عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿١٣٧﴾    [آل عمران   آية:١٣٧]
آية (137): * ما الفرق بين استعمال كلمتي عقاب وعذاب كما وردتا في القرآن الكريم؟(د.حسام النعيمى) هناك رأي لبعض العلماء أن هذه الكلمات هي من لهجات مختلفة فليس بينها فروق ويستدلون بكلمة السكين والمُدية. لكن التدقيق هو ليست الأسماء فقط وإنما أحياناً الإشتقاقات نجد تصرفاً فيها فهذا يدعونا إلى التأمل في جميع الآيات التي وردت فيها هذه اللفظة وننظر هل هي موازية مقارنة للفظة الأخرى؟ هل هناك فارق ولو دقيق؟ نجمع كل الآيات التي فيها كلمة عقب ومشتقاتها عقاب وعاقبة وعوقب ومعاقبة بكل إشتقاقاتها وكذلك كلمة عذّب عذاب يعذب معذب تعذيباً يعذبون. الذي وجدناه في هذا أن العقاب وما إشتق منه ورد في 64 موضعاً في القرآن الكريم والعذاب وما إشتق منه ورد في 370 موضعاً. فلما نظرنا في الآيات وجدنا أن هناك تناسباً بين الصوت والمعنى: هو العذاب عقاب والعقاب عذاب. لكن يلفت النظر أن الثلاثي هو (ع-ذ-ب) و(ع-ق-ب) إذن الذال والقاف. كيف ننطق القاف؟ لأن القاف يسمونه إنفجاري أوالقدامى شديد يعني يُولد بإنطباق يعقبه إنفصال مفاجيء مثل الباء، بينما الذال المشددة فيها رخاوة وفيها طول. من هنا وجدنا أن كلمة العقاب تكون للشيء السريع والسريع يكون في الدنيا لأن القاف أسرع. والذال فيها إمتداد، هذا الإمتداد يكون في الدنيا والآخرة، العذاب يأتي في الدنيا ويأتي في الآخرة. عندما نأتي إلى الآيات نجدها تتحدث عن عقوبة للمشركين في الدنيا يسميه عذاباً وفي الآخرة يسميه عذاباً (فعذبهم بدخول النار). أما العقاب ففي الدنيا. هذا من خلال النظر في جميع الآيات لكن هناك نظرية تحتاج لتنبيه أنه لما يأتي الوصف لله عز وجل لا يكون مؤقتاً لا بدنيا ولا بآخرة فلما يقول: (والله شديد العقاب) هذه صفة ثابتة عامة يعني هذه صفته سبحانه لكن لما يستعمل كلمة العقاب مع البشر يستعملها في الدنيا لم تستعمل في الآخرة. كذلك العذاب إستعملها للعذاب في الدنيا وفي الآخرة وإستعملها (وأن الله شديد العذاب) لأن العقاب فيه سرعة وردت في القرآن (إن ربك سريع العقاب) وليس في القرآن سريع العذاب. لذلك نقول هذه اللغة لغة سامية ينبغي أن تُعطى حقها فلا يجوز التنصّل عنها وهي بهذه الروعة وهذا السمو أن الحرف الواحد بتغير صوته تغير المعنى مع أن المعنى متقارب. العاقبة للخير لأنها بمعنى نتيجة العمل يعني ما يعقب العمل، عاقبة هذا العمل بمعنى ما يعقبه، ما يأتي بعده قد يكون خيراً وقد يكون شراً. ولذلك إستعمل العاقبة في 32 موضعاً في القرآن كله هكذا (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) آل عمران.
  • ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾    [الجن   آية:٢٦]
*(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26)) ما دلالة تكرار الغيب في الآية؟ والله أعلم الغيب الثاني غير الأول. الغيب مختلف وليس بدرجة واحدة، قسم استأثر به لا يُطلع عليه أحد مثل علم الساعة وأشياء أخرى إستأثر بها. هنالك من الغيوب ما استأثر الله بعلمه، وقسم من الغيوب أعلم بها الأنبياء بالوحي وقسم من الغيوب عامة مثل ما يراه الإنسان في المنام قبل أن يقع (هذه الرؤيا الصادقة) كثير من الناس يرون رؤى تقع بعد يوم أو يومين بدقتها، هذا مما لا يعلمه أحد. قسم من الغيوب يطلعها ربنا بإلهام لكن هنالك غيوب استأثر بها ربنا سبحانه وتعالى وقسم للمرتضين من رسله، لمن ارتضى من رسله، يعطي الغيب لمن يريد من الرسل مثلاً في عيسى قال (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ (49) آل عمران) لم يذكر هذا في إبراهيم ولم يذكر هذا في نوح. إذن الغيوب هي ليست غيباً واحداً إذن هنالك غيب ربنا سبحانه وتعالى لا يطلعه على أحد أو يطلع المرتضين من رسله ما شاء من ذلك. إذن هو عالم الغيب والشهادة على الإطلاق، يعني الحلم الذي رآه يوسف وهو صغير تأويله جاء بعد سنوات ورؤيا الملك هذا غيب من يعلم بها؟ قد تكون الرؤيا صادقة كلوحة تماماً مثل تصوير الفيديو فتكون واضحة بدقتها. إذن الغيب ليس واحداً لكن ربنا يطلع من يشاء (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ (27)) هذا غيب خاص. (عَالِمُ الْغَيْبِ) هذه عامة (فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) له غيوب خاصة لا يطلع أحداً عليها إلا من ارتضى من رسول يطلعه عليه. ولو قال فلا يطلع عليه يعني كل الغيب. قال غيبه بالإضافة هذه خاصة والغيب الأولى عامة.
  • ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٨﴾    [آل عمران   آية:١٣٨]
آية (138) : * ما الفرق بين الأمثال وبين البيان؟ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ (73) الحج) (هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ (138) آل عمران)؟ البيان للناس الحكم الشرعي الأصلي (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) هذا البيان يحتاج إلى ضرب مثل لكي يترسخ، رب العالمين قال (نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) الأنبياء) هذا ضرب الله له مثل، فهذا البيان الذي بينه الله لنا وأراد أن يرسّخه في عقولنا قال (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) إبراهيم) فإذن المثل قوة في ترسيخ البيان في أذهان وعقول وقلوب سامعيه.
  • ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾    [الجن   آية:٢٦]
ما الفرق بين (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (179) آل عمران) - (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) الجن)؟ لماذا يطلع ويظهر، لماذا مرة يقول أطلع فلان على غيبه ومرة أظهر فلان على غيبه؟ هي آيتان (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (179) آل عمران) (أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) مريم) وفي آية أخرى (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) الجن). الله تعالى إما يطلعك على غيبه أو يظهرك على غيبه، يطلعك على غيبه هذه مرة، سيدنا عمر وهو في المدينة قال يا سارية الجبل رب العالمين أراه الغيب رأى ساري أنه يقاتل خطأ وفعلاً سارية سمع الصوت واتبع النصيحة، أطلعه مرة. هناك من أحباب الله ممن اصطفاهم الله تعالى من الرسل من يفوضه سأظهرك على غيبي، الإظهار هو القهر والغلبة كما قال تعالى (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ (20) الكهف) (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) التحريم) يقول (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) الجن) النبي  أخبر أمته بما هو كائن إلى يوم القيامة كل الذي جرى من تلك الساعة التي صلى النبي  فيهم العصر وهو يخبرهم بما هو كائن إلى يوم القيامة أخبرهم بكل الأحداث بغزو المغول والتتار والانجليز واحتلال العراق وإسلام فارس وكل الذي يجري الآن النبي  أخبرنا به، من أين عرفه؟ عرفه مما أظهره الله تعالى عليه من غيبه. هذا ما يسمونه تنبؤات أو يسمونه عند الصالحين الكشف، هذا من الله تعالى وكل واحد منا انقدح في ذهنه شيء من هذا، أحدهم دخل على عثمان فقال له إني أرى في وجهك الزنا فقيل له أوحيٌ بعد رسول الله؟ قال لا وإنما هو التوسم (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ (75) الحجر) لكن الإظهار أمر آخر، الإظهار للرسول يعطيه صلاحية. فرق بين أن يقول الملك لوزيره أفعل هذا مرة هذا فوضه مرة واحدة وآخر يقول له تصرف في صلاحياتي كما تشاء هذا إظهار. لو تتبعنا الأحاديث النبوية عما أخبر النبي  من غيبيات تقول فعلاً إن الله تعالى أظهر محمداً  على غيبه (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) الجن) هذا هو الفرق بين اطلع الغيب مرة وبين أظهره (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) الجن) كلهم رسل. النبي  كان له النصيب الأوفى ممن أظهرهم الله تعالى على غيبه.
  • ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾    [آل عمران   آية:١٤٠]
آية (140): *ما دلالة ذكر وحذف اللام فى آيتى آل عمران (140-141)؟(د.فاضل السامرائى) في قوله تعالى (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) آل عمران) هذه معطوفة (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) آل عمران) إحداها فيها لام والأخرى ليس فيها لام، قسم فيها عطف. الذي فيه لام يكون أقوى وآكد (وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء) أيُّها الأكثر يعلم الله الذين آمنوا أو يتخذ شهداء؟ يعلم الله الذين آمنوا أكثر. (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) أيُّ الأكثر تمحيص الذين آمنوا أو محق الكافرين؟ تمحيص الذين آمنوا فجاء باللام والأخرى لم يذكر فيها اللام، هذا المتعلق بالآية. وعندنا قاعدة الذكر آكد من الحذف. *(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ (140) آل عمران) انظر كيف استطاعت ابلاغة القرآنية أن تنقص من قدر المصيبة على المؤمنين. فأين تكمن البلاغة في هذه الآية التصويرية؟(ورتل القرآن ترتيلاً) لقد عبّر الله تعالى عن المصيبة بقوله (يمسسكم) ولم يقل يصبكم لأن المسّ أصله اللمس باليد فيكون أمراً سطحياً لا يخترق الجسد خلاف الفعل يصبكم الذي يفيد اختراق القرح إلى داخل الجسد وهذا مؤذن بالتخفيف. ثم صور الهزيمة بالقرح أي الجرح وهو هنا مستعمل في غير حقيقته فيكون بذلك إستعارة للهزيمة إذ لا يصح أن يراد بها الحقيقة لأن الجراح التي تصيب الجيش لا يُعبأ بها إذا كان معها النصر ناهيك عن أن تصوير الهزيمة بالقرح مؤذن بالشفاء منه. *(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ (140) آل عمران) لعل سائلاً يسأل لِمَ اختار البيان الإلهي صيغة المضارع في (يمسسكم) والماضي في (مسّ) ولم يكونا في زمن واحد؟(ورتل القرآن ترتيلاً) إنها دقة التعبير في إيراد الحقائق الواقعية فالتعبير عما أصاب المسلمين بصيغة المضارع في (يمسسكم) لقربه من زمن يوم أحد وعما أصاب المشركين بصيغة الماضي (مسّ القوم) لبُعدِه لأنه حصل يوم بدر.
  • ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾    [الجن   آية:٢٧]
(إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)) يستثني، الرصد هو الحافظ، يحفظه من الشياطين أو الجن.
  • ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴿٣﴾    [التحريم   آية:٣]
(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) كلمة بعض في اللغة تعني الواحد أو الواحدة إلا إذا تكررت (بضع من ثلاث إلى تسعة) (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) الكهف) بعضهم لبعض تكون جماعة لجماعة أما إذا جاءت مفردة فالغالب في لغة العرب ، هناك شاهد أو شاهدان استعملها للجماعة للقِسم لكن الراجح في كلام العرب وهذا الذي عليه القرآن الكريم أنه إذا إستعمل بعض تعني واحداً وهنا جاء بمعنى واحد (بعض أزواجه). (فلما نبّأت به) فهي كانت إحدى زوجاته ورضي الله عنهن جميعاً أسِرّ إليها حديثاً ، ما هذا الحديث؟ نحن منهجنا في فهم القرآن أنه ما سكت عنه القرآن نسكت عنه. عندنا أحاديث توضح الصورة لكن هذه الأحاديث متفاوتة الدرجات: حديث يتكلم على شرب العسل وحديث يتكلم على مواقعة ماريا القبطية في بيت حفصة رضي الله عنها. هذا الأمر ليس مهماً ولو كان مهماً لأشار إليه القرآن الكريم لكن هو قال (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) ما قال لنا ما هو فنقول سرّاً أخبر الرسول به إحدى زوجاته والروايات تقول أنها عائشة رضي الله عنها وعن أبيها. هي لم تحفظ هذا السر يعني ضاق به صدرها فإتجهت إلى أقرب الناس إليها (زوجة ثانية من زوجات الرسول ) وبدأت تحدثها بسِرّ رسول