برنامج لمسات بيانية
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿١٦﴾ ﴾ [لقمان آية:١٦]
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16))
*قال (إن تك) ثم قال (فتكن) ما الفرق في حذف النون وإثباتها في الفعل المضارع؟
انتهت وصية ربنا (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) التي جاءت بين كلام لقمان لابنه وعاد لوصية لقمان لابنه (يَا بُنَيَّ) للتحبيب حتى تكون مظنّة الإستماع والقبول بلطف وحنان بالتصغير وإضافته إلى نفسه (يَا بُنَيَّ) حتى يزيل أي حجاب بينهما. مقام الحب بين الإب وابنه وفي قصة نوح مع ابته العاصي قال (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) هود) هذه عاطفة الأب أراد أن ينقذه وكان ابنه مع الكافرين لعله عندما يأتي انبه للجماعة المسلمة ويتركه الذين أضلوه قد يستفيد وبرغم تعارض الموقفين إلا أن عاطفة الأبوة واحدة لا تختلف. إذن (يَا بُنَيَّ) للتحبيب والتقريب.
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) (إنها) قسم قال هو ضمير القصة أي الأمر أو المسألة أو الفعلة أو الخصلة. (فتكن في صخرة) بإثبات النون. لما قال (إن تك) لم يذكر مكاناً لها (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) ولما قال (تكن) ذكر مكاناً لها (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ)، لم يذكر المكان فلم يذكر النون وذكر المكان فذكر النون. حذف النون له ضوابط ولكن في الجواز ولا يجب الحذف. هذا الفعل (يكون) إذا كان مضارعاً مجزوماً علامة جزمه السكون (هذا شرط) وبعده حرف متحرك (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) على أن لا يكون ضميراً متصلاً مثل (تكُنْهُ) في هذه الحالة يجوز الحذف (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) مريم) مضارع مجزوم بالسكون بعده متحرك، (وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) مريم) يجوز ومواطن الجواز تلمس لها القدامى أسباباً بيانية. لما حذف الأماكن حذف النون، (إنها إن تك) لا مكان لها (فتكن في صخرة) استقرت فصار لها مكان. هناك أمر آخر هي فيها قراءة أخرى (فتكِن) من وَكَن يكِن أي دخل الطائر عُشّه والوَكْن هو العُشّ يعني تستر في صخرة وفي قراءة (فتكِنّ في صخرة) من كنّ يكِنّ، كلها مما يقوي ذكر النون، إذا كانت تكِن من وكن وإذا كانت تكِنّ تذكر النون وتكن النون مذكورة فكل القراءات النون مذكورة.
لماذا الصخرة؟ الصخرة لا بد أن تكون في السموات والأرض هناك صخور في السموات في المشتري وزحل. (في صخرة) يعني استخلاص الشيء من باطن الصخرة أمر عسير. إذا أردت أن تحفظ شيئاً لا ترميه في ساحة الدار وإنما تضعه في صندوق وإذا أردت المبالغة في حفظه تضعه في حقيبة ثم في خزانة وإذا أردت المبالغة أكثر تضعه في حقيبة داخل حقيبة في خزانة وإذا أردت أن لا يصل إليه أحد قد تأتي بقفل يصعب فتحه وقد تضعها في مكان ليس له مفتاح أصلاً. الصخرة عبارة عن محفظة ليس فيها مفتاح، ما قال على صخرة وإنما قال (في صخرة) مثلها مثل محفظة ليس لها مفتاح وبداخلها مثقال حبة من خردل، كيف يخرجها ربنا تعالى من دون تحطيم للصخرة؟! بلطفه وخبرته يأتي بها الله لم يقل يعلمها لأنك قد تعلم المكان لكن لا تقدر أن تأتي بها. إذن يأتي بها الله أدل على العلم والقدرة، وإن كانت صغيرة في مكان صغير عميق شديد وصلب وليس فيها مفتاح يأتي بها الله تعالى من دون تكسير للصخرة يستخرجها بلطفه وقدرته.
