عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٩﴾    [المنافقون   آية:٩]
  • ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠﴾    [المنافقون   آية:١٠]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ {9} وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ(10)) في هاتين الآيتين ـ كما هو شأن الآيات القرآنية كلها ـ أسرار تعبيرية بديعة. والذي دعاني إلى الكتابة فيهما، أن سائلاً سألني مرة: لماذا قال تعالى: (فأصدق) بالنصب وعطف بالجزم، فقال: (وأكن) ولم يجعلهما على نسق واحد؟ فآثرت أن أكتب في هاتين الآيتين لارتباطهم. *(يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون)* لقد نهى الله في هذه عن الانشغال بأمر الأموال والتصرف فيها والسعي في تدبير أمرها، والانشغال بأمر الأولاد إلى حد الفعلة عن ذكر الله، وإيثار ذلك عليه ومن يفعل ذلك كان خاسراً خسارة عظيمة. هذا معنى الآية على وجه الإجمال، إلا أن هناك أسراراً تعبيرية تدعو إلى التأمل منها: 1ـ إنه قال: (لا تلهكم أموالكم) ومعنى (لا تلهكم): لا تشغلكم وقد تقول: لماذا لم يقل: (لا تشغلكم)؟ والجواب: أن من الشغل ما هو محمود فقد يكون شغلاً في حق كما جاء في الحديث: "إن الصلاة لشغلاً" وكما قال تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) [يس]أما الإلهاء فمما لا خير فيه وهو مذموم على وجه العموم، فاختار ما هو أحق بالنهي. 2ـ لقد أسند الإلهاء إلى الأموال والأولاد فقال: ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) فقد نهى الأموال عن إلهاء المؤمن، والمراد في الحقيقة نهي المؤمن عن الالتهاء بما ذكر والمعنى لا تلتهوا بالمال والأولاد عن ذكر الله وهذا من باب النهي عن الشيء والمراد غيره، وهو كقوله تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم الله الغرور) [لقمان] فقد نهى الحياة الدنيا عن غير المؤمن والمراد نهي المؤمن عن الاغترار بالدنيا إن المنهي في اللغة: هو الفاعل نحو قولك: (لا يضرب محمود خالداً) فـ (محمود) هو المنهي عن أن يضرب خالداً، ونحو قولك: (لا يسافر إبراهيم اليوم) فإبراهيم منهي عنة السفر. ونحو قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن) [الحجرات] فالقوم هم المنهيون وكذلك النساء وكما تقول: (لا تضرب خالداً) و (لا تضربي هند) فالفاعل هو المنهي وليس المفعول به. والفاعل في الآية هو الأموال والأولاد أما المخاطبون فمفعول به فالمنهي إذن هي الأموال والأولاد، وهي منهية عن إلهاء المؤمن. وقد تقول: ولم لم يعبر بالتعبير الطبيعي فيقول: لا تلتهوا بالأموال والأولاد، على أصل المعنى؟ والجواب: أن في هذا العدول عدة فوائد: منها: أنه نهى الأموال عن التعرض للمؤمن وإلهائه عن ذكر الله فكأنه قال: أيها الأموال لا تهلي المؤمن عن ذكري. فكأن الله يريد حماية المؤمن وذلك بنهي السبب عن أن يتعرض له فكيف عن التعرض. وفي هذا النهي مبالغة إذ المراد نهي المؤمن ولكنه بدأ بالأصل المسألة وهي الأموال والأولاد فنهاها هي عن التعرض للمؤمن بما يلهيه فقد جعل الله المؤمن كأنه مطلوب من قبل الأموال والأولاد تسعى لإلهائه وفتنته فنهاها عن السعي لهذا الأمر لينقطع سبب الإلتهاء ويقمعه. ومنها: أن فيه إهابة للمؤمن ألا يقع في شرك الأموال والأولاد بحيث تلهيه وهو غافل مسلوب الإرادة، فنسب الإلهاء ليأخذ المؤمن حذره منها، فكأن الأموال والأولاد ينصبون الشرك ليلهوه عن ذكر الله، فعليه أن يحذر من أن يقع فيه كما تقول: (لا يخدعك فلان) فغن فيه إهابة لأخذ الحذر منه. هذا بالإضافة إلى ما فيه منة التعبير المجازي اللطيف، وهو إسناد الإلهاء إلى الأموال فجعلها عاقلة مريدة تنصب الشرك لوقوع المؤمن في الفخ. جاء في (روح المعاني): "والمراد بنهي الأموال وما بعدها نهي المخاطبين، وإنما وجه إليها للمبالغة لأنها لقوة تسببها للهو وشدة مدخليتها فيه، جعلت كأنها لاهية وقد نهيت عن اللهو، فالأصل لا تلهوا بأموالكم .. الخ. فالتجوز في الإسناد وقيل: إنه تجوز بالسبب عن المسبب كقوله: (فلا يكن في صدرك حرج) أي: لا تكونوا بحيث تلهيكم أموالكم". وجاء في (تفسير البيضاوي): "توجيه النهي إليها للمبالغة". 3ـ جاء بـ (لا) بعد حرف العطف فقال: (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) ولم يقل: (أموالكم وأولادكم) ذلك أن كلاً من الأموال والأولاد داع من دواعي الإلهاء وكذلك الأولاد. لو قال: (أموالكم وأولادكم) لاحتمل أن النهي عن الجمع بينهما، فلو لم يجمع بينهما جاز، فلو انشغل بالمال وحده جاز، أو انشغل بالأولاد وحدهم جاز، وهو غير مراد. إذ المراد عدم الانشغال بأي واحد منهما على سبيل الانفراد أو الاجتماع. 4ـ قدم ألأموال على الأولاد لأن الأموال تلهي أكثر من الأولاد، فإن الانشغال فيها وفي تنميتها يستدعي وقتاً طويلاً وقد ينشغل المرء بها عن أهله، فلا يراهم إلا لماماً فقدم الأموال لذلك. 5ـ قدم المفضول على الفاضل، فالأولاد أفضل من الأولاد لأن المال، إنما يكون في خدمتهم ويترك لهم وذلك لأكثر من سبب : منها: أن المقام مقام إلهاء كما ذكرنا فاستدعى تقديهما. ومنها: أن المقام يقتضي ذلك من جهة أخرى، فغن هذا التقديم نظير التقديم في الآية اللاحقة من تقديم المفضول وهو قوله: (فأصدق وأكن من الصالحين) فقدم الصدقة على كونه من الصالحين. ولما قدم النهي عن الإلتهاء بالمال قدم الصدقة. والصدقة إنما هي إخراج للمال من اليد والقلب، والالتهاء غنما هو انشغال به بالقلب والوقت والجارحة. ولما قال: (عن ذكر الله) قال: (وأكن من الصالحين) لأن المنشغل عن الفرائض وذكر الله ليس من الصالحين. فهو تناظر جميل. لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ... فأصدق. عن ذكر الله ..... وأكن منم الصالحين والملاحظ أنه حيث اجتمع