آية (١١٠) : (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)
* ذكر نفي الإحاطة بالذات في سورة طه ونفى الإحاطة بالعلم في آية الكرسي ففي سورة طه جاءت الآية تعقيبًا على عبادة بني اسرائيل للعجل وقد صنعوه بأيديهم وأحاطوا به علمًا والله لا يحاط به، فناسب أن يقول (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) أما في آية الكرسي فالسياق جاء في العلم.
آية (١١٤) : (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)
* (الْمَلِكُ الْحَقُّ) كم فيها من الإهانة لكل من ادعى الملك المطلق لنفسه، فالله هو الملك الحق وما سواه ممن يسمي ملكًا فهو لا يخلو من نقص، وأما ملك الله فلا يشوبه عجز ولا خضوع لغيره.
آية (١١٧) : (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)
* استعمال اسم الإشارة (هَذَا) ألا ترى أن الإنسان إذا أحب شخصًا ناداه بأحب الأسماء له ولا تقول له : يا هذا إلا إذا كنت غاضبًا منه، وفي قوله (إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ) لم يقل (إن الشيطان عدو لك) .ليطبع في الأذهان صورة تحقيره وإذلاله فهو أدنى من أن يذكر اسمه .
* قال (فَتَشْقَى) ولم يقل (فتشقيان) فأسند ترقب الشقاء إلى آدم خاصة دون زوجه إيجازًا، لأن في شقاء أحد الزوجين شقاء للآخر لتلازمهما في الحياة في كل شيء، وفيه إيحاء أيضًا إلى أن شقاء الذكر أصل شقاء زوجه، فضلًا عما في قوله (فَتَشْقَى) من مراعاة للفاصلة القرآنية.
* في قوله (فَتَشْقَى) هو الذي يكدح ولم يقل فتشقيا.
آية (١١٨- ١١٩) : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى)
* هنالك تناسب بين الجوع والعري وبين الظمأ والحرّ، الجوع هو خلو الباطن من الطعام والعُري هو خلو الظاهر من اللباس. والظمأ ألم الباطن و(تضحى) ألم الظاهر، لا تضحى يعني لا يصيبك حرّ ، ضحى أن يكون بارزًا للشمس تؤذيه، ثم الحر يؤذي إلى الظمأ.
* (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ .. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ) الأولى (إِنَّ) بكسر الهمزة والثانية (وَأَنَّكَ) بفتحها:
- من حيث اللغة:
- (لَكَ) الجار والمجرور خبر إنّ، اسم إنّ (أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) مصدر مكون من (أن مصدرية ناصبة - لا)، (وَأَنَّكَ) أيضًا مصدر (أنّ) مصدرية مؤكدة، وهذا المصدر (وَأَنَّكَ) معطوف على المصدر السابق ليس جملة مستقلة والمعنى (أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) ولك أيضًا أنك لا تظمأ فيها ولا تضحى أى إن لك هذا ولك هذا.
- لو قال (إِنّك) بالكسر تصير استئنافية و لصارت عطف جملة على جملة فتكون جملة جديدة حكمها مختلف وتتغير الدلالة.
- من حيث الدلالة:
- جاء مع الأول بـ (أن) الخفيفة (أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) طبعًا الجوع يسده الأكل والعُري يسده اللباس، والذي أخرج آدم من الجنة الأكل مع أنه غير جائع وترتب عليه أنه عرى ثم أخرج من الجنة.
- جاء مع الثاني ب(أنّ) (وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) وهو لم يحصل في الجنة فلم يظمأ ولم يضحى، فالفعل الأول وقع والثاني لم يحصل لذا أكّد الثاني .
آية (١٢٠) : (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى)
* الفرق بين النزغ والوسوسة:
النزغ هو الإفساد بين الأصدقاء، بين الإخوان، بين الناس أن يحمل بعضهم على بعض بإفساد بينهم، قال تعالى (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) .
الوسوسة عامة، يزين له أمر، يزين له معصية، الوسوسة عامة والنزغ خاص، مع آدم وحواء لم تكن هناك خصومة لكن مع إخوة يوسف حاولوا أن يقتلوا يوسف، أفسد بينهم، أغروا به حتى أفسدوا.
* هل الشيطان وسوس لآدم أم لحواء؟
هوعز وجل أصلًا لم يذكر حواء في الوسوسة إنما قال (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ) وقال (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ (٢٠) الأعراف) ما هنالك آية أفرد فيها حواء، إما أن يقول آدم أو يجمعهما معًا.
