آية (152):
* فى سؤال عن أصل كلمة شيطان وهل لها جذور عربية؟(د.فاضل السامرائى)
كلمة حسّان. إما أن تكون من الحُسن أو من الحَسّ كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ (152) آل عمران) فإذا كانت من الحُسن يكون منصرفاً لأن النون أصلية وإذا كان من الحَسّ (الحَسّ هو القتل) تكون غير منصرفة، شاعر الرسول حسان بن ثابت ورد ممنوعاً من الصرف فهو من الحَسّ. وكذلك كلمة ريّان إذا كانت من الريّ أو من الريْن. إذا كانت من الريّ فهي ممنوعة من الصرف وإذا كانت من الريْن فهي مصروفة. وأنا أرجح أن شيطان من شطن لأنه منصرف (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) التكوير) القرآن استعملها مصروفة وقد يعترض أحدهم في النحو. الجذر الذي اشتق منه شيطان يدل على الحالة التي مرّ بها إبليس: إحترق غضباً فعصى ربه لما قال له اسجد لآدم أو بعُد في الشرّ وذهب بعيداً فالأمر يحتمل.
*من برنامج ورتل القرآن ترتيلاً:
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ (152) آل عمران) انظر إلى دقة النظم القرآني بترتيب الأفعال الدالّة على الحدث: الفشل، التنازع والعصيان. فقد رتبها على حسب ترتيبها في الحصول وهو ضجر بعض الرُماة من ملازمة مواقعهم ثم التنازع في ملازمة الموقف وفي اللحاق بالجيش في الغنيمة. ونشأ عن التنازع تصميم معظمهم على مفارقة الموقع وفيه عصيان لأمر النبي بالملازمة.
*(وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ (152) آل عمران) لقد كان عصيان الصحابة في معركة أُحُد مخالفة لأمر النبي وسميت هذه المخالفة عصياناً مع أن تلك المخالفة كانت عن اجتهاد لا عن استخفاف والعصيان من الاستخفاف فلِمَ عبّر الله تعالى عن مخالفتهم بالعصيان ولم يقل وخالفتم؟ (ورتل القرآن ترتيلاً)
سُميت عصياناً لأن المقام ليس مقام اجتهاد فإن شأن الحرب الطاعة المطلقة للقائد من دون تأويل لذلك جاءت بصيغة العصيان زيادة عليهم في التقريع.
*ما هي دلالة القسم في قوله تعالى (والضحى)؟
يذكر اهل التفسير ان الوحي ابطأ على رسول الله اياماً فشقّ ذلك عليه وقيل له إن ربك قلاك فأنزل الله تعالى هذه السورة رداً على المشركين واكراما للرسول . فلماذا حزِن الرسول الكريم وجزع لانقطاع الوحي مع ما يلقاه في سبيل الوحي من العنت والجهد؟ في الحقيقة انه اختبار من الله تعالى للرسول الكريم: هل هو حريص على الوحي وما فيه من مشقة ام انه سيرتاح من هذا الوحي الثقيل؟ وهذا فيه توجيه الى الدعاة أنه عليهم ان يصبروا ويثبتوا في الدعوة مهما لاقوا من مشقة وعنت في سبيل الدعوة الى الله.
الضحى في اللغة هو وقت ارتفاع الشمس بعد الشروق
سجى في اللغة لها ثلاث معاني. فهي بمعنى سكن، او اشتد ظلامه او غطى مثل تسجية الميت.
اقسم الله تعالى بالضحى والليل اذا سجى انه ما ودع رسوله وما قلاه، والضحى هنا يمثل نور الوحي واشراقه كما قال المفسرون. والليل يمثل انقطاع الوحي وسكونه والدنيا من غير نور الوحي ظلام ولذلك قدم سبحانه الضحى هنا لانه ما سبق من نور الوحي وأخر الليل لما يمثل من انقطاع الوحي. وقال بعض المفسرين ان القسم يشير ان الانقطاع يمثل الاستجمام والسكون كما يرتاح الشخص المتعب في الليل ومن معاني سجى السكون وهو يمثل الراحة وهو نعمة. قالقسم هنا جاء لما تستدعيه الحالة التي هو فيها.
