برنامج لمسات بيانية
آية (16):
* ما الفرق بين الفوز العظيم والفوز الكبير و الفوز المبين ؟(د.فاضل السامرائى)
أعلى الفوز هو الفوز العظيم ولذلك ما يرد في القرآن في الفوز العظيم كله أعلى مما ورد في الفوز المبين والفوز الكبير. الفوز المبين ورد في شيئين صرف العذاب والإدخال في رحمته فقط في موطنين (قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) الأنعام) صرف العذاب، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) الجاثية) ما ذكر جنة، قال رحمته.
(مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) دخول الجنة هذا أمر كبير جداً. إذن المبين ربنا ذكره في أمرين فقط صرف العذاب والإدخال في رحمته وليس التصريح في الجنة. الكبير ذكر مرة واحدة في آية واحدة فقط (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) البروج) لم يذكر خلود وشراء جنة ولا عدم خوف وحزن ولا ساكن طيبة ولم يذكر الذرية والزوجات (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) التوبة) هذا عظيم، (أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) التوبة). الكبير فقط لم يذكر إلا جنات تجري من تحتها الأنهار فقط. الفوز العظيم يزيد عليها في الخلود والمساكن الطيبة, فالعظيم أعلى شيء.
برنامج لمسات بيانية
آية (٥٠) : (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ)
* قصة هود في القرآن الكريم وردت في مواضع متعددة:
في سورة الأعراف
- أول سورة ذكرت فيها هذه القصة أول ما نقرأها نلاحظ أن هودًا دعا قومه إلى عبادة الله وتوحيده أول الأمر (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)) هذا أول ما نجد فيها.
- فتصدى له أشراف القوم الملأ سفّهوه واتهموه بالكذب (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)) فهو نفى أن يكون به سفاهة وأكّد أنه رسول من رب العالمين ونفى أن يكون من الكاذبين (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)) .
- فرفضوا هذا الكلام (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)) تحدّوه، هذا صار كلام شديد أنه سفيه وكاذب.
- اشتد هو عليهم قال (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)) هم قالوا (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) قال (فَانْتَظِرُوا) ما دام هكذا إذن (فَانْتَظِرُوا) كان جواباً لما طلبوه (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) .
- ثم جاء الأمر الحاسم بإهلاك المكذبين تصديقاً لما وعدهم به (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)) .
في سورة هود
- دعاهم إلى توحيد الله (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ) لكن الكلام لا يطابق ما ذكره في الأعراف لأنه قال (أَفَلَا تَتَّقُونَ) وهنا قال (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ) .
- ردوا عليه (قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) إلى آخر ما ذكرنا، لكن الملاحظ أن المواجهة في الأعراف كانت مع الملأ وفي هود كانت مع عموم القوم وليست مع الملأ، كانت أول مرة هم توجهوا إليه واشتدوا عليه، أيهم الأشدّ؟ الملأ المتسلطين أو عموم الناس؟ الملأ، نلاحظ أن الكلام اختلف، هناك كان الكلام مع الملأ (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ) كان الكلام قوياً، هنا أخفّ عموم الناس.
- لم يصفوه بالسفه وما صرّحوا بكذبه هناك قالوا (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) هنا قالوا (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) .
- لما كانت المواجهة في الأعراف أشدّ كما ذكرنا وتحدّوه (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) كانت العقوبة أشد قال (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢))، في هود ما قال ذلك قال (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) ما قال قطعنا دابر الذين كذبوا، في الأعراف هم تحدوه وفي هود هو تحداهم. إذن نلاحظ أنه ذكر في كل موطن ما لم يذكره في الآخر، لم تتكرر.
في سورة الشعراء
- بدأ القصة بقوله (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ(١٢٣)) هذه ما تبدأ به جملة القصص في هذه السورة عمومًا.
- نلاحظ كيف دعاهم؟ ما ذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده وإنما أمر آخر التقوى والطاعة (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦)) عموم الرسل في سورة الشعراء قالوا هذا القول.
- بكّتهم بما يفعلون قال (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)) هذه صفات ما ذكرها هناك.
- ذكّرهم بالنعم التي أمدهم بها رب العالمين ما ورد في قصة هود في المواضع الأخرى هذا الكلام، ملمح جديد هذا.
