| ١٧٤١ |
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ وفي إجابَتِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ السَّيِّدَ إذا التَزَمَ إجابَةَ عَبْدِهِ كانَ إجابَةُ العَبْدِ لِسَيِّدِهِ أوْجَبَ التِزامًا لِاسْتِغْناءِ السَّيِّدِ وحاجَةِ العَبْدِ، فَحِينَ كانَ الغَنِيُّ مُجِيبًا كانَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ المُحْتاجُ مُسْتَجِيبًا
الوقفة كاملة
|
| ١٧٤٢ |
لطالما ارتبط مفهوم التربية مع وجود المرأة، فعندما نتحدث عن الطفل، نتحدث عن الأم مباشرة، دون أن نلقي الضوء على دور الأب في هذه التربية، وأهمية دوره في بناء شخصية الطفل. وبما أننا نعيش في مجتمع شرقي تكون فيه للرجل صلاحية تحديد مختلف أمور البيت..
فقد يلقي على عاتق المرأة مسؤولية التربية كاملة، ليس فقط لأنه مشغول بتوفير لقمة العيش، بل قد يكون جهلاً منه بأهمية وجوده في مراحل تربية الطفل، وما يخصه في بناء شخصيته بشكل متوازن. فالأسرة المكونة من زوج وزوجة وأبناء، تحتاج إلى منهجية خاصة ودعائم قوية في علاقاتها في ما بينها، وفي معاملاتها مع أفرادها، حتى تستطيع تحقيق السعادة وتحصيل الغايات والأهداف المنشودة.
إن وجود الأب في حياة الأطفال، يعني الحماية والرعاية، يعني القدوة والسلطة والتكامل الأسري، فالأطفال بحاجة إلى أن يشعروا بأن هناك حماية ورعاية وإرشاداً يختلف نوعاً ما عما يجدونه عند الأم، وبأن الأب هو الراعي الأساسي للأسرة، وهو المسؤول عن رعيته، فوجود الأب كمعلم في حياة الطفل، يعتبر من العوامل الضرورية في تربيته وإعداده..
بالرغم من أن الأم هي الأساس في حياة الطفل منذ الولادة، إلا أن دور الأب يبقى أهميته من نوع آخر، وذلك من خلال تقديم الحنان الأبوي، والسهر على حياة الطفل وحمايته من كل أذى، بالتواصل معه والتقرب منه، فينمو الطفل ويكبر على أسس تربوية سليمة، فالأدوار التي يقوم بها كل من الأب والأم مهمة جداً في الإنماء التربوي للطفل، رغم اختلافها.
إن بعض الآباء يظنون أن دور الرجل يقتصر على تأمين السكن والملبس والمصاريف، ويعرفون مفهوم رب الأسرة بأنه ذلك الديكتاتور المتسلط الحازم في كل شيء، لكن هذا خطأ فادح، فمشاركة الأب في تربية الأبناء شيء في غاية الأهمية، لما له من تأثير قوي في شخصية الأبناء، فالأب يستطيع تحقيق التوازن الأسري، من خلال اهتمامه بأبنائه ومصاحبتهم ومعرفة أفكارهم وميولهم وهواياتهم..
ويحاول أن يساعد في حل مشاكلهم، ومعرفة أصدقائهم، ويكون لهم الصديق المخلص الموجود دائماً، حتى لو كان غائباً، تبقى مبادئه وأفكاره راسخة في أذهان الأطفال، كما أنه عليه إرشادهم وتقويمهم واستخدام الشدة والحزم، إلى جانب الرفق والتسامح.
فإحساس الأبناء بوجود رادع لهم، يجعلهم على حذر من الوقوع في الخطأ، كما يجب على الأب الاقتراب أكثر من الأبناء، وتمضية الوقت الكافي معهم، وتعويدهم على أسلوب النقاش والحوار، ما يمنحهم الثقة بالنفس، وعليه أن يمنحهم الإحساس بوجود الصدر الحنون الذي يلجؤون إليه عندما يصعب عليهم حل مشاكلهم بأنفسهم..
وبهذا يبعد عنهم مشكلة الضياع. لكن أكثر ما نشهده في مجتمعاتنا، أن الأب أصبح دوره مجرد بنك للتمويل، يكد ويشقى لتوفير لقمة العيش والرفاهية لأبنائه، ويغيب لساعات طويلة عن المنزل، وأصبح كالضيف الذي يحل على البيت ليأكل وينام فقط، لا يعلم بالقرارات التي يتخذها أبناؤه في غيبته، سواء في اختيار الملابس أو الأصدقاء، أو حتى في تحديد مصيرهم التعليمي، أو في ما يرتكبونه من أخطاء.
فمن المسؤول عن تهميش دور الأب؟، هل هي الأم، أو الأبناء؟ أم هو الأب نفسه الذي تنازل عن دوره الحقيقي؟
من المعروف أن مسؤولية تربية الأبناء تقع على الأب والأم على حد سواء، وفي حالة غياب الأب عن الصورة، فهذا يعني أن الأب هو المسؤول عن تهميش دوره في الأسرة، فهو الذي تنازل عن دوره لصالح الأم، وهي مسؤولية، لقوله صلى الله عليه وسلم «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، ومهما تعددت مسؤوليات الأب خارج المنزل، فهذا لا يعفيه من مسؤوليته الأسرية، فدور الأب في تربية الأبناء، لا يقل أهمية عن دور الأم.
فالأب، وكذلك الأم، يجب أن يكونا نموذجاً وقدوة لطفلهما، حتى يكون من السهل على الطفل أن يقلد السلوك الجيد في حياته، بدلاً من تنفيذ نصائح وأوامر لسلوكيات لا يراها، فالأب في نظر أبنائه هو ذلك البطل الذي يقلدونه في كل شيء، في حركاته وتصرفاته، في التواضع والأمانة وفي كل سلوكياته، لأن الطفل يميل إلى اعتبار أن كل تصرفات والده مثالية، من دون أن يشعر الأب بذلك.
لذلك، وجب على الآباء أن يبذلوا جهداً كبيراً في تربية أبنائهم، ويظهروا لهم حبهم وشعورهم بمكانتهم ودورهم الرئيس في حياتهم، وأن يدرك الآباء أن دورهم لا ينتهي عند مرحلة معينة، بل يجب أن يكونوا دائماً موجودين ومنخرطين في حياة أبنائهم.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٤٣ |
أبناؤنا هم ثمرة القلب وعماد الظهر وفلذة الكبد فولدك هو حياة لك فوق حياتك.
أبناؤنا زينة حياتنا وهدية الله سبحانه وتعالى لنا فلابد أن نعطيهم جل اهتمامنا وأن نجعل تربيتهم أكبر همنا قال تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾.
لقد اهتم الإسلام العظيم اهتماماً عظيماً بمسألة الأولاد وذلك من بداية الأمر حيث حث على الزواج بالمرأة الصالحة يقول النبي صلى الله عليه وسلم "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك".
أيها الآباء:
إن أبناءنا يعيشون اليوم في زمن كثرت فيه أسباب الفساد وانتشرت فيه وسائل الشر فتن تموج كموج البحر كما أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
فتن الشهوات والقنوات التي امتلأت بها الديار وعظمت بسببها الأخطار ، وفتن الأسواق والنساء التي يستغلها الأعداء لإفساد أبناء المسلمين وبناتهم، وفتن الأصدقاء والأخلاء الذين قال الله عنهم: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾، وهنا تعظم المسئولية على الآباء في المحافظة الجادة على الأبناء وحمايتهم من مستنقعات الرذيلة والفساد والخنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ".
عباد الله:
إن الأبناء إما أن يكونوا فخراً وزينة ونعمة لآبائهم وإما أن يكونوا شراً ووبالاً ونقمة على أبائهم فالله الذي قال: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾، قال: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ فكم من أبناء اليوم يعذبون أبائهم وكم من أباء يبكون من أبنائهم لأنهم أهملوا تربيتهم في الصغر فعذبوهم في الكبر قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
ولهذا فإن أنبياء الله قد سألوا الله الذرية الطيبة والأبناء الصالحين ولم يسألوه مجرد الأبناء قال تعالى عن إبراهيم أنه قال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ وقال سبحانه عن زكريا عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾.
