عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ﴿٢٦﴾    [السجدة   آية:٢٦]
  • ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴿٢٧﴾    [السجدة   آية:٢٧]
*ما دلالة الإختلاف بين الآيات (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) السجدة) (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) يس) (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى (128) طه) ؟ عبارة (أولم يهد) تكررت في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع: في موضعين (أولم يهد) وفي موضع (أفلم يهد). وكلمة (ألم يروا) تكررت كثيراً سأشير إلى أعدادها بشكل سريع. لكن الملاحظ بصورة عامة أن عبارة (ألم يهد لهم) أو ألم يهد له أو لك في غير القرآن العرب تستعملها بمعنى ألم يتبين لك؟، ألم يظهر لك؟ وألم تر، ألم يروا أيضاً بمعنى ألم يتبين لك؟ لكن هناك فارق جزئي بسبب إشتقاق اللفظ: ألم يهد: من الهداية، وألم يروا: من الرؤية، الهداية قطعاً متعلقة بشيء في القلب والرؤية متعلقة بشيء ظاهر مادي. هذا هو الأمر الذي يهيمن على الآيات في جميع المواطن التي وردت. عندما يريد القرآن أن يوجه العناية إلى التدبر والتفكر الزائد بحيث يشتغل القلب بهذا ولا يكون مجرد النظر وتفكير يسير إستعمل (أولم يهد) من الهداية (أولم يهد لهم) لأن هذا الفعل فيه هذا المعنى، وغالباً يكون الكلام في الآيات إما على الألباب، القلوب، الآخرة التي تحتاج إلى تأمل وإلى تفكّر أن يتفكر في الآخرة، و (ألم يروا) تشمل هذا وهذا لكن إذا تحدثت عن أمور في الآخرة يراد منها النظر السريع والإستدلال السريع. هذه القاعدة العامة بالنسبة لـ (يهدي) و(يرى). الآيات الواردة في هذا، السؤال عندنا (أولم يهد) فيها واو، (ألم يروا) ليس فيها هذه الواو. هذه الواو هي واو العطف وواو العطف لا تتقدم على الهمزة لأن الهمزة لها الصدارة كأنما في غير القرآن قال: كذا وكذا وألم يروا؟، لكن (وألم يروا) (وألم يهد لهم) لا تكون في اللغة لأن الهمزة تتقدم فيقول: أولم يروا، تدخل الواو بين الهمزة وبين الكلمة التي تليها. والواو لا تتقدم على الهمزة لأن علماؤنا من خلال إستعراضهم لكلام العرب - والقرآن الكريم على لغة العرب – فالهمزة تتقدم فيقول (أولم يروا)، أولم أقل لك هذا؟ يعني قلت لك كذا وكذا، أولم تستمع لقولي؟ في حقيقتها هي: وألم تستمع، لكن لأن الهمزة لها صدر الكلام تتقدم على حرف العطف الواو. إذن لما نجد أولم معناه هناك سياق عطف، تعطف جملة على جملة، جملة على ما قبلها، العاطف هو الواو والهمزة لا تحيل العطف أي لا تحول بين المعطوف والمعطوف عليه. الهمزة إستفهام إنكاري فيه معنى التوبيخ يُنكر عليهم عدم رؤيتهم وينكر عليهم عدم إهتدائهم، فيه إنكار. فالهمزة لا تحول دون هذا العطف لأنه أصله للعطف. فلما نجد الواو أو نجد الفاء نحس أن هناك ربط هذه الجملة بالجملة التي قبلها هناك إرتباط عن طريق هذا العطف أو جاءت في سياق عطف. لما ننظر في آيات السجدة نجد قوله عز وجل (أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) ثم يقول (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)) كله عطف لكن لأنه جاءت الهمزة وفيها معنى هذا الإنكار عليهم إنهم لم يستعملوا عقولهم، لم يهتدوا، لم ينظروا فيم أهدي إليهم من معانٍ فجاء العطف. بينما في سورة يس هناك قطع يعني استئناف. يبدأ من قوله تعالى (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28)) هذه ربطت بما قبلها، الآية التي تليها بدأت إبتداء (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)) ما قال وإن كانت إلا صيحة واحدة، ليس فيها عطف هنا فصل، والغرض من الفصل توجيه العناية والاهتمام كأنه جملة جديدة. (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) لم يقل ويا حسرة على العباد، ثم جاء قوله (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)) لا يوجد عطف، إستأنف لغرض التأكيد (ألم يروا) جعلها مستأنفة ولم يجعلها مرتبطة بما قبلها بحرف عطف. هذا في معاني الوصل والفصل في القرآن الكريم وهذا موطن فصل لغرض التأكيد، لغرض لفت العناية ولغرض الاهتمام (ألم يروا) كأنه بدأ كلاماً جديداً مع أنه مرتبط وآيات القرآن يرتبط بعضها ببعض لكن لما يريد لفت الإنتباه والتركيز على معنى معين كأنه يستأنف لغرض التأكيد فهنا (ألم يروا) هذا من حيث وجود الواو وعدم وجود الواو. في سورة طه (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى (128) طه) قصة عن الآخرة نقلها القرآن إلى الواقع الحالي كأنها وقعت لأن المستقبل في عين الله سبحانه وتعالى ماضي. نجد (وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)) يعني بناء على كل هذا لأن الفاء للترتيب ترتب شيئاً على شيء، هي للعطف أيضاً لكنها تفيد الترتيب والمباشرة لما تقول: جاء زيد فخالد أي جاء مباشرة بعده وترتب مجيء هذا على مجيء هذا. فيها معنى الترتيب أي بعد كل هذا الكلام (أفلم يهد لهم) الفاء مرتِّبة وفيها شيء من التعليل أيضاً كأنها تبيّن عِلّة ما بعدها أنه هذا الذي ذكرناه ألا يكون مُذكِّراً لكم؟ ينبني على هذا الذي قلناه ما نقوله الآن. أفلم فيها معنى العطف لكن الدلالة فيها إضافة، الفاء فيها معنى العطف وإضافة الترتيب أما الواو فلا تقتضي ترتيباً وإنما مجرد عطف. تقول مثلاً: جاء زيد وخالد ممكن أن يكونا جاءا سوية معاً أو يكون خالد جاء قبل زيد المهم جاء فلان وفلان، تقول سأل عنك فلان وفلان قد يكونا سألا سوية أو كل واحد لوحده تحتمل الإثنين. أما الفاء فهي للترتيب تقول: سأل عنك زيد فخالد، أي سأل زيد وبعد ذلك بقليل سأل خالد. كذلك الفرق بين الفاء و(ثم)، يقولون (ثم) للتراخي والترتيب. أما الفاء فترتيب مباشر والواو ليس فيها ترتيب. الترتيب في سورة طه مقصود لذاته: الفاء في سورة طه لأنه ينبني على ذلك، يترتب على هذا الكلام، تقول فلان قال كذا وقال فلان كذا فيكون كذا وكذا يعني ينبني على هذه الأقوال هذا الشيء أنت تبني شيئاً على ما قبله، الآن نقول يترتب على هذا إجراء هذا الأمر كذا وكذا أي ينبني عليه. فالفاء هنا ترتيب على هذا المثال الذي ذكرناه،هذا لا يحرك مشاعركم بحيث تهتدون وبحيث تنظرون نظراً في القلب؟. أما (ألم يروا) جاءت في خمسة مواضع في المصحف كله من غير عطف (ونحن نعتمد في هذه الإحصائيات على ما جمعه محمد فؤاد عبد الباقي رحمة الله عليه في المعجم المفهرس)، بالعطف (أولم يروا) وردت في 11 موضعاً لن أقرأها حتى لا نطيل لكن المشاهد الكريم لو رجع إلى الآيات سيجد أنه لما تأتي (ألم يروا) من غير الواو يعني ليس هناك سياق عطف. وفي 11 موضعاً التي فيها الواو هي في سياق عطف جميعاً. معناه هناك نظام واحد في العبارة القرآنية لا يختلّّ. ولا تأتي (أولم) وهو ليس هناك عطف أو تأتي (ألم) والسياق سياق عطف، لا يكون هذا. (من قبلهم) و (قبلهم): (من) لابتداء الغاية، تقول جاء فلان من كذا ووصل إلى المكان أي بدأ مجيئه من المكان الفلاني. فلما يقول (كم أهلكنا من قبلهم) يعني القبلية مباشرة من وجودهم هم، يعني يُذكّرهم بمن هلك قبلهم قريباً. تبدأ غاية الهلاك من وجودهم هم يعني كأن يكون من آبائهم، أصدقائهم، أصحابهم، هذا التذكير أوقع في النفس لما يراد التخويف والإنذار لأن هذه الآيات الأولى التي فيها ذكر الآخرة وفيها هزٌّ لضمائرهم أن يهتدوا كأنما أُهدي لهم هذا المعنى فينبغي أن يشغّلوا قلوبهم في هذا الأمر إستعمل عند ذلك (من قبلهم) أدعى للتخويف أن فلاناً كان معك وهلك. (قبلهم) عامّة ليس فيها هذه اللمسة التي تذكرهم بالبداية والقبلية تشمل الجميع لكن لما يريد أن يلمس هذا الشيء قبلك مباشرة يستعمل (من). تقول: ألم تتنبه إلى ما حدث لأخيك من قبل ساعة أو من قليل أو من قبل أن أكلمك؟ (هذا مباشر)، ألم تر ما حدث لأخيك قبل أن أكلمك؟ (هذا كلام عام) من كلامي معك وقبل ذلك، أما من قبل أن أكلمك، يعني الآن من لحظات مرتبط بكلامي معك. لم يعترض أحد على هذا الكلام لأن هذا في الذروة من كلام العربية لذلك سلّوا سيوفهم وما أخرجوا أقلامهم ليكتبوا بها وكان أيسر أن يكتبوا سطرين حملوا سيوفهم وقتل الإبن أباه والأب حارب ولده وهم قوم عنصريون لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا يقاتل آل فلان ولا يكتب سطراً لأنه يستحي أن يكتب شيئاً يضحك منه الناس ويقولون له أين هذا من هذا؟ لماذا هذه الهجمة الشرسة على القرآن هذه الآيام؟ الهجمة الشرسة على القرآن ليست في هذه الأيام وإنما تزيد وتنقص وهي منذ بداية نبوة محمد  وهي ماضية إلى يوم القيامة ولا نتوقع أن يأتي زمان لا يكون هناك من لا يحارب الدين. لكن أن يكون هناك إستغلال لغفلة المسلمين ولإنشغال المسلمين بأمور فتبدأ الحرب على الإسلام بأشكال مختلفة. بعض إخواننا يتحدث عن بعض الناس الذين أتخذوا لأنفسهم منهجاً خاصاً في الفقه هؤلاء لم ينشروا الإسلام في أي بلد كافر من وجودهم في التاريخ ولكن دائماً شغلهم في تحويل المسلمين من عقيدة أهل السنة والجماعة إلى فقههم، هذا شغلهم وعلى قول أحدهم يصيدون السمك من المقلاة! ولا يذهب لصيد السمك، الهند مفتوحة إذهب وادعُ الناس فيها للإسلام! لا نتوقع أن تتوقف الهجمة في أي وقت لكن على الناس أن ينتبهوا إلى ذلك وهو ليس فقط مسألة أسلوب القرآن الكريم وإنما الذي لا يعرف أسلوب القرآن الكريم ولا يعرف أساليب العربية يعرف على الأقل أحكام الشرع ويوازن بين أحكام الشرع والقوانين الوضعية، بين الأحكام الشرعية التي تضمن الخلق النظيف والمجتمع النظيف المتآخي المتواصل وهذه النظم التي تخاف من القانون فإذا غفل عنها القانون فعلت ما لا يفعله الشيطان. المجتمع المسلم مجتمع طاهر نقي نظيف من خلال تعاليم هذا الدين. العرب الآن الذين هم من أعراق عربية لم يعد لديهم ذلك الذوق العربي صرنا نتعلم العربية بحيث إذا سمعت إثنان عراقيان يتحدثان لا يفهمها الجزائري وإذا سمعت إثنان من المغرب يتحدثان أنت لا تفهمهما، فنحن إبتعدنا لذا نقول هذا الكلام هي لمسات للتذكير بهذه المعاني البيانية في كتاب الله عز وجل أما الإيمان والثبات فعلى شرع الله سبحانه وتعالى ومعرفة ما شرّعه الله سبحانه وتعالى.
  • ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴿١١٠﴾    [يوسف   آية:١١٠]
ما دلالة كلمة (استيئس) في سورة يوسف(110)؟(د.فاضل السامرائى) أحياناً الفعل استفعل يأتي بمعنى الثلاثي لكن يُراد فيه المبالغة مثل استيأس بمعنى يأس لكن فيه الشدة والمبالغة في الفعل كما في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) أي بلغوا درجة أكثر من اليأس. استفعل لها عدة معاني من الطلب وأمور كثيرة ومنها أن يكون بمعنى الثلاثي لكن يُراد به المبالغة والشدة والكثرة. *ما الفرق بين استعمال جاء وأتى في القرآن الكريم؟(د.فاضل السامرائى) قال تعالى (فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ {61 الحجر}) وقال تعالى (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً {43}مريم) وقال تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً {1} الإنسان). إذا نظرنا في اقلقرآن كله نجد أنه لم تستعمل صيغة المضارع للفعل جاء مطلقاً في القرآن كله ولا صيغة فعل أمر ولا إسم فاعل ولا إسم مفعول وإنما استعمل دائماً بصيغة الماضي. أما فعل أتى فقد استخدم بصيغة المضارع. من الناحية اللغوية: جاء تستعمل لما فيه مشقة أما أتى فتستعمل للمجيء بسهولة ويسر ومنه الالمتياء وهي الطريق المسلوكة. قال تعالى في سورة النحل (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {1}) وقال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)) هنا أشقّ لأن فيه قضاء وخسران وعقاب. وكذلك في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110))يوسف وقوله (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)) تكذيب الرسل شيء معهود لكن الإستيئاس هذا شيء عظيم أن يصل الرسول إلى هذه الدرحة فهذا أمر شاق لذا وردت كلمة جاءهم في الآية الأولى أما في الثانية فالتكذيب هو أمر طبيعي أن يُكذّب الرسل لذا وردت أتاهم وليس جاءهم.
  • ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ﴿٢٦﴾    [السجدة   آية:٢٦]
  • ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴿٢٧﴾    [السجدة   آية:٢٧]
*ما دلالة اختلاف الفاصلة القرآنية بين قوله تعالى (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) السجدة) وبعدها مباشرة (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) السجدة)؟ آيتان متتاليتان في سورة السجدة. قال في الأولى (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) هذا يأتي عن طريق السماع قرون ماضية يسمعون الأخبار فقال (أَفَلَا يَسْمَعُونَ)، في الثانية (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ) هذا يُنقل مشاهدة وليس سماعاً فقال (أَفَلَا يُبْصِرُونَ)، لما كان الأمر يأتي عن طريق السماع قال (أَفَلَا يَسْمَعُونَ) ولما كان الأمر مشاهداً يأتي عن طريق المشاهدة قال أفلا يبصرون.
  • وقفات سورة يوسف

    وقفات السورة: ٥٥٢٦ وقفات اسم السورة: ٨٢ وقفات الآيات: ٥٤٤٤
**تناسب فواتح سورة يوسف مع خواتيمها**** قال تعالى في أولها (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)) وقال في الخاتمة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)) إذن هذا أحسن القصص (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) هذا مرتبط. إذن هذا الترابط كانت الآية حينما تنزل يقول جبريل  ضعها بين هذه الآية وتلك وهذا الترتيب توقيفي. الآية قد تنزل لسبب معين (أسباب النزول) وقد تنزل من ربنا سبحانه وتعالى المشرّع سواء سأل عنها السائل (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ (222) البقرة) أو لم يسأل أو حادث معين (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) المجادلة) قد تنزل لسبب أو قد تنزل لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى لكن وضعها يكون في مكان مناسب لما قبلها وما بعدها ولذلك نلاحظ جبريل  كان يعارض الرسول  في رمضان يعرض عليه ما نزل من القرآن وفي السنة الأخيرة عرضه عليه مرتين معناه كل آية وضعت في مكانها توقيفاً. *****تناسب خواتيم يوسف مع فواتح الرعد***** في خاتمة سورة يوسف قال تعالى:(مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)) ما هو هذا؟ هذا القرآن، بداية الرعد (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (1)) قال في يوسف (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وفي الرعد (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ)، عموم وخصوص، المؤمنون قلة مع أنه تفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، إذن الكلام متصل. في خواتيم سورة يوسف قال (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)) وذكر من هذه الآيات في بداية الرعد (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)) وكأيّن من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون، فصّل بعد إجمال. (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ) وفي الرعد فصل الآيات رفع السموات ومد الأرض وجعل الرواسي وهذه كلها آيات لكنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون.
