برنامج لمسات بيانية
آية (58) :
* ما الفرق بين نجّينا وأنجينا؟ والفرق بين (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ (64) الأعراف) و (نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ (58) هود)؟
هذان سؤالان، السؤال الأول الفرق بين نجى وأنجي والثاني (الذين آمنوا معه) و(الذين معه).
نجى تستعمل للتمهل والتلبث في التنجية، أنجى للإسراع مثل علّم وأعلم، علّم يحتاج لوقت وأعلم مباشرة، علمته الحساب ليس بلحظة واحدة، أعلمته يعني أخبرته هذه آنية.
أعطيك أكثر من مثال (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ (49) البقرة) (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (50) البقرة) هم مكثوا في البحر ليس نفس المدة التي مكثوها مع فرعون، الفترة مختلفة فقال فأنجيناكم وفي الثانية قال نجيناكم. في سيدنا ابراهيم (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ (24) العنكبوت) أنجاه رأساً. حتى لو كان في القصة الواحدة أحياناً يستعمل نجّى وأنجى لكن السياق هو الذي يحدد .
* هنا في نجّى وأنجى هل الفعل معدّى بالهمزة؟
نعم معدّى. نجّى فيه تلبث وتمهل وأنجى فيها سرعة، في القصة الواحد يستعمل هذا وذاك بحسب السياق في قصة صالح في فصلت يقول نجينا وفي النمل يقول أنجينا، لو لاحظنا في قصة صالح قال (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) النمل) الآن ينبغي الإسراع في النجاة (وَمَكَرُوا مَكْرًا (50) النمل) الآن ينبغي في هذا الوضع الإسراع في النجاة قال (فأنجيناه) بينما في فصلت ليس فيها هذا الأمر فقال نجينا. بحسب السياق، حتى في قصة نوح في سورة يونس قال (فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ (73)) بينما في الشعراء (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)) هذا تهديد بالرجم فقال (فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119)) فيها سرعة. حسب السياق والوضع الذي قيل فيه في أي حالة هو قيل.
* في أي باب في النحو يُدرس هذا؟ تلبّث الفعل أو الوقت الزمني الذي يستغرقه الفعل؟
هذا في الصرف، في قواعد الصرف. (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (14) المعارج) يفتدي بكل شيء حتى لا يذوق معنى هذا أن الحرج فوق الطاقة وفوق الوسع فيريد أن يخلص بأي صورة .
(فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ (64) الأعراف) و (نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ (58) هود) مرة يذكر (الذين آمنوا) ومرة لا يذكرها.
لو لاحظنا كيف وردت الآيات يتضح الجواب. (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا (64) الأعراف) عندما ذكر أنه أغرق الذين كذبوا بآياتنا معناها أن المؤمنين نجوا، وكذلك في قوم هود (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا (72) الأعراف) لم يذكر آمنوا (وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (72) الأعراف) يعني الذين كانوا مؤمنين نجوا. بينما لما ذكر (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا (58) هود) لم يذكر الآخرين قال (وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) فلما ذكر عقوبة من لم يؤمن معناه أنه نجّى من آمن، ولما لم يذكر قال (الذين آمنوا). لما لم يذكر العقوبة قال (الذين آمنوا) لما ذكر عقوبة من لم يؤمن معناها أنه نجّى من آمن .
برنامج لمسات بيانية
آية (٥٩) : (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)
* (وَتِلْكَ) إشارة إلى قبورهم وآثارهم حتى تكون فيها عبرة انظروها،
* (جَحَدُواْ .. وَعَصَوْاْ .. وَاتَّبَعُواْ ..) هذا الترتيب بالذات هل له دلالة معينة؟ ألا تكفي (جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) والباقي مستنبط؟
العصيان مرحلة بعد الجحود، الجحود أمر لساني أن يقر المرء بقلبه ولا يقر بلسانه، إنكار ما تعلم من الحق، أما العصيان مرتبة أخرى أقوى من الجحود، هذا سلوك وعمل، الاتّباع هذه مرحلة أخرى غير العصيان لأن العصيان عكس الاتّباع، هم ليس فقط عصوا رسله بل اتبعوا الجبابرة. إذن هم لم يكتفوا بالجحود وإنما عصوا رسله ولم يكتفوا بهذا واتبعوا أمر كل جبار عنيد هذه مراحل.