المال والولد في القرآن الكريم، قدم المال على الولد إلا في موطن واحد، وذلك نحو قوله تعالى: (شغلتنا أموالنا وأهلونا) [الفتح] وقوله: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) [الكهف] وقوله: (وجعلت له مالا ممدوداً وبنين شهوداً) [المدثر]، ونحو ذلك، لأن المال في هذه المواطن أدعى إلى التقديم، إما لأن الانشغال به أكثر كما ذكرنا، أو لأنه أدعى إلى الزينة والتفاخر وما إلى ذلك من المواطن التي تقتضي تقديم الأموال. أما المواطن الذي قدم فيه الولد على المال، فهو قوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة] وذلك لأن المقام مقام حب. ولا شك أن المتقدمين من الأبناء والأزواج وغيرهم أحب إلى المرء من ألأموال لأنه إنما ينفق المال عليهم ويبقيه لهم بعد رحيله عن هذه الدار. ثم لا تنس أنه قدم مجموع القرابات من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، ولا شك أن هؤلاء بمجموعهم أحب إلى المرء من المال. فالأبناء وحدهم أثقل فى ميزان الآباء من الأموال، فكيف إذا اجتمع معهم ما اجتمع ممن يحب؟ أما مسألة تقديم الأموال على وجه العموم، فلعل الله ييسر لنا البحث فيها. 6ـ قال: (ومن يفعل ذلك) ولم يقل: (ومن تلهه لك) فنسب الفعل إلى الشخص، لينال بذلك جزاءه ولئلا يفهم أنه ليس بمقدور الشخص الانصراف عن اللهو، وأنه غير مسؤول عن هذا الالتهاء. فقال: (ومن يفعل ذلك) للدلالة على أن ذلك بمقدور، وأن هذا من فعله وكسبه. فالالتهاء ليس أمراً سلبياً، بل هو فعل يقوم به الشخص وينال جزاءه عليه. 7ـ ثم انظر كيف جاء لذلك بالفعل المضارع فقال: (ومن يفعل) للدلالة على استمرار الحدث وتكرره ولم يقل: (ومن فعل) بالماضي، ذلك لن الالتهاء بالأموال والأولاد أمر يومي ومتكرر، ولذا عبر عنه الفعل المضارع الذي يدل على التكرار والتطاول. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنه لو قال: (ومن فعل) لاحتمل أن ذلك الخسران الكبير، إنما يقع ولو فعله مرة واحدة وهو غير مراد. ثم ليتناسب الفعل والجزاء إذ ليس من المعقول والقصر إنما الخسران الكبير الثابت المدلول عليه بالجملة الإسمية والقصر إنما يكون لما وقع مرة واحدة من الالتهاء، بل المناسب أن يكون ذلك لما تكرر حصوله وتطاول. 8ـ ثم قال بعد ذلك: (فأولئك هم الخاسرون) واختيار الخسران نهاية للآية أنسب شيء ههنا فإنه المناسب للالتهاء بالأموال والانشغال بها. فإن الذي ينشغل بالمال إنما يريد الربح، ويريد تنمية ماله فقال له: إن هذا خسران وليس ربحاً حيث باع "العظيم الباقي بالحقير الفاني". 9ـ ثم إن الإتيان بضمير الفصل (هم) بين المبتدأ والخبر وتعريف (الخاسرون) بأل، إنما يفيدان القصر والتأكيد، أي أن هؤلاء لا غيرهم هم الخاسرون حقاً. وهم أولى من يسمون خاسرين فإنه لم يقل: (فأولئك خاسرون)، أو من الخاسرين ولو قال لأفاد أن خسارتهم قد تكون قليلة أو قد يشاركهم فيها غيرهم بل قال: (فأولئك هم الخاسرون) للدلالة على أنهم هم الخاسرون دون غيرهم وهم المتصفون بالخسارة إلى الحد الأقصى. جاء في (روح المعاني): "وفي التعريف بالإشارة والحصر للخسران فيهم، وفي تكرير الإسناد وتوسيط ضمير الفصل ما لا يخفى من المبالغة". 10ـ اختار الإلهاء عن ذكر الله دون غيره من العبادات فلم يقل مثلاً: لا تلهكم عن الصلاة أو عن الجهاد أو عن غير ذلك من العبادات، ذلك أن ذكر الله يشمل جميع الفرائض، فكل عمل تعلمه لا يكون لله إلا إذا كنت ذاكراً لله في نفسك أو على لسانك أو مستحضراً له في قلبك والذكر قد يكون في اللسان، قال تعالى: (وأذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة) [الأعراف] وقال: (وأقم الصلاة لذكرى) [طه] فذكر الله "عام في الصلاة والثناء على الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغير ذلك والدعاء وقال الحسن: "جميع الفرائض". ولذلك كان الخسران كبيراً فهو متناسب مع عظم المعصية، والله أعلم. *(وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ)* 1ـ تبدأ الآية بقوله: (وأنفقوا من ما رزقناكم) وهذا الأمر بالإنفاق مقابل النهي عن الإنفاق على أصحاب رسول الله من المنافقين فالمنافقون يقولون لأوليائهم: (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) والله يقول لأوليائه: (وأنفقوا من ما رزقناكم) فانظر كيف قابل النهي بالأمر. 2ـ قال: (من ما رزقناكم) فجاء بـ (من) الدالة على التبعيض ولم يقل: (أنفقوا ما رزقناكم)، للدلالة على أن الإنفاق إنما يكون في قسم من المال ولا يشمل المال كله، فتستهل النفوس التخلي عن قسم من المال، استجابة لأمر ربها بخلاف ما إذا سألها المال كله، فإنها تستعظم ذلك وتبخل به، قال تعالى: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ {36} إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) [محمد]. 3ـ أسند الرزق إلى نفسه فقال: (من ما رزقناكم) للدلالة على أن هذا المال غنما هو من رزق الله سبحانه، ملكه عباده، فتطيب النفوس لإخراج بعض ما رزقه الله ، استجابة لأمر الله الرازق. وهذا التعبير اللطيف مدعاة إلى الخروج عن الشح والاستجابة لأمر الله. 4ـ ثم قال: (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) فجاء بـ (من) ولم يقل: (قبل أن يأتي أحدكم الموت) إشارة على قرب الموت من الإنسان، وأنه على الإنسان أن يسابق الموت ويبادر بالعمل الصالح فإن (من) هذه تفيد ابتداء الغاية الزمانية، ومعناه الزمن القريب من الموت بل المتصل به، وأن حذفها يفيد الوقت الذي هو قبل الموت سواء كان قريباً أم بعيداً ويفيد إعطاء المهلة مع أن الأجل إذا جاء لا يمهل، فالمجيء بها يفيد طلب التعجيل بالتوبة والإنفاق إذ كل ساعة تمر بالإنسان، تحتمل أن تكون هي ساعة الموت، وهي التي ذكرها بقوله: (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) فانظر حسن التعبير ودقته. 