كم من الآباء من يرى أبناؤه يضيعون الصلاة أو يراهم في الشوارع والأسواق في أوقات الصلاة ثم بعد ذلك لا يضغط عليهم ولا يأمرهم بالمحافظة على الصلاة يقول الله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾، وامتدح الله نبيه إسماعيل فقال: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾، وفي دعاء إبراهيم عليه السلام قال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع".
كم من الآباء من يرى أبنائه ينظرون إلى الأفلام الخليعة والمسلسلات المفسدة التي تخدش الحياء وتظهر فيها صور العاهرات والعاريات من النساء ، أفلام قبيحة قذرة منتنة تفسد الأخلاق وتخرب العقول وتعمي الأبصار والبصائر يتابعها كثير من أبنائنا وبناتنا بمرأى ومسمع من أبائهم وأمهاتهم فويل ثم ويل ثم ويل لذلك الأب الذي يسمح لأبنائه بمشاهدة تلك الأفلام ومتابعتها قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" ولذلك فإن نبينا صلى الله عليه وسلم بعد أن قال مروا أبناءكم بالصلاة لسبع قال مباشرة: وفرقوا بينهم في المضاجع". حتى يتربى الأبناء منذ الصغر على العفة والحشمة والصيانة والديانة قال تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾.
عباد الله:
اسمعوا إلى هذه النصائح الذهبية والوصايا والربانية التي يسديها والد لولده ويعظ بها ابن ابنه قال تعالى عن لقمان الحكيم (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).
وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم ينصح غلاماً طاشت يده في الصحفة كان يأكل بشماله ولم يتأدب بآداب الأكل فقال له: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك".
هذه هي تربية المصطفى صلى الله عليه وسلم وهكذا تكون التربية.
الخطبة الثانية
أيها الآباء:
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ إنها وصية من الله لكم في منْ في أولادكم، إنهم مسئولية في أعناقكم أنتم مسئولون عنهم أمام الله يقول صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلم مسئول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.
عباد الله:
إن على الأب أن يكون وسطاً في تربية أبنائه بين الشدة والتساهل والإرخاء والجفاء فلا تكن ليناً فتعصر ولا صلباً فتكسر فإن من الآباء من يقسوا على أبنائه أكثر من اللازم ومنهم من يتساهل مع أبنائه أكثر من اللازم وخير الأمور الوسط الوسيط وشرها الإفراط والتفريط " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُقبل حسينا فقال إن لي عشرة من الولد ما فعلت هذا بواحد منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لا يرحم لا يرحم".
كذلك يجب على الأب أن يكون قدوة صالحة قال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ فإياك أيها الأب أن يسمعك أبناؤك لعاناً أو سباباً أو شتاماً أو يرونك مخزناً أو مدخناً أو كذاباً فإنهم يقتفون أثرك ويقتدون بك ويعكسون صورتك ويعملون مثل عملك.
كذلك يجب على الأم أن تكون قدوة لبناتها في حيائها وحجابها ولسانها قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾.
أيها الآباء:
إن التربية مسئولية عظيمة ومهمة صعبة لكن أجرها كبير وثوابها عظيم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"، ولا يكون الولد الصالح إلا بالتربية الصالحة وقال صلى الله عليه وسلم " من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن له حجابا من النار يوم القيامة".
فالمحافظة المحافظة على الأبناء والبنات من الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٤٤ |
كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في دينه ؟ وإذا وقع فيها فماذا يتوجب عليه لدرء هذه الفتنة ؟
الجواب
ذات صلة
الحمد لله.
أولاً:
إن صلاح دين المرء في الدنيا يعني سعادته وفوزه في الآخرة ، وإن رأس مال المسلم دينه ، فمن فرَّط فيه وعرَّضه للفتن فقد خاب وخسر ، ومن حافظ عليه واعتنى بتقويته أفلح ونجح ، ولذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم : ( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ) . رواه مسلم ( 2720 ) .
قال المناوي – رحمه الله - :
( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ) أي : الذي هو حافظ لجميع أموري ، فإن مَن فسد دينُه فسدت جميعُ أموره وخاب وخسر في الدنيا والآخرة .
" فيض القدير " ( 2 / 173 ) .
ثانياً:
يستطيع المسلم - بتوفيق الله له – أن يحصِّن دينَه من الفتن وذلك بسلوكه سبيل المؤمنين فيما أوصوا به من أمور ، ومن ذلك :
1. الابتعاد عن بيئة الفساد الديني والخلقي ، فيبتعد عن السكنى في ديار الكفر ، وينأى بنفسه عن مخالطة الفسَّاق ، ومن ابتعد عن وسائل الفساد حفظَ دينه من الضياع بإذن الله ، وتوشك بيئات الكفر ومخالطة أهلها أن تؤثر في الساكن بينهم من المسلمين ، وقد رأينا وسمعنا ما يفطِّر القلب ممن انتكس على عقبيه ، وباع دينه بمتاع من الدنيا زائل ، وكان ذلك بسبب انبهاره ببيئة الكفر وأهلها ، وموت قلبه في السكنى بينهم ، أو بمخالطتهم .
ومما يشبه ما سبق : الابتعاد عن الدخول في معترك الخلافات بين المسلمين ، وخاصة إذا أدَّى الاختلاف بينهم إلى التقاطع والتدابر والعراك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين : تبيَّن له أنه ما دخل فيها أحدٌ فحمد عاقبة دخوله ؛ لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه ، ولهذا كانت مِن باب المنهي عنه ، والإمساك عنها من المأمور به الذي قال الله فيه ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) .
" منهاج السنَّة النبوية " ( 4 / 410 ) .
2. ومما يعين المسلم على تحصين دينه : تقوية إيمانه ، بفعل الطاعات الواجبة ، وترك المنكرات المحرَّمة ، ومن أعظم الطاعات الواجبة : الصلاة ، فيحافظ المسلم على إقامتها في أوقاتها ، بشروطها ، وأركانها ، وخشوعها ، قال تعالى : ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/ من الآية 45 .
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام بعموم الطاعات للنجاة من فتن الدين ، وحذَّر من فتن الدنيا كالمال والنساء والجاه أن تكون سبباً ليبيع دينه من أجلها ، وأخبر أنه قد يكون المرء مسلماً في الليل فيرتد في النهار ! أو يكون مسلماً في النهار فيرتد في الليل .
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ) . رواه مسلم ( 118 ) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :
المهم : أن الرسول عليه الصلاة والسلام حذرنا من هذه الفتن التي كقطع الليل المظلم ، يصبح الإنسان مؤمناً ويمسى كافراً - والعياذ بالله - يومٌ واحدٌ يرتد عن الإسلام ، يخرج من الدَّين ، يصبح فيه مؤمناً ويمسى كافراً - نسأل الله العافية - لماذا ؟ يبيع دينه بعرَض من الدنيا ، ولا تظن أن العرَض من الدنيا هو المال ! كل متاع الدنيا عرَض ، سواء مال ، أو جاه ، أو رئاسة ، أو نساء ، أو غير ذلك ، كل ما في الدنيا من متاع : فإنه عرَض ، كما قال تعالى : ( تبتغون عرَض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ) فما في الدنيا كله عرَض .
فهؤلاء الذين يُصبحون مؤمنين ويمسون كفاراً ، أو يمسون ويصبحون كفاراً : كلهم يبيعون دينهم بعرَض من الدنيا .
نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن ، واستعيذوا دائما من الفتن .
" شرح رياض الصالحين " ( 2 / 20 ) .
وينظر في بيان ما يقوي إيمان المسلم : جواب السؤال رقم ( 34171 ) .
3. ومنه : الدعاء ، وقد أرشدنا ربنا تعالى ، وعلَّمَنا نبينا صلى الله عليه وسلم من جوامع دعائه ما ينفع من أراد حماية دينه من الفتن ، ومنه : قوله تعالى ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم ) في كل ركعة ، ومنه : ( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ ... ) - رواه والترمذي ( 464 ) وحسَّنه ، وأبو داود ( 1425 ) – وهو ما يقوله المسلم في قنوت الوتر ، وغير ذلك كثير ، مما فيه الاستعانة بالله تعالى أن يهدي الداعي للدين القويم ، والصراط المستقيم ، وأن يثبته عليهما ، وأن يدلَّه على خير طريق وأقصره مما يوصله إلى رضوانه تعالى .
