*فى سؤال عن دلالات الحروف فى اللغة العربية: (د.فاضل السامرائى)
اللغة الانجليزية إنما هي لغة أولية يعني جهاز قديم غير متطور بالنسبة بالعربية وأي واحد منصف يعلم اللغتين يتضح له هذا الأمر
ثم نلاحظ هناك خط بياني في المعاني، محمدٌ يحضر، لمحمدٌ يحضر (آكد قليلاً)، إن محمد ليحضر (آكد أكثر لأن جئت بـ (إن) واللام، إنّ محمداً يحضر (هذه آكد لأنك جئت بإنّ المشددة)، إنّ محمداً ليحضر، إنّ محمداً ليحضرنُ (أكد الإسم والفعل بالنون الخفيفة)، إن محمداً ليحضرنّ (آكد بالنون الثقيلة)، إنه محمد ليحضرن (هذا ضمير الشأن)، هذا خط بياني في الدلالة على المعاني واللغة تعبير عن المعاني. ربنا تعالى قال (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) الحجرات) وقال (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) الحجرات) وقال (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165) الأنعام)، وقال (وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) يوسف) وقال (قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) يوسف) لأن المخاطب ليس بمنزلة واحدة، يخاطبون شخصاً متأثر أكثر من الآخر فكل واحد خاطبوه بمقدار لما كان أبوهم في حالة فقد بصره وحزن أكدوا (إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) أما يوسف فصار العزيز فقالوا له (وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ).
آية (8):
(إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8))
فكرة عامة عن الآية:
قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) الأغلال جمع غُلّ حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما بقصد التعنيف والإذلال والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره لأن الأغلال عريضة في أعناقهم إلى الأذقان وهي ضيقة،
* من الأيدي إلى الأذقان؟
ذكر الأعناق هنا فقط لم يذكر الأيدي هنا.
* سواء كان في الأيدي أو الأعناق فهو غل؟
نعم، لكن عندما قال (إلى الأذقان) يعني هي شملت كل العنق، عريضة لم تترك شيئاً إلى الذقن، وهي ضيقة عريضة فلا تدعه يتحرك لا يستطيع أن يحرك رأسه ولا أن يطأطئ عنقه ولذلك قال (فهم مقمحون).
* ما معنى الأغلال وما معنى مقمحون؟
الأغلال جمع غُل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد، قَيْد، أو تجمع بينهما (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ (29) الإسراء). المُقمَح الذي يرفع رأسه ويغضّ بصره. لأن الغلّ يمنعه لا يستطيع أن يتحرك فهو إذن في حالة رافع رأسه لكن يغض البصر لا يستطيع أن يتحرك. جعل في أعناقهم أغلال ثقال أطواق من حديد غلاظ عراض المساحة تستوفي كل العنق فيبقى هكذا لا يستطيع أن يحرك رأسه، مرفوع الرأس مغمض العينين. لا يستطيع أن يلتفت لأن الأغلال تقيّد حركته. هؤلاء إذن لا يتمكنون من الرؤية ولا البصر ولا يهتدون لأنه هذه حالهم فكيف يهتدون؟ فإذن هم بهذه الصورة العنق كله في طوق ثقيل غليظ ليس واسع المساحة إلى العنق بحيث لا يتمكن أن يلتفت ويطأطئ رأسه إذن هو رافعاً رأسه (فهم مقمحون) بيان لحالتهم أن هؤلاء لا يهتدون لأنهم لا يبصرون، لا يبصر فكيف يهتدي؟! هذه حالتهم ولا يمكن حتى أن يلتفتوا لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، يتخبط، هذه حالهم.
ذكرنا في قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فبيّنا الغُل وقلنا هو حلقة من حديد وذكرنا أنه جعل في أعناقهم أغلالاً يعني طوق من حديد، هذه الأطواق ثِقال عِراض من حيث تشمل الرقبة كلها ليست واسعة الفتحة فهم لا يستطيعون الإلتفات يميناً أو يساراً أو أن يطأطئ رأسه فيبقى رافع الرأس، المقمح هو الرافع رأسه الغاضّ بصره.
* إذا نظرنا في هذه الآية سيدي الدكتور فاضل في قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً) نعلم أن المفعول به غالباً يكون مرتبطاً بفاعله فلِمَ التقديم والتأخير بين (في أعناقهم أغلالاً)؟
التقديم والتأخير بحسب السياق والمقام الذي يرد فيه كما هو معلوم. فالكلام الآن عن الأغلال أو عن هؤلاء الناس؟ لم يذكر شيئاً من صفات الأغلال ولا شيء وإنما هو كل الكلام عنهم (في أعناقهم، فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سداً، لقد حق القول على أكثرهم،) إذن ليس الكلام عن الأغلال وإنما الكلام عليهم، هكذا هو السياق (لقد حق القول على أكثرهم، وسواء عليهم أأنذرتهم) فلما كان الكلام عليهم قدّمهم، ليس الكلام عن الأغلال ليس هناك صفة للأغلال ولا ذكر شيئاً متعلقاً بها قال فقط (أغلالاً) ولم يقل فهي إلى الأذقان وإنما قال فهم مقمحون. لما كان الكلام عليهم هم قدّم ما يتعلق بهم.