5- (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) إستخدام فعل يأتي بدل جاء في الآية ومن الملاحظ أن فعل جاء لم يرد أبداً في القرآن كله بصيغة المضارع أما بالنسبة لفعل أتى فقد استعمل مضارعاً واستعملت كل مشتقاتع (آتيكم، مأتيا). ثم إن تقديم المفعول به على الفاعل لأنه أهم وهو المأمور والمنهي وهو المحاسب وهو محور الخطاب والموت يأتي في كل لحظة. 6ـ قدم المفعول بعه على الفاعل، فقال: (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) ولم يقل: (يأتي الموت أحدكم) ذلك لأن المفعول به هو المهم ههنا، إذ هو المعني بالتوبة والصلاح، وهو المدعو للإنفاق وهو المتحسر النادم إذا عاجله الموت. فالعناية والاهتمام منصبان على المفعول الذي يأتيه الموت، وهو كل واحد منا. 7ـ جاء بالفاء في قوله: (فيقول رب) ولم يأت بثم أو الواو، ذلك لأن الفاء تفيد معنيين السبب والعطف، في حين أن ثم أو الواو لا تفيد السبب، وبل تفيد العطف وحده. ومن ناحية أخرى، إن الفاء تفيد التعقيب بلا مهلة في حين أن (ثم) تفيد التراخي، والواو تفيد مطلق الجمع. فجاء بالفاء لجمع معنيي السبب والعطف، أي أن الموت سبب لهذا الندم وطلب التأخير لما ينكشف له من سوء المنقلب والعياذ بالله. ثم إن طلب التأخير يأتي رأساً بلا مهلة، ففي ساعة الموت وعند حضوره يطلب التأخير ليسلك سبيل الصالحين، ولو جاء بـ (ثم) لما أفاد ذاك، بل يفيد أن طلب ذاك إنما يكون بعد مهلة وتراخ، وكذلك الواو لا تفيد ما أفادته الفاء. 8ـ ثم انظر كيف ناسب المجيء بالفاء الدالة على قصر الوقت حذف حرف النداء، فقال: (رب) ولم يقل: (يا رب) لأن الوقت لم يعد يحتمل التضييع في الكلام فيأتي بـ (يا) بل يريد أن يستعجل في طلبه، فيختصر من الكلام ما لا حاجة له به ليفرغ إلى مراده. 9ـ جاء بـ (لولا) فقال: (لولا أخرتني) ولم يقلك (لو أخرتني) لأن (لولا) أشد في الطلب من (لو) وقائلها أكثر إلحاحاً من قائل: (لو) فإن (لو) تكون للطلب برفق، وأما (لولا) فتكون للطلب بشدة وحث، ومعنى ذلك أن ما هو فيه يستدعي الإلحاح في الطلب، وأن يجأر به وأن يأتي بما هو من أشد أدوات الطلب قوة، كما أنها من أدوات التنديم وفيها تنديم للنفس على ما فرط، ولو جاء بـ (لو) لفاد العرض الخفيف. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن (لو) قد تفيد التمني، والتمني قد يكون ميئوسا منه ليس لصاحبه فيه مطمع نحو (لو يعود الميت إلى الحياة، فيخبر الناس بما هو فيه) في حين أن هذا القائل ليس متمنياً، بل هو طالب للعودة، سائل لها فلو جاء بـ (لو) لأفاد أن هذا من باب التمني الذي يتمناه الإنسان، ولا يرجو وقوعه كقول القائل: (ألا ليت الشباب يعود يوماً) والتمني قد يكون في حال العافية كما يكون في غيرها في حين أن هذا طالب للتأخير وليس متمنياً. 10ـ جاء بالفعل الماضي بعد (لولا) فقال: (لولا أخرتني) ولم يقل: (لولا تؤخرني) ذلك أن المحذور وقع في حين أن الفعل المضارع قد يفيد أن ألأمر لم يقع بعد، وأن في الأمر سعة وذلك نحو قوله تعالى: (لو نشاء جعلناه أجاجاً فولا تشكرون) [الواقعة] وقوله: (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النمل]. هذا علاوة على ما يفيد دخول (لولا) على الماضي من قوة الطلب وشدته، وإن كان مستقبل المعنى. 11ـ ثم انظر كيف طلب مهلة قصيرة لإصلاح حاله، مع أنه كان يتقلب في الأرض من دون أدنى تفكير أو اهتمام بمآله في الآخرة أو بالأوقات التي يضيعها هدراً من دون اكتراث، فقال: (إلى أجل قريب) ولم يقل: (إلى أجل) فيحتمل القريب والبعيد، فطلب مهلة قصيرة وأجلاً قريباً لتدارك ما فات. فانظر كيف جاء بالفاء الدالة على قصر الزمن بين إتيان الموت وطلب التأخير، وحذف (يا) النداء اختصاراً للزمن ليفرغ إلى طلبه، وجاء ب(لولا) الدالة على الإلحاح في الطلب، كل ذلك ليحصل على مهلة قليلة ليصلح شأنه، فانظر أية إشارات هذه إلى هول ما هو فيه؟ وقد تقول: ولم قال ههنا: (أخرتني) بالياء وقال في سورة الإسراء (أخرتني) فحذف الياء واجتزأ بالكسرة؟ والجواب: أن المقام يوضح ذلك. فقد قال في سورة الإسراء على لسان إبليس: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً) [الإسراء]. وقال ههنا: (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) وهنا نسأل: أي الطلبين يريده المتكلم لنفسه على وجه الحقيقة، وأيهما يعود بالنفع عليها ودفع الضرر عنها أهو قوله: (لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ)أم قوله: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً). والجواب ظاهر فإن طلب إبليس لا يريده من أجل نفسه، ولا لأنه محتاج إليه، وإنما يريده ليضل ذرية آدم. ثم إن هذا الطلب لا يعود عليه بنفع، ولا يدفع عنه ضراً وليست له مصلحة فيه، بل العكس هو الصحيح بخلاف الطلب الآخر، فإنه يريده لنفسه حقاً وإنه لا شئ ألزم منه لمصلحته هو ودفع الضرر عنه. فلما كان طلب التأخير لمصلحة الطالب حقاً، وأنه ابتغاه لنفسه على وجه الحقيقة أظهر الضمير ولما كان طلب إبليس ليس من أجل نفسه ولا يعود عليها بالنفع حذف الضمير واجتزأ بالكسرة. ثم في الحقيقة، إن كلام إبليس ليس طلباً، وإنما هو شرط دخل عليه القسم فقال: (لئن أخرتن) فهو من باب الطلب الضمني، وليس من باب الطلب الصريح وأما قوله: (لولا أخرتني) فهو طلب صريح ففرق تبعاً لذلك بين التعبيرين. فصرح بالضمير وأظهر نفسه في الطلب الصريح، وحذف الضمير واجتزأ بالإشارة إليه في الطلب غير الصريح. وهو تناظر جميل، ففي الطلب الصريح صرح بالضمير، وفي الطلب غير الصريح لم يصرح بالضمير. 12ـ وهنا نأتي إلى سؤال السائل وهو: لم عطف بالجزم على النصب، فقال: (فأصدق) بالنصب ثم قال (وأكن) بالجزم ولم يجعلها على نسق واحد؟ والجواب: أنة هذا مما يسميه النجاة (العطف على المعنى) وقد يسمى فير غير القرآن (العطف على التوهم). ذلك أن (أصدق) منصوب بعد فاء السببية، و(أكن) مجزوم على أنه جواب للطلب، والمعنى: إن أخرتني أكن من الصالحين ونحو ذلك أن تقول: (هلا تدلني على بيتك أزرك)، فـ : (أزرك) مجزوم بجواب الطلب والمعنى، إن تدلني على بيتك أزرك ولو جئت بفاء السبب لنصت، فقلت: (هلا تدلني على بيتك فأزورك)، وإن أسقطت الفاء وأردت معنى الشرط جزمت. جاء في (البحر المحيط): "وقرأ جمهور السبعة (وأكن) مجزوماً قال الزمخشري: (وأكن) مجزوماً على محل (فأصدق) كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن وقال ابن عطية: عطفاً على الموضع لأن التقدير إن تؤخرني أصدق وأكن" ففي الآية الكريمة جاء بالمعطوف عليه على إرادة معنى السبب وجاء بالمعطوف على معنى الشرط فجمع بين معنيي السبب والشرط فالغطف إذن ليس على إرادة معنى الفاء بل على إرادة معنى جديد. جاء في (معاني النحو): "عطف (أكن) المجزوم على (أصدق) المنصوب، وهو عطف على المعنى وذلك أن المعطوف عليه يراد به السبب والمعطوف لا يراد به السبب، فإن (أصدق) منصوب بعد فاء السبب وأما المعطوف فليس على تقدير الفاء ولو أراد السبب لنصب، ولكنه جزم لأنه جواب الطلب نظير قولنا: (هل تدلني على بيتك أزرك؟) كأنه قال: إن تدلني على بيتك أزرك فجمع بين معنيي التعليل والشرط، ومثل ذلك أن أقول لك: (احترم أخاك يحترمك) و(احترم أخاك فيحترمك) فالأول جواب الطلب والثاني سبب وتعليل وتقول في الجمع بين معنيين (أكرم صاحبك فيكرمك ويعرف لك فضلك) وهو عطف على المعنى". وقد تقول: ولماذا لم يسو بينهما، فيجعلهما نسقاً واحداً؟ والجواب أنهما ليسا بمرتبة واحدة في الأهمية، فالصلاح أهم من الصدقة ذلك أنم الذي ينجي من العذاب، هو كونه من الصالحين لا كونه متصدقاً فإن المؤمن قد لا يتصدق بصدقة أصلاً ومع ذلك يدخل الجنة بصلاحه فقد يكون ليس معه ما يتصدق به. فالذي ينجيه من العذاب، ويدخله الجنة، هو أن يكون من الصالحين، والتصدق وإنما يكون من الصلاح. والذي يدلك على ذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون): (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ {99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) فإنه ذكر الصلاح ولم يذكر الصدقة، لأن الآية لم تقع في سياق الكلام على الأموال وإنفاقها، وذلك يدل على أن الصلاح هو مناط النجاة وأنه هو الأهم فعبر عن كونه من الصالحين بأسلوب الشرط، لأنه أقوى في الدلالة على التعهد والتوثيق، فقد اشترط على نفسه أن يكون من الصالحين، وقطع عهداً على نفسه بذلك فأعطى الأهم والأولى أسلوب الشرط الدال على القوة في الأخذ على النفس والالتزام وأعطى ما هو دونه في الأهمية والأولوية، أسلوب التعليل ولم يجعلهما بمرتبة واحدة. وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم قدم الصدقة على الصلاح؟ والجواب: أن السياق هو نفي إنفاق الأموال، فقد قال تعالى في هذه الآية: (وأنفقوا من ما رزقناكم ...) فدعا إلى الإنفاق، فكان تقديم الصدقة مناسباً للمقام. ثم إنه تردد في السورة ذكر الأموال والانشغال بها، وما إلى ذلك، فقد جاء قبل هذه الآية قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) فنهى عن الانشغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله، وجاء قبلها قوله في المنافقين: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). فأنت ترى أن تقديم الصدقة، والمناسب للسياق الذي وردت فيه الآية وللجو الذي تردد فيه ذكر الأموال والانشغال بها، والتوصية من المنافقين بعدم إنفاقها في سبيل الخير. وقد يقول: ولم قال: (فأصدق) ولم يقل (فأتصدق) الذي هو الأصل؟ والجواب: أن هناك أكثر من سبب يدعو إلى هذا الاختيار. منها أن مقاطع (فأتصدق) أكثر من مقاطع (فأصدق) فإن مقاطع (فأتصدق) ستة ومقاطع (فأصدق) خمسة: فَ + أَ + تَ +صد +دَ +قَ = ستة مقاطع. فَ +أص +دَ +قَ = خمسة مقاطع. وهو طلب التأخير إلى أجل قريب فاختار اللفظة التي هي أقصر لتناسب قصر المدة. ثم إن في (فأصّدّق) تضعيفين أحدهما في الصاد، والآخر في الدال في حين أن في (فأتصدق) تضعيفاً واحداً موطنه الدال، والتضعيف مما يدل على المبالغة والتكثير، ولذا كان في قوله: (فأصدق) من المبالغة والتكثير في الصدقة ما ليس في (فأتصدق) فدل بذلك أنه أراد أجلاً قريباً ليكثر من الصدقة ويبالغ فيها. فهذا البناء أفاد معنيين: • الأول: قصر المدة وذلك لأنه طلب التأخير مدة قصيرة. • والآخر: هو الإكثار من الصدقة في هذه المدة القصيرة فكان ذلك أنسب. من هذا ترى أنه وضع كل تعبير في مكانه الذي هو أليق، وأعطى كلاً منهما حقه الذي هو له. فانظر كيف جمع بين معنيين التعليل والشرط. وقدم الصدقة مناسبة للمقام وأعطى الصلاح أهمية تفوق الصدقة، وجاء لفظة تدل على قصر المدة والإكثار من الصدقة فجمعت معنيين مناسبة للمقام، كل ذلك بأوجز عبارة وأبلغها والله أعلم.
  • ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ﴿١٣﴾    [الجن   آية:١٣]
إذن (فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ) لا ترتقي إلى درجة الثبات أو الإيمان القاطع بالله سبحانه وتعالى على غرار (وَهُوَ مُؤْمِنٌ). إذن ذكر في طه من هو أفضل إذن يدفع عنه ما هو أعمّ فذكر الظلم. الهضم: ذكرنا من جملة معاني الهضم نقص الحسنات، الذي يعمل الصالحات يبتغي الحسنات أما هناك فلم يذكر العمل فلماذا يذكر الهضم؟ إذا لم يذكر العمل لا داعي لذكر الهضم. ثم إن كل آية مناسبة لما ورد قبلها ففي سورة طه قال قبلها (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) طه) هذا يناسب الظلم. في سورة الجن أيضاً قال (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)) فهي أيضاً مناسبة للسياق العام.
  • ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١١٧﴾    [آل عمران   آية:١١٧]
آية:١١٧ *(وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) آل عمران) - (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) النحل)ما الفرق ؟ (كانوا) عن الذي مضى كل من ظلم نفسه قبل الإسلام وبعد الإسلام وإلى حد أمس هؤلاء (كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) نحن جميعنا نحن الأحياء نحن نظلم أنفسنا ليس كانوا بل الآن كل من يذنب ذنباً لحساب عبدٍ آخر يظلم نفسه (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ (135) آل عمران) ما الفرق بين الفاحشة وظلم النفس؟ الفاحشة أنت متونس علاقة بامرأة شهوة مال شوية تشرب خمر وحينئذٍ أنت بهذه الحالة أنت ظلمت نفسك أنت أرضيت شهوتك وأنت أسعدت نفسك (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ (14) آل عمران) لكن ماذا لو دخلت النار لحساب غيرك؟! شهدت زور يا ابني هذا هو القاتل وتتهم غيره وتحلف طيب ما الذي لك فيه؟ حلفت قرآن شهادة زور وبالنار علشان هذا! وقس على هذا من أمثال هذا الذي يظلم نفسه، الذي يعاون أمير ظالم واحد محتل واحد جاء يحتل العراق وأنت أصبحت معه على شعبك! ما الذي ستحصل عليه؟! واحد حاكم ظالم يقتل ويذبح وكثير من حكام العرب ملأوا السجون بالإعدامات والظلم وتساعدهم أنت على هذا طيب أنت ما الذي قبضت؟ حينئذٍ كل ذنبٍ أنت ترتاح له (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) لشهواتك أنت أرضيت شهوتك زينها لك الشيطان لكن إذا فسقت وفجرت وتمتعت أنت خلاص ارتويت لكن أن تذنب بالربا أو شهادة الزور أو الخيانة أو الغدر لحساب غيرك وأنت موظف (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (113) هود) هذا الذي ظلم نفسه.
  • ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴿١٤﴾    [الجن   آية:١٤]
  • ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴿١٥﴾    [الجن   آية:١٥]
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)) *ما معنى القاسطون؟ القاسط هو الجائر الظالم والقَسط بفتح القاف هو الجور والظلم بعكس القِسط بكسر القاف هو العدل. هناك قاسطون ومقسطون (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) المائدة) أي العادلون والقاسطون أي الجائرون. الهمزة هي همزة السلب، قَسَط بمعنى جار وظلم وأقسط أزال القسط وأزال الظلم مثل جار وأجار، جار ظلم وأجار رفع الظلم عنه، صرخ وأصرخ صرخ يعني صنع فعل الصراخ وأصرخ أزال الصراخ (مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ (22) إبراهيم) لا تستطيعون أن تعينوني وتزيلون صراخي ولا أنا أزيل صراخكم. إذن القاسطون الجائرون.
  • ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠﴾    [المنافقون   آية:١٠]
*إستعمال الأفعال المسندة إلى الموت : وجدنا أنه في أحد عشر موضعاً ورد الموت مع أفعال هي: الموت مع (حضر) ورد في أربعة مواضع، مع (جاء) ورد في موضعين، مع (يدرك) ورد في موضعين، مع (يأتي) ورد في موضعين، مع (يتوفى) ورد في موضع واحد. لما ننظر في الاستعمال القرآني لهذه الأفعال وما ورد في معجمات اللغة نرى أنها متقاربة المعنى يكاد يكون الذي يجمعها هذا القُرب. لما تقول جاء معناه صار قريباً، حضر معناه صار قريباً، أتى أيضاً معناها القرب، أدركه معناها القرب، توفاه أخذه كاملاً معناه قريب منه فلا يكون الأخذ إلا عن قرب، فيها معنى القرب لكن هل يصلح أن تكون كلمة مكان كلمة؟ لا، لأن كل كلمة لها معناها الخاص الجزئي فوق الإقتراب بالمعنى الذي جعلها خاصة في هذا الموضع دون موضع آخر. بصورة موجزة نقول لما ننظر في الآيات التي فيها كلمة حضر نجد معنى القرب لكن نجد المشاهدة والملامسة أحياناً، إقتراب إلى حد الملامسة، إقتراب شديد. لما نأتي إلى جاء وأتى مع فارق نجد معنى القرب الشديد وتحقق الوقوع في جاء وفي أتي في موقع مع الفارق بينهما: جاء يكون العمل فيها أظهر والعربية أحياناً تراعي الصوت. لما ننظر إلى حروف (جاء) مكونة من جيم وألف وهمزة، لما ننظر إلى حروف (أتى) مكونة من همزة وتاء وألف فالمشترك بين الفعلين ألف وهمزة والمختلف جيم وتاء وكلاهما صوت شديد بالتعبير الحديث يقولون صوت انفجاري يحدث نتيجة إنطباق يعقبه إنفصال مفاجئ في نقطة معينة في المدرج الصوتي فكلاهما متقارب لكن الفارق أن الجيم مجهور والتاء مهموس. الجيم يهتز معها الوتران الصوتيان ويكون هذا الصوت أظهر وأنصع وأحياناً من مخرج واحد أحد الصوتين مجهور والآخر مهموس. التاء والدال من مخرج واحد لسانك يكون في نفس الموقع لما تقول (قد) تقلقل نجد نوعاً من الرنين لكن لما تقول (قت) التاء مهموسة ليس فيها الجهر. المجهور أقوى وأظهر ولذلك نقول جاء أظهر من أتى أو فيه شيء من الجهر والقوة أكثر من أتى. الإدراك يكون بمعنى القرب الشديد لكن فيه صورة تشعر بنهاية الفرار من شيء كأنما هناك فارٌّ ومن يلاحقه إلى أن يدركه فينتهي فراره وأيضاً فيها قرب لما يدركه ويوقف فراره. أدركه فيها معنى القرب وفيها صورة هارب وهناك من يلاحقه، من يدركه. التوفّي: أخذ الشيء وافياً غير منقوص فيه معنى القرب لأن الأخذ يكون قريباً من ما يأخذ. هذه بصورة عامة. حضر: حضر يمكن أن تلمس فيها ما هو شديد القرب وشدة القرب ظاهرة في الآيات: أولاً: في سورة البقرة (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي (133) البقرة) يعقوب  مفعول به مقدم للعناية لأن القصة متوجهة ليعقوب وليس للموت فقدمه للإهتمام به ثم ذكر الفاعل. إذن حضره الموت وهو يتكلم معناه الموت صار قريباً منه، شارف على الموت لكن وقوعه لم يتحقق، لم يمت بعد بدليل أنه كان يكلم أبناءه ويوصيهم فالموصي لم يمت بعد ولم يفقد وعيه بعد. فالموصي إنما يذكر وصيته أو يؤكدها وهو يرى أنه شارف على الموت أو أن الموت قريب منه لكن وقوعه لم يتحقق بعد بدليل أنه يتكلم ويوصي. ثانياً: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة) إهتمام بالمتقدم وإبعاد شبح الموت الحقيقي. الآية في الوصية والموصي