4. البُعد عن الرفقة السيئة .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ ) .
رواه أبو داود ( 4833 ) والترمذي ( 2378 ) وحسَّنه .
قال الخطابي – رحمه الله - :
لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته ؛ فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه ، فلا تُغَرِّرْ بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيّاً في دينه ومذهبه .
" العزلة " ( ص 141 ) .
5. تعلم العلم الشرعي ، والرجوع إلى أهل العلم الثقات .
فمِن أعظم ما يرد به المسلم الفتنة في دينه عنه العلم الشرعي ، ولذا كان الجاهل عرضة للفتنة في دينه ، فانظر من يطوف حول القبور ، ومن يعتقد النفع والضر بالأموات ، فإنك إن تأملت حالهم رأيتهم من الجهلاء ، ومن كان منهم على علم فهو ممن باع دينه ليأكل به عرَضاً من الدنيا زائل .
ثالثاً:
ومن وقع في شيء من فتن الدِّين :
1. فليبادر إلى الخروج منها ، والانفكاك عنها بالكلية ، بالتوبة النصوح إلى الله تعالى ، والندم على ما فرط في جنب الله ، والعزم على ألا يعود إليها أبداً .
2. وليغيِّر بيئته إلى بيئة طاهرة نظيفة .
3. وليدعُ ربَّه تعالى – بصدق وإخلاص - أن يخلِّصه منها .
4. وليعقب بعدها بأعمال صالحة ، وليستكثر منها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .
قال تعالى : ( وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) سورة هود/114-115
5. ينبغي على المرء أن يكون على بينة من أمره ، بصيراً بعيبه ، عارفا من أين أُتي ، وكيف تمكن الشيطان منه ؛ فإن كانت فتنته في شهوة الفرج فليسع جاهداً إلى تحصين نفسه بالنكاح ؛ فإن عجز فليستكثر من الصوم ؛ فإنه له وجاء ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
قال النووي رحمه الله : " والمراد هنا أن الصوم يقطع الشهوة ، ويقطع شر المني ، كما يفعله الوجاء " .
وإن كانت الفتنة بغير ذلك من الشهوات أو الشبهات ، فليبادر بعلاجها بنقيضها ، وفيما سبق من أسباب العصمة من الفتن ما ينبه على ذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم
الوقفة كاملة
|
| ١٧٤٥ |
وكذلك من الأخلاق الكريمة مخالقة الناس بالخلق الحسن بالكلام الطيب بدعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، قال النبي ﷺ لبعض أصحابه: اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، والله يقول سبحانه: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]، فمن الأخلاق الكريمة أن تروض نفسك وتجاهدها على أن تعامل الناس بالخلق الحسن، ولاسيما إخوانك وأحبابك وقراباتك وأصدقاؤك وعموم المسلمين، عليك أن تخالقهم بالخلق الحسن، وتحذر سوء الأخلاق، لا تكن فظًا ولا غليظًا ولا شتامًا ولا كذابًا ولا شاهد زور ولا صاحب خصومات بغير حق ولا سيئ الخصومة ولا صاحب أيمان كاذبة، إن خاصمت خاصمت بإحسان وبكلام طيب عند الضرورة، وإن خاطبت خاطبت بإحسان، وإن قابلت أخاك بدأته بالسلام، وإن بدأك بدأت برد السلام عليه، وإن كذبك عن الحق قضيت بإحسان بمكارم الأخلاق لا بالسوء والشتم ولا بالأذى ولا بالعبارات النابية الذميمة، ولكن بالعبارات الطيبة والأخلاق الكريمة والتلطف والإحسان في أخذك وعطائك وسلامك وخصومتك ومقابلاتك وغير ذلك، تخالق الناس بخلق حسن يقول سبحانه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، فكان عليه الصلاة والسلام ذا خلق عظيم مع أصحابه ومع الناس عليه الصلاة والسلام، فعليك أنت -يا عبد الله- بالتأسي بنبيك عليه الصلاة والسلام بالخلق الحسن، حتى ولو مع خصمك، حتى ولو مع خصمك، في الطريق أو في المحكمة لا تقل إلا خيرًا، خذ حقك بالكلام الطيب: يا أخي عليك أن تؤدي حقي إلي أنا أخوك في الله، وأنت أخي في الله، لا يجوز مني الظلم لك، ولا يجوز منك الظلم لي، علينا جميعًا أن نتوخى الحق، وأن نحرص عليه، وأن نؤديه، سواء لنا أو علينا، هكذا المؤمن لا يخاصم بالسب والشتم، ولا بالألفاظ الذميمة، والأخلاق السيئة، لكن بالكلام الطيب والعبارات الحسنة، إن حصل الحق الذي يريد بالطرق الشرعية فالحمد لله، وإلا فالموعد الله، إن ضاع في الدنيا هذا الحق لن يضيع يوم القيامة، تجده أحوج ما تكون إليه يوم القيامة، تجده أنت بأشد الحاجة إليه، فلا تندم إذا ضاع الحق في الدنيا سوف لا يضيع في الآخرة، ولست بحاجة إلى السب والشتم وسوء الخلق والتعدي والظلم، ولكن عليك بالحكمة والكلام الطيب والخلق الحسن مع جيرانك ومع أولادك ومع زوجتك الله يقول: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، ويقول النبي ﷺ: استوصوا بالنساء خيرًا.
فالخلق الكريم مطلوب مع الأمير مع القاضي مع الولد مع الزوجة مع الجار مع سائر إخوانك في الطريق في البيت في السفر في الإقامة في كل مكان تتحرى الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة والمعاملة الطيبة في جميع الأحوال، كل هذا مما دعت إليه الرسل، ودعا إليه نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو دعا إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وحذر من سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم لخير الأخلاق ومكارم الأخلاق، وقد صح عنه أنه قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، هكذا جاء عنه الحديث عليه الصلاة والسلام، يقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وفي لفظ: لأتمم صالح الأخلاق، فقد بعثه الله يدعو إلى صلاح الأخلاق ومكارم الأخلاق وينهى عن سفساف الأخلاق وسيئ الأخلاق.
فأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفات العلا أن يرزقنا وإياكم مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وأن يعيذنا وإياكم من سيئ الأخلاق وسفساف الأعمال، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا ويثبتنا على دينه حتى نلقاه سبحانه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق ولاة الأمور لما فيه رضاه وما فيه صلاح العباد والبلاد.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٤٦ |
وقد تولاها صاحبا الفضيلة: الشيخ محمد بن عبدالرحمن الراوي، والدكتور محمد رأفت سعيد، فيما يتعلق بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وقد سمعتم جميعًا ما قاله الشيخان في هذا الموضوع العظيم، وقد أجادا وأفادا وأحسنا، جزاهما الله خيرًا، وضاعف مثوبتاهما، وزادنا وإياكم وإياهما علمًا وهدى وتوفيقا، فلقد أوضحا جميعًا ما ينبغي للدعاة في دعوة غير المسلمين.