* هل هذا الأسلوب مُتّبع في اللغة الأعلى؟
هذه في اللغة العليا في البلاغة والتقديم والتأخير بحسب ما يقتضيه المقام والسياق فمرة يقدم الأفضل ومرة يقدم المفضول ومرة يقدم الأضعف ومرة يقدم الأقوى ومرة يقدم الأسبق في التربة وهكذا بحسب السياق.
* تسمح لي كإبن لك يتعلم منك، إذا قيل مثلاً إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم سنوجد المبررات لهذا أيضاً ونقول أنه اهتم بالأغلال فقدّمها؟
لكن لم يذكر شيئاً يتعلق بها،
* إذن حتى الإهتمام لا بد له من قرينة سياقية؟
(لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) كل الكلام وكل السياق يتعلق بهم وليس بالأغلال ليس إلا هذه العبارة (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) الباقي أولها وآخرها وكل السياق هو الكلام عنهم.
* إذن فهم الكلمة القرآنية يتأتى من خلال نظم الكلمات داخل الآية ليست مجرد وجهات نظر؟
أحياناً تكون مثل القانون الرياضي، أحياناً تكون الأمور ليس فيها اجتهاد - لمن يعلم- ، مثل الحكم النحوي مثلاً فاعل مرفوع، أحياناً تكون هكذا كأنه هو حُكم رياضي.
* في الآية التي تفضلت بها (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) نلاحظ سيدي أن الله سبحانه وتعالى قال (من بين أيديهم) ولم يقل وجعلنا بين أيديهم سداً فماذا أفادت (من) هنا؟
حتى قبلها قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ (8)) أكّد بـ(إنّ) وأسند الجعل إلى نفسه حتى تأتي كلها (وجعلنا) لم يقل لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً نسبه إلى نفسه دلالة على أنه لا يتمكن أحد من إزالة هذا الأمر أو من فك هذه الأغلال، إنا جعلناها هكذا مؤكدة بنسبة الجعل إليه سبحانه هو. لو قال لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً يأتي واحد ويقول نفك الأغلال هذه،
* السياق يحتمل هذا؟
لو قال هكذا، لكن عندما أسندها مؤكد إلى نفسه معناها ما قدّره الله حصل
ما الفرق بين يأت ويرتد في سورة يوسف (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)) (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96))؟(د.حسام النعيمى)
هي وردت في مكانين (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)) (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) يأتي من أتى - يأتي هي في الأصل بمعنى جاء مع فارق بين المجيء والإتيان يتناسب مع الجيم. لاحظ هذه الجيم والألف والهمزة، أتى: الهمزة والتاء والألف الذي يقابل التاء والجيم. الجيم انفجاري، مجهور، قوي. التاء انفجاري، مهموس. فالإتيان أخف من المجيء، المجيء يحتاج إلى قوة، إلى جهد (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي) والقميص قميص يوسف وليس قميصاً توارثه عن الأنبياء من قبله كما يقول بعض الناس فهو قميصه لأن عادة بعض الناس ملبسه يكون له رائحة معينة، رائحة جسمه فممكن أن تعرف من أولادك هذا القميص لفلان أو لفلان من رائحته، ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا) إذا ألقوه على وجهه سيكون بصيراً وسيأتي إلي في هيئة مبصرة سيأتي بشكل هادئ. يقوّي هذا المعنى أنه يراد به المجيء إليه بأنه يأتي وهو مبصر لأنه قال بعد ذلك (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ) فعطف عليه أتوني وعناه أنه سيأتي إلي مبصراً.
(فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ) وجاء بكلمة جاء لأنه بذل جهداً في المسير فمجيء هذا البشير كان فيه جهد حتى يأتي إلى والد يوسف مسرعاً لأنه بذل جهداً في السرعة (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ ) كأنه يدخل عليها الاستقبال فوصل وأدخلها على الماضي، (أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا) ارتد بمعنى رجع إلى حاله الأولى. ارتد هو يعقوب أي رجع مبصراً فالفاعل في الحالتين هو سيدنا يعقوب يأتي بصيرا أي يعقوب وفارتد بصيرا وليس نظره فيعقوب ارتد بصيرا أي رجع بصيرا فالردة هي العودة إلى الحال الأول ومنه المرتدون لأنهم رجعوا عن الإسلام إلى الكفر وإلى ما كانوا عليه. فارتد بصيرا أي رجع إلى ما كان عليه من الإبصار. هنا قد يقول قائل ما الداعي؟ كان من الممكن أن يدعو يوسف الله تعالى أن يعيد البصر إلى أبيه لأن القميص لا يؤدي شيئاً وليس فيه علاج لكن كأن القرآن الكريم يريد أن يعلمنا من تصرفات هؤلاء الأنبياء أن الأمور ينبغي أن تكون بأسبابها، ينبغي أن نقدم أسباباً، أن تكون هنالك مادة معينة كأنها علاج حتى لا يجلس الإنسان وهو مريض لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "تداووا فإن الله سبحانه وتعالى ما جعل داء إلا جعل له دواءً إلا الهرم" حتى لا يتكل الإنسان ويقول أن الله تعالى هو الذي يشفيني. صحيح إبراهيم عليه السلام قال (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿80﴾ الشعراء) هو يشفيني بسببٍ من الأسباب كما أنه شفى يعقوب بسبب قميص يوسف ابنه فهنالك سبب صحيح أن القميص ليس ذلك العلاج الطبي فهو قماش سقط على وجهه فما علاقته بالإبصار؟.