يكون في وعيه ويتكلم لكن ليس أن الموت اقترب منه. ثالثاً: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ (106) المائدة) أيضاً الآية في الوصية. رابعاً: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) النساء) التوبة المرفوضة هي التي تكون حين يشرف الإنسان على الموت ويدرك أنه صار قريباً منه كأن الموت لم يقع بعد بدليل أنه استطاع أن يتكلم فهو لم يمت بعد. وعلى هذا نقول أن كلمة (حضر) عندما تأتي مع الموت فيها معنى القرب والمشاهدة وكأنه فيها نوع من التجسيد للموت كأن الموت حيٌّ يحضر مع من يحضر حوله من أهل الذي ينازع فيشهد هذا الموت. جاء: أما (جاء) ففيه معنى القرب الشديد وتحقق الوقوع. هذا الفعل استعمل في القرآن بهذه الصيغة. قال تعالى في سورة الأنعام (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61)) مجيء الموت هنا معناه وصول عمر الحيّ إلى نهايته فكأن الموت يخبر بهذه النهاية وتقدير الكلام: إذا جاء قضاء الموت على الحيّ توفت روحه الملائكة أي أخذتها وافية غير منقوصة. (جاء أحدكم الموت) أي اقترب منه ووقع حدث الموت. استوفت الملائكة روحه فيه القرب الشديد وتحقق الوقوع. وفي سورة المؤمنون (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)) قد يقول قائل هم يتكلم ما أدركه الموت، كلا. الكافر يقول رب ارجعون بعد قبض روحه، الرجوع إلى الدنيا يريد أن يرجع إلى الدنيا بعد أن يخرج من الدنيا فإذن هنا معناه (جاء أحدهم الموت) أي اقترب منه وتاله وفارقته الروح. عند ذلك لما يرى ما يرى من هول الحساب يبدأ يقول رب ارجعون. طلب الرجوع إنما يكون لمن فارق الحياة وليس لمن هو في هذه الدنيا. موضعان في القرآن ورد فيهما (جاء) فيهما معنى المفارقة، مفارقة الروح. يدرك: في سورة النساء (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ (78)) الآية كأنما تصور من ينتقل من مكان إلى آخر هرباً من الموت والموت يسعى وراءه حتى يدركه أينما كان ولو كان متحصناً في بروج مشيدة قوية الجدران محكمة الأبواب. لما يدركه يكون قريباً منه ويقبض بعد ذلك. يُفهم من الآية أنه يموت قطعاً. يدرككم أي لما يصل إليكم وسيكون نتيجته مفارقة الحياة. وفيه صورة الملاحقة والهارب الذي يلحقه شيء. حتى في المجاز تقول أدركت ما يريد فلان أي تتبعت عباراته بحيث وصلت إلى الغاية من عبارته. الآية الأخرى في سورة النساء (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100)) هو مهاجر لما هاجر هاجر فراراً بدينه وحياته وهو خارج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله كأن الموت يسعى وراءه (ثم يدركه الموت) الخارج من بيته مهاجراً إنما خرج فراراً بدينه من أن يفتنه الكفار فهو فارٌ منهم لكن الموت يتبعه ويدركه في طريق الهجرة وهذا أجره عظيم فقد وقع أجره على الله كما قال تعالى (فإنه ملاقيكم) الموت هنا لم يأت فاعلاً وإنما إسم إنّ (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ (8) الجمعة). يأتي: في سورة ابراهيم (يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)) إتيان الموت المراد به إتيان أسبابه من وسائل العذاب لأن الكلام على المعذَّب بنار جهنم العذاب في جهنم بعد قيام الساعة (لا موت). (يأتي) هنا بمعنى إتيان أسباب الموت، أسباب التعذيب تصيبه وتلاحقه في كل مكان وتأتيه اسباب الموت لكن (وما هو بميت) لأنه في النار لا يوجد موت وإنما عذاب. الموت قريب منه بمحيء أسبابه لأن الإحراق من أسباب الموت لكن الإحراق بالنار يوم القيامة هو من أسباب الموت لكن لا يفضي إلى الموت فالموت قريب منه لكنه لا يقع. وفي سورة المنافقون (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10)) هذا القول يصلح أن يكون قبيل الموت أو بعده لأن قوله (رب لولا أخرتني) (لولا) كلمة عرض كما تعرض تقول لولا زرت أخاك المريض أي أقترح عليك أن تزور أخاك المريض مع تحبيب الأمر. (رب) يتحبب إلى الله تعالى وما قال في الآية (يا الله لولا أخرتني) لأنه يرعض على الله تعالى أن يؤخره إلى أجل قريب يعطيه فرصة عندما أناه الموت. يمكن أن يقول قال هذه الكلمة التي فيها معنى الرجاء والعرض بعد وفاته أو يقولها في نفس لحظات وفاته. الإتيان فيه معنى المقاربة الشديدة وفي الموضع الثاني تحتمل الوقوع. يتوفى: ورد في موضع واحد في سورة النساء (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15)) جعل الله تعالى لهن سبيلاً بالحدّ عندما نزلت الآيات وأخبر الرسول  بحدّ مرتكبة الفاحشة. (يتوفاهن الموت) التوفي هو أخذ الشيء كاملاً غير منقوص. الموت لا يقوم بأخذ الشيء وافياً وإنما أُسند العمل إلى الموت على سبيل التوسع لعلاقة السببية لأن الموت معناه إنقضاء العمر الذي يؤدي إلى أن تؤخذ روحه وافية غير منقوصة، أنه يتوفّى. الموت ليس هو الذي يأخذ الروح لكن الموت إيذان بانتهاء العمر، ما بقي لهذا الإنسان من عمره شيء فهو ميّت. الذي يتوفى هذه الأنفس (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61) الأنعام) الملائكة التي تأخذ الروح وحتى الرسل الملائكة ليست هي التي تتوفى الأنفس لأن (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) الزمر) النسبة الحقيقية أي الفاعل الحقيقي لهذا التوفي هو الله سبحانه وتعالى، الملائكة وسيلة والموت سبب. الله سبحانه وتعالى ينسب أحياناً الفعل لغيره باعتباره الغير سبب أو مرتبط بأمره (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا (10) فاطر) حصر هنا العزة لله عز وجل وحده دون غيره وفي موضع آخر قال (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون) إرتباط الرسول  بالله، هو رسول الله فمنحه الله تعالى العزة. كذلك هاهنا لما قال تعالى (حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) يعني يستوفي أرواحهن الموت أي يتوفاهن ملائكة الموت. قالوا كان ذلك عقوبتهن أوائل الإسلام فنُسِخ بالحدّ. في قوله تعالى (حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) جاء اللفظ بالإسناد إلى الموت على سبيل التوسع لعلاقة السببية لأن الموت نهاية العمر فهو سبب الوفاة والذي يتوفى الأرواح الرسل من الملائكة بأمر من الله سبحانه وتعالى فالذي يتوفى الأرواح على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى. * سورة المنافقون (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10)) (فَأَصَّدَّقَ) منصوبة لماذا وردت (وَأَكُن) مجزومة وهي معطوفة عليها؟