* قال (وَاتَّبَعُواْ) وليس تبعوا للمبالغة لأن افتعل تدل على المبالغة والكثرة فيها مبالغة في الاتباع. اتّبع اشد اتباعًا،.
* (كُلِّ جَبَّارٍ) استغرق الاتباع لكل جبار ليس لجبار واحد ولا مجموعة من الجبابرة وإنما كل جبار.
* وصف الجبار بأنه عنيد هذا مناسب للجحد لأن الجاحد ما الذي يجعله لا يقرّ ما في قلبه؟ غير عناده، هذا معاند وذاك جبار، اتبعوا من نفس الصفة هو جبار عنيد وهؤلاء جاحدين.
* الآية تبيّن مقدار عنادهم وعتوّهم من أكثر من جهة:
- قال (جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) مع علمهم أنها حق.
- قال (بِآيَاتِ) ليست آية واحدة ارسل الله لهم آيات كثيرة.
- قال (بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) هذا أسوأ الجحود ربهم الذي أنعم عليهم وتفضل عليهم وأحسن إليهم، لم يجحدوا مع شخص مثلهم.
- قال (وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ) ما قال وعصوا الرسل، رسل الله ربهم الذي تفضل عليهم الرسول يختلف بحسب المرسِل، هذا عصيان مضاعف.
- قال (رُسُلَهُ) مجموعة.
- قال (وَاتَّبَعُواْ) ولم يقل تبعوا.
- قال (كُلِّ جَبَّارٍ) وليس جباراً واحداً أو مجموعة قليلة.
- قال (عَنِيدٍ) ولم يقل معاند وعنيد صيغة مبالغة.
برنامج لمسات بيانية
آية (٦٠) : (وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ)
* اللعنة أرسلت إليهم تطاردهم في كل مكان في الدنيا ويوم القيامة، هذه مبالغة في الطرد من رحمته سبحانه وتعالى كما بالغوا في عنادهم، فهم ليس فقط لم يؤمنوا وإنما جحود وعصيان واتبعوا كل جبار عنيد، كل هذا بأعمالهم.
* لغةً إذا حدث تأخير وتقدم فقيل واتبعوا في هذه الدنيا ويوم القيامة لعنة فهذه لعنة واحدة، أما هذا الترتيب المذكور في القرآن هما لعنتان لعنة في الدنيا ولعنة في يوم القيامة كقوله تعالى (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ) .
* في قوم هود قال (وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً) ولما ذكر قصة فرعون (وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ لَعْنَةً) لم يذكر الدنيا:
إذا رجعنا إلى القصتين قصة هود وقصة فرعون المذكورتين في الموطن:
- ذكر شيئاً من أمور الدنيا في قصة هود قال (يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) هذه كلها في الدنيا لكن لم يذكر بالنسبة لفرعون شيئاً من أحوال الدنيا في قصة فرعون أصلًا، هذا أمر.
- الأمر الآخر ذكر عقوبة فرعون يوم القيامة في هذا الموطن ولم يذكر شيئاً عن أمرهم في الدنيا ولا ما لحق بهم من العقوبة (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)) لأن الكلام كان على ما يلقون في يوم القيامة.
- قوم هود ذكر أمرين ذكر عقوبتهم في الدنيا وهلاكهم يوم القيامة فناسب ذكر الدنيا بالنسبة لهود.
فناسب بدقة متناهية ذكر الدنيا في قصة هود صراحة، وإضمارها في فرعون في موطن وإظهارها في موطن آخر في القصص حين ذكر عقوبة فرعون في الدنيا (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (٤٠)) فقال بعدها (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً (٤٢)) .
- إذا أخذنا من الناحية الفنية قصة هود في السورة أطول من قصة فرعون، قصة هود إحدى عشرة آية بينما قصة فرعون أربع آيات في سورة هود، أيضًا (فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا) أطول من (فِي هَـذِهِ)، فهذه تناسب التفصيل وهذه تناسب الإيجاز.
* قال عن عاد (وَأُتْبِعُواْ) بالبناء للمجهول بينما مع فرعون في سورة القصص قال (وَأَتْبَعْنَاهُمْ) :
- الكلام في قصة هود عن قوم عاد وليس على الله (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ) قال (وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً)، بينما في القصص الكلام عن الله سبحانه وتعالى قال (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ .. (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ .. (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)) .