آية (١٢١) : (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)
* الفرق بين الذنب والمعصية والسيئة والإثم والفحشاء والفسوق والضلال والإسراف والظلم والكفر:
الذنب الكبائر كما يقول أكثرهم (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا (١٩٣) آل عمران)
السيئة الصغائر لذلك يستعمل المغفرة مع الذنب والتكفير مع السيئة. المغفرة يعني تستر الذنب والتكفير من كفر أي غطّى، لاحظ أيضاً المِغفَر الذي يلبسه الإنسان في الحرب يستر، التكفير هو تكفير البدن، المغفرة هو ما يمنع الضر، يقي الإنسان تحديداً، هو يقي الإنسان معناه أن الأمر الكبير يحتاج إلى مغفرة والصغير لا يحتاج إلى مثل هذا.
واستعمل ربنا التكفير مع السيئة لأنها أقل والمغفرة مع الذنب لأن الذنب قد يأتي بإيذاء أكبر. يقولون الذنوب هي الكبائر والسيئات هي الصغائر.
الإسراف السرف هو تجاوز الحد في كل فعل في الإنفاق أو في الأكل أو غيره، في كل شيء.
الضلال ما يقابل الهدى، العدول عن الطريق المستقيم.
العصيان الخروج عن الطاعة يأمرك فتعصي (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) طه) المعصية خروج عن الطاعة.
الفحشاء هو ما عظم قبحه من الأفعال والأعمال.
الفسوق هو الخروج عن الطاعة من فسقت الرطبة ما خرج عن الطريق ويمتد من أيسر الخروج إلى الكفر كله يسمى فاسقاً. الكفر سماه فسوق (وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) النور) والنفاق سماه فسوق (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ (١٨) السجدة) وليس كل فاسق كافراً لكن كل كافر فاسق قطعاً.
الظلم، الظلم هو مجاوزة الحد عموماً وقد يصل إلى الكفر (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) البقرة) وقد لا يصل.
الكفر فهو الخروج عن المِلّة. الكفر أصله اللغوي الستر وتستعار الدلالة اللغوية للدلالة الشرعية.
الفسق أعم من الكفر يشمل الصغير والكبير، الكافر هو فاسق، المشرك فاسق، الذي يترك شيئاً من الدين هو فاسق، عمل شيئاً من المحرمات هو فاسق سواء كان قليلاً أو كبيرًا، إذن الفسق أوسع .
آية (١٢٣) : (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)
* الفرق بين استخدام الجمع والمثنى في الآيات (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (٣٦) البقرة) و(قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (١٢٣) طه) :
إذا قرأنا الآيات نجد في البقرة كان الخطاب لآدم وزوجه (وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) في طه الخطاب لآدم (لا تظمأ، فوسوس إليه، فتشقى، فعصى آدم ربه) فكان الكلام في طه (اهبطا) لآدم وإبليس وحواء تابعة ،إذن اهبطوا في البقرة أي آدم وحواء وإبليس.
* قال تعالى في سورة طه (قال اهبطا) بضمير الغائب وفي الأعراف (قَالَ اهْبِطُوا) وفي البقرة يقول (قلنا اهبطوا) بضمير المتكلم :
الموقف ليس واحدًا، لو نقرأ النص تتضح المسألة :
في سورة طه الكلام أصلاً في الغائب قال (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) ما قال ثم اجتبيته (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ...) السياق كله في الغائب .
في سورة الأعراف (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا) غائب ( قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ).
في سورة البقرة قال (وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ضمير المتكلم (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) متكلم، لما كان السياق في الغيبة قال (قال) بالغائب ولما كان السياق في المتكلم قال (قلنا) .
* (قال تعالى (فَأَزَلَّهُمَا) – (فَأَخْرَجَهُمَا) – (كَانَا) بالمثنى ثم ذكر آدم عند التلقّي بالمفرد دون حواء (فَتَلَقَّى آدَمُ) - (رَّبِّهِ) – (فَتَابَ عَلَيْهِ) :
النبي هو الذي أُنزل عليه هو الذي يتلقى وليس زوجه والتبليغ أصلًا كان لآدم (وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ) (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ) (اسْجُدُوا لِآَدَمَ) الكلام كان مع آدم والسياق هكذا قال (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) لأن آدم هو النبي المنوط به التواصل مع الله سبحانه وتعالى بالوحي ، هذا السياق وهذا ليس تحقيراً لحواء .
لو ذكرنا في سورة طه (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) لم يذكر حواء، السياق هكذا.
*خاطب تعالى آدم لوحده ومرة خاطب آدم وحواء ، كيف نفهم الصيغ المتعددة في الخطاب؟
من الذي قال أن الخطاب مرة واحدة؟ (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٣٥) البقرة) (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) طه) هذا الخطاب غير ذاك الخطاب ، هذا وقت متغير.