والخلاصة من كلامهما جميعًا أن الدعوة تكون بالقول والعمل، وتكون بالأخلاق والإحسان، كما تكون بالتوجيه إلى ما ينفع العبد في الدنيا والآخرة، وكما تكون ببيان محاسن الإسلام وما فيه من الأخلاق العظيمة والصفات الكريمة، تكون أولًا بالأعمال الطيبة، والقدوة الحسنة، والسيرة الحميدة، حتى ينظر المدعو الداعي على خير حال، وحتى يتأسى بأعماله وصفاته وأخلاقه الكريمة قبل أن يسمع كلامه، وحتى يكون الانتفاع بهذا وهذا، بالقول والسيرة الطيبة، وبالإحسان إلى المدعوين وسد خلتهم، وعلاج جريحهم، والحرص على انتشالهم مما هم فيه من الباطل، وتسليمه للأعداء الذين يحرصون كل الحرص على أن يأخذوهم إليهم ويضموهم إليهم بما يفعلون من أنواع الإحسان إليهم، فإذا كان أعداء الله يحرصون على انتشال هؤلاء وأخذهم من أيدي المسلمين بما يفعلون من إقامة المستوصفات والمستشفيات ودور الإحسان بالطعام والشراب والكساء إلى غير ذلك فالمسلمون يجب أن يكونوا هكذا، وأن يعالجوا مرضى القلوب، ومرضى الأبدان، بالعلاجين، فلا يغني هذا عن هذا، ولا هذا عن هذا، كل يبذل ما يستطيع، ويكون العلاج بالإحسان وسد جوعة الجائع وعلاج المريض وغير هذا من وجوه الإحسان، ويكون أيضًا بالتوجيه إلى ما جاء به الإسلام من الأخلاق الكريمة، والصفات الحميدة، والدين الحق، وببيان ما هم فيه من الباطل، وببيان عورة ما هو فيه من الباطل، وما فيه من الشر والفساد؛ حتى ينفروا منه، وحتى يعلموا بطلانه.
هكذا يكون الدعاة إلى الله كل بحسب طاقته، فالرسول ﷺ وأصحابه في مكة كانت دعوتهم بالكلام، والسيرة الحميدة، والصبر، ليس في أيديهم القوة، وليس في أيديهم المال الكثير حتى يبذلوه، ولكن بالصبر والتوجيه إلى الخير، وبيان محاسن الإسلام، وبيان بطلان ما هم فيه من الشرك، وعبادة الأوثان والأصنام، وبيان صفة الأوائل صفة الرسل الكرم وأتباعهم بإحسان، وأن فيهم القدوة لمن عرف حالهم وسيرتهم حتى يتأسى بهم المسلمون، وحتى يصبروا على ما أصابهم من الشدة والجوع والعذاب، التأسي بأولئك الأخيار من الرسل وأتباعهم، وعند القدرة يواسى الفقير، ويعالج المريض، وتبنى المستشفيات والمستوصفات، ويبذل المال للمؤلفة قلوبهم، إلى غير ذلك من أنواع الإحسان، فهذا مطلوب، وهذا مطلوب، وعلى المسلمين جميعًا وعلى ولاة أمرهم أن يقوموا بذلك، وعليهم أن يبدؤوا بأنفسهم، عليهم أن يبدؤوا بأنفسهم فيعالجوا ما بهم من أمراض: أمراض القلوب، وأمراض الأخلاق، فيستقيموا على دين الله، ويؤدوا حق الله، ويبتعدوا عن محارم الله، حتى يتأسى بهم غيرهم، حتى يرى فيهم غيرهم الأخلاق الكريمة، والصفات الحميدة، والطاعة لله ولرسوله، والكف عن محارم الله، والاستقامة على طاعة الله ورسوله، وحتى يرى فيهم أعداؤهم مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والصبر على ما هو لله ، والكف عن محارم الله سبحانه وتعالى، كل هذا مطلوب.
فإذا استقام المسلمون على دينهم وصبروا عليه ودعوا إليه بالأخلاق الكريمة والصفات الحميدة وأعمال جليلة وعلم نافع وبصيرة نافذة أجابهم غيرهم، وسلم لهم غيرهم القيادة، وبادروا إلى الاستجابة إلى ما يدعون إليه، فعلى الداعي إلى الله أن يعرف هذه الأمور، وأن يتبصر وأن يصبر ويصابر حتى يكون لدعوته الأثر العظيم، وحتى تكون له العاقبة الطيبة، وحتى يتقبلها المدعوون بكل انشراح، وبكل رغبة، وبكل مبادرة، أما أن يدعوهم إلى الأخلاق الكريمة وهو يخالفها، أو يدعوهم على جهالة وقلة بصيرة، فهذا قل أن يستمع له، وقل أن يفيد، بل يضر أكثر، ويفسد أكثر، إلا من رحم الله، فالمؤمن عليه أن يبدأ بنفسه ويجاهدها، وعليه أن يصبر ويتحمل حتى يدعو إخوانه المسلمين الذين قصروا في الاستقامة فيتأسوا بهم، ويستقيموا على ما دعاهم إليه، ثم ينتقل من ذلك إلى دعوة غيرهم من الكفرة ليستجيبوا لداعي الله، ولما يحييهم إلى توحيد الله والإخلاص له، وإلى أداء ما أوجب الله، وإلى ترك ما حرم الله، فيقيم الأدلة القولية والعملية حتى يستجيب له أولئك المدعون، وحتى تكون أخلاقه وأخلاق أتباعه والدعاة معه أخلاقًا كريمة، وصفات حميدة، يتأسى بها المدعو، وينشرح لها صدره، ويعلم أن هذا الداعي قد دعا إلى خير وقد عمل بخير.
ومن نظر في سيرة الرسول ﷺ وأصحابه عرف ذلك، فهم صبر على الحق، صبر على ترك شهواتهم، صبر على الجوع، صبر على كل ما يفوتهم من الحظ العاجل؛ لأنهم يريدون وجه الله والدار الآخرة، فهم صابرون في جنب الله، مجتهدون في طاعة الله، حريصون على هداية الناس إلى دين الله ، فلذلك نجحوا وأفلحوا، وصارت لهم العاقبة الحميدة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [الأنفال:45-47].
فالحاصل أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى صبر، وإلى علم، وبصيرة وإلى أخلاق كريمة، وإلى صفات حميدة، كما قال جل وعلا: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:3]، وقال سبحانه: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، وقال شعيب لقومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فعلى المؤمن وعلى الداعي إلى الله جل وعلا أن يجتهد، ولكن لا يمنعه ما فيه من قصور من الدعوة إلى الله بالحسنى وبالعلم والبصيرة، وأن يجتهد في استكمال ما فاته من الخير والحرص على تحصيل ما ينقصه من العلم والفضل، فلو قصر الأمر على الكمل لتعطل هذا الباب في الأغلب، ولكن لا بد من الجهاد، ولا بد من الدعوة، ولا بد من الصبر، ولا بد من الجهاد أيضًا لاستكمال ما يفوت الداعي من صفات حميدة وأعمال جليلة وصبر ومصابرة، فليس من شرط الداعية أن يكون كاملًا، وليس من شرط المجاهد أن يكون كاملًا، وليس من شرط الآمر والناهي أن يكون كاملًا، ولكن عليه أن يجتهد في ذلك، وأن يصبر ويتحمل حتى يكون ذلك أكثر ثمرة في دعوته، وأكمل في تحصيل المراد، وأبعد عن الخيبة فيما يدعو إليه، ويريد نجاحه، وحصوله من الناس.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم وجميع الدعاة إلى الله سبحانه لما فيه رضاه، ولما فيه صلاح العباد والبلاد، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعًا وقادتهم حتى يكونوا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم في أعدائهم، حتى يتأسى بهم أعداؤهم، وحتى يعرفوا صحة ما هم عليه بأخلاقهم الكريمة، وصفاتهم الحميدة، وإخلاصهم لله وصبرهم وإحسانهم إلى عباد الله.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٤٧ |
(أم مازن) امرأة من صالحات زماننا ,راغبة في الخير, محبة للطاعة , معظمة لكتاب الله تعالى فهو جليسها في كل وقت وآن , البر عندها من أرجى أعمالها , محسنة للقريب والبعيد , زاهدة في الدنيا , مترفعة عن ملاذها الزائلة ,صابرة على البلاء , محتسبة أجرها عند ربها وخالقها.
بلغ الناس خبر وفاتها فبكاها القريب والبعيد وكيف لايُبكى على مثلها وهي مثال للخير في جوانبه كله,ومن أعظم الصور الدالة على صدقها وصلاحها أن بكاها جيرانها وفي هذا بشارة لها عظيمة فقد جاء في الحديث الصحيح" ما من مسلم يموت فتشهد له أهل أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون"مجمع الزوائد , ورجاله رجال الصحيح.