*ما اللمسة البيانية في كلمة (سجى) وليست في كلمتي غشي او يسر ؟
كما في قوله (والليل اذا يغشى) (والليل اذا يسر) سبق القول ان من معاني سجى: سكن وهذا يمثل سكون الوحي وانقطاعه وهذا هو السكون، والانقطاع ظلمة وهذا المعنى الثاني لسجى فكلمة سجى جمعت المعاني كلها التي تدل على انقطاع الوحي وسكونه. اما كلمة يغشى او يسر فهما تدلان على الحركة وهذا يناقض المعنى للقسم في هذه السورة. وعليه فان القسم (والضحى والليل اذا سجى) هو انسب قسم للحالة التي هو فيها من نور الوحي وانقطاعه وكل قسم في القرآن له علاقة بالمقسم به
آية (153):
* ما الفرق اللغوي بين الأجر والثواب؟(د.فاضل السامرائي)
الأجر هو جزاء العمل لكن يقال في الغالب لما فيه عقد أو شبيه بعقد يجري مجرى العقد، هذا الأجر. (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (27) القصص) الأجر مقابل العمل في الأصل (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (6) الطلاق). الثواب في اللغة يقال في الخير والشر لكن هناك فرق بين اللغة والاستعمال القرآني. القرآن لم يستعملها إلا في الخير ومنها المثوبة أيضاً (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ (153) آل عمران) لكن القرآن لم يستعمل كلمة ثواب إلا في الخير أما المثوبة (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ (60) المائدة) (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ (103) البقرة) الثواب خصصها في الخير وأكثر ما تستعمل في الخير. الأجر عقد، جزاء. فالأجر فيه نفع لأنك تتعاقد مع أحد على شيء. الثواب في الإستعمال القرآني هو جزاء على العمل لكن في اللغة ليس بالضرورة أن يكون في الخير لكن في القرآن فرّق بين (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) المطففين)، المثوبة استعملها القرآن في الخير والشر، أثاب يستعملها في الحزن. الأجر في الغالب يكون في الأعمال البدنية في الطاعات.
* ما دلالة كتابة كلمة (كي لا) منفصلة مرة في آية سورة الحشر و(لكيلا) موصولة في آية سورة آل عمران؟(د.فاضل السامرائى)
أولاً خط المصحف لا يقاس عليه أصلاً لكن يبدو في هذا الرسم ملحظ بياني والله أعلم في أكثر من موطن. فمرة تكتب (لكي لا) مفصولة ومرة (لكيلا) موصولة. وأقول أن هذا ليس فقط للخط وإنما لأمر بياني
في آية سورة آل عمران (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) جاءت لكيلا متصلة لأن المعنى يدل على أن الغمّ متصل بالغمّ غمّ الهزيمة وغمّ فوات الغنائم وهذا اقتضى الوصل فوصل (لكيلا).وفي آية سورة الحشر (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (7) فصل (لكي لا) هنا لأنه يريد أن يفصل الأموال لأنها لا ينبغي أن تبقى دُولة بين الأغنياء وإنما يجب أن تتسع الأموال لتشكل الفقراء فاقتضى الفصل في رسم (لكي لا) في هذه الآية.
وهذا الأمر نقول أنه من باب الجواز فهو جائز أن تكتب لكيلا متصلة أو منفصلة (لكي لا) لكنها تُرسم أيضاً بما يتناسب مع الناحية البيانية والبلاغية بحيث تتناسب مع الأحكام.
*تأسوا بمعنى تحزنوا واستخدمها القرآن في آل عمران (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)) ما اللمسة البيانية في الآية؟ (د,فاضل السامرائى)
كِلا الفعلين يدل على الحزن عندنا حزِن يحزَن وحزَن يحزُن، حزِن يحزَن فعل لازم ليس متعدياً تقول حزِن عليه و(وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ (88) الحجر)، (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ (76) يس) (الكاف مفعول به).حزِن يحزُن متعدي، حزنني وأحزنني (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ (13) يوسف). اللغة العليا حزَن يحزُن وتستعمل أحزن أيضاً، أحزن من حَزَن. الفعل أسي يأسى يسمونه الباب الرابع (لكيلا لا تأسوا) وأسى بمعنى حزن أيضاً (فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) الأعراف) هي أأسى، فهو أسي يأسى، كلاهما يفيد الحزن لكن الفارق بين لكيلا تحزنوا ولكيلا تأسوا في الحزن مشقة أكثر وشدة لأنه قريب من معنى الحزْن الذي هو الغلظ والشدة في الأرض (اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزْن إذا شئت سهلاً) الحزْن أي الصعب وتقال للأرض الصعبة. إذن الحزن فيه غِلظ وشدة في الأرض والحُزن هو الغلظ والشدة في النفس. أيهما أثقل؟ الحُزن أثقل على النفس من الحزْن ، الحزْن تجتازه وانتهى الأمر أما الحُزن فيبقى في النفس. الحَزن فتحة والحُزن ضمة فاختاروا الضمة لما هو أثقل لأنها تتناسب اللفظة مع مدلولها أو المعنى .