* فتح ياء المتكلم وجوبًا لها مواطن وجوب الفتح وما عدا ذلك جواز الفتح والكسر:
- بعد الألف المقصورة الياء يجب أن تكون مفتوحة (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) .
- بعد المنقوص، أنت منجيَ من عذاب الله؟ الياء لا بد أن تُفتح بعد المنقوص.
- بعد المثنى (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ (٢٨) نوح).
- بعد جمع المذكر السالم (وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ (٢٢) إبراهيم) وكما في الحديث "أومخرجيَ هم؟" .
* الفرق بين قوله تعالى في سورة البقرة (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) و(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) في طه :
تَبِع زيدٌ عمرًا مر به فمضى معه ، يعني مررت في طريقك فرأيت شخصًا واقفًا ما أن حاذيته حتى صار خلفك تمامًا انقياد كامل ، التُبُع باللغة العربية الظل أنت حيث ما تسير صار ظلك معك يتْبعك- بتسكين التاء- تمامًا ولا يتّبعك- بتشديد التاء- ما الفرق؟
يتْبعك تلقائيًا محاذاة كظلِّك بشكل مباشر أما يتّبعك- بتشديد التاء- فيها جهود وفيها مراحل وفيها تلكؤ وفيها مشقات وفيها أشياء كثيرة تقول أنا تتبعت المسألة حتى حللتها أو وقفت على سرها ، تتبعت مرة مرتين ثلاث أربع ليل نهار هذا اتّبَع، معنى ذلك أن كلمة تَبِع إما التوحيد وإما الشرك ، فرب العالمين حين يقول (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) يعني التوحيد أرسلت لكم نبياً يقول اتركوا الأصنام لا إله إلا الله هذا تَبِع على طول لا يتردد . فلما قال (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ) هذه الشريعة أرسلت لكم شريعة حاولوا كل واحد يطبق منها ما يستطيع على قدر جهده وعلمه ونشاطه وهمته هذا إتّباع .
تبِع كظل الشيء وأنت لا تكون ظل النبي إلا في التوحيد لا إله إلا الله لابد أن تكون مثل ظله ، لكن إتّباع لا أين أنت وأين هو؟! .
آية (١٢٤) : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)
* لما عبّر عن المؤمن الذي عمل صالحًا قال حياة طيبة بينما لما عبّر عمن أعرض عن ذكر الله تعالى قال معيشة ضنكًا:
- من حيث اللغة :
- المعيشة هي الحياة المختصة بالحيوان، لما يُعاش به من طعام وشراب (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) أي ما تأكلون.
- الحياة تستعمل للأعمّ نقول نبات حيّ لا نقول عائش وتستعمل في صفات الله سبحانه وتعالى فنقول الله حيّ، وتستعمل للحياة المعنوية المقابل للضلال (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ).
- من حيث السياق :
في طه لما ذكر الجنة والخطاب لآدم قال (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)) يعني أسباب المعيشة أكل وشرب ولباس، فناسب ذكر المعيشة (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) سيتعب حتى يحصّل المعيشة. وقسم يقول المعيشة الضنك هي حياة القبر ، وقسم قالوا المعيشة الضنك هي الحرص على الدنيا والخوف من فواتها فالذي يعرض عن ذكر الله يكون متعلق بالدنيا ويخشى أن تزول مهما كان في نعمة يفكر في زوالها ولا يستمتع بها فيعيش في ضنك بمعنى ضيق.
في النحل لم يذكر فيها أسباب المعيشة وإنما ذكر الإيمان والعمل الصالح (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩٧)) قسم قالوا هي حياة الجنة وقسم قالوا هي الرضا بقضاء الله وقدره بنفس راضية مطمئنة وكأن هذا شرط للحياة الطيبة.
* الفرق بين الإعراض عن ذكر الله والإعراض عن الآيات:
- من حيث المعنى:
الذكر أعمّ من الآيات قد يكون العبادة أو الوحي الذي جاء به الرسول (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا (١٢٤) طه) (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ (١٧) الجن)، أما الآيات فهي ليست القرآن كله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا (٥٧) الكهف) لو هنالك ثلاث آيات فهي جمع، فالآيات جزء من الذكر.
- من حيث الاستعمال:
هل يصح أن تذكر العقوبة واحدة مع الإعراض عن الكل والإعراض عن الجزء؟ لا. لذلك لما يذكر الإعراض عن الذكر تكون العقوبة أشد.
في طه فصل في العذاب (وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ... وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا)، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ... وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) .
في الجن (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)) .
في الكهف لم يقل في الآيات مثل هذا التهديد (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ... (٥٧)) لم يذكر العقوبة.
في السجدة (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (٢٢)) لم يذكر نوع هذا الإنتقام.