مداخلة من المقدم: وبخصوص هذا الموضوع هنالك بحث مؤخراً بخصوص علاج بعض أمراض العين بالعرق و الباحث الدكتور عبد الباسط من المركز القومي للبحوث قال هذا الكلام وكان مرجعه هذه الآية فأخذ العرق وحلله في مختبرات ومعامل وتوصل إلى مادة تعالج بعض أمراض العين.
تعليق الدكتور حسام: هذا كله كلام جيد نحن لا نعترض عليه لكن نقول هذا الدين يبنى على الحقائق اليقينية فهذا دين علم وليس دين تهويمات بحيث أنك إذا ذكرت أمراً تستدل به ينبغي ألا يكون هنالك مجال لنقضه لأنك تستدل بدين الله. نحن نقول هذا دين الله منهج حياة انظروا أي منهج في الدنيا يقيم حياتكم على الخير والسعادة في الدنيا والآخرة اءتونا به. إسلامنا يقيم حياتكم على الخير، ينظمها بنقاء ونظافة وسعادة في الدنيا والآخرة. وهذه أدلة لكن عندما يكون هنالك شيء فيه مجال علمي غير قابل للنقض. فهذا الكلام ممكن أي واحد وهو جالس في المقهى يقول لك يا أخي من مصر إلى سيناء هذا القميص يركض به هذا الرجل فمن أين يبقى عرق فيه؟ من أين تبقى قطرات فيه؟ ألم تجففه الشمس؟ فما دام هناك اعتراض أنا لا أحتج بهذا فديننا أسمى من هذا. في الحقيقة مع إجلالي وتقديري لكل المشتغلين بالإعجاز العلمي أنا أجلهم وأحترمهم لكن ينبغي أن نضع نصب أعيننا هذا أنه لا يكون ما نقدمه عرضة للاعتراض حتى في اللغة نحن عندما نقول هذا الحرف كذا وهذا الحرف كذا ليعترضوا علينا أنا عندما أقول هذا الصوت مجهور الدنيا كلها في كل لغات الدنيا هذا مجهور وليس مهموساً فعندما أقول مهموس يعني هذا مهموس والمجهور أميز من المهموس لأن المجهور يصحبه اهتزاز وترين. فعندما نقدم شيئاً نريد أن نقدم شيئاً لا مجال فيه للنقض وإلا نرجع إلى كونه منهج حياة هذا نظام اجتماعي ونظام أخلاقي ونظام سياسي ونظام اقتصادي ونظام ديني ونظام روحي. هذا إسلامنا هو هكذا وفيه هذه الأمور فنتجنب تجنباً كلياً حقيقة الأمور غير الحاسمة، غير القاطعة لأنه يأتي من يعترض. فهذا حقيقة أمر حاسم أنه ينبغي أن نتخذ أسباباً وإن كانت هذه الأسباب في ظاهرها يسيرة كما قلنا في مرة ماضية عندما يقول لمريم عليها السلام ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿25﴾ مريم) الرطب لا يأتي لوحده، هزي جذع النخلة وهل تستطيع أن تهز جذع نخلة هل تستطيع أن تهز غصناً وهي ولدت حديثاً؟ هي مجهدة متعبة وقد كان يأتيها رزقها وهي قوية من غير أسباب فالله سبحانه وتعالى يؤتي الرزق من غير سبب لكن الأصل الأسباب تضع يدها على النخلة، تدفع النخلة، تهتز النخلة لا بقوتها وإنما بأمر الله سبحانه وتعالى فتساقط الرطب عليها وتأكل. ويقول الله سبحانه وتعالى (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴿42﴾ ص) وهذه نحن شرحناها حتى لا يظنون أنه يجري. و(اركض) هنا بمعنى إرفس أي إرفس الأرض والتراب برجلك حتى تخرج عين الماء. ففرج الله يأتي بأقل سبب يتبعه الإنسان فلا بد من سبب ومعه الدعاء والدعاء أيضاً سبب فالإنسان يدعو ويبذل ويتحرك وقد قلنا (الطير تغدوا خماصاً وتعود بطاناً) فهي ما جلست في عشها بل تخرج وتسعى وتتخذ الأسباب.