* هل هناك تفاضل بين الحركات الإعرابية؟
هي ليست هكذا ولكن عندنا الفتحة أخف الحركات تليها الكسرة والضمة أثقلها لاحظنا أن العرب تراعي كثيراً من هذه الأمور تجعل الثقيل للثقيل سواء في الحركات أو في اللفظ عموماً وليس فقط في الحركات وتناسب اللفظ والمعنى، لما يتحول الفعل إلى فَعُل يتحول إما للتعجب أو للمدح والذم أو المبالغة أو التحوّل مثل فقِه وفَقُه، فقُه صار فقيهاً أما فقِه فجزئية، عَسِر وعَسُر، عسِر عليه الأمر أما عسُر فالأمر هو عسير. خَطَب ألقى خطبة وخَطُب صار خطيباً. الحركة تغير الدلالة تماماً. (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ (23) الرعد) ما قال صلُح قال من صَلَح رأفة بالعباد . صلُح أي صار صالحاً إلى حد كبير من الصلاح والله تعالى من رحمته بعباده يكفيه أن يكون الإنسان صالحاً لا أن يبلغ ذلك المبلغ في الصلاح. هذه قاعدة عامة لكن السماع هو الذي يقطع بذلك أحياناً.
لكيلا تأسوا ولا تحزنوا" اتضح أن الحزن أشد من الأسى معناه تحزنوا أشد من تأسوا. ننظر في السياق ونقدّر: في (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) هذا الكلام بعد واقعة أُحد وما حصل لهم من شدة ومشقة وهزيمة وجراح وما فاتهم من الغنائم كانت شديدة عليهم قال تعالى (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ). الحُزُن في أحد على أمرين على ما فاتهم وعلى ما أصابهم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنائم ولا ما أصابهم من الجراح فالحزن على أمرين على ما فاتهم وعلى ما أصابهم. أما في الحديد (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) أمر واحد (ولا تفرحوا بما آتاكم) هذه نعمة تفرحوا بما آتاكم من النعم. في أُحُد أمران في الحزن فقطعاً في أحد الحزن أكثر لأن الحزن على أمرين ما فاتهم وما أصابهم أما في الحديد فالحزن على ما فاتهم فقط. بعد معرفة الفرق بين حزن وأسي نضع الحزن في آية آل عمران وتأسوا في آية الحديد وكل كلمة في مكانها البلاغي ولا يوجد ترادف في القرآن الكريم وإنما هو حتى عند اختيار لغة على لغة يكون مقصوداً، كل كلمة لها دلالة واختيارها له سبب مقصود فالتعبير القرآني تعبير فني مقصود، كل كلمة كل عبارة كل حرف مقصود.
والملاحظ أنه في الحديد لما قال (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) بينما في آل عمران قال (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)) هذه حزن فبمَ يفخر؟ هناك يفخر بما آتاهم (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) هذا يفخر بما آتى، (لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ) بم يفخر؟ هذه ليست مثل هذه.
*ما الحكم البياني في استخدام كلمة (والضحى) بدل والفجر او النهار؟
الضحى هو وقت اشراق الشمس اما النهار فهو كل الوقت من اول النهار الى آخره. والضحى يمثل وقت ابتداء حركة الناس يقابله الليل اذا سجى وهو وقت السكون والراحة. والفجر هو اول دخول وقت الفجر (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) ولا يكون هناك ضوء بعد او نور كوقت الضحى بعد شروق الشمس.