(د.فاضل السامرائى) الآية هي (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) (لولا) هذا طلب (تحضيض)، هنا أمران الطلب أمران إما إذا أردنا السبب نأتي بفاء السببية أولاً مثل لولا تدرسُ فتنجحَ هذا جواب الطلب، هلا تدلني على بيتك فأزورَك، (لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) هذه فاء السببية وحتى واو المعية نفس الشيء (لا تأكلْ وتشربَ) يعني في آن واحد أو لا تأكلْ وتتكلمَ، لا تأكلْ كثيراً فتمرضَ. *واو المعية تدل على أن الفعل الذي بعدها يحدث مع فسموها معيّة؟ لا تأكلْ فتمرضَ فاء سببية، لا تأكل كثيراً فتمرضَ هذه فاء السببية. (فأصدق) جاء بالفاء جواب الطلب لأنه شرط فاء السببية أو واو المعية أن يسبقها طلب محض (هذا طلب) أو نفي محض. الآن حذفنا فاء السببية يمكن أن يأتي جواب الطلب مجزوم ادرسْ تنجحْ، (قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ (31) إبراهيم) يقيموا جواب الطلب، (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ (61) البقرة) جزم، إذن إذا أراد السبب جاء بفاء السبب وإذا أراد الشرط حذفها (ادرسْ تنجحْ)، هذا من حيث التقعيد العام. هذا يسموه العطف على المعنى (لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) هذه فاء السببية (وَأَكُن) مجزوم على أنه جواب الطلب وليس على تقدير الفاء مثل هلا تدلني على بيتك أزرْك. لماذا سمي العطف على المعنى؟ وفي غير القرآن يسمى عطف على التوهم في القرآن يسموه العطف على المعنى. إذن هذا الجزم على معنى الشرط يعني لولا أخرتني إلى أجل قريب أكن من الصالحين، هذا تعبير صحيح، جواب الطلب، لولا أخرتني إلى أجل قريب أكن من الصالحين. إذن (فأصدق) سبب و(أكن) على جواب الشرط. الآن ذكر أمرين ذكر (فأصّدّق) جعله على السبب وقال (أكن) على الشرط كأنما اشترط على نفسه أن يكون من الصالحين. يعني واحدة على إرادة السبب والأخرى على إرادة معنى الشرط. لماذا لم يكونا على وتيرة واحدة؟ هو أراد أن يجمع معنيين السبب والشرط، لماذا؟ الشرط أهم لأنه اشترط على نفسه. الصلاح أهم أم الصدقة؟ الصلاح هو الأهم ولذلك في آية أخرى قال (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا (100) المؤمنون) ما ذكر الصدقة، الصلاح أهم والصدقة من الصلاح إذن هما ليسا سواء. عندنا أمر أهم من أمر، الصلاح أهم فجاء به بالشرط إشترط على نفسه (وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) لأنه أهم ليسا في منزلة واحدة ولذلك في الآية الأخرى لم يذكر الصدقة. قد تسأل لماذا قدّم الصدقة؟ ذكرنا عدة مرات التقديم والتأخير ليس على الأفضل دائماً (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ (32) فاطر) المسألة تعود على السياق، السياق في إنفاق الأموال قال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم (10) المنافقون) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) السياق في الإنفاق، المنافقون قبلها قالوا (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) المنافقون) الإنفاق والمنافقين وماذا يقولون فقدم لكن بيّن أهميته بالشرط الصلاح شرط. قد يسال سائل لماذا قال فأصّدّق ولم يقل فأتصدّق؟ فيه أمرين مقاطع أتصدق أكثر من مقاطع أصدق، إذن أصّدّق أقل، هذا أمر. أصّدّق فيها تضعيفان، أتصدّق فيها تضعيف واحد، المبالغة تدل على التكثير هو أراد أجل قريب ليبالغ في الصدقة لولا أخرتني قال (لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ)، ما قال أتصدق فيها فترة طويلة، جاء بالفعل الذي هو أقل لأن الفترة أقل ويبالغ في الصدقة يكثر منها حتى يكون من الصالحين.
  • ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿١١﴾    [التحريم   آية:١١]
  • ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴿١٢﴾    [التحريم   آية:١٢]
تفسير الاية 11 و 12 - سورة التحريم
روابط ذات صلة:
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١١٨﴾    [آل عمران   آية:١١٨]
آية (118): *ورتل القرآن ترتيلاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ (118) آل عمران) البِطانة بكسر الباء في الأصل داخل الثوب لكن البيان الإلهي يتخذها لتصوير حالة صديق الرجل وخصيصه الذي يطّلع على شؤونه فيكون كبطانة الثياب في شدة القرب من صديقه. * قال تعالى { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ }.وما دامت البغضاء قد بدت من أفواههم فكيف نتخذهم بطانة؟ إنك حين تصنع لنفسك جماعة من غير المؤمنين، فإنها تضم بعضا من المنافقين غير المنسجمين مع أنفسهم. والمنافق له لسان يظهر خلاف ما يبطن. وعندما يذهب المنافق إلى غير المؤمنين فإن لسان المنافق ينقل بالسخرية كلام المؤمن. هكذا تظهر البغضاء من أفواه المنافقين المذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إنهم لا ينتمون إلى الإيمان ولا ينتمون إلى الكفر، والذي يصل المؤمنين من بغضاء هؤلاء قليل، لأن ما تخفي صدورهم أكبر. وحين تبدوا البغضاء من أفواههم، فإما أن يقولوها أمام منافقين، وإما أن يقولها بعضهم لبعض، فيتبادلوا الاستهزاء والسخرية بالمؤمن، والله أعلم بمن قيل فيه هذا الكلام، ولذلك فعندما يتحدث الكافرون بكلام فيما بينهم فالله يكشفهم ويفضحهم لنا نحن المؤمنين. *(إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) آل عمران) قال تعالى (تعقلون) ولم يقل تعلمون أو تفقهون؟ ألا تؤدي ذات المعنى؟(ورتل القرآن ترتيلاً) إن هذه الآيات آيات فراسة وتوسّم في اختيار من يثق به الإنسان ويتخذه صديقاً لذلك عبّر عنها بالعقل لأنه أعمّ من العلم والفقه اللذين لا يكشفان حقيقة هذه الفئة.
  • ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴿١٤﴾    [الجن   آية:١٤]
  • ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴿١٥﴾    [الجن   آية:١٥]
ما دلالة اختيار القاسطون بمقابل المسلمون بدل الكافرون مثلاً؟ هذا لأكثر من سبب أولاً فيها بيان عظم جرم القاسط تحذير وتهديد للقاسط فجعلها بمقابل المسلم كأن القاسط ليس مسلماً يعني فيها تحذير كبير. إضافة إلى أنه كما ذكرنا في أكثر من مناسبة أنه في هذه السورة لا يقابل الشيء بمقابله وإنما بما يتضمنه، هنا جاء بالمقسطين بمقابل المسلمون ولم يقل الكافرون لأن الكافر يتضمن القاسط الذي هو الجائر والقاسط يتضمن الكافر لأن القاسط هو قسم كافر وقسم غير كافر فإذن القاسط هو يتضمن ما يقابل المسلم (يتضمن الكافر وزيادة) لأن هنالك قاسطين ليسوا كافرين. مثل قوله تعالى (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) الجن) الرشد ليس مقابل الضر لم يقل النفع مقابل الضر لأن الرشد أعم من النفع وذكرنا أمثلة كثيرة في السورة وهكذا في سورة الجن أنه لا يقابل الشيء بنقيضه وإنما بما يتضمنه.
  • وقفات سورة المنافقون

    وقفات السورة: ٣٦٨ وقفات اسم السورة: ١٩ وقفات الآيات: ٣٤٩
****تناسب فواتح سورة المنافقون مع خواتيمها**** عموم السورة في المنافقين عدا آيتين في الآخر، تبدأ (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)) وكلها في صفات المنافقين عدا آيتين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)) لأنه في السورة قال المنافقون (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7)) وكأن الكلام رد عليهم (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ) كأن هذه الآية رد على ما يقول المنافقون. والسورة أصلاً في المنافقين ويمكن أن نقول أن في السورة وحدة موضوع. *****تناسب خواتيم المنافقون مع فواتح التغابن***** ذكر المؤمنين والكافرين في خواتيم المنافقون (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)) إذن ذكر قسمين: المؤمنون والكافرون وفي التغابن ذكر هؤلاء الصنفين (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2)) فذكر الصنفين وقال في خاتمة المنافقون (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)) وفي التغابن قال (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2)) (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4)) ذكر صفاته تعالى في العلم والخبرة. في خواتيم سورة المنافقون قال (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)) وذكر التهديد لهم في التغابن (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5)) وكأن هذه الآية صدّقت قوله تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) كانت لهم الغلبة وفيها نوع من العبرة لمن يتعظ.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١١٨﴾    [آل عمران   آية:١١٨]
آية:١١٨ *ما دلالة اختلاف الخاتمتين (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) آل عمران) (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) الحديد) ؟ (إن كنتم تعقلون) في آية آل عمران و (لعلكم تعقلون) في آية سورة الحديد. لنفهم الآيات مثلاً أنت مدرّس دخلت على فصل أغبياء وعابثين تقول لهم سأشرح لكم الدرس إن كنتم تفهمون وكأنك تغمزهم من طرف خفي أنكم لن تفهموا بينما لو دخلت على فصل آخر أذكياء ومهذبين ومؤذبين تقول لهم سأشرح لكم الدرس لعلكم تفهمون يعني ستفهموا. هذا التجري من الله عز وجل تحقيق (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) الطلاق) أي سيحدث بعد ذلك أمراً. في آية آل عمران قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118)) كيف تستعينون بأعدائكم؟ كان قسم من المسلمين يستعينون ببعض يهود المدينة وكانوا يستشيرونهم ويتعاملون معهم وهم من المستحيل أن ينصحوهم (لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) يعني لن تعقلوا يا مسلمين وستبقون من الآن إلى أن تقوم الساعة وكثير منكم من يتعامل مع عدوه والله تعالى قال (هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ (119) آل عمران) هذا طبع المسلمين في كل مكان ليس في قلب مسلم غلٌ لأحد لا مسلم ولا غير مسلم والله ما وجد اليهود ولا النصارى ولا الصابئين ولا الوثنيين ولا أي مِلّة أخرى أمناً وأماناً واحتراماً واختلاطاً كما وجدوا في بلاد المسلمين نحن الآن في العالم الإسلامي وقد فعل بنا الغرب ما فعل ومزقونا مزقاً وليس في قلب واحد منا غلٌ على أحد والجميع يعيشون معاً وبالعكس بيننا وبين إخواننا من المسلمين مشاكل وقتل وقتول وليس بيننا وبين الآخرين شيء كما شهد الله تعالى قال صحيح أنتم طيبون أمرتكم أن تؤمنوا بكل الأنبياء وبكل الرسالات والكتب لكن هذا لا يعني أن تسلموهم أمركم وتسمعوا كلامهم في كل شيء فهم لا يحبونكم (هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ (119) آل عمران) (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ (119) آل عمران) فأنتم تعايشوا معهم ولكن لا تعطوهم أسراركم تأخذوا نصائحهم ولا توكلوا أمركم إليهم وتجعلهم يقودونكم وتفعلوا ما يأمروكم به فأنتم حينها ستضيعون لأنهم لن يخلصوا لكم فالله تعالى سبق في علمه أن المسلمين لن يطبقوا هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) آل عمران) يفرحون بمعاناتكم، لن تعقلوها وستبقون إلى يوم القيامة بهذه البساطة وبهذه النفوس الطيبة مع العدو وهو ينخر بكم نخراً يمزقكم ويذهب باقتصادكم وسلامتكم ووحدتكم كما فعلوا من قرنين أو ثلاثة بل منذ أن جاء النبي  وإلى يوم القيامة فقال (إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) فيها غمز. في الآية الثانية شيء آخر (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) الحديد) وفعلاً البشرية كلها تقريباً أن لهذا الكون رباً وهذا من آيات الكون ولا بد أن يكون لهذا الكون صانع لا يوجد من ينكر الله تعالى إلا أحمق (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا (14) النمل). يوري غاغارين لما صعد إلى القمر في زمن خروتشوف قال له أنا أعلم أنك رأيت الله ولكن إياك أن تتكلم بهذا لأنك شيوعي عليك أن تبقى شيوعياً ملحداً. ما من ملحد إلا ويعلم بينه وبين نفسه أن للكون رباً. قال هنا (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) لأن 99% من البشرية تؤمن بأن لهذا الكون خالقاً هو رب العالمين، من هو؟ نختلف لكن لا بد أن يكون لهذا الكون رباً (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفعلاً كلمة (لعلكم) بشارة من رب العالمين أن الغالبية العظمى من البشرية كلها وخاصة المسلمين بالإجماع يعلمون أن لهذا الكون رباً. (إن) تستعمل في الأشياء المستحيلة الحدوث أما (إذا) فالبعكس.
إظهار النتائج من 6091 إلى 6100 من إجمالي 12325 نتيجة.