- صور من عبادتها
أقول وأنا إمام الجامع الذي تصلي فيه , لا أعرف أن هذه المرأة قد أخطأتها صلاة التراويح والقيام منذ أكثر من عشر سنوات , بل تكاد تكون أول من يدخل الجامع وآخر من يخرج منه في ليالي رمضان وإن فُقدت عرفنا أنها في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام , حتى قالت إحدى الأخوات اللاتي يصلين معها في الحرم سأسميها فقيدت الصف الأول في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ,فلقد كانت كما تقول الأخت : لا يُخطئها الصف الأول في الحرم النبوي وان رأيتها رأيت امرأة إما تصلي أو أنها قد انكبت على كتاب الله تتلوه , أو رافعة يديها تطلب ربها (وقد نوت هذا العام أن تقضي رمضان في الحرم النبوي –نسأل الله أن لا يحرمها أجر النية -)
تقول إحداهن : كانت تصلي بين التراويح والقيام ما شاء الله أن تصلي مستغلة لهذا الزمان الفاضل فيما يقربها إلى الله .
ويقول أهل بيتها : كانت قوامة لليل , صائمة للنهار , لا يُعرف عنها أنها تركت قيام الليل إلا لعارض ,تصوم الأيام البيض , والاثنين والخميس لا يُخطئها صيامها ولا صيام الأيام الفاضلة
(فهلا عرفت قيمة هذه الطاعة وفضلها وحرصت عليها)
ومن صور الخير التي أعرفها عنا أنها كانت لا تفرط في حضور محاضرة أو درس لشدة حرصها وحبها لمجالس الخير , فأين الزاهدات في هذا الخير وقد شُغلن بتوافه الأمور , وضياع الأوقات ؟
ومن الصور الدالة على تأصل الخير فيها و قلما يحرص عليها الكثير(أنها لم تبن بيتها إلا بعد أن بنت مسجدا لله تعالى) وفي الحديث " من بنى مسجدا لله بنى الله له بيتا في الجنة" جعله الله مما أُعد لها قبل قدومها عليه .
بل من عظيم إخلاصها أنها كانت حريصة كل الحرص أن لا يعلم أحد بخبر هذا المسجد لأنها إنما تريد وجه الله تعالى.
برها في الوالدين وصلتها للرحم
قد عُرفت هذه المرأة بالبر للوالدين , ولما سألنا أهلها عن برها قالوا لا تسل , وماذا عسانا أن نقول لك ؟
هل نحدثك عن رعايتها لأمها ؟ وعدم غيابها عنها؟
أم نحدثك عن إحسانها لوالدها بعد وفاته؟
أو نذكر لك خدمتها لأمها بكل صور الخدمة ؟
لقد كانت حريصة أشد الحرص على برهما , وربما حرمت نفسها من أشياء لأجلهما
ومضة
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة قلت من هذا ؟ فقالوا : حارثة بن النعمان ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كذلكم البر كذلكم البر [ وكان أبر الناس بأمه ] ) .أخرجه أحمد وهو صحيح
ومما تميزت هذه المرأة الصالحة –أنزل الله شآبيب الرحمة على قبرها- تعاهد القريبين بالصلة
والنصح والهدايا .
يقول أخواتها : كانت كثيرا ما تحثنا على صلة الرحم , ومواصلتهم في المناسبات , وتكسوا كثيرا منهم كل عيد حتى وإن كانوا أغنياء .
وربما مرت ببعض قرابتها ضائقة فكانت أول من يُسارع لفكها حتى وإن بلغ المال ما بلغ لأنها كانت تتاجر مع ربها وتحفظ قوله تعالى " ما عنكم ينفد وما عند الله باق" فتاجرت فيما بقي .
يارب اجعلنا من الصالحين واحشرنا مع سيد المرسلين نبينا وحبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وعلى اله واصحبه وسلم تسليما كثيرا
الوقفة كاملة
|
| ١٧٤٨ |
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102].
في مثل هذه الأيام من كل عام تكثر مناسبات الزواج التي يتحقَّق بها أغلى أمنياتِ الشباب من البنين والبنات، في إقامة بيتٍ مسلم سعيد، يجدون فيه المأوى الكريم، والراحة النفسية، والحلم السعيد، فيترعرع في كنَف هذا البيت وينشأ بين جنباتِه جيلٌ صالح فريد، في ظل أبوَّةٍ حاجبة وأمومة حانية. هذا البيت، ما هي سماته؟ وما منهجه؟ وكيف تتحقق سعادته؟ قال تعالى: (وَمِنْ ءايَـاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم:21].
البيت نعمةٌ لا يعرف قيمتَه وفضله إلا من فقده، فعاش في ملجأ مُوحش، أو ظلماتِ سجن، أو تائه في شارع أو فلاة، قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) [النحل:80]، قال ابن كثير رحمه الله: "يذكر تبارك وتعالى تمام نعمته على عبده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم يأوون إليها، ويستترون فيها، وينتفعون بها سائرَ وجوهِ الانتفاع".
البيت المسلم ـ إخوةَ الإسلام ـ أمانةٌ يحمِلها الزوجان، وهما أساس بنيانه ودِعامة أركانه، وبهما يُحدِّد البيتُ مسارَه، فإذا استقاما على منهج الله قولاً وعملاً وتزيَّنا بتقوى الله ظاهرا وباطنا وتجمَّلا بحسن الخلق والسيرة الطيبة غدا البيتُ مأوى النور وإشعاعَ الفضيلة، وسَطع في دنيا الناس، ليصبح منطلَق بناءِ جيل صالح وصناعة مجتمعٍ كريم وأمَّة عظيمة وحضارة راقية.
أيها الزوجان، بيتُكما قلعةٌ من قلاع هذا الدين، وكلٌّ منكما يقِف على ثغرة حتى لا يبرز إليها الأعداء. كلاكما حارسٌ للقلعة، صاحبُ القوامة في هذا البيت هو الزوج، وطاعته واجبة، قال صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))، وقال: ((والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها)) أخرجه البخاري.
إن البيت النبوي ومن فيه من أمهات المؤمنين هو أسوة البيوت كلها على ظهر الأرض، فهو بيت نبويٌّ ترفّع على الرفاهية والترَف، وداوم الذكرَ والتلاوة، ورسم لحياته معالمَ واضحة، وضرَب لنفسه أروعَ الأمثلة في حياة الزهد والقناعة والرضا. خيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءَه دون إكراهٍ بعدما أعدّهنَّ إعدادا يؤهِّلهنَّ لحياة المثل العليا والميادين الخالدة. نزلت آية التخيير تُخيِّر زوجاتِ النبي صلى الله عليه وسلم بين الحياة الدنيا وزينتِها وبين الله ورسوله والدار الآخرة: (ياأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لأَزْواجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) [الأحزاب:28، 29]، قالت عائشة وكل زوجاته رضي الله عنهن كلهن: نختار الله ورسوله والدار الآخرة.
إن البيت المسلم الذي أقامه الرعيل الأول جعل منهجَه الإسلام قولا وعملا، صبَغ حياته بنور الإيمان، ونهَل من أخلاق القرآن، فتخرج من أكنافه نماذجُ إسلامية فريدة، كتبت أروعَ صفحات التاريخ وأشدَّها سطوعاً. خرّج البيت المسلم آنذاك للحياة الأبطالَ الشجعان، والعلماءَ الأفذاذ، والعبَّادَ الزهاد، والقادة المخلصين، والأولاد البررة، والنساءَ العابدات. هكذا هي البيوت المسلمة لما بُنِيت على أساس الإيمان والهداية، واستنارت بنور القرآن.
إن البيت المسلم التقيّ النقي حصانةٌ للفطرة من الانحراف، قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه)) أخرجه البخاري.
يقول ابن القيم رحمه الله: "وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائضَ الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً".
ما أجمل أن يجمع سيدُ البيت أولادَه فيقرأ عليهم من القرآن، ويسرُد عليهم من قصص الأنبياء، ويغرس في سلوكهم الآداب العلية.