  • وقفات سورة السجدة

    وقفات السورة: ٨٢٦ وقفات اسم السورة: ٢٨ وقفات الآيات: ٧٩٨
****تناسب فواتح السجدة مع خواتيمها**** (الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)) في الخواتيم قال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23)) المرية يعني الشك أي لا تكن في شك وهذا متعلق بقولهم أنه مفترى فلا تشكّ. قال في أوائل السورة (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10)) وفي آخرها يقول (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28)) كأن هذه الآية تالية للآية الأولى. *****تناسب خواتيم السجدة مع فواتح الأحزاب ***** قال تعالى في خاتمة السجدة (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)) وقال في الأحزاب (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1)) لا تطع الكافرين فأعرض عنهم. في أواخر السجدة (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)) (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) الأحزاب) حتى لا تكون في دائرة الذي ذُكِّروا فأعرضوا، لا تنسى ولا تُعرِض بل إتّبع.
  • ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿١٣﴾    [يس   آية:١٣]
آية (13): (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13)) (واضرب لهم مثلاً): يحتمل هذا التعبير معنيين: المعنى الأول أن المقصود اضرب لأجلهم مثلاً أي بيّنه لهم واذكره لهم وقصّ عليهم قصة أصحاب القرية ليتعظوا وليعلموا أنك لست بدعاً من الرسل وإنما أرسل قبلك رسل وأنذروا قومهم وأن موقفهم من رسلهم كان التكذيب وإنكار الرسالات وأنهم آذوا رسلهم وعذبوهم فأهلكهم الله لعل قومك يتعظون. والمعنى الآخر أن المقصود مثِّل لنفسك حال قومك بأصحاب القرية واجعلهم مثلاً لهم أي شبِّه حالهم بحال أصحاب القرية فإن حال قومك شبيه بحال أصحاب القرية وأن مَثَلهم كمثلهم كما تقول مخاطباً شخصاً: أنا أشبّه حالك بفلان إذ فعل كذا وكذا. وتقول لشخص: أنا أضرب لزيد مثلاً خالداً فإن كليهما قد خسر في تجارته أي اجعله شبيهاً به. وعلى كلا هذين المعنيين يرتبط المثل بما قبله أحسن ارتباط. فإنه على المعنى الأول أي أن تضرب لهم المثل وتبيّنه لهم فإنه يقول له: بيّن لهم شأن أصحاب القرية وموقفهم من رسلهم فإنهم مثلهم في الاعتقاد والتكذيب وستكون عاقبتهم مثلهم إن أصروا على كفرهم وعنادهم لعلهم يتعظون ويرعوون. وعلى المعنى الثاني يكون المقصود أن قومك ليسوا بدعاً من الأقوام فهناك أقوام مثلهم في التعنت والكفر وأنه سواء عليهم الإنذار وعدمه وأنه حق القول على أكثرهم فهو لا يؤمنون وأنت لست وحدك تلاقي من العنت والإيذاء والتكذيب ما تلاقي فهؤلاء أصحاب القرية مثل قومك في موقفهم وعنادهم وإيذائهم رسلهم فقد أرسل إليهم ثلاثة رسل فكذبوهم وآذوهم فتصبّر وتأسّ بهم. وفي ذلك تصبير له وتأسية فيكون ضرب المثل له صلى الله عليه وسلم. والمعنيان مرادان مرتبطان بما قبلهما أجل ارتباط وأحسنه. جاء في التفسير الكبير في قوله (واضرب لهم مثلاً) "وفيه وجهان والترتيب ظاهر على الوجهين: الوجه الأول هو أن يكون المعنى واضرب لأجلهم مثلاً والثاني أن يكون المعنى واضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلاً أي مثّلهم عند نفسك بأصحاب القرية. وعلى الأول نقول لما قال الله (إنك لمن المرسلين) وقال (لتنذر) قال: قل لهم (ما كنت بدعاً من الرسل) بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسولن وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني نقول: لما قال الله تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضلّه الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه الصلاة السلام فلا تأس واضرب لنفسك وقومك مثلاً أي مثّل لهم عند نفسك مثلاً حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على القتل والإيذاء وأنت جئتهم واحداً وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاؤوا قرية وأنت بُعثت إلى العالم". جاء في روح المعاني: "فالمعنى على الأول: اجعل أصحاب القرية مثلاً لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب أي طبق حالهم بحالهم على أن (مثلا) مفعول ثان لا ضرب و (أصحاب القرية) مفعوله الأول أُخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه. وعلى الثاني اذكر وبيّن لهم قصة هي في الغرابة كالمثل وقوله سبحانه وتعالى (أصحاب القرية) بتقدير مضاف أي مثل أصحاب القرية". * في قوله تعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) يس) لم يقل جاءهم مع أن الكلام عن أصحاب القرية؟ قال (إذ جاءها المرسلون) ولم يقل إذ جاءهم لأنه أراد أنهم أتوهم في مكانهم اينذروهم ولو قال (إذ جاءهم) لم يفد أنهم أتوهم إلى مكانهم بل يحتمل أنهم كانوا في مكان فأتاهم الرسل إليه. فقد يجتمع أهل قرية في مدينة ما ويأتيهم شخص إلى مكان اجتماعهم فيقال جاء أهل القرية فلان وكلّمهم ولم يفد ذلك أنه ذهب إلى قريتهم بخلاف قوله (جاءها) فإنه يفيد أنهم ذهبوا إليهم في دارهم ليبلغوهم دعوة ربهم وينذرونهم وفي هذا من الاهتمام بأمر التبليغ ما فيه. جاء في روح المعاني "وقيل (إذ جاءها) دون (إذ جاءهم) إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم". * قد يقول قائل ما الحكمة التقوا، تقابلوا، خرجوا هنا أو هناك المهم أن الرسل ذهبت إليهم؟ هذه فيها اهتمام أن يذهبوا إليهم يعني متفرغون للسماع والتبليغ، التبيلغ تقتضي البقاء عندهم حتى يبلغوهم أما أن يأتوا إلى مكان لحاجة عارضة، هناك فرق في الاهتمام. * هل هذا من قبيل المجاز؟ قال أصحاب القرية والقرية لا يجاء إليها؟ مثل (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا (82) يوسف) كيف يسأل القرية أو كيف يأتون للقرية؟ لماذا؟ القرية تقال للقوم (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ (40) الفرقان) القرية تستعمل للساكن وغير الساكن فيها (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ (40) الفرقان) يعني على الأبنية التي فيها. القرية تستعمل لهذا ولهذا. * ربما يطلق القرية ويقصد أصحاب القرية الناس الذين يسكنون فيها؟ يمكن أن تمر عليها وهي خاوية على عروشها (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (259) البقرة). * لماذا قال (جاءها) ولم يقل أتاها مع أن القرآن يستخدم أتاها ايضاً؟ قال (جاءها) دون (أتاها) ذلك أن المجيء يكون لما فيه مشقة ولما هو أصعب من الإتيان ويبدو أنه كان في المجيء إلى أهل القرية وتبليغهم مشقى وإيذاء وتهديد فاختار المجيء على الإتيان ولذا قال تعالى (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء (40) الفرقان) لأنه كان إتياناً سهلاً وذلك أنهم مروا بها وهم في طريقهم. وقال (حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها (77) الكهف) لأن إتيانها ودخولها كان ميسراً ولم يجدوا من أهلها مساءة أو مشقة فاستعمل (أتيا) دون (جاءا). * لغة هل هناك فرق بينهما؟ نعم في اللغة كأنهم قالوا أن الميتاء هي السهلة والأتيّ السيل المار كأنما يشعرون أن فيها سهولة. * في فرعون قال (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ (47) طه) مع أن فرعون كان باطشاً وجباراً ومتكبراً؟ لكن الذهاب إليه سهل في الطريق. هما في الطريق ذاهبين إليه. وهناك أمر أضيفه (فَأْتِيَاهُ) في القرآن الكريم لم يأت فعل مضارع لفعل جاء ولا فعل أمر ولا إسم فاعل ولا إسم فاعل وإنما كله ماضي (فَأْتِيَاهُ) هذا ماضي. بينما من أتى يأتي الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل والمصدر. ليس في القرآن مجيء ولا يجيء ولا غيرها بينما من أتى يأتي الأمر والمضارع وإسم الفاعل والمصدر، هذه تعود أيضاً للصعوبة واليسر. * إذن القرآن الكريم يكسو بعض الكلمات بعض الدلالات الخاصة به وهناك خصوصية الاستعمال داخل القرآن؟ نعم.
  • ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿١٦﴾    [يس   آية:١٦]
*مفعول الفعل علِم مفتوح الهمزة (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ (20) المزمل) (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) الحاقة) لكن ورد في بعض المواضع مكسور الهمزة (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) التوبة) (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) يس) (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) المنافقون) لماذا وردت عكس القاعدة؟(د.حسام النعيمى) فعل علِم ينبغي أن يأتي بعدها (أن) مفتوحة الهمزة لكن إذا جاءت اللام التي سميناها اللام المزحلقة أي لام الإبتداء كما في قولنا (علمت أن زيداً ناجح) فإذا قلنا (علمت إن زيداً لناجح) عند ذلك نكسر الهمزة في (إن). في ألفية إبن مالك توضيح هذه المسألة: فاكسر في الإبتدا وفي بدء صلة وحيث إنّ لِيَمينٍ ُمكمله أو حُكيت بالقول أو حلّت محلّ حالٍ كزُرته وإني ذو أمل وكسروا من بعد فِعلٍ عُلّقا باللام كاعلم إنه لذو تُقى فحيثما جاءت اللام تُكسر الهمزة كما في قوله تعالى ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) المنافقون).
  • ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٠﴾    [يس   آية:٢٠]
  • ﴿اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿٢١﴾    [يس   آية:٢١]
*ما سبب التقديم والتأخير في آية سورة يس (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)) وسورة القصص (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20))؟ (د.حسام النعيمى) (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20) القصص) هذه الآية لو تأملناها: لما يأتي النظام على صورته الطبيعية المفروض أن لا يرد السؤال فالنظام طبيعي هو أن يأتي الفعل ، الفاعل ثم المتممات للفعل مثل المفعول به أو المفعول معه أو الحال أو التمييز أو غيره. هذا نظام الجملة العربية فعل وفاعل ومتممات فلما يأتي نظام (جاء رجل) هذا على النظام طبيعي المفروض لا يُسأل عنه. مع ذلك لأنه ورد في مكان آخر (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) يس) يرد السؤال لِمَ لم يحدث تغيير هنا كما حدث في الآية الأخرى؟ نحن سنشرح لماذا حدث التغيير في الآية الثانية؟ السؤال لم لم يحدث فيه تغيير كما هو حدث في الآية الثانية يعني أن يقول في غير القرآن: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك) هذا الرجل مقصود من الآية أن إنساناً حذّر موسى وكان لإهتمامه أنه جاء يسعى من أقصى المدينة فللإهتمام بالرجل الذي عرّض نفسه للمخاطرة لما يأتي ويحذّر موسى أن هناك من يأتمر بك ويُعرّض نفسه للخطورة ولذلك كان الإهتمام به فقدّم (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) لأنه جاء محذّراً ثم ذكر المكان الذي جاء منه والهيئة التي جاء بها على أن الأصل أن يأتي بعد الفعل مباشرة لكن مع ذلك حتى هذا الأصل حوفظ عليه لأن هناك إهتمام بهذا الإنسان الذي عرّض نفسه للخطر، يعني ليس هناك إهتمام بأقصى المدينة. هذه واحدة ولما ننتقل إلى الآية الأخرى نجد أنه (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) يس) هذا ما جاء ليحذّر وإنما جاء ليدعم المرسلين. جاء ليقويّ التبليغ في الدعوة. لما يأتي ليقويّ التبليغ في الدعوة يعني هو كان مؤمناً إذن هذه شهادة للمرسلين بأن دعوتهم بلغت أقصى المدينة. فإذن المكان هنا أهمّ من الرجل حتى يفهم القارئ أن هؤلاء المرسلين بلّغوا الدعوة ونشروها بحيث وصلت إلى أقصى المدينة فقال (وجاء من أقصى المدينة) ثم بعد ذلك قال (رجل) هو غير معتني بالرجل وإنما معتني بالمكان أنه من هذا المكان البعيد جاء مؤمناً فإذن هم إشتغلوا في نشر الدعوة بحيث بلغوا في دعوتهم إلى أقصى المدينة. وهذا هو الفارق لذلك هنا المكان أهم حتى يُظهر جهدهم وما بذلوه من نشر للدعوة. يقال الجمل بعد المعارف أحوال وبعد النكرات صفات فهل رجل في الآية الثانية بعد نكرة هي صفة؟: كلمة (رجل) نكرة في الحالين وإن كانت قُيّدت بالآية الأولى (وجاء من أقصى المدينة رجل) وهذا لا يكسبها تعريفاً وليس تخصيصاً. وهذا يكسبها تخصيصاً تبقى صفة بعد النكرات لا تكون حالاً والجار والمجرور يُكسبها تخصيصاً ولا يكسبها تعريفاً. وعلى أية حال فإن قوله (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) يفيد أنه جاء من أبعد مكان في المدينة. وقوله (وجاء رجل من أقصى المدينة) يحتمل ذلك ويحتمل أنه من أهل الأماكن البعيدة وإن لم يكن مجيئه من هناك. وفي تقديم (من أقصى المدينة) في سورة يس فائدة أخرى حتى لو كان مجيئهما كليهما من أقصى المدينة فإن قوله (وجاء من أقصى المدينة) يدل على أن الاهتمام أكبر لأكثر من سبب: 1. ذلك أن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان لغرض تبليغ الدعوة في حين أن مجيء الرجل إلى موسى كان لغرض تحذيره سراً والأمر الأول أهم. 2. ثم إن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان إشهار إيمانه أمام الملأ ونصح قومه في حين أن مجيء الرجل إلى موسى ليسرّ إليه كلمة في أذنه فمجيء رجل يس إنما كان للإعلان والإشهار ومجيء رجل موسى إنما كان للإسرار وفرق بين الأمرين. 3. إن مجيء رجل يس فيه مجازفة ومخاطرة بحياته وليس في مجيء رجل موسى شيء من ذلك وإنما هو إسرار لشخص بأمر ما ليحذر. 4. إن المجتمع في القرية كله ضد على الرسل وعقيدتهم مكذب لهم متطير بهم فإعلان الرجل أنه مؤمن بما جاء به الرسل مصدق لهم فيه ما فيه من التحدي لهم بخلاف مجتمع سيدنا موسى عليه السلام فإنه ليس فيه فكر معارض أو مؤيد وليست هناك دعوة أصلاً. 5. إن نصر رسل الله وأوليائه ودعاته أولى من كل شيء فإن تعزيزهم تعزيز لدعوة الله وأما موسى عليه السلام فإنه كان رجلاً من المجتمع ليس صاحب دعوة آنذاك ولم يكلفه الله بعد حمل الرسالة. فتقديم (من أقصى المدينة) دل على أن الموقف أهم وأخطر ومع ذلك أفادنا أن تحذير شخص من ظالم أمر مهم ينبغي أن يسعى إليه ولو من مكان بعيد. فإن كلا الموقفين مهم غير أن أحدهما أهم من الآخر فقدّم ما قدم ليدل على الاهتمام. جاء في التفسير الكبير في قوله تعالى (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) :"وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان: أحدهما أنه لبيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي وعلى هذا فقوله (من أقصى المدينة) فيه بلاغة باهرة وذلك لما جاء من (أقصى المدينة رجل) وهو قد آمن دل على أن إنذراهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة... وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى قوله (وجاء من أقصى المدينة رجل) في تنكير الرجل مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان: 1. الأولى أن يكون تعظيماً لشأنه أي رجل كامل في الرجولية. 