واللافت للنظر في هذه الآية الكريمة (يَأْتِ بَصِيرًا) ( فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا) فلدينا أتى وجاء وارتد كلها ربما تدور في فلك دلالي واحد بمعنى الحضور أو الإتيان مع أن الفاعل واحد في حالتين وهو مع سيدنا يعقوب عليه السلام وجاء البشير فلماذا ثبت الفاعل وتغير الفعل؟
(يَأْتِ بَصِيرًا) لأنه فيه معنى المجيء الذي لم يشأ أن يجعل فيه قوة أو جهداً أو تعباً كأنه يريد منهم ألا يتعبوه أي يأتي بصيراً (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ) أي تأتونا بهيئة الذي لا يجهد نفسه ويتعب. لأن قلنا أتى وجاء معناهما متقارب المجيء فيه جهد كالجهد المبذول في إخراج الجيم أكثر من الجهد المبذول في إخراج التاء لأن كلاهما شديد: الجيم والتاء والجيم فيه إضافة اهتزاز الوترين الصوتيين فمن هنا جاءت كلمة أتى ويأتي وقال (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ) ما قال جيئوني بأهلكم لأنه لا يريد أن يثقل عليهم. فالمجيء فيه ثقل ولم يرتد بصيرا لأن ارتد فيه رجوع وهو يريد أن يأتي إليه. لو قال يرتد بصيراً أي في مكانه أين معنى المجيء؟ هو يريد معنى الإتيان إليه قال ألقوه على وجه أبي يأتي إلي وهو مبصر واءتوني ببقية أهلكم. هذا الإيتاء ولابد أن يقول ارتد بمعنى رجع إلى حاله الأول ولا تصلح كلمة أخرى ويقصد يعقوب وليس البصر فرجع يعقوب عليه السلام بصيراً، رجع ذا بصرٍ، كان غير ذي بصر، كان أعمى فرجع مبصراً فارتد يعقوب بصيراً ولا تستقيم غير كلمة ارتد هنا. فلو قال صار بصيراً كأنه لم يكن بصيراً من خِلقته ثم صار بصيراً. حتى كلمة أصبح تعطي نفس معنى صار فيه نوع من التحول بينما ارتد أي رجع إلى حاله..والذي يقول أن القرآن فيه تكرار وأن فيه أحرف متشابهة يصح أن يوضع بعضها مكان بعض هذا يدل على قلة معرفة بالعربية وقلة معرفة بتاريخ القرآن وتاريخ الإسلام فلو كان هذا الذي يقولونه صحيحاً كما قلت مرة لطار المشركون به وقالوا هذا الكلام ليس دقيقاً، ليس صحيحاً، هذا ممكن أن نعترض عليه لكن سكوت فصحاء العرب أمام القرآن ليس إسكاتاً من الله سبحانه وتعالى وإنما بسبب القرآن نفسه فالقرآن هو الذي ألجمهم وليس كُن فيكون لأن هذا الدين لم يتعامل معه رب العزة بكلمة كن فيكون حتى مع أشرف خلقه جعله يتحرك ويذهب ويصلي في الليل وتتفطر قدماه ويذهب على المكان الفلاني ويسقط في الحفرة في المعركة وتدخل في وجنته الشريفة الحديدة وتكسر رباعيته ولا يوجد كلمة كُن هنا. ففي هذا الدين التطبيق العملي فهذا الدين ليس دين كسالى ونائمين ينتظرون النصر من الله كأنه يشغل الله سبحانه وتعالى جندياً عنده- وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- اللهم أغرق سفنهم احرق ديارهم، يتّم أولادهم...الخ ما هذا الكلام؟ أنت ينبغي أن تجتهد وأن تبني بلادك وعند ذلك تقف في وجه أعداء الإسلام فاعمل أنت، ابني كيانك بناءً سليماً علمياً صالحاً وعند ذلك تقف في وجه كل هؤلاء الطغاة وكل هذا الطغيان القادم من وراء البحار. وهذا التأمل في كتاب الله عز ومراجعة العلماء ومراجعة المصادر الموثقة في هذا كما قلنا مراجعة أهل العلم الموثقين يؤدي بنا إلى هذا الاطمئنان والاستقرار إلى ما في كلام الله سبحانه وتعالى،وفي آيات متتالية يأتي وجاء واتوني فارتد وكلها تدور في فلك دلالي واحد ولكن كل واحدة في مكانها لا يصلح غيرها فكل كلمة عاشقة مكانها في القرآن.
إذا فهمنا السياق فكيف نفهمه في آية سورة يوسف (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ (94))؟ ما دلالة استخدام الفعل أجد مع الرائحة مع العلم أنها تُشم؟ (د.فاضل السامرائى)
هو كأنه كان الريح ضائعاً فوجده. هو فعلاً كان ضائعاً فوجده، يوسف كان ضائعاً، هذه حصلت في ضياع يوسف لا يعلم أين هو (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ (87) يوسف) إذن كان ضائعاً ورائحته ضائعة معه فوجده.
* مع أن الريح كانت في القميص وهم تُشمّ؟!
هي تُشمّ ولكن هذه إلتفاتة لطيفة للدلالة على أن الريح كانت ضائعة فوجدها. ثم وجد هي ليست للأشياء المادية فقط ، ليس بالضرورة (لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64) النساء) (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ (39) النور) (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا (44) ص) (وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (77) الإسراء) (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) الضحى) وجد عامة، وجد تأتي للأمور المادية وتأتي للأمور القلبية والأمور الأخرى. وهي من أفعال القلوب.