- (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)) لا سفاهة ولا غيرها، هذا أمر آخر لأن الدعوة ليست في يوم واحد ولا في موطن واحد، عمر وهو ويدعوهم كل مرة يقول شيء وهم يقولون شيئاً لا يتكرر نفس الكلام، هذه مواقف دعوة يدعوهم في كل مكان في كل مناسبة لا يكرر نفس الكلمات وإن كانت نفس المعاني لكن يقول أشياء أخرى حتى يذكّرهم. إذن الآن موقف آخر (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) تعظ أو لا تعظ سواء علينا فأهلكهم (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)) وهذا التعقيب جرى بعد عموم القصص، موقف البشرية من رسلهم يكاد يكون واحدًا.
في سورة فُصلت
- ذكر استكبارهم واعتداهم بقوتهم واغترارهم بها حتى قالوا (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً (١٥)) هم كانوا مغترين بقوتهم، هذا شيء لم يذكره فيما سبق، هذا ملمح آخر.
- ثم ذكر عقوبتهم وأنه أرسل عليهم ريحًا صرصرًا أذاقتهم عذاب الخزي في الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى (١٦)) هذا أول موضع يذكر فيه نوع العذاب ما قال في السابق ريح وإنما ذكر عقوبة على العموم، أذاقتهم عذاب الخزي كما كانوا يغترّون أخزاهم في الدنيا وفي الآخرة أخزاهم.
- لم يذكر دعوة رسولهم لهم ولا موقفهم، لخّص قصتهم لمن يعتبر.
في سورة الأحقاف
- أول مرة تذكر مساكنهم وأنها بالأحقاف في جنوب اليمن (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ (٢١)) .
- رسولهم أنذرهم وحذّرهم (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)) في الدنيا والآخرة.
- (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا (٢٢)) حتى تصرفنا عن الآلهة (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)) هم تحدّوه فلما خوّفهم بعذاب عظيم، كيف العقوبة؟
- ننظر شيئاً آخر (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا (٢٤)) لما رأوا السحاب قالوا هذا عارض ممطرنا فأرسل عليهم ريحاً دمرتهم وأهلكتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، وهذه أول مرة تذكر فيها المساكن الخالية، إذن هذا أمر جديد، كيف يكون تكراراً؟
في الذاريات والقمر والحاقة والفجر
- لم يذكر دعوة ولا موقفهم من رسولهم، وإنما ذكر عاقبتهم وهلاكهم، لا تكرار.
*هذه المواضع ليست متطابقة كل مرة يذكر جانبًا من القصة بحسب ما يراد التركيز عليه لكن ليس فيها تكرار، لكن قد يكون هناك موضع تفصيل وقد يكون جانب إيجاز، حتى نحن في أحوالنا العادية نذكر الحوادث نذكر في كل مناسبة جانبًا من الحادثة ما يتناسب مع المقام، لو أخذنا مثلًا:
التذكير بالنعم:
في الأعراف
أول سورة ذكرت فيها قصة هود قال (وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً (٦٩)) ذكرهم ببسطة أجسامهم وهي القوة، ثم قال (فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ) لكن لم يذكر ما هي الآلآء هم يعرفونها، ذكرها على العموم.
في هود
دعاهم إلى الاستغفار والتوبة حتى ربهم يمدهم ببركات السماء ويزدهم قوة إلى قوتهم (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) معناه أن الله أعطاهم قوة فيما دعاهم إليه سيزيدهم قوة إلى قوتهم لكن ما هي القوة لم يذكر أيضًا وإنما أشار إلى ما في الأعراف، ذكر القوة على العموم ، ما فسّرها.
في الشعراء
ذكر شيئًا من مظاهر قوتهم وعدد آلآء الله عليهم كيف تصرفوا في هذه النِعَم في الأعراف لم يذكر ما هي الآلآء وهنا ذكر التفصيل قال (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٢٨-١٣٤)) البناء والقوة والأنعام والبنين والجنات والبساتين.
في فُصِّلت
ذكر شيء آخر استكبارهم في الأرض بغير الحق واعتدادهم بقوتهم واغترارهم بها والاستطالة على خلق الله قال (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)) .
