برنامج لمسات بيانية
(إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) الفجر) ما دلالة استعمال يخلق وهل هي من خلق الله أو من خلق البشر؟(د.فاضل السامرائى)
اختلفوا في قوله (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) هل تعني القبيلة؟ المسألة إختلاف ما المقصود بإرم، هل إرم إسم الجدّ؟ جدّ القبيلة؟ أم هي إسم المدينة؟ مدينة إرم؟ الخلاف في هذا فإذا كان الجدّ فإذن القبيلة كانوا ضخام الأجسام وأقوياء القبيلة لم يُخلق مثلها في شدتهم وقاماتهم الطوال وإذا كانت المدينة ففي أساطينها وفي بنائها لم يخلق مثلها في البلاد لم يكن في البلاد آنذاك مثلها. هي أحد أمرين: القبيلة قبيلة عاد (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) الفجر) وإذا تحدث عن المدينة نفس الشيء أما ما ذكر أن قصورها من ذهب كلام لم يصح وموضوع. قسم منهم قالوا بناها عاد وقصورها من ذهب وزبرجد قالوا هذا كلام موضوع لا يصح. قال (لم يُخلق) بنى الفعل لما لم يسمى فاعله لأنها كانت متفردة إذا كانوا كما قالوا في أجسامهم كانوا ضخام إذن غير موجود مثلها وإذا كانت في المدينة قالوا بناءها وأساطينها أيضاً لم يخلق مثلها. هم قبيلة عاد بشر أرسل إليهم تعالى هود.
برنامج لمسات بيانية
*ما معنى هذه الآية (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (53) سبأ)؟ (د.فاضل السامرائى)
(وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (53)) هذه فيها احتمالان أو دلالتان: الأولى قال (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) هم الآن في الآخرة ((وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ (52)) وحتى قيل (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ (54)) كفروا بالله، ليس هذا فقط وإنما ذكروا من صفات الله والشرك، قسم قال الملائكة بنات الله وقسم قال لله إبن وقسم ذكروا في صفاتخ من الأمور مثل واحد يقذف لا يعلم أين هو الشيء والمكان بعيد. أنت تريد أن ترمي شيئاً ما يجب أن تعرف أين هو حتى ترميه ويجب أن تكون المسافة معقولة حتى توصله، أنت تقذف بالغيب، لا تعلم أين هو؟ والمكان بعيد فكيف يصل إليه؟ هؤلاء حالهم في الكلام على صفات الله وما هم فيه مثل هذا. (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ) كفروا بالله، (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) هم هكذا في الدنيا، يقذفون بالغيب أي يرجمون الكلام عن الله تعالى جزافاً فهذا هو حالهم أولاً كفروا ثم ذكروا من الصفات في الله فيذكرون من صفات الله كأنهم يقذفون بالغيب من مكان بعيد هذا تصوير عجيب لا يعلمون بما يرمون ولا أين يرمون ولا يعلمون هو في أي وجهة ومن مكان بعيد! والقذف في اللغة هو الرمي.
برنامج لمسات بيانية
آية (14):
*ما الفرق بين قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) الحج) (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (18) الحج)؟
يقولون الإرادة لا تقتضي وجود الشيء. مثال: ربنا سبحانه وتعالى يريد من عباده أن يعبدوه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) هل فعلوا ذلك؟ لا.
قسم قالوا الإرادة كالمشيئة هناك خلاف فيها، وقسم قالوا الإرادة ليست كالمشيئة، المشيئة مُلزمة والإرادة نوعان: -_إرادة إلزام إذا أراد شيئاً إرادة إلزام يقول له كن فيكون ، يفعل ما يريد إذا أراد إلزاماً. (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) مثل قوله (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ (33) الأحزاب) هذا ما أراد ونفذ وأحياناً يريد من عباده والعباد يعصون إذن لم يلزمهم بذلك ولو أراد أن يلزمهم لألزمهم.
_وهناك إرادة أخرى إرادة مناط التكليف هذه إرادة العبادة وإرادة الناس ربنا يريد من عباده المكلفين أشياء لا يفعلونها، يستحبها لهم ويريدها منهم وهم يعصونه وهو لا يريد المعصية، المعصية وقعت إذن خلاف ما أراد الله لأنها ليست إرادة إلزام. المشيئة ملزمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هذه مشيئة. المشيئة إذا شاء حصل ليس فيها وجهان أو جانبان المشيئة ملزمة إذا أراد ربنا شيئاً من عباده لو شاء يفعل ولو يريد إرادة إلزام لفعل.