الله أن الرسول قال لي كذا وقال لي كذا ولا شك أنها في بداية الأمر ترددت قبل أن تتحدث فهذا أخذ زمناً، الحديث أخذ زمناً والتردد أخذ زمناً هذا يناسب صيغة فعّل لأن فعّل في اللغة تحتاج إلى وقت أطول من أفعل. نبّأ (فعّل) غير أنبأ (أفعل). لما تقول: أعلمت زيداً أي أوصلت إليه معلومة لكن لما تقول علّمته التعليم يحتاج إلى وقت ويحتاج إلى جهد. أخرجت الشيء وخرّجته، وهكذا. فصيغة فعّل في لغة العرب تحتاج إلى تلبّث، وقت، زمن يأخذ (فلما نبّأت به) معناه أخذت وقتاً. أخذت وقتاً حتى في الكلام. الحكاية نفسها تحتاج إلى وقت الكلام في وقت هو لم يكن كلمة واحدة أو كلمتين وإنما حديث (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا). (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) أظهره أي أطلعه وعرّفه أن فلانة أخبرت بحديثك والحديث كاملاً فالرسول  لرعايته لبيته ولأهل بيته ولسماحته عرّف بعضه وأعرض عن بعض، معناها الحديث طويل ذكر بعضه وترك بعضه ما خاض في كل التفاصيل وإنما قال جزءاً من قولها (عرّف بعضه وأعرض عن بعض). (فلما نبّأها به) هذا التعريف، هذا البعض (به) تعود على البعض الذي تحدّث به كان حديثاً أخذ زمناً قال: (فلما نبّأها). قالت (من أنبأك هذا) (هذا) يعني إفشاء السر هي تعلم تفاصيل القول وهي لا تحتاج إلى نبّأ وإنما إلى أنبأ لأنه ليس فيها سرعة وليس فيها تلبّث ولا وقت. (نبّأها) شرح لها ماذا قالت جزء من الحديث هي قالت (من أنبأك هذا) من أعلمك إفشائي للسر. إفشائي السر لا تحتاج للفعل المشدّد (نبّأ) وإنما إلى (أنبأ) لأنه يحتاج إلى وقت قصير. هذه الظاهرة إستعمال نبّأ وأنبأ مضطردة في القرآن الكريم بحيث أننا لما نأتي إلى أفعل كما في قوله (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)) أنبأ وردت في أريعة مواضع في القرآن كله وسنجد أنها جميعاً فيها إختصار زمن، فيها وقت قصير وليس فيها وقت طويل. أما نبّأ فحيث وردت، وردت في ستة وأربعين موضعاً ( من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) سنعود إلى ذكر إحصائها لأن لنا رأياً فيها. لاحظ (وعلّم آدم الأسماء كلها) بمفهوم البشر التعليم يحتاج إلى وقت ولذا قال علّم ولم يقل أعلم. الأسماء كلها أي هذا الشيء إسمه كذا عذا المخلوق إسمه كذا ورب العالمين يمكن أن يقول كن فيكون. لكن أرادت الآية أن تبيّن أنه لقّنه هذه الأشياء بوقت كما أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان بإستطاعته أن يقول كن فيكون. (وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة) وذكرنا في مرة سابقة استعمال عرضهم لأن فيها العاقل وغير العاقل. (فَقَالَ أَنْبِئُونِي) لأنه هذا ما إسمه؟ فلان أو كذا وهذا لا يحتاج إلى شرح وتطويل ما قال (نبّؤني) قال(أنبؤني) لكن في مكان آخر قال (نبؤني بعلم إن كنتم صادقين) . قالوا (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)) أيضاً ما تعلّموه على وقت. (قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) آدم هذا كذا إسمه وانتهى، وهذا؟ كذا وهذا؟ كذا. الإنباء بكل إسم على حدة لا يأخذ وقتاً ولهذا قال (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِم) (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) واحداً واحداً لا يحتاج إلى وقت. إذا جاء الفعل بصيغتي فعّل وأفعل نفس الفعل فيكون أفعل إذا جاء لزمن أقصر من فعّل مثل علّم وأعلم ونبّا وأنبأ. في سورة الكهف (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)).