في الأحقاف والذاريات والقمر والحاقة
نلاحظ أنه لم يذكر شيئًا من النعم ولكن ذكر أمورًا أخرى مثل الهلاك وما إلى ذلك.
في الفجر
لم يذكّرهم بالنعم وإنما وصفهم ووصف بلادهم بأنها ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ثم ذكر أنه صب عليهم العذاب، النقمة.
العاقبة والهلاك أيضًا ذكر في كل مرة جانب من جوانب العقوبة، أحيانًا على وجه العموم وأحيانًا يفصّل:
في الأعراف
أول ما بدأت قال (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (٧٢)) كيف قطع دابرهم؟ ما هي العقوبة؟ ما الذي حصل؟ لم يذكر فقط ذكر نجاته ونجاة من معه وقطع دابر الآخرين.
في هود
لم يذكر نوع العقوبة وإنما ذكر الأمر بصورة أخرى قال (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)) ولم يذكر أنه قطع دابر الذين كذبوا وإنما نجاهم من عذاب غليظ، ما هو هذا العذاب الغليظ؟ ما هي العقوبة؟ ما فصّل، لم يذكر ثم قال (وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ (٦٠)) .
في الشعراء
قال (فَأَهْلَكْنَاهُمْ (١٣٩)) ولم يذكر كيفية الإهلاك ولم يذكر نجاته ونجاة من معه، خوفهم بالعذاب قال (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)) (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)) قال (فَأَهْلَكْنَاهُمْ) لم يذكر لا نجاته ولا نجاة من معه.
في فُصلت
أول موطن يذكر فيه نوع العقوبة (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ (١٦)) لكن كيف؟ كم يوم؟ ماذا فعلت بهم الريح؟ ما فصّل لكن ذكر نوع العذاب الريح الشديدة ولم يذكر نجاة هود والذين معه وإنما فقط ذكر العقوبة وحذّر قريش أن تصيبهم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأشار أن هناك صاعقة هكذا على العموم.
في الأحقاف
زاد في وصف الريح كيف جاءت على هيئة سحاب ممطر فاستبشروا بها فإذا هي ريح مدمرة (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)) فقط المساكن خاوية! ذكر الديار والدمار على العموم ، وهذا هو الموطن الوحيد الذي ذكر محل سكناهم وهو الأحقاف في جنوب اليمن (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ (٢١))، ولم يذكر نجاتهم بعد ذلك.
في الذاريات
الآن زاد في وصف الريح قال عقيم لا تأتي بخير وذكر عتوها ما تأتي على شيء إلا دمرته دمارًا كاملًا (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)) التي لا تأتي بخير أبدًا (مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)) لم تبق منهم شيئًا، كلهم أبيدوا.
في القمر أول موطن يذكر فيه ما فعلته الريح بالناس خصوصًا، خصّص الوصف (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١)) كأنه مخلوع من جذوره.
في الحاقة
زاد في وصفها وذكر أنها عاتية (رِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ) وذكر مدتها وهذه أول مرة يذكر كم استمرت هناك (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)) (فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) الآن ولم يبق من عاد أحد.
في الفجر
ذكر المدينة (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)) لم تذكر في موضع آخر، قسم قال المدينة وقسم قال القبيلة، قال (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣))انتهى المشهد وما أتى ذكرهم في القرآن بعدها.
- لا تكرار مطلقًا، ففي الأعراف ذكر النجاة والإهلاك إجمالًا، في هود ذكر النجاة ولم يذكر عقوبة إنما قال (وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً) في الشعراء وفصلت والأحقاف والذاريات والقمر والحاقة والفجر ذكر العقوبة والإهلاك فقط ولم يذكر نجاة وكل واحد منها متناسب مع السياق في كل سورة ومع جو السورة. لاحظت أنه لم يذكر أن هودًا دعا على قومه مثلما صنع سيدنا نوح، كأن نوح لهذه المدة الطويلة التي قضاها استدعت أن يدعو على قومه، ولم يذكر حال امرأة هود كما ذكر حال امرأة لوط ونوح، وما ذكر الأبناء كما ذكر ابن نوح.