برنامج لمسات بيانية
آية (90):
* قال تعالى في سورة النحل (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى (90)) وفي النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ (135)) ما خصوصية استعمال القرآن لكلمتي العدل والقسط؟(د.فاضل السامرائى)
أصل القسط الحظ والنصيب، القسط نصيب ولذلك في القرآن الكريم لم يستعمل مع الوزن إلا القسط (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ (9) الرحمن) (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ (85) هود). العدل معناه المساواة في الأحكام. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (35) الإسراء) القسطاس هو ميزان العدل أصل كلمة قسطاس عدل فسموا الميزان قسطاس لأنه عدل. عندنا عَدل وعِدل العِدل فيما يُبصر من الأشياء هذا عِدل هذا مثل حملين متساويين يقال هذا عِدل هذا أما العَدل فهو أحكام ومساواة في الحكم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ (95) المائدة) ذوا قسط (أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا (95) المائدة) الصيام لا يُبصر (وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا (70) الأنعام) لم يقل كل قسط، (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ (123) البقرة). إذن القسط هو الحظ والنصيب والقرآن لم يستعمله إلا مع الموازين وهذا من خصوصية الاستعمال القرآني والقسط يستعمل مع غير الميزان لكن القرآن يستعمله مع الميزان ولا يستعمل العدل مع الميزان. القسط قد يكون في القسمة وفيه ارتباط بالآلة (قسطاس).
* قال أحد العلماء لو أن الله تعالى لم ينزل سوى هذه الآية لكفى وهي قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل)؟(د.فاضل السامرائى)
لو لاحظنا هذه الآية ذكر فيها مقومات المجتمع وعوامل دوامه واستمراره وهذه كلها صفات اجتماعية العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى كلها صفات بناء المجتمع ودوامه واستمراره وذكر صفات تخريبه وزواله وعناصر إفساده وتفكيكه وهي الفحشاء والمنكر والبغي. إذن فيها عناصر بناء المجتمع والنهي عن تخريبه وتفكيكه. عناصر بناء المجتمع ذكر ثلاثة أشياء: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وبدأ بالعدل لأن العدل واجب فرض، والإحسان ليس بمنزلة العدل والإحسان فيه وفيه وهو فوق العدل أن تحسن إلى الآخرين، إيتاء ذي القربى هذه تمتين العلاقات بين الأفراد وهي اللبنة الأولى للمجتمع. فإذن بناء المجتمع متكامل من اللبنة الأولى إلى عموم المجتمع. العدل والإحسان وهو فوق العدل. العدل هو الإنصاف أن يأخذ كل حقه والإحسان قد يكون شيئاً فردياً إحسان العادة والإحسان إلى الآخرين، إحسان العمل والإحسان إلى الآخرين وهو فوق العدل (وجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا (40) الشورى) هذا عدل (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) هذا من الإحسان. (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) هذه مرتبة أعلى. الإيتاء العطاء وهذا لتمتين العلاقة. الآن ذكر عناصر بقاء المجتمع ودوامه واستمراره ونهى عن عناصر تفكيك المجتمع الفحشاء والمنكر والبغي هذه تهدم المجتمع ثم هذا المجتمع مؤمن بالله والرسول لأنه قال إن الله يأمر بالعدل يعني هذا أطاع ما أمر الله به عن طريق الرسول إذن هذا المجتمع مؤمن بالله وبالرسول وهذه صفاته يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى التي هي عناصر بناء المجتمع ودوامه واستمراره وبقاءه وينهى عن عناصر التفكيك والتخريب هذه كافية في بقاء المجتمع. في نقض المجتمع وهدمه لم يأت بنقيض العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. الفحشاء عامة والمنكر أوسع، الفحشاء هو الإفراط في اتباع الشهوات عموماً والمنكر ما أنكره الشرع وما أنكره العقل السليم وهذه أوسع من الفحشاء والبغي خداع الآخرين. في الأمر قدم العدل وفي النهي أخر البغي وقدم ما هو أعم وهو الفحشاء ويدخل فيه البغي. مناط المحاسبة عند الله تعالى العدل. إذن الترتيب مقصود لذاته فالعدل واجب يشمل الجميع (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (8) المائدة) والإحسان مرتبة أخرى.
برنامج لمسات بيانية
*ما الفرق بين النَعمة والنِعمة (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) الدخان) (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) المزمل) ؟(د.فاضل السامرائى)
النعمة تفضل الله تعالى على عباده وهي متعددة العافية والقوة والإيمان هذه كلها نِعم (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا (34) إبراهيم) أما النَعمة فهي الرفاهية والتنعم ولين العيش والرخاء من النعيم والنعيم أحد النِعم. الله تعالى ذكر السمع والبصر والدين نعمة (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) الضحى) هذه كلها نِعم والنَعمة الرخاء والرفاهية ولم ترد في القرآن إلا في الذمّ (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) المزمل) (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) الدخان) لم ترد كلمة النَعمة في الخير أما النِعمة فكلها خير.