- الغريب أن كل آية مناسبة لبداية السورة التي وضعت فيها، بدأت سورة هود بالبناء للمجهول (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) بينما في استفتاح القصص (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)) نسبه لنفسه، لو نرجع للقصتين قصة عاد وقصة فرعون كل واحدة في مكانها نلاحظ القصة في سورة القصص أكثرها في الإسناد إلى ضمير التعظيم، القصة عموماً (فَأَخَذْنَاهُ) (فَنَبَذْنَاهُمْ) (وَجَعَلْنَاهُمْ) (وَأَتْبَعْنَاهُمْ) (آَتَيْنَا) (أَهْلَكْنَا) (قَضَيْنَا) (أَنْشَأْنَا) (نَادَيْنَا) السورة كلها مبنية على ضمير التعظيم، بينما السياق في قصة هود في الكلام على الغائب كسَمْت عامّ (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) ما قال بآياتنا (وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ) ما قال رسلنا، (كَفَرُواْ رَبَّهُمْ) ما قال كفروا بنا،
- حتى لو كنا نحسب ضمائر التعظيم البارزة والمستترة في القصص في قصة فرعون تحديدًا ٣١ ضمير ، في هود ضمائر التعظيم أربع ضمائر فقط. حتى السمة التعبيرية في القصة وفي السورة وفي البداية كلها تبين لنا الفرق.
* (كَفَرُواْ رَبَّهُمْ) لم يقل بربهم مع أن التعبير في القرآن (كَفَرُواْ بِاللّهِ) :
(كفر به) نقيض الإيمان فقط، كفره فيها دلالتان: الأولى جحود النعمة والثانية نقيض الإيمان بمعنى لم يؤمن به، واختار كفره هنا تحديداً لأن ذكر النِعم التي أنزلها عليهم فلم يشكروها فكفروها وكفروا بالله أيضًا أشركوا فجمع الاثنين.
* (أَلاَ بُعْدًا) مفعول مطلق لفعل محذوف، أي ابتعاد عن الدنيا وهلاكهم وابتعادهم عن رضى الله سبحانه وتعالى منه سبحانه وتعالى وبعداً لهم في جهنم.
* (أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) أليسوا هم قوم هود فلِمَ جاء التعبير على هذا التصريح؟
هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء والمؤرّخين، إذا كان عاد هم قوم هود أنفسهم ستكون بدل أو عطف بيان وهذا ممكن زيادة في الإيضاح، قسم يذهب إلى أن عاد عادان عاد الأولى والأخرى (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى) نحن لا يعنينا هذا الأمر وإنما يعنينا ما يتعلق بالرسل.
* في هذه الآية:
- كرر حرف التنبيه (ألا) مرتين (أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) وكرر اللعنة مرتين (وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ)، ذكر الدنيا مرتين مرة باسم الإشارة (فِي هَـذِهِ) ومرة بالتصريح (الدُّنْيَا)، وكرر عاد مرتين (أَلا إِنَّ عَادًا) (أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ) ودلّل على عاد مرتين مرة باسمهم (لِّعَادٍ) ومرة (قَوْمِ هُودٍ) في آية واحدة.
برنامج لمسات بيانية
قال تعالي في سورة آل عمران : { وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ } [ آل عمران : 41 ] .
وقال في سورة الأحزاب : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [41] وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [42] } [ الأحزاب : 41- 42 ] , فقدم الذكر علي التسبيح .
وقال في سورة طه علي لسان سيدنا موسي عليه السلام : { وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [32] كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً [33] وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً [34]} بتقديم التسبيح علي الذكر , فلم ذلك ؟
الجواب : الذكر أعم من التسبيح , والتسبيح أخص من الذكر , فلما ذكر وقتين في التسبيح في آل عمران : { بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ } , وكذلك في الأحزاب : { بُكْرَةً وَأَصِيلاً } جاء بالأخص , وهو التسبيح .
وقيل : إن المراد بالتسبيح هنا الصلاة , بدليل تقييده بالوقت .
ولما أطلق جاء بالأعم , وهو الذكر , فلم يقيده بوقت وقدمه , فقدم ما هو أعم ؛ لأنه لا يختص بوقت دون وقت .