من أولى أولويات البيت المسلم وأسمى رسالة يقدمها للمجتمع تربية الأولاد، وتكوين جيل صالح قوي. ولا قيمة للتربية ولا أثر للنصيحة إلا بتحقيق القدوة الحسنة في الوالدين؛ القدوة في العبادة والأخلاق، القدوة في الأقوال والأعمال، القدوة في المخبر والمظهر، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُرّيَّـاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) [الفرقان:74]، وتدبَّر دعوةَ إبراهيم عليه السلام: (رَبّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلواةِ وَمِن ذُرّيَتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) [إبراهيم:40]، وقال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلواةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَـاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه:132].
في غياب البيت المسلم الهادئ الهانئ ينمو الانحراف، وتفشو الجريمة، وترتفع نسبة المخدرات، بل ونسمع بارتفاع في نسبة الانتحار.
إن البيت الذي لا يغرس الإيمان ولا يستقيم على نهج القرآن ولا يعيش في ألفةٍ ووئام ينجب عناصرَ تعيش التمزُّقَ النفسي، والضياعَ الفكري، والفسادَ الأخلاق، هذا العقوق الذي نجده من بعض الأولاد والعلاقات الخاسرة بين الشباب والتخلي عن المسؤولية والإعراض عن الله والتمرُّد على القيم والمبادئ الذي يعصِف بفريق من أبناء أمتنا اليوم، ذلك نتيجة حتمية لبيت غفل عن التزكية، وأهمل التربية، وفقد القدوة، وتشتَّت شمله.
البيت الذي يجعل شرائع الإسلام عِضين، يأخذ ما يشتهي، ويذر ما لا يريد، إلى شرقٍ أو غرب، يُنشئ نماذجَ بشرية هزيلة، ونفوسا مهزوزة، لن تفلح في النهوض بالأمة إلى مواقع عزها وسُؤددها.
البيت المسلم من سماته الأصيلة أنه يردُّ أمرَه إلى الله ورسوله عند كل خلاف، وفي أي أمرٍ مهما كان صغيراً، وكل من فيه يرضى ويسلِّم بحكم الله، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـالاً مُّبِيناً) [الأحزاب:36].
حياة البيت المسلم ـ عباد الله ـ وسعادته وأنسه ولذتُه في ذكر الله، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والذي لا يذكر الله فيه مثلُ الحي والميت)) أخرجه المسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً))، وقال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة))، وقال: ((عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)).
هذه الأحاديث وغيرُها تدلّ على مشروعية إحياء بيوت المسلمين، وتنويرِها بذكر الله من التهليل والتسبيح والتكبير. إحياؤها بالإكثار من صلاة النافلة، وإذا خلت البيوت من الصلاة والذكر صارت قبورا موحشة وأطلالا خربة ولو كانت قصوراً مشيدة. بدون ذكر الله والقرآن تغدو البيوت خاملة ومرتعا للشياطين، سُكَّانها موتى القلوب وإن كانوا أحياءَ الأجساد.
من سمات البيت المسلم تعاون أفراده على الطاعة والعبادة، فضعْفُ إيمان الزوج تقوِّيه الزوجة، واعوجاج سلوك الزوجة يقوِّمه الزوج، تكاملٌ وتعاضُد، ونصيحة وتناصر، قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فإذا أوتر قال: ((قومي فأوتري يا عائشة))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأتَه فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)).
يدلُّ الحديثان على أن لكلٍّ من الرجل والمرأة دوراً في إصلاح صاحبه، وحثِّه على طاعة الله، ذلك لأن العلاقة بينهما في الأصل علاقةٌ إيمانية، تتشابك فيها الأيدي سعياً لطاعة الله، فإذا كلّت يدٌ ساعدتها الأخرى.
يُؤسَّس البيت المسلم على علم وعمل، علمٍ يدله على الصراط المستقيم، ويُبصِّر بسبل الجحيم، علمٍ بآداب الطهارة وأحكام الصلاة وآداب الاستئذان والحلال والحرام، لا يجهل أهل البيت أحكامَ الدين، فهم ينهلون من علم الشريعة في حلقة علم بين الفينة والأخرى.
من سمات البيت المسلم الحياء، وبه يُحصِّن البيت كيانَه من سهام الفتك ووسائل الشر التي تدع الديار بلاقع، لا يليق ببيت أسِّس على التقوى أن يُهتَك ستره، ويُنقض حياؤه، ويلوَّث هواؤه بما يخدش الحياءَ من أفلام خليعة وأغانٍ ماجنة، أو نبذٍ للحجاب وتشبه بأعداء الدين، كل ذلك ينخر كالسوس في كيان البيت المسلم، وبؤراً تفتح مغالق الشر وتدع العامر خرابا.
من سمات البيت المسلم أن أسراره محفوظة، وخلافاته مستورة، لا تُفشى ولا تستقصى، قال صلى الله عليه وسلم: "إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرّها".
البيت المسلم ـ عبادَ الله ـ يقيم علاقاتِه مع المجتمع على أساس الإيمان، إنه يزداد نوراً بزيارة أهل الصلاح، فالمؤمن كحامل المسك؛ إما أن يعطيَك، وإما أن تشتريَ منه، وإما أن تجدَ منه ريحا طيبة، (رَّبّ اغْفِرْ لِى وَلِوالِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّـالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً) [نوح:28].
لا يدخل البيتَ المسلم من لا يُرضَى دينه، فدخول المفسد فسَاد، وولوجُ المشبوه خطرٌ على فلذات الأكباد، بهؤلاء فسدت الأخلاق في البيوت، وفشا السحر، وحدثت السرقات، وانقلبت الأفراح أتراحا، بل إنهم معاول هدم للبيت السعيد.
البيت المسلم تتعمّق صلاتُه وتزداد رسوخاً بإحياء معاني التعاون في مهمات البيت وأعماله، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة، لما سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ فأجابت: كان بشراً من البشر؛ يفلي ثوبَه، ويحلب شاتَه، ويخدم نفسَه. أخرجه أحمد. وفي رواية: كان يكون في مهنة أهله أي: خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. أخرجه البخاري.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الوقفة كاملة
|
| ١٧٤٩ |
كيف نبني البيت المسلم؟ (خطبة)[1]
اهتمام الإسلام بالأسرة نواة المجتمع الإسلامي.
قواعد بناء البيت المسلم:
1 - الإيمان الصادق بالله ورسوله.
2 - السكينة والمودة والرحمة.
3 - إقامة البيت المسلم والأسرة المسلمة وفق شرع الله.
4 - التعاون على الطاعة.
5 - التعاون في شؤون الأسرة.
6 - أداء الحقوق الزوجية.
7 - حسن تربية الأولاد.
كيف نبني البيت المسلم؟
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد[2]:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هُدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة[3].
عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131].
أيها المسلمون:
اهتمَّ الإسلام بالأسرة والبيت المسلم؛ لأنها نواة المجتمع الإسلامي، والمحضن التربوي الأصيل، والخليَّة الأولى التي يَفتح الطفل عينيه عليها؛ وفيها تعيش الأسرة جزءًا كبيرًا من حياتها.
فإذا صلحَت الأسرة صلح المجتمع الإسلامي؛ لذا يجِب الاعتناء بالبيت المسلم بتهيئته لحياة سعيدة، يملؤها الإيمان والمحبَّة، وجعلها مسجدًا للعبادة، ومعهدًا للعلم، وملتقًى للفرح والسعادة.
عباد الله:
إن الإسلام قد اعتنى بالأسرة منذ بدء تكوينها، فوضع الأسس والقواعد التي يعتلي عليها البناء الشَّامخ القوي الذي لا يهتز أمامَ رياح المشاكل، وعواصف الأزمات.
فالبيت المسلم يقوم على مجموعة من الأسس والقواعد التي تَحكمه، وتنظم سير الحياة فيه، كما أنها تميِّزه عن غيره من البيوت، وتُستمد هذه القواعد من القرآن الكريم، والسنَّة النبوية الشريفة، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحياة الصحابة، والتابعين.
عباد الله:
ألا وإن من أهم قواعد بناء البيت المسلم:
1 - الإيمان الصادق بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما يتطلَّبه ذلك من الإخلاص لله، ودوام الخشية منه، وتقواه، والعمل بأوامره، واجتناب نواهيه، وتربية جميع أفراد الأسرة على ذلك.