برنامج لمسات بيانية
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٨٣﴾
* * *
1- ناداهم بقوله: ﴿ ٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ ولم يقل: ( قل يا أيها الذين آمنوا).
لأنه سبحانه ناداهم مباشرة لا بالواسطة؛ لأهمية ما ناداهم إليه.
2- وقال:﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ﴾ ، واستعمال الفعل ﴿ كُتِبَ ﴾ مع عليكم فيه شدة وإلزام ومشقة ، وما يجب عليهم ، وما يستكره من الأمور بخلاف ( كُتب لكم).
فمن معاني (كتب) ألزم وأوجب وفرض.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ﴾(البقرة: 178).
وقوله:﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ﴾(البقرة: 180).
وقوله:﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ﴾(البقرة: 216).
وقوله:﴿وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ . . . ﴾(الحشر: 3).
بخلاف قوله: (كتب لكم) فإن فيه ما هو خير لهم ، أوليس بمنزلة (كتب عليكم ) وذلك نحو قوله:
﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ﴾(التوبة: 120)
وقوله:﴿فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾(النساء: 127).
وقوله:﴿وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ﴾(التوبة: 121).
وقوله:﴿وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾(البقرة: 187).
3- وقال (كُتب) بالبناء للمجهول ، لأن فيه مشقة ، بخلاف ما فيه من اليسر والرحمة ، فإنه يسنده إلى نفسه كقوله تعالى: ﴿وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾(البقرة: 187).
وقوله:﴿ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ﴾(المائدة: 21).
وقوله:﴿عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ﴾(المجادلة: 22).
وقوله:﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾(الأنعام: 12).
وقوله:﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾(الأعراف: 156).
جاء في (البحر المحيط): (( وبناء (كتب) للمفعول في هذه المكتوبات الثلاثة وحذف الفاعل للعلم به ، إذ هو الله تعالى ، لأنها مشاق صعبة على المكلف ، فناسب أن لا تنسب إلى الله تعالى ، وإن كان الله تعالى هو الذي كتبها. وحين يكون المكتوب للمكلف فيه راحة واستبشار يبني الفعل للفاعل ، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾ و ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ﴾ ﴿أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ﴾.
وهذا من لطيف علم البيان.
وأما بناء الفعل للفاعل في قوله:﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ﴾ فمناسب لاستعصاء اليهود ، وكثرة مخالفاتهم لأنبيائهم ، بخلاف هذه الأمة المحمدية.
ففرق بين الخطابين لافتراق المخاطبين)).
4- قال:(الصيام) ولم يقل: (الصوم) ذلك أنه لم يستعمل للعبادة المعروفة إلا الصيام.
5- وقال:﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ وهذا مما يدل على علو هذه العبادة وعظم شأنها ، وعلى الترغيب في هذه العبادة ، ولأن المشاق إذا عمت هانت.
6- ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُون﴾ أي: تتقون المحرمات ، وتحذرون المعاصي ، لأن الصوم يكسر الشهوة ويهذبها. قال صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)).
ولعلكم تتقون المفطرات والإخلال بأدائه.
ولتصلوا إلى منزلة التقوى.
وقد أطلق الفعل ليشمل كل ذلك.
وقد تكرر ذكر التقوى والمتقين في سياق هذه الآيات:
فقد قال:﴿وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧٧﴾ (البقرة: 177)
وقال:﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٧٩﴾(البقرة: 179).
وقال:﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ١٨٠﴾(البقرة: 180).
وقال في آية الصوم هذه: ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُون﴾
وقال في آية الصوم التي تلي هذه الآية:﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُون﴾(البقرة: 187)
وقال بعد ذلك:﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾(البقرة: 194)
وغير ذلك.
وهي مناسبة لقوله تعالى في أول السورة:﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِين﴾(البقرة: 2).
وقد ورد لفظ التقوى ومشتقاتها في سورة البقرة (36) ستًا وثلاثين مرة.