* ناداهم بـ (يَا قَوْمِ) يستعطفهم ليسمعوا قوله ويلينوا له وهذا شأن الداعية أن يأتي بالقول اللين للسامعين، الكلمة الطيبة والحنان واللين في القول أحيانًا يفتح القلوب أكثر من القول نفسه، ولذلك في الغالب أنه يقول (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) أخاهم يعني منهم إلا في شعيب عليه السلام أُرسل إلى قومين إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة، لما يذكر مدين يقول (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا (٨٤)) لأنه منهم ولما يذكر أصحاب الأيكة ما يذكر (أَخَاهُمْ) لأنه ليس منهم.
* (مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) (من) الاستغراقية بمعنى ليس هنالك إله مطلقاً البتّة نفي للجنس عمومًا، ولو قال ما لكم إله غيره تحتمل أنه ليس هناك إله واحد بل إنما أكثر من إله.
* في الأعراف قال (أَفَلاَ تَتَّقُونَ) وفي هود قال (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ):
في الأعراف أول موضع ذكر فيه قصة هود في القرآن أول تبليغ لهم فلا يناسب ذكر الافتراء، افتراء على ماذا؟! لا يستوي أن ينعتهم بالكذب ما قالوا شيئاً لا يناسب، والآن هو يدعوهم مناسبة الدعوة تقوى الله (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (٦٥)) في أول موضع لا يصح أن يقول تفترون، هو دعاهم إلى عبادة الله وذكروا استمساكهم بالآلهة وردوا على نبيهم ورد عليهم (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)) والنبي اشتد عليهم (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (٧١)) اتخذوا شركاء فمناسب أن يقول (أَفَلاَ تَتَّقُونَ).
في هود الأمر شكل آخر، صارت أمور وصار نقاش وصار كلام وحصل أخذ ورد هذه قصة هود ما ورد في هود بعدما ورد في الأعراف عندما دعاهم أول مرة فاستمسكوا بآلهتهم وردوا (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا (٧٠) الأعراف) هذا في البداية ثم اشتد عليهم نبيّهم (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ (٧١)) هذه في الأعراف بعد الأخذ والرد (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم (٧١))، إذن هم افتروا على الله، افتروا باتخاذهم آلهة (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ (٧١)) إذن هم افتروا باتخاذهم الأوثان، فإذن ناسب هنا بعد الأخذ والرد أن يقول (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ) لكن لا يناسب أن يقولها في البداية، كأنما هنا هذا الكلام استكمال لما ورد في الأعراف، لا يزال السياق مستمرًا.
* نفى أيضًا بـ (إن وإلا) ولم يكن النفي بـ(ما أنتم إلا مفترون) لأن (إن) أقوى في النفي من (لا) مثل (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)) بعدها قال (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) النجم) ما ينطق عن الهوى يمكن أن تقولها عن أي إنسان تراه صادقًا لا ينطق عن الهوى، لكن ليس فيه اشتداد كبير عليه في هذا الوصف لكن (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) هذا هو مدار الاختلاف.
* (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ) جاء بالحصر وبقوة لأنهم قالوا (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ) (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ) صار بينهما أخذ وكلام فنفى الافتراء أشد ما يكون فنفاها بأقوى ما تكون بالقصر وبـ (إن) .
ية (51):
*انظر آية (29)
* (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)) ما النظرة السريعة في هذه الآية وماذا فيها؟
ذكر نوح أنه ليس طالب مال ولا جاه (وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً) ، هو حامل دعوة، همه الأول أن يوصل الدعوة فقط ما يطرد الذين يسمونهم أراذل.
* في موضع آخر قال (لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) هو قال مالاً أو أجرا ؟وما الفرق ؟
قال تعالى في قصة نوح في سورة هود (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)) وقال تعالى في قصة هود مع قومه في نفس السورة (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51)). لو لاحظنا سياق القصتين لوجدنا أنه في قصة نوح قال تعالى (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ) جاء ذكر خزائن الله في الآية والمال يُوضع في الخزائن فاقتضى ذكر كلمة (مالاً) في قصة نوح أما في قصة هود فلم ترد ذكر الخزائن وإنما قال (أجراً) لأن الأجر عام.
* أيهما قال مال أم أجر؟ كلاهما.
* ما معنى الأجر؟ لقاء عمل؟ نعم، الأجر لقاء عمل، يعني لا تفضلاً ولا لقاء عمل. الأجر لقاء العمل لكن ليس محدداً بالمال.