* ما أفعال القلوب؟
ظنّ وأخواتها، قلبية، الظن أمر قلبي والعلم أمر قلبي ليست ملموسة. بعض الأفعال قد يكون أصلها مادي. حسب وظن وزعم وخال هذه قلبية. وجد تكون للأمور المادية مثل وجدت الكتاب، هذا يأخذ مفعول به بينما إذا صار قلبياً يأخذ مفعولين.
* وجدت الكتاب هذا ليس قلبياً؟
وجدت الحق واضحاً، هذا قلبي ليس ملموساً. إذن وجد ليست بالضرورة لأشياء مادية ملموسة. فالمقام يقتضي، كان يوسف ضائع إذن رائحته ضائعة غير موجودة، لما جاء القميص ووُجِد وجدت رائحته معه دلالة على ضياع. الشمّ ليس فيه هذا الأمر، يشم عادي لكن أجد كان ضائعاً فوجده. وجدت الشيء يعني كان ضائعاً. الشم لا يؤدي هذا المعنى وليس فيه ناحية نفسية التي تدل على الضياع أنه كان مفقوداً ضائعاً فوجده.
آية (15):
*ما الفرق بين (اسجدوا) – (قعوا له ساجدين) – (خرّوا سجداً)؟
رب العالمين يقول (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا ﴿34﴾ البقرة) هذه آية وفي سورة ص لم يقل اسجدوا وإنما قال (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿72﴾ص) مداخلة وانتباهة هائلة من أم راضي في الشارقة. رب العالمين يقول (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿34﴾ البقرة) في آية ص قال (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿71﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿72﴾ ص) وآية أخرى (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩﴿58﴾ مريم) ما الفرق بين سجدوا وبين وقعوا له ساجدين وبين خروا سجداً؟ والله تقتضي التفريق. وفعلاً الفرق بين (سجدوا) هذا سجود اعتيادي أنك أنت قمت بعملية السجود التي نفعلها في الصلاة هذه سجود كلنا نفعل سجود كسجود الصلاة سجدنا. في يوم الجمعة من السنن أن نقرأ سورة السجدة ونحن واقفون الإمام نحن واقفون خلفه ويقرأ هو سورة السجدة ويأتي إلى قوله تعالى (خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴿15﴾السجدة) خروا لماذا؟ ونحن واقفين ننزل رأساً إلى تحت (خروا). والخرّ هو الهبوط مع صوت من خرير الماء وهنالك فرق بين جريان الماء بلا صوت. الخرير من شلال نازل بصوت هذا خرّ (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) إما صوت البكاء مع السجود شخص قرأ آية يسجد لكن قرأ آية مؤثرة فبدأ بالبكاء وهو يبكي نزل على الأرض هبط بقوة لكي يسجد ولكن مع صوت هذا. مرة قال (خَرُّوا سُجَّدًا) ومرة قال (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) البكاء صوت السجود قال (خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا) من التسبيح سبحان الله وبحمده. إذاً الفرق بين سجدوا وخروا سجداً هذا. الفرق بين سجدوا وخروا سجداً وفقعوا له ساجدين كنت مشغولاً. رب العالمين يحمل عرشه ثمانية الذين حول العرش يا الله لا يحصى عددهم! (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴿17﴾ الحاقة) الذين يحملون العرش ومن حوله (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿75﴾ الزمر) هذه من أعظم بشائر المسلمين (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿7﴾ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿8﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿9﴾ غافر) يعني دعاء مستجاب لأن أكرم وأعظم وأقرب الملائكة إلى الله الذين يحملون العرش ومن حوله الحافّين. الحافون كما يقول إمام الرازي وغيره ونقل هذا عن عدة مفسرين منهم الكشاف والرازي أثنى عليه قال إن لم يكن لصاحب الكشاف إلا هذه اللطيفة أنه تذكرها لكفاه. الذين يحملون العرش ومن حوله كل واحد له طريقة عبادة، ناس واقفة هكذا من الملائكة طبعاً على اليمين وعلى اليسار وناس تسبح فقط وناس راكعة فقط يقول حوالي مئات الآلاف من الخطوط حول العرش تصور لو أردنا أن نضع رجال حول دولة الإمارت جميع الحدود كم نحتاج؟ ملايين. فكيف لما مليون صف؟! هؤلاء كلهم أقرب الملائكة إلى الله (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ) (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ) رب العالمين في هذه القضايا يخاطب هؤلاء أقرب وأحب الملائكة إليه، فلما خلق آدم قال لهؤلاء أو جزء منهم (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) أنت ألست تعبدني؟ وأنت تسبح؟ اتركوا عملكم وقعوا له ساجدين. إذاً رب العالمين يخاطب هؤلاء الملائكة المشغولون فالذي يقع هو الذي كان مشغولاً بشيء ثم انتبه. يعني واحد يشتغل أو يكتب سمع ابنه وقع أو طاح رأساً ركض عليه ترك الشغل الذي بيده لأهمية الحدث الآخر. فرب العالمين قال (فَقَعُوا) بالفاء (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) من روحي، لا يستحق أن تسجدوا له لأنه طين أو أني سويته ولكن لأني نفخت فيه من روحي (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) كلٌ ترك عمله قسمٌ منهم هو ما خاطب كل الملائكة ولكن مجموعة منهم أنتم عندما أنفخ فيه روحي رأساً فقعوا اتركوا الذي في أيديكم (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) وهذا الفرق بين فقعوا له وبين اسجدوا وبين خروا.