برنامج لمسات بيانية
*فلماذا جاءت ذكر اساور من فضة في سورة الإنسان بينما جاءت من ذهب ولؤلؤا في سورة فاطر؟(د.فاضل السامرائى)
إذا نظرنا في سياق الآيات في سورة فاطر من قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)).
ففي سورة فاطر قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)) وفي سورة الإنسان قال (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً {7} وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً {8}) والأكيد أن الإنفاق سراً وعلانية هو أعم وأشمل من إطعام الطعام على حبه المسكين واليتيم والأسير.
ثم إن الذين يتلون الكتاب ويقيمون الصلاة هي أرفع وأعلى من الوفاء بالنذر لأن النذر أصلاً مكروه شرعاً وفي الحديث: "النذر صدقة البخيل" فالأمو التي ورد ذكرها في فاطر هي أعم وأرفع وأعلى مما ورد في سورة الإنسان فتلاوة القرآن أوسع من إفامة الصلاة ولهذا قدّم التلاوة على الصلاة والإنفاق لأن الصلاة لا تصح إلا بتلاوة القرآن والتلاوة تكون في الصلاة وفي غير الصلاة.
ثم إن التلاوة والصلاة جاءت بصيغة المضارع بينما جاء الإنفاق بصيغة الماضي لتكرر التلاوة والصلاة أكثر من الإنفاق. فالوصف في سورة فاطر أعلى مما جاء في سورة الإنسان هذا أمر
والأمر الآخر أنه تعالى في سورة فاطر ذكر (يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) بينما قال في سورة الإنسان (إن هذا كان لكم جزاء) ففي سورة فاطر توفية وزيادة وهما أعلى من الجزاء لذا ذكر الؤلؤ وهو الزيادة ، وكذلك في فاطر قال تعالى (إنه غفور شكور) وفي الإنسان (وكان سعيكم مشكورا) فزاد المفغرة على الشكر في سورة فاطر.
ثم ذكر في سورة فاطر (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا) باسناد الفعلين إلى نفسه تعالى وهذا في مقام التكريم ثم ذكر الإصطفاء بالذات وهو من باب التكريم أيضاً. اصطفاهم هذا تكريم والتكريم الآخر هو الإسناد في قوله (أورثنا).
قسّم تعالى المصطفين إلى قسمين (مقتصد) و(سابق بالخيرات) ذكر السابقين وهم أعلى المكلفين فلا يناسب معهم أن يذكر الأساور من فضة لأنها قد تدل على أن الفضة للسابقين مه أنه يجب أن يتميزوا لأنهم أعلة المكلّفين ولهذا جاء بأساور من ذهب لؤلؤا ليتناسب مع المذكورين.
قوله تعالى في فاطر (ويزيدهم من فضله) (وذلك هو الفضل الكبير) يناسب الزيادة أيضاً لأن هذا الفضل يقتضي الزيادة.
ذكر المغفرة والشكر مرتين (إنه غفور شكور) و(إن ربنا لغفور شكور). من الناحية البلاغية، لمّا ذكر تعالى (يتلون كتاب الله) قال (إنه غفور شكور) بدون اللام ولمّا ذكر الظالم لنفسه والمقتصد ذكر أنهم يدخلون الجنّات ذكر اللام في قوله (إن ربنا لغفور شكور) لأنه هؤلاء محتاجون للمغفرة أكثر ولولا المغفرة لما دخلوا الجنة وهؤلاء أحوج إلى المغفرة من الأولين لذا أكد باللام (إن ربنا لغفور شكور) فالتأكيد جاء بحسب الحاجة إلى المغفرة.
قال تعالى في سورة الإنسان (حُلّوا أساور من فضة) وفي فاطر (يحلون فيها من أساور من ذهب) فيها تكريم لأن (من) تفترض الكثرة لأنهم أعلى من المذكورين في سورة الإنسان لأنه عندما نقول لأحد مثلاً إلبس هذه الثياب أو البس من هذه الثياب بالتأكيد الثانية أوسع لأن له أن يختار من بين الثياب ما يشاء.
ثم قال تعالى (حُلوا) بصيغة الماضي وفي سورة فاطر (يحلّون) بصيغة المضارع وفي الآيتين الفعل مبني للمجهول لكن في سورة الإنسان الإخبار بما هو حاصل أما في سورة فاطر فالإخبار بشيء لم يحدث بعد وفيه إخبارهم أنهم سيدخلون الجنة (يدخلون الجنة) لذا جاءت يُحلّون.
