحًا بعبادة الله وعدم عبادة غيره، وأن نوحًا بلغهم وأنذرهم بذلك. فدلت الآية على ما قاله نوح وما أرسل به وما أنذرهم به. قد تقول: لقد قال تعالى في سورة الأعراف: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59]. فصرح بالقول وذلك قوله: {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وكذا قال في سورة المؤمنون ۲۳. وقال ههنا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ …. أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} فجاء بـ (أن) فما الفرق؟ ما الفرق بين قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} بالتصريح بالقول. وقوله في سورة المؤمنون مثلاً: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} بذكر (أن)؟ والجواب: أنه إذا صرح بالقول فقال: {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} فذلك ما قاله لقومه وبلغهم به. وأما إذا ذكر (أن) فالمعنى مختلف. فقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ …. أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}، أي أرسلنا بهذا الأمر، أي إن هذه هي الرسالة التي أرسلناه بها وليس هذا قوله. وكذا قوله في سورة المؤمنون: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، أي أرسلناه بهذا الأمر، أي هذه هي الرسالة التي أرسلناه بها، فـ (أن) مصدرية أو مفسرة. فقوله في الأعراف: « أعبدوا الله ما لكر من إله غيره "هو قول نوح لقومه. وقوله في المؤمنون: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 32] هو الرسالة التي أرسلناه بها إليهم وليس قول نوح. وكذا قوله في سورة هود كما أوضحنا. قد تقول: لقد ذكرت أن قوله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} على إضمار القول، فما الدليل على ذلك؟ ولم لم تعلقه بـ {أَرْسَلْنَا} كما في قوله: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}؟ والجواب: أن الدليل على إضمار القول هو كسر همزة (إنّ)، ولو كان معلقًا بـ {أَرْسَلْنَا} لفتحت الهمزة كما هو معلوم. وهناك قراءة متواترة بفتح الهمزة أيضًا، فيكون المعنى على التعليق بـ {أَرْسَلْنَا} ويكون المعنى على ذلك أنه أرسله بالإنذار وما بعده. وقد أنزلت هاتان القراءتان المتواترتان لتدلا على أن نوحًا أرسل بذلك وأنه بلغهم بما أرسل به. قد تقول: ولم حذف القول في قوله: {أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.} ولم يصرح به فيقول: (فقال إني لكم نذير مبين)؟ والجواب: أنه لو ذكر القول لوجب كسر همزة (إن) كما هو معلوم، ولكان المعنى أن ذلك قوله، ولا يفيد معنى آخر. فلما حذف القول صح أن تفتح همزة (إن) وأن تكسر فيكون لكل منهما معنى. فالكسر يدل على القول، والفتح يدل على التعليق بالإرسال، فجمع بين المعنيين، فدل ذلك على أن هذا ما أرسل به وهو ما بلغه. وهو الأولى. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 107 إلى ص 110. (1) انظر روح المعاني 12/35 – 36، البحر المحيط 5/214. (2) انظر الكشاف 2/94، البحر المحيط 5/214، روح المعاني 12/36. {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} لقد وصف اليوم بأنه أليم، واليوم لا يكون أليمًا وإنما يقع فيه الألم. وهو تعبير مجازي يدل على اتساع الألم وشدته في ذلك اليوم ووقوعه فيه على سبيل الاستغراق بحيث يكون اليوم كله شاملًا للألم. ولو قال: (إني أخاف عليكم عذابًا أليمًا) لاحتمل أن يكون ذلك في وقت من الأوقات دون سائر اليوم. فلما قال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} دل على أن الألم شامل لليوم كله وليس في وقت منه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه إذا ذكر اليوم مع العذاب كما في الآية كان العذاب عامًا وليس خاصًّا بفرد. وإذا لم يذكر اليوم فقد يكون العذاب واقعًا على فرد واحد وذلك نحو قوله تعالى: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25]. ومن الملاحظ أنه لم يوصف اليوم بأنه عظيم أو كبير أو محيط إلا في سياق العذاب ولم يرد في الجزاء الحسن أو في الجنة. فلم يقل في يوم دخول الجنة يوم عظيم أو كبير. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 110 إلى ص 111. الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 331 إلى 340 من إجمالي 396 نتيجة.