برنامج لمسات بيانية
*ما الفرق بين خشعاً ابصارهم وخاشعة أبصارهم وأبصارها خاشعة (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (7) القمر)، (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44) المعارج)، (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) القلم) (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) النازعات)؟(د.فاضل السامرائى)
خُشّع هذا الجمع على وزن فُعّل. والخشوع هو الإنكسار والذلة ويكون للإنسان عموماً وللقلوب وللأبصار والوجوه (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) الغاشية) يظهر فيها الذلة والإنكسار، (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) المؤمنون) خشوع عام في القلب والجوارح. خُشّع جمع مفردها خاشع مثل سُجّد ساجد. قال خاشعة أبصارهم وخشّعاً أبصارهم، في الايتين في السؤال (خاشعة أبصارهم) (خشعاً أبصارهم) خشع جمع على وزن فعل هذا الوزن يفيد التكثير والمبالغة نظير قولنا في المبالغة مثل قُلّب، نقول هذا رجُل قُلّب أي كثير التقلب وسريع التقلب، وبَرْق خُلّب أي ليس فيه مطر، ورجُل حُوّل أي كثير التحوّل. هذه من صيغ المبالغة وهي أكثر من فُعَلة هُمزة لُمزة. في المفرد من صيغ المبالغة، هذه جمع خشعاً ابصارهم أي فيها مبالغة الخشوع. هذا المعنى اتضح الفرق بين خاشع وخُشّع، خاشعة إسم فاعل وخُشّع هي جمع يفيد التكثير ومفرده في الأصل على وزن فُعل يفيد المبالغة والتكثير مثل خُلّب وقُلّب. هذا الفرق في الدلالة، يبقى سبب الإختيار لماذا هنا قال خُشّعاً وهنا خاشعة؟ نقرأ الآية في سورة القمر (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)) أولاً قال (شيء نكر) نُكُر أي شديد النكارة غير مألوف ولا معروف صيغة فُعُل من صيغ المبالغة الدالة على شدة النكارة غير المألوفة وغير المعروفة، هذا واحد ثم تقديم الحال (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ) وفي الآية الثانية كلها مؤخرة (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)) الحال متأخرة بينما في القمر الحالة المتقدمة لشدة الأمر (خشعاً) حال دالة على الكثرة وشيء نكر ومتقدمة. (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) القلم) مهطعين أي مسرعين مادّي أعناقهم خائفين ولم يذكر في الآية الثانية مثل هذه الأشياء. (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) كلها تدل على الموقف والهول وشدة النكارة فقال (خشعاً أبصارهم) فجاء بالصيغة التي تدل على الكثرة والمبالغة وقدّمها. أقصى ما قال في الآية الثانية في سورة المعارج (كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) هذه يشاهدونها، يسرعون إلى أصنامهم حالة مألوفة لكن لما قال (إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) هذا غير مألوف شديد النكارة غير معروف (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)) أيها الإنسب لمن يعرف اللغة أين نضع خشعاً وخاشعة؟ يضعها في مكانها هذه موازين كالمعادلة الرياضية قدم خشعاً وخاشعة على الإبصار أما في آية (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) النازعات)هذه إخبار مبتدأ وخبر.
برنامج لمسات بيانية
ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ﴾ (البقرة: 236) وقوله: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾ (البقرة: 198)؟
الجواب: إن قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ﴾ جملة اسمية، وقوله: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾ جملة فعلية.
والجملة الاسمية أقوى وأثبت من الفعلية.
ثم إن (لا) تفيد توكيد النفي، وذلك أنها متضمنة معنى (من) الاستغراقية، يقول النحاة: وهي نظير: (إنّ) في توكيد الإيجاب، وهي آكد من (ليس).
ومعنى هذا قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ﴾ آكد وأقوى وأثبت من قوله: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾.
يوضح ذلك الاستعمال القرآني للعبارتين فإنه يستعمل: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ﴾ فيما هو أهم من المواطن التي تستعمل فيها: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾ فهو يستعملها في أمور العبادات، وفي تنظيم شؤون الأسرة، وفي الأمور المهمة على العموم.
وأما قوله: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾ فإنه يستعمله فيما هو دون ذلك من أمور الحياة، وما هو أقل أهمية على العموم.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، وهذا أمر يتعلق بالعبادة.
وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، وهذا يتعلق بتنظيم الأسرة وحقوق كل من الزوجين.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]
وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ٢٣٦﴾ [البقرة: 236]، وهي كما ترى في شؤون تنظيم الأسرة، وفي الحقوق والواجبات.
وأما قوله: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾ فيستعمله فيما هو أقل شأناً من أمور الحياة كما ذكرت.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93]
وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: 29]
وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: 61]
وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: 282].
فانت ترى أنه استعملها فيما هو أقل أهمية مما قبلها.
قد تقول: ولكنه قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، وهذا يتعلق بأمور العبادات.
فنقول: كلا، وإنما هو يتعلق بالتجارة في موسم الحج، فإنه قال إنه لا مانع من التجارة وابتغاء الرزق في الحج.
ويوضح ذلك استعمال كل من التعبيرين في آيتين متتابعتين، وهما قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101].
وقوله في الآية بعدها: ﴿َلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 102].
فقال في الآية الأولى: ﴿فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾، وقال بعدها: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ﴾.