ما اللمسة البيانية في ذكر (أن)في آية سورة القصص وما دلالتها مع أنها لم ترد في في قصة لوط آية سورة هود وكذلك في آية سورة يوسف؟(د.فاضل السامرائى)
(أن) هذه عند النُحاة زائدة إذا وقعت (أن) بعد لما فهي زائدة أي لا تؤثر على المعنى العام إذا حُذفت.
لكن الملاحظ هو قوله تعالى (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)) فصل بين الفعل وبين (لمّا) (ومعنى لمّا أي في الوقت الذي قرر فيه وقسم يرى أنها حرف وقسم يرى أنها ظرف لكن هي زمنية وتُسمى حينية أي حينما) نلاحظ أنه فصل بين بين لمّا والفعل وهذه الظاهرة موجودة في القرآن وهي في الآية في سورة القصص تدل على أن موسى لم يكن مُندفعاً للبطش فجاءت (أن) للدلالة على أنه لم يكن مندفعاً وللدلالة على الفاصل في الزمن وهي ليست كالحالة الأولى (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)) استخدم الفاء للدلالة على الترتيب والتعقيب أما في هذه الآية فدلّت على التمهل والتريث..
في قصة يوسف:
في سورة يوسف (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)) ذكر (أن) مناسب لقوله تعالى (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)) الآن يعقوب في حالة ترقّب وانتظار ففصل بينهما مناسباً لحالة الشعور بالانتظار والترقب التي كان عليها يعقوب وهذه الحالة لاحظها القدماء فقالوا أن هذا الفصل لأنه كان ينتظر ويترقب ولا شك أن الشعور بالوقت يختلف من إنسان إلى إنسان بحسب الظروف التي هو فيها ويعقوب كان يستطيل الوقت ففصل بينهما. ففصل بين لمّا والبشير إشارة إلى طول المدة.
أن للإطالة ويقولون للتوكيد لكن التوكيد له مواطن عندهم والقياس أن تُزاد (أن) بعد (لمّا) إن شئت أن تأتي بها فلا حرج ويقولون إنها زائدة والزيادة للتوكيد في الغالب مع أنها ليست بالضرورة للتوكيد فالزيادة لها أغراض فقد تكون تزينية أو زيادة لازمة أو تكون لأمور أخرى منها التنصيص على معنى معين وهي كلها أمور نحوية.
آية (20):
*ما اللمسة البيانية في استخدام (الذي) مرة ومرة (التي) مع عذاب النار؟
في سورة السجدة (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ {20}) الخطاب في السورة موجّه للفاسقين و(الذي) يشير إلى العذاب نفسه. أما في سورة سبأ (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلَا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ {42} فالخطاب في هذه السورة موجّه إلى الكافرين و(التي) مقصود بها النار نفسها. فالفاسق يمكن أن يكون مؤمناً ويمكن أن يكون كافراُ فهو لا يُكذّب بالنار إنما يُكذّب بالعذاب أما الكافرون فهم يُكذّبون بالنار أصلاً ولا ينكرون العذاب فقط وإنما يُنكرون النار أصلاً.
*(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا (100) يوسف) ما دلالة أبويه وليس والديه؟(د.فاضل السامرائى)
أولاً الأم لم تذكر في قصة يوسف أصلاً. هذا أمر وفي القرآن عادة خط لا يتخلّف إذا ذكر الوصية بهما أو البر بهما أو الدعاء لهما يقول الوالدين ولا يقول الأبوين هذا خط لم يتخلف في القرآن (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (23) الإسراء) (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (83) البقرة) (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ (28) نوح) لم يتخلف في القرآن ولا مرة واحدة. أما الأبوين فقد تأتي في الميراث (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (11) النساء). لا شك أن الأبوين هو تغليب هو الأب والأم (مثنى الأب والأم) لكن تغليب الأب والوالدين هو الوالد والوالدة وأيضاً تغليب لفظ الوالد مع أنه لم يلد والولادة للأم، الولادة للأم بالفعل وللأب للنسب. إذن لما يقول الوالدين تذكير بالولادة (يعني الأم) يعني فيها إلماح إلى إحسان الصحبة إلى الأم أكثر وهذا يتطابق مع حديث النبي لأن الولادة منها. إذن كل القرآن فيه إلماح إلى أن الأم أولى بحسن الصحبة والإحسان إليها أكثر من الأب الإهتمام بالأم أكثر. وفي هذه الآية قال (رفع أبويه) إلماح إلى الإحسان إلى الأم أكثر. نكمل الآية (وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا) المفروض أن يعظِّم الإبن أبويه لا العكس والآن الأبوين هما اللذان عظّما وخرا سجدا إذن لم يذكر الأم لأنه ليس المفروض هي أن تعظم فذكر الأبوين، فيها أيضاً إحسان إلى الأم أكثر، هذا أمر والأمر الآخر وإلماح آخر أن العرش إنما هو للرجال وليس للنساء فمن أي ناحية نأخذها تناسب.