أما تقديم التسبيح في ( طه ) , فلأن موسي في حالة خوف من فرعون , كما قال تعالي : { قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى } [ طه : 45 ] .
والتسبيح ينجي من الغم والكرب , كما قال سبحانه عن نبيه يونس : { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ [143] لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [144]} [ الصافات : 143 – 144 ] .
وقال فيه أيضا : { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [87] فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ [88]} [ الأنبياء : 87 – 88 ] .
وقال لنبيه وخاتم رسله – صلي الله عليه وسلم - : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [97] فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ [98] } [ الحجر : 97 – 98 ] فقدم التسبيح لذلك .
ولعل لذلك سببا لطيفا آخر , وهو أن التسبيح معناه : التنزيه , فقدمه ؛ لينزه الله عما لا يليق , مما كان عليه فرعون وقومه من الشرك والكفر , ووصفه سبحانه بما لا يليق , وإنكار أن يكون ثمة إله غير
فرعون , والله أعلم .
برنامج لمسات بيانية
* (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (67) طه) لماذا كرر إسم موسى في الآية مع استخدام الضمير في (نفسه)؟(د.فاضل السامرائى)
فيها تقديم وتأخير وليس فيها تكرار، أصل الكلام فأوجس موسى خيفة في نفسه ليس فيها تكرار، هي فيها تقديم وتأخير فصل بين الهاء والفاعل ولم يحصل تكرار. أخّر موسى لأنه مدلول عليه من السياق. ثم هناك أمر آخر تقديم (في نفسه) أهم من تقديم موسى لأنه في مقام بينه وبين السحرة اختبار، هنا فأوجس في نفسه لأنه لو ظهر عليه الخوف – والخوف قد يظهر على الإنسان- فالخوف كان في نفسه لم يظهر على وجهه لذلك قال (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى) لو قال فأوجس خيفة يعني ظهر على وجهه كما في قصة إبراهيم (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) الذاريات) معناه ظهر الخوف عليه. موسى أوجس خيفة في نفسه لم تظهر عليه لأنها لو ظهرت لكانت علامة ضعف وعدم ثقة إذن تقديم (في نفسه) أهم من تقديم الفاعل. ربنا ذكر مع أنه قال لموسى لا تحف ذكر هذا الأمر وهذا يعتري البشر فحدد مكان الخيفة والتوجس في نفسه (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى) لم تظهر على وجهه. هذا التقديم إذن له دلالة. الكلام في السياق كله مع موسى (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) طه) وقبله مناظرته مع فرعون وفي الآية قال (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) وتقديم (في نفسه) أهم من تقديم موسى. بينما في يوسف قال تعالى (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ (77) يوسف) أخّر (في نفسه) لأن كلمة أسرّ يعني في نفسه لم تظهر (في نفسه) جاءت متأخرة وتضيف دلالة لأن حتى الإسرار قد يكون كلاماً مع شخص (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا (3) التحريم) فيقدم عندما يكون السياق محتاجاً إلى التقديم ويؤخر عندما يكون السياق محتاجاً للتأخير. قدّم (في نفسه) حتى لا تظهر عليى علامات الضعف والآية أصلاً ليس فيها تكرار ثم إن موسى الذي خاف وليس هارون وموسى من أولي العزم فكم كانت قوة السحر؟! (قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) الأعراف).وتعرب كلمة (خيفة) تُعرّب مفعولاً به "أحس خيفة". والفاعل (موسى).
برنامج لمسات بيانية
* (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ (116) المائدة) الله تعالى يعرف إن كان عيسى قد قال هذا الكلام أم لا فما دلالة السؤال؟
د.فاضل السامرائى :
رب العالمين يعلم كل شيء لكن التقرير لما يتعلق به المحاسبة والجزاء. حتى لو كان يعلم لماذا يحاسب ربنا العباد؟ يحاسبهم ليتعلق بهم الجزاء الأمور لا توكل إلى علمه حتى يقيم الحجة، كيف يقيم الحجة غير بالمحاسبة. السؤال هنا استفهام أأنت فعلت كذا؟ حتى يقيم الحجة عليه أو له وهذا إستفهام غرضه تقرير يقرره بذلك. هو لم ينكر عليه ما ليس فاعله لأنه يعلم. هذا السؤال يتكرر كثيراً في القرآن الكريم غرضه البلاغي التقرير وقد يكون للتعجب أو الإنكار أو التقرير. (ألم نشرح لك صدرك) هذا استفهام غرضه التقرير، (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) المرسلات) والمسؤول يعلم، الإستفهام في اللغة نفهمه في سياق الدلالات الخاصة به ما غرضه؟ وقد يكون للتعجب (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ (72) هود) هذا استفهام غرضه التعجب.