فى سؤال آخر:
*ما اللمسة البيانية في إستخدام حروف الجر في القرآن (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ (33) فاطر) لماذا قال من أساور ولم يقل بأساور؟(د.فاضل السامرائى)
الفعل حلّ يتعدى بنفسه إلى مفعولين في الأصل. حلّاها أي ألبسها حِلية، حلّيتًها أساور أي ألبستها أساور وقد يستعمل مع (من) كبقية الأفعال التي تتعدى كأن تقول أعطيته دفاتر أو أعطيته من الدفاتر (تبعيض) والقرآن استعملها هكذا مرة معدى بنفسها إلى مفعولين (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) المفعول الأول هو الواو التي هي نئاب فاعل وهي مفعول به وأساور مفعول ثاني. وقال يُحلّون من أساور من ذهب، هذه لها مفعول واحد كما تقول أعطيته من الكتب وأعطيته كتباً أحياناً يتعدى إلى مفعول واحد وأحياناً نستعمله لازم وأحياناً متعدي بمفعولين. لكن هو السؤال لماذا أحياناً يستعمل (من) وأحياناً لا يستعملها؟ أما الباء فهي ليست في الأصل لأن الفعل يتعدى بنفسه وليس بالباء لكن أحياناً يؤتى بـ (من) لغرض آخر كما في القرآن مرة عداه بنفسه إلى مفعولين (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) ومرة عداها بمفعول واحد وجاء بـ (من) فقال (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ). ما الفرق بينهما؟ الباء ليست محلها لغة ولا يصح أن نقول يحلون فيها بأساور. يحلون لا يأتي مع الباء يقال في اللغة حليته أساور ومن أساور. الأصل في فعل حلّ أنه لا يتعدى بالباء.
لماذا مرة قال (من أساور) ومرة (وحلوا أساور)؟ لماذا مرة عدّاه إلى مفعولين (أحدهما نائب فاعل والآخر مفعول به) (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) ومرة عداها إلى مفعول واحد وجاء بـ (من) (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ) لماذا لم يقل (يحلون فيها أساور من ذهب)؟
في القرآن نجد استعمالين مرة قال (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) جاء بـ (من) وهنا قال (أساور من ذهب). (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ) هذه في سورة فاطر وتلك في سورة الإنسان (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)) ما جاء بـ (من) أعلى، الأجر أعلى، الجزاء أعلى. نقرأ الآيتين: في سورة الإنسان قال (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)) ذكر أمرين في العمل أولاً يوفون بالنذر والآخر يطعمون الطعام على حبه. أما في فاطر فقال (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29) فاطر) (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)) أي العملين أعلى؟ يوفون بالنذر النذر أصلاً مكروه لكن الوفاء به واجب، ثم إطعام الطعام ذكر مسكين ويتيم وأسير. هناك لدينا يتلون كتاب الله وإقامة الصلاة والصلاة عماد الدين وأنفقوا مما رزقناهم وليس فقط إطعام الطعام، الإنفاق أعم من الطعلم ومرة قال مسكيناً ويتيماً وأسيرا وهناك قال سراً وعلانية. إذن الأعلى (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ) أعلى من (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ). (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) لما كان العمل أكثر يكون الجزاء أكبر.
لماذا جاء بـ (من)؟
لو قلت لك إلبس هذه الملابس أو إلبس من هذه الملابس؟ الأكثر (من هذه الملابس) هذه مثل (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) هي كثيرة والبعضية أكثر من (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) إلبس منها ما تشاء. أولاً قال من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فها حرير وتلك من فضة فالأولى أعلى ثم جاء بـ (من) دلالة على كثرة الموجود، العمل أعلى فالجزاء أعلى.
الفعل المستخدم عندما كان متعدياً بنفسه كان بالماضي لأن الكلام أصلاً في الماضي والله تعالى أخبر عنهم بالماضي (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)) بينما في سورة فاطر فأخبر عنهم بالاستقبال فقال (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)) فالسياق أصلاً الأولى في الماضي والثانية في المستقبل. أساور جمع وسوار مفرد، أسورة جمع قلة. سوار مفرد يُجمع على أسورة (جمع قلة: أفعُل مثل أذرع،أفعال، أفعِلة مثل أشربة، فِعلة مثل فتية وصبية) فتية أقل من فتيان. وأساور جمع كثرة .