وهناك أمر آخر بين الآيتين وهو أنه في الأولى ذكر (إن أجري إلا على الله) بذكر لفظ الجلالة (الله) بينما جاء في الثانية (إن أجري إلا على الذي فطرني) بذكر (فطرني) بدل الله. والسبب أنه لو نظرنا من ناحية السمة التعبيرية في القصتين لوجدنا أن كلمة (الله) وردت في قصة نوح عشر مرات بينما وردت ثلاث مرات في قصة هود . هذا من ناحية وهناك أمر آخر وهو أنه تعالى ذكر في قصة نوح كلمة (الله) إسم علم وفي هود ذكر (الذي فطرني) أي عدّى الفعل إلى ذاته أي ضمير المتكلم كما نلاحظ في قصة هود ارتباط الأمور بشخص هود عليه السلام (إن نقول إلا اعتراك، كيدوني، إن توكلت، ربي،..) فمن الذي سينجيه من الكيد؟ الذي فطره فهو الذي خلقه ويحفظه من كل سوء فالأمر إذن شخصي وليس عامّاً فاقتضى ذكر (الذي فطرني). كذلك في سورة هود قال تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)) وهذه الآية تدل على أن الله تعالى يفطر قوماً آخرين غيرهم فالذي فطرني أنسب للذكر في قصة هود من كلمة الله التي هي أنسب في قصة نوح .
وننوه إلى أن هناك فرق بين الخلق والفَطر ولكل منها تميّز دلالي فالخلق غير الفَطر . الخلق قد يستعمله البشر بمعنى التصوير مثلاً وهو لفظ عام كما جاء على لسان عيسى (إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) وهي تستعمل سواء للخلق الابتدائي أو التصوير. أما الفَطر فهو ابتداء الشيء وهذا خاص بالله تعالى.
* (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) لماذا لم يقل لا أطرد أو لن أطرد؟
ذكرنا قبل قليل أن الإسم آكد وأثبت فهنا نفى بالإسم (بطارد) وجاء بالباء الزائدة المؤكدة، هذا مصطلح، زائدة لا تعني أنها ترمى هكذا لكن زائدة مصطلح عند المتأخرين زائدة بين العامل والمعمول لغرض التوكيد، الزيادة لها غرض وليست ترمى هكذا وقسم من القدامى كانوا يسمونها صلة ايضاً. إذن الباء زائدة مؤكدة واقعة في خبر المنفي وفيها الإسم.
* هي تعمل عمل ليس؟
بشروط، تعمل عمل ليس بشروط.
* (بطارد) لم يقل بطاردٍ بالتنوين؟ كما قال (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة)؟
عندنا قاعدة في النحو أن إسم الفاعل لا يعمل عمل النصب إلا إذا دل على الحال والاستقبال، يعني التنوين تقول أنا ضاربٌ زيداً يعني سأضربه الآن أو في المستقبل فقط .
* إسم الفاعل يعبِّر عن الماضي؟
قد يعبر عن الماضي. الماضي قد يعبر عنه بالإضافة، الإضافة عامة تستعمل الماضي والحال والمستقبل. أنا ضاربُ زيد يعني ضربته، لكن ضاربٌ زيداً لا يمكن أن يكون للماضي . بالإضافة مطلقة قد تشمل الماضي والمستقبل، التنوين لا تشمل الماضي
(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) هذا مستقبل لم يضفه، لم يجعل خليفة بعد. (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (10) إبراهيم)
* لا يجوز أن يقال فاطرٌ السموات، فاطرِ السموات تنسحب على الماضي، غير محدودة بوقت معين؟
غير محددة. الإضافة عامة (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ (9) آل عمران) الإضافة عامة، التنوين مقيّد محدد بزمن معين.
هنا قال (بِطَارِدِ) لا في الماضي ولا في المستقبل، لم يفعلها في الماضي ولا أفعلها في المستقبل. ولو قال وما أنا بطاردٍ خاص بالمستقبل، احتمال أنه فعلها.
* (بِطَارِدِ)، التنوين كسرتين هل كسرة واحدة تغير المعنى لهذا الحد؟
هي ليست كسرتين هي في الكتابة كسرتين لكنها هي كسرة واحدة ونون ساكنة تلحق الآخر، هذه كتابة نون ساكنة تلحق الآخر لفظاً لا خطاًً دون توكيد.