ومما يدلُّ على هذا أن الإسلام من بداية الأمر جعل الدِّينَ هو الأساس الأول في اختيار شَريك وشريكة الحياة، قال صلى الله عليه وسلم: ((تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدِينها، فاظفر بذات الدِّين، تربت يداك))[4].
وعلى الطرف الآخر قال لأهل الفتاة في الحديث الشريف: ((إذا خطب إليكم مَن ترضَون دِينَه وخُلقَه، فزوِّجوه؛ إلا تفعلوا تَكن فِتنة في الأرض وفَساد عريضٌ))[5].
وجاء رجل إلى الحسن بن علي يسأله قائلًا: خطب ابنتي جماعة، فمَن أزوِّجها؟ قال: زوِّجها من التَّقي؛ فإنه إنْ أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها[6].
إذًا؛ لقد حثَّ الله تبارك وتعالى على أهميَّة البناء الإيماني، وشرط أن يكون الأساس الراسخ لأي بنيان يريد أن يشيده الإنسان، فقال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: 109].
فقوله: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 109]؛ أي: على نيَّة صالحة وإخلاص، ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ [التوبة: 109]؛ بأن كان موافِقًا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، ﴿ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا ﴾ [التوبة: 109]؛ أي: على طرف، ﴿ جُرُفٍ هَارٍ ﴾ [التوبة: 109]؛ أي: بالٍ، قد تداعى للانهدام، ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: 109][7].
فالتقوى هي أساس كل بنيان، وكذلك البيت المسلم الذي يتأسَّس من بدايته على الصلاح، والاهتمام بالجانب الإيماني في علاقة الزَّوجين مع الله تبارك وتعالى؛ ولذا نجد أيها الأزواج أنَّ البيت المسلم الذي أُسِّس على تقوى الله عز وجل من صفاته:
• الحرص على أداء فرائض الله تبارك وتعالى في وقتها.
• نشأة الأبناء على طاعة الله عز وجل؛ لأنَّ الأبوين مهتمَّان بعلاقتهما مع الله عز وجل، وبالتالي ينشأ الأبناء من خلال المحاكاة والقدوة على عبادة الله عز وجل.
• قلَّة الخلافات بين الزوجين؛ لأنَّ أصل علاقة الزوجين مبني على أساس قوي، لا يتزعزع مهما كانت الأسباب، وإن حدَث خلاف فسرعان ما يبادر الزوجان إلى حله.
• السكينة والطمأنينة النفسية في البيت.
أمَّا البيت غير الإسلامي الذي لا يهتمُّ بطاعة الله عز وجل، فإن من صفاته:
• تضييع الفرائض وتفويتها وتأخيرها.
• يكبر الأبناء وهم لا يدرون أمر دينهم.
• أصل العلاقة بين الزوجين لا يكون على طاعة الله عز وجل؛ وإنما يكون على المادية والمصلحة.
أيها المسلمون:
إن اختيار الزوجة ذات الدِّين والإيمان أصبح اليوم أمرًا صعبًا، عكس ما كان عليه أيام الرَّعيل الأول، فعلى الإنسان أن يحرص كلَّ الحرص في اختيار الزوجة الصالحة؛ فإنها نواة الأسرة المسلمة.
"فيجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم، وينبغي لمن يريد بناء بيتٍ مسلم أن يبحث له أولًا عن الزوجة المسلمة، وإلا فسيتأخر طويلًا بناء الجماعة الإسلاميَّة، وسيظل البنيان متخاذلًا كثير الثغرات! وفي الجماعة المسلمة الأولى كان الأمر أيسر مما هو في أيامنا هذه، كان قد أنشئ مجتمع مسلِم في المدينة، يهيمن عليه الإسلام، يهيمن عليه بتصوره النَّظيف للحياة البشرية، ويهيمن عليه بتشريعه المنبثق من هذا التصور، وكان المرجع فيه - مرجع الرجال والنساء جميعًا - إلى الله ورسوله، وإلى حُكم الله وحكم رسوله، فإذا نزل الحكم فهو القضاء الأخير.
وبحكم وجود هذا المجتمع، وسيطرة تصوره وتقاليده على الحياة، كان الأمر سهلًا بالنسبة للمرأة لكي تصوغ نفسها كما يريد الإسلام، وكان الأمر سهلًا بالنسبة للأزواج كي ينصحوا نساءهم، ويربوا أبناءهم على منهج الإسلام، نحن الآن في موقف متغير...، هناك كان الرجل والمرأة والمجتمع كلهم يتحاكمون إلى تصور واحد، وحكم واحد، وطابع واحد"[8].
2 - السكينة والمودة والرحمة:
العلاقة الزوجيَّة تقوم على السكن والمودة والرحمة، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]، والمقصود بالسَّكينة: الاستقرار النفسي؛ حيث تكون الزوجة قرَّةَ عينٍ لزوجها، لا يعدوها إلى غيرها، كما يكون الزوج قرَّةَ عين لامرأته، لا تفكِّر في غيره، والمودة: هي شعور متبادل بالحب، يجعل العلاقة قائمة على الرضاء والسعادة.
والرحمة صِفة أساسية في الأخلاق العظيمة في الرجال والنساء، على حدٍّ سواء، فالله سبحانه يقول لنبيه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْ
الوقفة كاملة
|
| ١٧٥٠ |
كيف ندعو غير المسلمين إلى الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أرسل الله سبحانه وتعالى نبيه محمد داعيا ومبشرا ونذيرا فلقد كان من مهامه الأساسية الدعوة كما قال الله تعالى : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } [الأحزاب:46-45]
فقام بها رسول الله خير قيام مبلغا للرسالة ومؤديا للأمانة وناصحا للأمة ومجاهدا في الله حق جهاده حتى لقي ربه وقد دانت الجزيرة كلها لدعوة التوحيد، وتاركا جيلا أبيا من الصحابة رضوان الله عليهم الذين ساروا على ما تلقوه عنه وما حادوا عنه قيد أنملة، فبذلوا قصارى جهدهم جماعات وفرادى لنقل نور الإسلام الذي نعموا به إلى جميع الناس خارج الجزيرة العربية. نقلوه في رحلاتهم مخاطرين بأرواحهم في البراري والقفار، ولفظ العديد من الصحابة البارزين أنفاسهم الأخيرة في بلاد بعيدة غريبة وهم ينشرون الإسلام. إنهم بلا شك ضحوا وقدموا الكثير من أجل دينهم وأداء للأمانة التي حملوها بدون هوادة ولا حدود، وسار على ذلك التابعون لهم بإحسان، ففتحوا البلاد ودانت لهم الدول والممالك وانتشروا في الأرض ولازالت آثار القوم في معظمم بقاع الدنيا شاهدة على وجودهم.
واليوم أخي المسلم يا من تنعم بما قدمه أولئك الأتقياء الأبرار وتعيش موحدا مؤمنا تأتيك أمم الأرض قاطبة تعمل لديك وتسمع توجيهاتك وإرشاداتك ثم تنال نصيبها مقابل جهدها وعرق جبينها من المال.
هل تدرك أن الصراع الفكري في العالم أصبح محتدما، ولكل مبدأ جماعة إليه، بل تتبناه وتشجعه وتنفق عليه ببذخ في سبيل ذيوعه، وتسخر له أجهزة إعلامها وتخصص له دراسات عالية المستوى؟
بالطبع أنت تدرك ذلك، وتعلم أيضا أن الإسلام دين عالمي يخاطب البشرجميعا، ذلك أنه هو الدين الذي جاءت به الرسل وهو الذي ارتضاه الله دينا للبشرية كما قال الله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران:19]، وقوله سبحانه : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } [آل عمران:85]، وقوله عز وجل : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [المائدة:3]
فلا دين غير دين الإسلام مقبول عند الله، ومعنى ذلك أن المسلم يؤمن إيمانا قاطعا بأن غير المسلمين على إختلاف أنماطهم وتوجهاتهم مدعوون إلى الإسلام الذي يتضمن عقيدة التوحيد التي جاء بها الرسل وناضلوا أقوامهم عليها، ومن ناحية أخرى فالإسلام نظام كامل للحياة يحدد للشخص هدفا واضحا لنشاطه في جميع نواحي الحياة من إجتماعية وإقتصادية وسياسية، فهو رسالة شاملة لكل الأرض أسودهم وأبيضهم عجمهم وعربهم مما يعني أن لا إستغناء للإنسان مهما كان شأنه أومستواه الثقافي أوالإجتماعي عن الإسلام.