آية:١٥٣
*(لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴿153﴾ آل عمران) – (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الحديد) مادلالة الاختلاف بين الآيتين؟
في آل عمران (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴿153﴾ آل عمران) وفي الحديد (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الحديد) لماذا مرة يقول لكي لا تحزنوا ومرة لكيلا تأسوا؟ الحزن على شيء مؤقت فاتك شيء محبوب فاتتك وظيفة فاتك مرتب صديق سافر وسيعود كل شيء تحزن عليه حزناً مؤقتاً وسوف ينتهي هذا الجزن قريباً إما بعودة الغائب أو بنجاح بعد رسوب أو بغنى بعد فقر، صفقة تجارية خسرت ثم بعد يومين تربح. كل شيء قريب سريع التغيير يسمى حزناً الكلام هنا في الآية على هزيمة بدر ورب العالمين قال (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ﴿154﴾ آل عمران) إلى أن قال (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴿153﴾ آل عمران) ما فاتكم من نصرٍ وما أصابكم من هزيمة وأذىً وجروح مؤقت وإن شاء الله سيزول بانتصارات قادمة وفعلاً هذا الذي حصل في العام القابل الذي تواعد فيه المشركون مع المسلمون نكس المشركون وخافوا وانتصر الإسلام نصراً عظيماً فلما كان الألم أو فوات ما تحب أو حصول ما تكره لأمر لزمنٍ محدود يقال حزناً (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴿84﴾ يوسف) تصوّر بلغ من شدة الحزن إلى أن عيونه ابيضّت ومع هذا قال حزن ما قال آسى لماذا؟ لأن رب العالمين أخبر يعقوب عليه السلام بأن هذا مؤقت ويوسف سيرجع وسيصبح رئيس وزراء مصر والخ كما الله قال على سيدنا يوسف (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿15﴾ يوسف) وهو في الجُبّ فسيدنا يوسف وسيدنا يعقوب يعلمون أن هذا الكلام قريب هذا كان حزن لأنه قريب. إذا كان الشيء الذي آلمك يعني لا أمل فيه كشخص ابنه مات وراح أو إنسان مسجون أربعين سنة أشغال شاقة هذا أسى هذا ليس ليوم أو يومين فالأسى أكثر ألماً من الحزن على شيء قد فات. جميع الأنبياء لما نصحوا أممهم يا جماعة آمنوا وثم أُهلكوا هلاكاً قال (وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴿93﴾ الأعراف) هذا سيدنا شعيب بعد ما جاءهم عذاب يوم الظُلّة وأبادهم (كَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) الأسى على شيء (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿26﴾ المائدة) أربعين سنة يتيهون في صحراء سيناء أربعين سنة أشغال شاقة حينئذٍ هذا أسى. إذاً الحزن على شيء قريب والأسى على شيءٍ دائم ورب العالمين كما قال على اليهود وعلى طواغيت قريش (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿68﴾ المائدة) ما قال لا تحزن، في مكان ثاني قال لا تحزن، هنا قال لا تأس إذاً معنى هذا أن اليهود لن يؤمنوا بك أبداً وطواغيت قريش لن يؤمنوا بك حتى يقتلوا في بدر وقد قتلوا في بدر جميعاً ولم يؤمنوا ولم يسلموا فلا تأس. هذه فهذه مأساة كبيرة على أصحابها على كفار قريش وعلى الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فهي مأساة عظيمة. فالمأساة هي من الأسى، فلان يأسى وفلان آسن وفلان أسيان يعني حزنه حزن دائم إما دائم أبدياً قطعياً أو دائم مدة طويلة هذا هو الفرق بين (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) واحد رسب ينجح في السنة القادمة لكي لا تحزن على رسوبك لكن واحد فُصِل من الجامعة فصل يعني رسب سنتين متتابعتين وفصل نقول لكي لا تأسَ على فصلك لأن هذا فصل نهائي هذا هو الفرق فكلما قرأت في القرآن الكريم لكي لا تحزن فهو مؤقت ولكي لا تأسى فهو دائم.
*اين مفعول الفعل قلى؟
في هذه الآية الكريمة ذكر مفعول الفعل ودع وهو (الكاف في ودعك) وحذف مفعول الفعل قلى (ولم يقل قلاك)
في اللغة عند العرب التوديع عادة يكون بين المتحابين والاصحاب فقط ويكون عند فراق الاشخاص. اختلف النحات في سبب ذكر مفعول فعل التوديع وحذف مفعول فعل قلى منهم من قال لظهور المراد بمعنى ان الخطاب واضح من الآيات انه لرسول الله ومنهم من قال انها مراعاة لفواصل الآيات في السورة (الضحى، سجى، قلى، الاولى،...) لكن القرآن العظيم لا يفعل ذلك لفواصل الآيات وحدها على حساب المعنى ابداً ولا يتعارض المعنى مع الفاصلة والمقام في القرآن كله. فلماذا اذن هذا الحذف والذكر؟
الذكر من باب التكريم والحذف من باب التكريم ايضاً. لم يقل الله تعالى قلاك لرسوله الكريم حتى لاينسب الجفاء للرسول فلا يقال للذي نحب ونجل ما اهنتك ولا شتمتك انما من باب ادب المخاطبة يقال ما اهنت وما شتمت فيحذف المفعول به اكراما للشخص المخاطب وتقديرا لمنزلته وترفع عن ذكر ما يشينه ولو كان بالنفي.