* هنا (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) وفي الشعراء في قصة نوح قال (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)) كيف نفهم الذين آمنوا والمؤمنين؟
نفس القصة، الكلام في هود كان أسبق في الزمن لما هو في الشعراء. لو قرأنا القصتين في هود والشعراء سنرى أن الكلام في الشعراء على ما بعد ذلك كان الكلام في هود أسبق (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (27) هود) في الشعراء هددوه بالرجم (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)) ، هذه مرحلة متأخرة، تلك كانت كلاماً (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) هود) لم يهددوه برجم أما في الشعراء هددوه بالرجم بعد بداية الدعوة، إذن هؤلاء مؤمنين صبروا كل هذه المدة الطويلة.
* وكأن (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) لحظة إيمانهم ودخولهم وحينما استمروا معه صاروا مؤمنين؟
(فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) الشعراء) هؤلاء ثبتوا مدة طويلة وصبروا ثباتهم وصبرهم وصدقهم دلالة على أنهم صادقين وثابتين في إيمانهم فاستحقوا الوصف بالإسم، تلك في مرحلة وهذه في مرحلة. هو آمن ثم استمر فبقي محافظاً عليه.
* في تضعيف الآية قال (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) هود) لماذا أراكم؟
هم قالوا (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا) فقال (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ) .
* مرة يأتي بضدها (فعُميت) ومرة يرد بالمثل (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ). في الأعراف قال (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)) لم يقل أراكم وفي النمل (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55)) لماذا اختلف التعبير؟
لو نقرأ ما ورد، نحن تعلمنا أن لا نقتطع الكلمة أو الجملة اقتطاعاً، في نوح دعاهم إلى ما يرى (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) هود) دعاهم، إذن ذكر ما يراه كل واحد في الآخر في المعتقدات، (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) من قالها؟ قالها موسى لقومه بني إسرائيل بعدما أنجاهم وجاوزهم من البحر وأغرق آل فرعون قال ربنا (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) الأعراف) يريدون صنماً قال (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) هذا ليس نقاشاً. إذن لماذا أنجاهم وجاوز بهم البحر ما داموا يريدون أن يعبدوا الأصنام؟! ما الفرق بينهم وبين غيرهم ممن يعبدون الأصنام، هذه ليست مسالة رؤية، هذه فيها أمر فيه تحقيق، ثم هذا خطر جداً، هذا ارتداد، عبادة أصنام وشرك، ردة.
* في النمل (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)!
هؤلاء قوم لوط (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) النمل) ليس نقاشاً في فكرة وإنما فاحشة، ليس نقاشاً أخذ ورد وإنما هذا أمر ظاهر ليست كتلك أنه جاءهم بعقيدة هم يرون هذا وهو يرى هذا، هذا في أمر ظاهر فاحش تقرير أمر واقع لكن الملاحظ أنه قال (إنكم) في قوم موسى أكّدها وفي قوم لوط قال (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) ما قال (إنكم). في موسى (إنكم) وفي قوم لوط (بل أنتم) ما قال (إنكم) ليس فيها تأكيد
* مع أن الموقفين واقعين بالفعل هذا تكلم عن حادثة فاحشة موجودة وموسى تحدث عن قومه؟
أي الأكبر جريمة ووزره أعظم المشرك أو الذي يعمل فاحشة؟ المشرك ، المسلم الذي يرتد أو الذي يعمل فاحشة؟ المسلم الذي يرتد، هؤلاء مؤمنين ويردون أن يعبدوا صنماً، (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ (48) النساء) هذا أمر أفظع وأعظم لأن فيه ردة ولذلك أكّد. ليس الأمران سواء.
* لكن (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80) الأعراف)؟
لكنها تبقى فاحشة، المسلم قد يعمل فاحشة لكن لا يخرج من الملة لكن الذي يرتد يخرج من الملة، إذا عبد صنماً هذه أكبر. الأمر ليس سواء، هذه دقة في التعبير عجيبة ، تلك أكبر بكثير شرك وعبادة أصنام ورِدّة أما الفاحشة فليست بمنزلة تلك. هذه هي البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، اختيارات عجيبة.