اللمسة البيانية في السؤال هو أن هنالك من قال هذا الكلام يبقى من قال؟ أأنت قلت أم غيرك؟ قيل هذا الكلام يبقى من قاله أأنت قلته أم غيرك؟ ليس السؤال شك في المسألة قيل أم لم يُقل، لكن المسألة عن القائل. لم يكن عيسى هو القائل حتى يقيم الحجة له.
* آخر سورة المائدة (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)) وجاء رد عيسى فما معنى الاستفهام في الآية؟(د.فاضل السامرائي)
هو الأمران، يريد أن يقرره كالمحاكمة، هل أنت قلت؟ يجب أن يدافع عن نفسه. الآن عندما شخص يقال عنه أنه قال كذا وكذا أنت لا تحكم عليه إلا بعد تقريره وإلا كيف تحكم عليه؟ حتى لو كنت عالماً بهذا الشيء فربنا يريد أن يقرره (إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) فهو من باب التقرير حتى يلزم الحجة أمام الخلائق من لسانه هو.
* هل يمكن أن يكون استفهاماً إنكارياً؟
قد يكون لكن هو لم يقل حتى يُنكر عليه.
* هنا استفهام تقريري أمام الخلائق لكي يقيموا الحجة وليس سؤال استفهام بمعنى الاستخبار أو الاستعلام تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ؟
ما قال له (أقلت؟) وإنما قال (أأنت قلت). فرق بين أقلت؟ أفعلت؟ لا تعرف إذا كان فعل أو لم يفعل، (أأنت فعلت) هو يعلم أنه فعل لكن هذا إقرار.
* هناك قول قيل فعلاً (اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ)؟
برنامج لمسات بيانية
* آية المال والبنون (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) الكهف) هل الواو حرف عطف وهل حرف العطف يهتم بأن المال أهم من البنون أو أن المال يأتي أولاً لأجل البنون؟(د.فاضل السامرائى)
الواو هنا عاطفة وهذا يدخل في باب التقديم والتأخير قدم المال على البنين هنا لأنه قال زينة الحياة الدنيا والزينة بالمال أظهر من البنين فقدم المال لأنه لما قال زينة قدم ما هو أدل على الزينة (وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ (6) الإسراء) وتقدم الأموال على الأولاد بحسب السياق. قال تعالى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (14) آل عمران) هنا أخرها (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) التوبة) أخر الأموال، لما يذكر مسألة الحب الفطري يؤخر الأموال لأن الأموال تترك للأبناء يعمل ويكد ويعلم أنه ميت ويترك الأموال للأبناء. أحياناً نرى كلمة متقدمة وفي موطن آخر نراها متأخرة كما مر بنا في النفع والضر.
الواو لها أغراض أخرى في اللغة غير العطف مثل واو القسم (والليل) واو الحال (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ (8) يوسف) واو الاسئتناف، واو الثمانية قالها بعض النحاة ورفضها عموم النحاة وأنا شخصياً لا أقبلها.
برنامج لمسات بيانية
*(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) الشعراء) (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) القدر) كيف تنزل الشياطين؟ الشياطين تستمع وتتنزل على الكهنة. (د.فاضل السامرائى)
لماذا لا تنزل الشياطين؟ كانوا يذهبون إلى السماء فيستمعون (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا (9) الجن) كانوا يستمعون شيئاً من الغيب فينزل وينقر في أذن الكاهن هذا المراد (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) الشعراء) واستعمل الفعل نفسه مع الملائكة ومع المطر المهم أنه يأتي من فوق. تنزّل ليس مرة واحد وإنما فيها التدرج والاستمرار لأنهم موجودين في كل زمن وليس في زمن واحد. يمكن استخدام نفس الفعل مع الملائكة والشياطين.