قوله {ألم يروا كم أهلكنا} في بعض المواضع بغير واو كما في هذه السورة وفي بعضها بالواو وفي بعضها بالفاء هذه الكلمة تأتي في القرآن على وجهين أحدهما متصل بما كان الاعتبار فيه بالمشاهدة فذكره بالألف والواو لتدل الألف على الاستفهام والواو على عطف جملة على جملة قبلها وكذا الفاء لكنها أشد اتصالا بما قبلها والوجه الثاني متصل بما الاعتبار فيه بالاستدلال فاقتصر على الألف دون الواو والفاء لتجري مجرى الاستئناف ولا ينقض هذا الأصل قوله {أولم يروا إلى الطير} في النحل لاتصالها بقوله {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم} وسبيله الاعتبار بالاستدلال فبنى عليه {أولم يروا إلى الطير} .
قوله {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم} وفيها أيضا {من بعد ما جاءك من العلم} فجعل مكان قول {الذي} {ما} وزاد في أوله {من} لأن العلم في الآية الأولى علم بالكمال وليس وراءه علم لأن معناه بعد الذي جاءك من العلم بالله وصفاته وبأن الهدى هدى الله ومعناه بأن دين الله الإسلام وأن القرآن كلام الله فكان لفظ {الذي} أليق به من لفظ {ما} لأنه في التعريف أبلغ وفي الوصف أقعد لأن {الذي} تعرفه صلته فلا يتنكر قط وتتقدمه أسماء الإشارة نحو قوله {أم من هذا الذي هو جند لكم} {أم من هذا الذي يرزقكم} فيكتنف {الذي} بيانان هما الإشارة قبلها والصلة بعدها ويلزمه الألف واللام ويثنى ويجمع وليس لما شيء من ذلك لأنه يتنكر مرة ويتعرف أخرى ولا يقع وصفا
لأسماء الإشارة ولا تدخله الألف واللام ولا يثنى ولا يجمع وخص الثاني {بما} لأن المعنى من بعد ما جاءك من العلم بأن قبلة الله هي الكعبة وذلك قليل من كثير من العلم وزيدت معه {من} التي لابتداء الغاية لأن تقديره من الوقت الذي جاءك فيه العلم بالقبلة لأن القبلة الأولى نسخت بهذه الآية وليست الأولى مؤقتة بوقت وقال في سورة الرعد {بعد ما جاءك} فعبر بلفظ {ما} ولم يزد {من} لأن العلم هنا هو الحكم العربي أي القرآن فكان بعضا من الأول ولم يزد فيه {من} لأنه غير مؤقت وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران {من بعد ما جاءك من العلم} فهذا جاء بلفظ {ما} وزيدت فيه {من}...
قوله: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} وفي {ن والقلم} {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} بزيادة الباء ولفظ الماضي لأن إثبات الباء هو الأصل كما في {ن والقلم} وغيرها من السور لأن المعنى لا يعمل في المفعول به فنوى الباء وحيث حذفت أضمر فعل يعمل فيما بعده وخصت هذه السورة بالحذف موافقة لقوله {الله أعلم حيث يجعل رسالته} وعدل هنا إلى لفظ المستقبل لأن الباء لما حذفت التبس اللفظ بالإضافة تعالى الله عن ذلك فنبه بلفظ المستقبل على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل لفظ أفعل من يستعمله مع الماضي نحو أعلم من دب ودرج وأحسن من قام وقعد وأفضل من حج واعتمر فتنبه فإنه من أسرار القرآن لأنه لو قال أعلم من ضل بدون الياء مع الماضي لكان المعنى أعلم الضالين..
مسألة: قوله تعالى: (فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) وقال تعالى في سورة ن: (لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) . فظاهره: لولا تسبيحه للبث في بطن الحوت إلى الحشر، ولولا نعمة ربه لنبذ بالعراء إلى الحشر؟
جوابه: لولا تسبيحه للبث في بطن الحوت، وحيث نبذ بتسبيحه فلولا نعمة ربه لنبذ بالعراء مذموما غير مشكور.
مسألة: قوله تعالى: (في أيام نحسات) . وفى القمر: (في يوم نحس مستمر) وفى الحاقة: (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما) ؟.
جوابه: أن " اليوم " يعبر به عن " الأيام " كقولهم: يوم الحرة، ويوم بعاث، وقد يراد به اليوم الذي بدأ به الريح، يقال: كان آخر أربعا في الشهر.
مسألة: قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله) وفى سورة انشقت: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) ؟
جوابه: قيل: تغل يداه إلى عنقه، ويجعل شماله من وراء ظهره. وقيل: يخرج شماله من صدره إلى ظهره فهو: من شماله وراء ظهره.
قوله {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} {ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} خص ذكر الشعر بقوله {ما تؤمنون} لأن من قال القرآن شعر ومحمد شاعر بعد ما علم اختلاف آيات القرآن في الطول والقصر واختلاف حروف مقاطعه فلكفره وقلة إيمانه فإن الشعر كلام موزون مقفى وخص ذكر الكهانة بقوله {ما تذكرون} لأن من ذهب إلى أن القرآن كهانة وأن محمدا كاهن فهو ذاهل عن كلام الكهان فإنه أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها ولا يكون في كلامهم ذكر الله تعالى..