هذا ليس إنباءً وإنما تبيين من نبّأ لأن فيها كلام كثير (أما السفينة، أما الغلام، أما الجدار) فهي ليست مختصرة. (سَأُنَبِّئُكَ) جاءت بالتشديد مشددة ما قال سأنبئك. المضعّفة يعني فعّل من النبأ جاءت في ستة وأربعين موضعاً كما في سورة يوسف (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)) لأن فيها شرح بالتفصيل عن الرؤيا ولم يقل أنبئنا مختصرة وهم يريدون شرحاً مفصّلاً للرؤيا. أنبأ لم ترد إلا في أربعة مواضع. نبّا وتفصيلاتها وردت في ستة وأربعين موضعاً في ستو وثلاثين موضعاً كانت تحتمل أن تُقرأ أنبأ بالتخفيف ومنه هذا الموضع. من حيث الرسم لو رسمنا من غير همزة ونقاط وشدّة كان يمكن أن تُقرأ سأنبئك لكن رجعت إلى القراءات وحتى الشاذّة منها 36 موضعاً كان يمكن أن تُقرأ بالتخفيف لكن لم ترد قراءة واحدة بالتخفيف وللكن قُرئت كلها بالتشديد (سأنبّئكم، أنبّئكم، تنبؤنه) لم يقرأها أحد أنبأكم. ستة وثلاثون موضعاً كلها كان يمكن أن تُقرأ بالتخفيف ولم تُقرأ بالتخفيف وعشرة مواضع لا يمكن أن تُقرأ بالتخفيف لأن نبّأت به وإنما (نبّأ) بالتضعيف مثل قوله تعالى (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الكهف) بالتشديد لأن جاء الحديث بعدها طويل (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)) فيها تفصيل. وحيثما وردت ولذلك لم تُقرأ بالتخفيف ما دام فيها تلبّث وزمن فلا تُقرأ بالتخفيف. وهذا القرآن من أوله إلى آخره كله جاء بهذه الصورة والإنسان يعجب (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها).
  • ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾    [الجن   آية:٢٧]
* ما دلالة (من) في الآية؟ (من) يسموها إبتداء الغاية. لو حذف (من) يقول يسلك بين يديه. ما الفرق بينهما؟ بين يديه يعني أمامه قد يكون الرصد قريباً أو بعيداً والخلف قد يكون بعيداً أو قريباً، خلفك يمتد إلى ما لا نهاية. بينما (من) إبتداء الغاية ملاصق لا يسمح لأحد بأن يدخل مثلاً (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت) من فوقها الرواسي ملاصقة للأرض لو قال فوقها تحتمل (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ (6) ق) (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور (63) البقرة) ليس ملاصقاً لهم وإنما فوق رؤسهم، (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ (19) الملك)، (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ (75) الزمر) ليس هنالك فراغ بين العرش والملائكة. (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ (16) الزمر) مباشرة عليهم لو قال فوقهم تحتمل بُعد المسافة. (يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) الحج) مباشرة على رؤوسهم، (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (9) يس) ملتصق حتى لا يتحرك ولو قال بين أيديهم يحتمل أن يكون قريباً أو بعيداً، (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ (5) فصلت) كل المسافة بيننا مملوءة ولو قال بيننا قد يكون أي حاجز أما من بيننا يعني المسافة أكبر، من بيننا يعني كل المسافة. إذن (من) لابتداء الغاية وبهذا نفهم (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) من تحتها درجة أعلى من تحتها (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ (100) التوبة). كل (من تحتها) معهم الرسل أما تحتها ليس معهم الرسل (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ) هؤلاء ليس معهم الرسل.
  • ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾    [العنكبوت   آية:٤١]
مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء - من أمثال القرآن الكريم
روابط ذات صلة:
  • ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾    [الجن   آية:٢٧]
* هل هنالك معاني للحروف في اللغة العربية؟ هناك كتب كثيرة مؤلفة في معاني الحروف مثل المغني اللبيب وغيره.
إظهار النتائج من 6201 إلى 6210 من إجمالي 12325 نتيجة.