سؤال: هل نفهم فيها أن الوالد والأب في اللغة الإثنان بمعنىً أم أن الوالد هو الذي ولد له الإبن والأب ربما يكون هو الذي رباه ولم يكن مولوداً له بالتبني أو الإنفاق عليه؟
تجوزاً. ولهذا قال (ورفع أبويه) إجلالاً لمقام الأم واحترامها ولأن العرش للرجال.
سؤال: كل هذه التعبيرات والدلالات لا يقابلها شيء في اللغة الإنجليزية؟
ممكن، هو صعب ولا يمكن وتعتبر اللغة الإنجليزية خرساء بالنسبة لهذه الدلالات مقارنة بالعربية. اللغة هي للتعبير عن المعاني فكيف نعبر عنها باللغة المبنية؟ لا نستطيع. أكرمت زيداً، زيداً أكرمت، لا يمكن أن نقدم المفعول به في اللغة الإنجليزية أو اللغة المبنية. في القرآن (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) الفاتحة) كيف نقدم هذا باللغة المبنية؟!. صبرٌ جميل وصبراً جميلاً كل واحدة لها دلالة في المعنى غير الأخرى. صبرٌ جميل هذا أمر بالصبر الثابت الدائم (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (18) يوسف) أما صبراً فهو أمر بالصبر في هذه المسألة فقط (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) المعارج). نوضح أن هذه في القرآن مستعملة (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ (4) محمد) (ضربَ) بالنصب مثل صبراً جميلاً يقول النحاة إنه منصوب لأنه هذا الضرب موقوف في هذه المعركة فقط (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وليس كالملاقات العادية في الشارع والطرقات. (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (229) البقرة ) (فإمساكٌ) مثل صبر وصبراً، هذه الحالة الثابتة على وجه الدوام فجاءت بالرفع، كيف نعبر عن هذا الفرق باللغات المبنية؟!. ويلٌ له وويلاً له كل له دلالة (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) يس) بالنصب (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) القمر) لم يقل وكلَ شيء فعلوه، لا يمكن أن تقول وكلَّ شيء فعلوه في الزبر المعنى خطأ لأنها تعني أنهم فعلوا كل شيء في الزبر وهم لم يفعلوا شيئاً في الزبر، أصلاً لا يصح. (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) القمر) لا يمكن أن تقول كلُّ شيء تصير غير معنى وتعني المخلوقات على قسمين قسم خلقه ربنا وقسم خلقه واحد آخر. (مررت بالرجل الكريمِ، مررت بالرجل الكريمُ، مررت بالرجل الكريمَ) الكريمِ صفة، الكريمَ نصب مفعول به أعني الكريمَ أو أمدح الكريم والكريم خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو يعني مررت بالرجل هو الكريم، هذا الإعراب ونحن يعنيننا المعنى كيف نعبر عنه باللغات المبنية؟!. مررت بالرجل الكريمِ عندما نقولها بالإتباع (الكريمِ) معناه أن المخاطَب قد يعلم أنه كريم أو لا يعلم يمكن تكون معلومة جديدة، هو لا يعلم، أنت لا تقطع إلا إذا كان المخاطَب يعلم اتّصافه بالصفة، لا يصح أن تقطع لا يجوز أن تقول بالرجل الكريمَ والمخاطَب لا يعلم أنه كريم أو تقول الكريمُ وهو لا يعلم أنه كريم حقيقة أو ادّعاءً لا بد أنه يعلم في الحقيقة أو تدّعي أنه يعلم فإذا قطعت بالمدح فالقطع أمدح وإذا قطعته بالذمّ فالذم أوجب، لأنه مشهور لما تقول الكريمَ يعني المعروف بالكرم. لما تقول مررت بالرجل اللئيمِ أحدهم بقول لا هذا الرجل طيب جيد ولو قلت مررت بالرجل اللئيمَ يعني كلكم تعرفون أنه لئيم ولو قلتها بالرفع مررت بالرجل اللئيمُ أقوى فإذا كان كريم فكرمه أشيع وإذا كان لئيماً فلؤمه أكثر ليس هنالك أحد إلا ويعلم لؤمه، اللئيمَ أقل، كيف تعبر عنها باللغات المبنية؟ لا يمكن، كل هذا ثراء في الدلالة. (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء (177) البقرة) الصابرين لم يقل الصابرون هذا تعظيم ومدح. (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ (25) الذاريات) حيّاهم بأحسن من تحيتهم، هم قالوا سلاماً وهو قال (سلامٌ) (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (86) النساء) سلامٌ جملة إسمية وسلاماً جملة فعلية والإسم أقوى وأثبت وأدوم من الفعل، هذه قاعدة. يتعلّم أقوى أو متعلم؟ سلاماً فعلية وسلامٌ إسمية والإسم أثبت وأقوى وأدوم. (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) حياهم بأحسن منها رد التحية بأحسن منها، هذه كيف تعبر عنها باللغات المبنية كالإنجليزية وغيرها؟! وضع المفردات سهل لكن هذا تغيير قواعد، لا يمكن. تقول محمد مشياً ومحمد مشواً، محمد سيراً ومحمد سيرٌ، كيف نعبر عنها وكل واحدة لها دلالة مع أن الدلالة العامة أنه مشى لكن كل واحدة لها دلالة، هذه مساحة تعبير.