اما التوديع فالذكر فيه تكريم للمخاطب فيحسن ذكر المفعول مع افعال التكريم وحذفه مع افعال السوء ولو بالنفي. وهكذا يوجه الله تعالى المسلمين لأدب الكلام ويعلمنا كيف نخاطب الذين نجلهم ونحترمهم. ولقد جمعت هذه الآية التكريم للرسول من ربه مرتين مرة بذكر المفعول مع فعل التوديع ومرة بحذف المفعول مع الفعل قلى.
آية (154):
* (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ (154) آل عمران) وليس من مضاجعهم؟(د.فاضل السامرائى)
يذهبون إلى مضاجعهم من الموت حيث يموتون، إلى مضاجع الموت وليس من الفراش، ليس كلهم يقومون من الفراش، كلهم يقومون من المضجع. لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم التي يموتون فيها إذن المضجع النهائي الذي يموتون فيها، إلى مضاجعهم أي إلى حيث الموت.
*ورتل القرآن ترتيلاً:
(ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ (154) آل عمران) الأمنة من الأمن والنعاس أول النوم وكان مقتضى الظاهر أن يقدّم النعاس ويؤخر الأمنة لأن (أمنة) بمنزلة النتيجة والغاية للنعاس تماماً كما جاء في آية الأنفال (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه) ولكنه قدّم الأمنة هنا تشريفاً لشأنها حيث جُعِلت كالمنزَّل من الله تعالى لنصرهم ولأن الأمن فيه سكينة واطمئنان للنفس أكثر من النعاس. فالنعاس يُخشى منه أن يكون نوماً ثقيلاً وعندها يؤخَذون على حين غرّة.
*لِمَ قال عن الطائفة الأولة (منكم) ولم يقيّد الثانية بهذا الوصف فقال تعالى (يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) ولم يقل طائفة منكم وطائفة منك قد أهمتهم أنفسهم؟(ورتل القرآن ترتيلاً)
انظر إلى ما يفيده الوصف (منكم) في كِلا الطائفتين: فعبّر عن الأولى التي يغشاها النعاس بقوله (طائفة منكم) أما الثانية فهي فئة منافقة لذلك ترك الله تعالى وصفها بـ (منكم) لأنه ليست من المؤمنين الذين أمّنهم الله تعالى بالنعاس.
*(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ (155) آل عمران) إستزلال الشيطان إياهم هو الهزيمة واستزلهم بمعنى أزلّهم فما فائدة السين والتاء؟(ورتل القرآن ترتيلاً)
إعلم أن زلة الهزيمة هي من أعظم الزلاّت لذلك جاءت على صيغة إستزل لتأكيد وتفظيع هذا الفعل.
*فلماذا قال تعالى ربك ولم يقل الله؟
هنا تكريم آخر من الله تعالى لرسوله الكريم. فالرب هو المربي والموجه والقيم. وذكر الفاعل وهو الرب اكرام آخر فلم يقل لم تودع ولم تقلى. والرب هو القيم على الامر فكيف يودعك وهو ربك لا يمكن ان يودع الرب عبده كما لا يمكن لرب البيت ان يودعه ويتركه ورب الشئ لا يودعه ولا يتركه وانما يرعاه ويحرص عليه. واختيار كلمة الرب بدل كلمة الله لأن لفظ الجلالة الله كلمة عامة للناس جميعا ولكن كلمة الرب لها خصوصية وهذا يحمل التطمين للرسول الكريم من ربه الذي يرعاه ولا يمكن ان يودعه او يتركه ابداً.
آية(157)-(158):
*ما دلالة تقديم وتأخير الموت في آيتي سورة آل عمران؟
د.حسام النعيمى :
لما نأتي إلى آيتي سورة آل عمران يلفت نظرنا فيها شيء وهي قول الله سبحانه وتعالى (وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ (158)) نلاحظ في الأولى قدّم القتل وفي الثانية قدّم الموت. قد يقول قائل أن هذا لغرض التلوين والتنويع في الأسلوب وهذا طبيعي حتى لا يصير نفس الرتابة. لكن هناك شيء آخر وهو: لما تكلم عن سبيل الله يعني الشهادة قدّمها على الموت الإعتيادي لأن الشهادة مقدمة لأن للشهداء منزلة. لكن لما يتكلم عن الموت والقتل الإعتيادي الإنسان يموت موتاً اعتيادياً، قد يُقتَل خطأ، قد يُقتل بثأر، قد يقتل في الجهاد، قد تقتله أفعى، فقدّم الشيء الطبيعي، قدّم الأكثر الذي هو الموت، هذه لفتة بيانية أردنا أن نبينها.