2. الثانية أن لا يكون مفيداً لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا. المسألة الثانية قوله (يسعى) تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ليكونوا في النصح باذلين جهدهم وقد ذكرنا فائدة قوله (من أقصى المدينة) وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة". وجاء في روح المعاني " (وجاء من أقصى المدينة) أي من أبعد مواضعها (رجلٌ) أي رجل عند الله تعالى فتنوينه للتعظيم وجوز أن يكون التنكير لإفادة أن المرسلين لا يعرفونه ليتواطؤا معه.... (يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه حرصاً على نصح قومه وقيا أنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذبّ عنهم.... وجاء (من أقصى المدينة) هنا مقدّماً على (رجل) عكس ما جاء في القصص وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة. وقال الخفاجي: قدّم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بياناً لفضله إذ هداه الله تعالى مع بعده عنهم وأن بُعده لم يمنعه عن ذلك. ولذا عبر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وأن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرُب أو بعُد. وقيل قدّم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن إنذارهم قد بغ أقصى المدينة فيشعر أنهم أتوا بالبلاغ المبين. وقيل أن لو تأخر توهم تعلقه بيسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة مسكنه في طرفها وهو المقصود". (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)) الآية الكريمة (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ (21)) نلاحظ أول مرة قال لهم (يا قوم) ليعطف قلوبهم وذكر لهم ثلاثة أمور تدعوهم إلى اتباع هؤلاء الدعاة: 1. كونهم مرسلين من الله وهذا أهم ما يستوجب اتباعهم فكونهم مرسلين من ربهم يدعو إلى اتباعهم لأنهم لا يدعون لأنفسهم ولا إلى معتقدات شخصية ولا إلى آراء خاصة ولا إلى أفكار بشرية وإنما يدعونهم إلى ما أراده ربهم وخالقهم. 2. وأنهم لا يسألون أجراً على التبليغ ولا يبتغون مصلحة خاصة كما هو شأن كثير من أصحاب الدعوات والأرضية مما يدل على أنهم مخلصون في دعوتهم. 3. أنهم مهتدون وهذا يقتضي الاتباع وهو بغية كل متبع مخلص. جاء في الكشّاف " (من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون) كلمة جامعة في الترغيب يفهم أي لا تخسرون معهم شيئاً من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة". وقد كرر الاتباع بقوله (اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون) لأكثر من غرض فالتكرار يفيد التوكيد ويفيد أمراً آخر وهو أن المرسلين ينبغي أن يتبعوا أصلاً فإذا ثبت أن شخصاً ما مرسل من ربه كان ذلك داعياً إلى أن يتبع قطعاً وهذه دلالة قوله (اتبعوا المرسلين). أما اتّباع غير المرسلين فيكون لمن فيه صفتان: 1. أن يكون مهتدياً. 2. أن لا يسأل أجراً ولا يطلب منفعة ذاتية. وهذ توجيه لعموم المكلفين ولو قال (اتبعوا المرسلين من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون) لكان ذلك خاصاً باتباع الرسل ولا يشير إلى اتباع غيرهم من المصلحين والداعين إلى دعوتهم. فتكرار (اتبعوا) أفاد الإتباع للرسل في حالة وجودهم والاتباع الثاني لمن يحمل هاتين الصفتين.إذن هو مخلص لا يبتغي منفعة خاصة وهو مهتدي. ذكر الإخلاص وصحة ما يدعو إليه. * كأنه يقول إذا ظننتم أن هؤلاء مرسلين اتبعوهم وإذا لم يكونوا مرسلين؟ فعندكم أمرين. يعني ينطبق على الرسل وغير الرسل ذكر ميزاناً فيه نقطتين. إتباع الرسل (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) وغير الرسل الإخلاص وصحة الرسالة. لو حذف (اتَّبِعُوا) لكانت فقط للمرسلين يعني اتبعوا المرسلين من لا يسالكم أجراً وهم مهتدون فتصبح كلها للمرسلين لم يذكر غيرهم. الآن هو ذكر أمرين: أولاً هذه قد تفيد التوكيد ثم كونه مرسل كافي، غير المرسل ذكر نقطتين. * يعني على غرار (وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ (28) غافر) في الحالين مقبول غذا كان كاذباً هو يتحمل وإن كان صادقاً تنجوا. لهذا علمنا تكرار (اتَّبِعُوا) لكن لماذا قال (من) تحديداً (اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ) ولم يقل الذي؟ (الذي) للشخص الواحد مفرد. (من) للواحد أو الاثنين أو الجماعة فهي عامة فلو قال (الذي) ستعني واحداً. هم الآن جماعة (ثلاثة) فقال (من) لأنها تشملها كلها سواء كان الداعية واحد أو أكثر. * (من) أقوى لأنهم ثلاثة؟ هم ثلاثة وليس واحداً و(من) عامة إذا كان واحداً أو أكثر.جاء في روح المعاني "تكرير للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يتضمن نفي المانع عن اتباعهم بعد الإشارة إلى تحقق المقتضي". واختار (من) على (الذين) لكونها أعمّ فإنها تشمل كل داع إلى الله واحداً كان أو أكثر.
  • ﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴿١٩﴾    [يس   آية:١٩]
آية (19): (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)) طائركم أي ما طار لكم من الخير والشر أو حظكم ونصيبكم منهما معكم وهو إنما يكون من أفعالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشرّ. وفسر الطائر بالشؤم "أي شؤمكم معكم وهو الإقامة على الكفر وأما نحن فلا شؤم معنا لأنا ندعو إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وفيه غاية اليمن والخير والبركة" (روح المعاني). (إئن ذكرتم) أي أئن ذكرتم بما هو خير لكم في الدنيا والآخرة تطيرتم أو تتوعدونا بالرجم والتعذيب؟ وحذف جواب الشرط لإطلاقه وعدم تقييده بشيء معين. (بل أنتم قوم مسرفون) أي مجاوزون للحد في المعاصي أو في التطير أو في العدوان وأطلق الإسراف ولم يقيده بشيء ليشمل كل إسراف في سوء. * الرسل الثلاثة ردوا فقالوا (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)) ماذا في هذه الآية؟ قالوا أنتم تشاؤمكم أو شؤمكم أو حظكم هو معكم، حظكم ونصيبكم معكم وليس منا كل واحد نصيبه معه، أو شؤمكم معكم. قال (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ) جاء بالشرط لكن لم يأت بالجواب، * لفتة طيبة اشكرك عليها. (إن) أداة للشرط إذن يجب أن يكون هناك جواب للشرط! حذف جواب الشرط، يعني محتمل هذا للإطلاق، يعني أئن ذكرتم تطيرتم؟ أئن ذكرتم تتوعدون بالرجم والتعذيب؟ يعني كل هذا بسبب تذكيركم. لو ذكر الجواب لكان أمراً محدداً. بينما هو يعني أئن ذكرتم بالرسالة والتبليغ، ذكروا بالله، * فحذف جواب الشرط ليشمل العموم والشمول فيكون تطير ورجم ومس وتعذيب. كل هذا بسبب أننا ذكرناكم! فصار إطلاق. لو حذف لتقيد بأمر. يعني كل هذا هو بسبب تذكرتنا لكم (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ). قال وراءها (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) لم يحدد جهة الإسراف، لم يقل مسرفون في ماذا؟ مسرفون في المعاصي؟ مجاوزون للحد في التطير؟ في العدوان؟ كلها. * هل هناك علاقة بين (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ) و (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ)؟ بالتطير. *ألا تفيد (بل) ثبوت الحكم؟ نعم، أنتم مسرفون في المعاصي والتطير والعدوان. قالوا (لنرجمنكم) ثم تطيروا وهددوهم إذن أنتم مسرفون في المعاصي وفي التطير وفي العدوان عليهم فصار إطلاق. *ولذلك حذف المسرفون في ماذا، لم يحدد؟ للإطلاق. *للعموم والشمول. طائركم يُعبّر بها عن التشاؤم؟ لا تنصرف الدلالة إلى الطائر؟ (طائركم معكم) يعبر بها عن التشاؤم. هم قالوا إنا تطيرنا بكم تشاءمنا فطائركم معكم لأن الطير يعبر أيضاً عن الحظ والنصيب ووما إلى ذلك التشاؤم، أنتم حظكم ونصيبكم وتشاؤمكم معكم. *انتهى الحوار بينهم وبين أهل القرية؟ انقطع الحوار.
  • ﴿إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٢٤﴾    [يس   آية:٢٤]
آية (24): (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)) فكرة عامة عن الآية: إذا اتخذ من دون الله آلهة مع كل ما ذكر وبيّن من الدلائل والحجج إذن هو في ضلال ظاهر. لو اتخذت إلهاً مع كل ما ذكر أنه الخالق وأنه الفاطر وأنه الرحيم وأنه المعيد وأنه المبدئ وأنه القوي المقتدر وغيره ليس له جاه، لو اتخذ إلهاً غيره؟ يكون في ضلال مبين. هو لا يعني فقط نفسه في الحقيقة وإن قال (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)) إنما يعني المخاطبين أيضاً. صحيح هو يتحدث عن نفسه لكنه ليس هو المعني وحده لأنه لم يفطره وحده وإنما فطر الخلق ولا يعيده وحده، كل الأشياء وإن أجراها على نفسه لكن المخاطبين بها هم أجمعين ليس وحده. لكن لما قال (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) هذا ليس إقراراً عن نفسه فقط لكن هم معنيين أيضاً في هذه المسألة، يعني أنتم إذا اتخذتم إلهاً غيره فأنتم في ضلال مبين ظاهر. هو ما أراد أن يقول هذا حتى لا يستفزّهم أجرى القول على نفسه حتى لا يُثير عصبيتهم واستفزازهم وإنما يدعوهم للتفكير والتأمل. حتى أنه أكّد بـ(إنّ واللام) (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ضلال مبين ظاهر لا يخفى على أحد لا يحتاج أصلاً إلى تفكير وتأمل. مع كل هذه الأمور إذا اتخذ إلهاً فهو إذن قطعاً في ضلال مبين، هو أكّده لأن المخاطبين ينكرون هذا الأمر هم اتخذوا آلهة مع الله إذن هم يحتاجون إلى التوكيد إنهم في ضلال. (في ضلال) استخدام (في) يعني هو ساقط في الضلال . القرآن في الهدى يستعمل (على) (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) سبأ) ويستعمل (في) (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا (63) المؤمنون) الغمرة والريب واللجة يستعمل معها (في) ساقط فيها، في الغمرة (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا) (لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) المؤمنون) ساقطين لا يستطيعون أن يتبينوا الأمر لأن الساقط في اللجة أو في الغمرة ليس متمكناً. * أليس ممكناً أن يقول "في الهدى"؟ لا، مستعلي يتبين وينظر هكذا وهكذا، متمكن من الأمر وينظر، متمكن من نفسه مستعلي والهدى هو علوٌ وارتفاع والضلال هو سقوط.
إظهار النتائج من 4811 إلى 4820 من إجمالي 12325 نتيجة.