فى إجابة أخرى للدكتور فاضل :
ليس فيها مقام ذكر البر لذا قال (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) فى سورة يوسف لسببين أولاً إكراماً للأم ما قال والديه إكراماً للأم يجعلها تابعة لأن الوالدين يصير الوالدة هي التي تسجد بينما هي أكرم من الأب والأمر الآخر أن الأب أحق بالعرش فقُدِّم.
ما الفرق بين الوالد والأب؟ التي تلد هي الأم والوالد من الولادة والولادة تقوم بها الأم وهذه إشارة أن الأم أولى بالصحبة وأولى بالبر قبل الوالد. في الأموال يستعمل الأبوين وفي الدعاء الوالدين.
ما السر الذي نتدبره في الآية (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) يوسف) ذكر يوسف في الآية خروجه من السجن ولم يذكر خروجه من غيابت الجب فما اللمسة البيانية في ذلك؟ (د.فاضل السامرائى)
هو عندما أُخرج من البئر أُخرج إلى الرق والعبودية، إذن هو أخرج من الحرية إلى الرق والعبودية. ثم من هذا البيت إلى سجن بتُهَمة مُخِلّة بالشرف، من البئر إلى الرق والعبودية ثم إلى السجن بتُهَمة مخلة بالشرف، لو من السجن إلى أن يكون عزيز مصر أيهما أولى؟
قال (إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) هذه ليست مثل هذه. أنه يُخرج من البئر فيباع فيصبح رقيقاً ثم بهذه التُهَمة يدخل السجن بضع سنين هل هذا هو الإحسان؟ أو الإحسان أن يخرج من السجن ليكون عزيز مصر؟
* يُخرج من السجن ليكون عزيز مصر. هل هي تُهْمة أو تُهَمة؟
تُهَمة، إبدال الواو التاء أصلها توهم وُهَمة .
* تُهَمة نقول ما قولك في التُهَمة الموجهة إليك، نحن هتكنا عرض اللغة!
ما الفرق بين النزغ والوسوسة في الآيات (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (100) يوسف) و (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا (20) الأعراف)؟(د.فاضل السامرائى)
من حيث اللغة النزغ هو الإفساد بين الأصدقاء تحديداً، بين الإخوان، بين الناس (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ (36) فصلت) النزغ هو أن يحمل بعضهم على بعض بإفساد بينهم، هذا هو النزغ في اللغة، أن يغري بعضهم ببعض ويفسد بينهم. الوسوسة شيء آخر وهي عامة، يزين له أمر، يفعل معصية، يزين له معصية، الوسوسة عامة والنزغ خاص بأن يحمل بعضهم على بعض وأن يفسد بينهما. قال تعالى (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (100) يوسف)، لم يقل وسوس. مع آدم وحواء لم يكن هناك خصومة بينهما لكن مع إخوة يوسف كان هناك خصومة فقد حاولوا أن يقتلوا يوسف، أفسد بينهم، أغروا به حتى أفسدوا. الوسوسة عامة لأنه يدخل فيها النزغ. هنا (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (100) يوسف) (نزغ الشيطان) الحالة الخاصة للحالة الخاصة وهذه الحالة هي هكذا بين يوسف وإخوته، هذا هو المعنى اللغوي. يقولون أصل الوسوسة الصوت الخفي ويكون مسموعاً أحياناً وأحياناً يكون غير مسموع (الذي يوسوس في صدور الناس) أحياناً لا يُسمع وإنما يبقيه الشيطان في نفس الإنسان (من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس) والصدر هو الممر إلى القلب فإذا وسوس في الصدر الشيطان يريد أن يملأ الساحة بالألغام كما يفعل الأعداء في الحرب. وقد تكون الوسوسة بالكلام المسموع، همس أو كلام خفي بينك وبين أحد بدليل أنه لما وسوس إبليس لآدم كان كلاماً باللسان (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) طه) سماها القرآن وسوسة ثم قال (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) الأعراف) قاسمهما أي حلف لهما بالله ولذلك لما رب العالمين عاتب آدم قال آدم: يا رب ما كنت أظن أحداً يحلف بك كاذباً. الوسوسة إذن تكون في الصوت المسموع أحياناً وبالصوت غير المسموع أحياناً.
سؤال: كلمة وسوس فيها هدوء وخفية وفيها تكرار مقطع (وس/وس) فهل هي مرتبطة بكلام سيئ أو خبيث؟ هكذا يبدو من استعمالها لماذا لا يظهر هذا الكلام إلا إذا كان هناك ما يريد أن يخفيه عن الآخرين؟.