ذلك أن الآية الأولى في السير في الأرض للتجارة أو غيرها، فقال ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾.
أما الآية الثانية ففي الجهاد، يدل على ذلك قوله: ﴿أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ﴾، وقوله: ﴿وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ﴾، فقال: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ﴾ فدّل ذلك على ما ذكرناه والله أعلم
برنامج لمسات بيانية
سؤال : قال تعالي : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ } [ فاطر : 19 ] , [ غافر : 58 ] .
وقال : { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } [ فاطر : 12 ] فنفي بـ ( ما ) .
في حين قال : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ } [ فصلت : 34 ] .
وقال : { لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ } [ الحشر : 20 ] .
وقال : { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ } [ النساء : 95 ] .فنفي بـ ( لا ) . فلم ذلك ؟
الجواب : إن ( ما ) إذا دخلت علي الفعل المضارع كان النفي للدلالة علي الحال . وإذا دخلت عليه ( لا ) كان النفي للدلالة علي الاستقبال . فما نفي بـ ( ما ) كان لنفي الحال , فقوله : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ } إن عدم الاستواء فيه مشاهد في هذه الدنيا
ظاهر لكل أحد .
وكذلك قوله : { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } فعدم الاستواء ظاهر في هذا . ونحو ذلك قوله : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ } [ فاطر : 22 ] .
أما ما نفي بـ ( لا ) فيفيد نفي الاستواء في المستقبل , فقوله : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ } إنما يظهر عدم الاستواء بينهما في الآخرة , وكذلك قوله : { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ } [ النساء : 95 ] فإن عدم استواء القاعدين والمجاهدين إنما يظهر أثره في الآخرة . وكذلك قوله : { لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ } فإن عدم الاستواء إنما يظهر في الآخرة .
برنامج لمسات بيانية
*ورد في سورة إبراهيم (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)) وفي لقمان في مكان آخر قال (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)) وهنا قال (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) فكيف نفهم الفروق البيانية الدلالية الموجودة بين الثلاث الآيات ونظهر اللمسات البيانية فيها؟
ربنا سبحانه وتعالى قال في سورة إبراهيم على لسان موسى (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ)، في لقمان قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) فأكد في سورة إبراهيم فقال (فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) أكد بإنّ واللام في (إن الله لغني)، في لقمان أكد بإنّ وحدها وقال (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) في إبراهيم زاد اللام وفي لقمان التوكيد فقط بإنّ. وقلنا أن السياق هو الذي يوضح هذا الأمر. لو نقرأ الآية في لقمان (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) إذن قسّم العباد إلى قسمين قسم شاكر وقسم كافر، من يشكر ومن كفر إذن قسم العباد إلى قمسين. في إبراهيم إفترض كفر أهل الأرض جميعاً ولم يقسمهم إلى قسمين (إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) إذن في لقمان افترض العباد قسمين وفي إبراهيم افترض كفر أهل الأرض جميعاً فنلاحظ الإختلاف بين التعبيرين في ثلاثة أمور: أولاً في لقمان جرى على التبعيض (بعضهم مؤمن وبعضهم كافر باعتبار من يشكر ومن كفر) بينما في إبراهيم على الشمول شملهم كلهم ولم يستثني أحداً. ونلاحظ في لقمان قال (ومن كفر) بالماضي، في إبراهيم قال (إن تكفروا) بالمضارع، في لقمان فعل الشرط ماضي (ومن كفر) وفي إبراهيم فعل الشرط مضارع (إن تكفروا) والفرق واضح لأنه ذكرنا في حلقة ماضية أنه إذا كان فعل الشرط ماضياً إفتراض وقوع الحدث مرة وإن كان مضارعاً افتراض تكرر الحدث فهنا قال (إن تكفروا) يعني إذا داومتم واستمررتم على الكفر دلالة على تكرر الكفر وتجدده (إن تكفروا) يعني تستمرون على الكفر وتداوموا عليه وفي لقمان قال ومن كفر. ثم قال (جميعاً) جاء بالحال المؤكدة. إذن إفتراض كفر أهل الأرض بلا استثناء لم يجعلهم قمسمين ثم افتراض الكفر مستمر ثم أكد ذلك بـ (جميعاً) فاقتضى ذلك زيادة التأكيد في إبراهيم (فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) الله تعالى لا يحتاج إلى غني لما ذكر هذه الأمور افتراض ليكفر أهل الأرض جميعاً وليداموا على الكفر جميعاً هذه كلها مؤكدات. ربنا تعالى لم يؤكد غني في لقمان لأن الناس فئتان ولما كان الناس على ملة واحدة أكّد لأنه تعالى لا يحتاج إليهم حتى لو كانوا كلهم كفار ويداومون ويستمرون على ذلك. فائدة التأكيد هنا فائدة بلاغية أن الله تعالى غني عن العباد كلهم لو كفروا كلهم جميعاً واستمروا ربنا غني عنهم، تأكيد الغنى.