إضافة إلى ذلك فإن الدعوة شرف عظيم لهذه الأمة إذ تشارك في مهمة نبيها الشريفة بدعوة الناس إلى إتباع الصراط المستقيم.
وأيضا فإن القيام بهذه الدعوة هو تحقيق للخيرية التي وصف الله بها هذه الأمة كما قال تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [آل عمران:110]
نتيجة لهذا تجد أن جميع أبناء الأمة الإسلامية رجالا ونساء مطالبون شخصيا وبدون استثنا ء بنشر دعوة الإسلام بنفس الغيرة والتصميم وحب التضحية التي تخلق بها رسول الله وأصحابه.
وبعد هذا كله تسأل نفسك : كيف أدعو الناس للإسلام ؟
أولا: إنك أخي المسلم لابد أن تجعل من نفسك أسوة حسنة ومثالا يحتذى، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فلقد كان قبل النبوة يسمى الصادق الأمين وبعد النبوة كان خلقه القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها حتى إستحق ثناء خالقه ومرسله جل شأنه في قوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم } [القلم:4].
ولهذا يشدد الله سبحانه وتعالى النكير على أولئك الذين يقولون مالا يفعلون : { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [الصف:2-3] وقوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة:44]
إن المسلم مطالب خاصة المسلم الذي أتاه الله علما وفهما وإداركا أن ينتفع بعلمه وفكره وأن ينفع الناس بذلك.
ولا شك أن هناك صفات ينبغي أن يتحلى بها المسلم ليكون قدوة لغير المسلمين، عندما يرونه يحسون أن الإسلام يتجسد فيه، ومن هذه الصفات أن يقبل المسلم على نفسه ويجعلها خاضعة لكل ما يتلقى عن الله ورسوله من الأوامر والنواهي، كما أن المسلم مطالب بأن يستسلم لله ويتجرد له ليكون أدعى للقبول.
ثانيا: ومن العوامل الحساسة المهمة التي ينبغي على المسلم إتباعها هو الأسلوب الحسن في نطاق الكتابة والخطابة والتحدث والنقاش، وبالأسلوب يستطيع المسلم أن يصيب الهدف ويبلغ القصد بأقل التكاليف وأيسرها.
إن عرض المسلم لأفكاره ومبادئه بأسلوب شيق جذاب يحبب الآخرين إلى الإسلام فلا ينفرون أويبتعدون، كما أنه ينبغي مخاطبة الناس على قدر عقولهم ومداركهم، فلا يخاطب العمال الكادحين بأسلوب الفلاسفة أصحاب المنطق ولا يناقش الملاحدة الماديين بلسان عاطفي خال من الحجة والبرهان.
والنفوس جبلت على حب من أحسن إليها بل وقد تدفعها القسوة والشدة أحيانا إلى المكابرة والإصرار والنفور فتأخذها العزة بالإثم. وليس معنى اللين المداهنة والرياء والنفاق وإنما اللين ببذل النصح وإسداء المعروف بأسلوب دمث مؤثر يفتح القلوب ويشرح الصدر كما قال تعالى موصيا نبيه موسى وهارون عليهما السلام : { اذهبا إلى فرعون إنه طغى ، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } [طه:43-44]
ثالثا: معرفة الشخص المدعو والتعرف على أفكاره ومفاهيمه وتصوراته وعلله ومشكلاته لأن ذلك وسيلة إلى التعرف على المنافذ التي تنفذ إلى نفسيته.
إن المسلم في الحقيقة هو مشخص للمرض ومقدم للعلاج لمن يحتاح إليه، كما أنه لاينتظر أن يأتي إليه الناس بل إنه يسعى إلى البحث عنهم وزيارتهم بين وقت وآخر وفي فترات مناسبة لهم بل ودعوتهم في مختلف المناسبات والمشاركة في أفراحهم وأتراحهم.
رابعا: والمسلم في دعوته الناس دائما يؤكد على معاني العقيدة الإسلامية ويحاول أن يزرع بذرة الإيمان بالله في قلب المخاطب، وأنه هو الخالق الرازق المحيي المميت، وأن هناك حياة بعد الموت، وأن هناك حسابا وعقابا يثاب فيه المحسن مقابل إحسانه ويعاقب فيه المذنب على إساءته.
فالحديث عن العقيدة الإسلامية وتجلية معانيها وأصولها وما تستلزمه وتتضمنه هو الأساس في دعوة الداعى وهى مما يجب أن يؤكد عليه دائما ولايغفل عنه مطلقا لأنها الأصل في الإسلام فإذا استقام له هذا الأصل واستجاب له المدعوون بعد كفرهم سهل عليه إقناعهم بمعاني الإسلام وفروعه.
كما أنه عند الحديث عن واقع المسلمين وممارستهم يحاول المسلم أن يوضح أن ما يصيب المسلمين اليوم من تقهقر وتخلف وما هم فيه من تفكك إنما هو بسبب بعدهم عن الإسلام.
وإن إدراك المدعو إلى الإسلام لأصول العقيدة الإسلامية ومعرفته شروط لا إله إلا الله يسهل أمر تعليمه وتدريسه بقية أصول الإسلام وأركانه بل ويساعد على تحفيظه القرآن الكريم.
خامسا: إن المسلم مأمور بالصبر على الدعوة فهو لا يستعجل نتائج دعوته عندما يدعو الناس إلى الإسلام، كما أن اليأس لايعرف إلى قلب المسلم سبيلا ولا يمكن أن يصيبه الوهم إذا تأخر ظهور النتائج المرجوة من الجهود التي بذلها في سبيل دعوة الآخرين إلى الإسلام، ومن الصبر على الدعوة أن يقوم بواجب النصيحة في المواقع التي تجب فيها النصيحة وتنفع فيها الكلمة الحقة دون خوف من الناس مصداقا لقوله تعالى : { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [الكهف:29]
سادسا: إن المسلم مأمور بالتضحية في سبيل الله، التضحية بالوقت.. التضحية بالجهد.. التضحية بالكفاءة الفكرية والمكانة الإجتماعية والتضحية بالمستقبل اللامع والتضحية بالأماني والآمال، يقتدي بذلك بسلف الأمة الذين ضربوا أروع أمثلة التضحية في كل ما قاموا به في سبيل الدعوة.
فما أحرى الأحفاد أن يسلكوا سبيل الأجداد السابقين، إنه لن تقوم للمسلمين قائمة ما لم يتصفوا بهذه الصفة الكريمة - التضحية - ذلك أنهم في حالة فقدانها فإن هذا يعني التسابق على الدنيا والتعلق بالأمور السافلة، ذلك أن التضحية بمعناها الحقيقي هو أن يرسم في ذهن المسلم مفهوم تقديم مصلحة الإسلام على كل مصلحة والعيش بالإسلام تحت أية ظروف، لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة والجهاد في سبيل الله.
إن قلوب المسلمين لاينقصها التحمس للدين والفضيلة كما لا يروقها ما ترى من عمليات الهدم والتضليل التي يتعرض لها الإسلام، وكذا فهم حريصون كل الحرص على الإسلام ولكنهم يحتاجون إلى من يشرح لهم الدليل ويوضح السبيل. فما أحراك أخي المسلم أن تكون القائد الذي يريهم السبيل ويبين لهم الدليل فتكون بذلك قد ساهمت في مواجهة المخاطر التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون في أنحاء الأرض وتكون قد دفعت عن المسلمين شرا كبيرا وفتحت لهم بابا واسعا بدعوة من يأتيك إلى الإسلام.
إنه - بالتأكيد - بالمساهمات البسيطة الجادة تبلغ الأمة أملها المنشود في العزة والسؤدد والحضارة والمجد وتنال الأجر العظيم من الله في يوم أنت أحوج ما تكون فيه إلى العون.
الوقفة كاملة
|