| ٦١ |
(إني نذرت لك.....)
يتشوف الآباء للذرية حيث تتزين بهم الحياة ويأمل الوالدان نفعهم وعونهم....
وهذه قصة مؤمنة قال المفسرون: كانت(عاقرا).
رزقها الله الحمل بعد انتظار وانقطاع....
فلما فرحت واستبشرت به نذرته كله لله...
خادما للمسجد....
خالصا محررا
لا تريد منه شيئا ولو ساعة من عمره.
لله:
يعني أنها انخلعت من نصيبها وحظها من الضيف القادم مع شدة الشوق والحاجة اليه من امرأة مسنة لا ولد لها.
هذا ما يمكنها فعله.
وهذا ما تملكه.
أن تتخلى عن حظها في الخدمة والبر ولذة القرب والسعي.....
أن تضحي بلذائذ الدنيا العاجلة فيه.
أما الهداية والقبول فإنها من الله وحده...
قصة لا تتكرر لكن يقع طرف منها...
من أمهات كثيرات.....
أم تعلم أن ابنها إذا طلب العلم انقطع له واشتغل به أكثر وقته فهو بين حضور درس ومطالعة كتاب ومذاكرة وحفظ ورحلة ثم تعليم وتدريس وتأليف ودعوة...ثم هي في كل ذلك مشفقة عليه.
لكنها لم تقل يوما دعك من العلم والطلب والدعوة.....
بل تشجعه وتدعو له وتحثه وتصبره..
وتكتم حاجتها عنه حتى لا ينقطع عن الدرس والتدريس والرحلة والسفر.....
بل ربما كتمت وجعها حتى لا تحزنه...
هي لم تنذره بلسانها لكنها نذرته بحالها وفعلها....
وأب كذلك...
يحث أولاده على حلق التحفيظ ومحاضن التربية تعلما وتعليما ودراسة وتدريسا وربما فيهم كبار يقودون السيارة..
لكنه ينزل في الزحام ليقضي لوازم البيت ولا ينشغل الأولاد عن الدرس والقرآن.....
نذر ولده لربه بلسان حاله لا بمقاله....
يتحامل على نفسه لموعده في المستشفى ليبقى الأولاد لله تعالى في حلق القرآن ومجالس العلم...
لها وله نصيب:
من وعد الله -إن شاء الله-...من اصطفاء آل عمران....
الوقفة كاملة
|
| ٦٢ |
قال الله تعالى عن أهل الجنة:
(وقالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا)
(وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)
(وقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده)
وقال عن خليله عليه السلام
(ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی وَهَبَ لِی عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَۚ إِنَّ رَبِّی لَسَمِیعُ ٱلدُّعَاۤءِ)
وقال عن نوح عليه السلام
﴿فَإِذَا ٱسۡتَوَیۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾
وعن سليمان وداود عليهما السلام
﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَیۡمَـٰنَ عِلۡمࣰاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾
وفيه أن مما يحبه الله من عباده أن يقرنوا الحمد بذكر تفاصيل النعم التي أنعمها عليهم...
قل:
الحمد لله الذي رزقني
الحمد لله الذي زوجني
الحمد لله الذي الذي هداني
الحمد لله الذي علمني
الحمد لله الذي أعطاني الولد
الحمد لله الذي نجاني
الحمد لله الذي جعل لي مسكنا
الحمد الذي يسر لي سيارة
الحمد لله الذي أطعمني
الحمد لله الذي سقاني
الحمد لله الذي شفاني
الحمد لله الذي أرضى والدي عني
الحمد لله الذي أمنني
الحمد لله الذي حفظني
.....
وتفاصيل النعم
الحمد لله الذي جاء بابني من السفر
الحمد الذي يسر علي،اختباري
الحمد لله الذي وفقني لصلاة الفجر....
الوقفة كاملة
|
| ٦٣ |
مدارسة:
قال تعالى:
﴿وَجَعَلۡنَا فِی ٱلۡأَرۡضِ رَوَ ٰسِیَ أَن تَمِیدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِیهَا فِجَاجࣰا سُبُلࣰا لَّعَلَّهُمۡ یَهۡتَدُونَ﴾ [الأنبياء ٣١]
في قوله عز وجل:
﴿وَجَعَلۡنَا فِیهَا فِجَاجࣰا سُبُلࣰا﴾
اختلف المفسرون في عود الضمير في قوله: (فيها)؛
هل يعود للأرض أم للرواسي (الجبال)؟
أي: هل السبل التي امتن الله بها في هذه الآية الطرق التي في الأرض جميعها أم الجبال فقط؟
على قولين للمفسرين:
واختار الطبري أن المقصود بها السبل في كل الأرض.
قال رحمه الله:
وإنما اخترنا القول الآخر في ذلك وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها داخل في ذلك السهل والجبل؛ وذلك أن ذلك كله من الأرض، وقد جعل الله لخلقه في ذلك كله فجاجا سبلا ولا دلالة تدلّ على أنه عنى بذلك فجاج بعض الأرض التي جعلها لهم سبلا دون بعض، فالعموم بها أولى.
وقد استحسنه ابن عطية أيضا
ويقويه الآيات الأخرى التي ليس فيه إشكال عودة الضمير بل هي صريحة إلى الأرض:
﴿وَأَلۡقَىٰ فِی ٱلۡأَرۡضِ رَوَ ٰسِیَ أَن تَمِیدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَـٰرࣰا وَسُبُلࣰا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾
وقوله تعالى:
﴿ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدࣰا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلࣰا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦۤ أَزۡوَ ٰجࣰا مِّن نَّبَاتࣲ شَتَّىٰ﴾
وقوله تعالى:
ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدࣰا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلࣰا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠﴾
وقوله تعالى:
﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطࣰا ١٩ لِّتَسۡلُكُوا۟ مِنۡهَا سُبُلࣰا فِجَاجࣰا ٢ .
لكن ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل رحمه الله
قالوا إن الضمير يعود هنا على الجبال
وأن الامتنان في هذه الآية خاص بالطرق في الجبال...
ويقوى هذا القول من وجوه
منها:
أن الأصل عودة الضمير لأقرب مذكور وهو هنا الرواسي.
قال ابن مالك: (( إذا ذُكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدًا جُعل للأقرب, ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج )).
ثانيا:
أن الامتنان بالعموم في مواضع كما تقدم لا يمنع الامتنان بالخاص وله في القرآن نظائر
منها قوله تعالى
(وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَـٰنࣰا)
فامتن تبارك وتعالى بنعمته بالسكن في الجبال
مع الامتنان بعموم السكن في قوله تعالى:
(وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُیُوتِكُمۡ سَكَنࣰا...)
ومنها:
أن المنة في طرق الجبال وتسخير السبل فيها أعظم إذا الأصل في الجبال وعورتها لارتفاعها لكنه تعالى مع ذلك جعل فيها الفجاج والسبل ويسر فيها الطرق وهذا أظهر في كمال قدرته وأبلغ في قيام الحجة بنعمته والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ٦٤ |
الحمد لله.
لقد اعتنى الإسلام بأمر السجون وأحوال المسجونين عناية عظيمة قلَّ أن يوجد لها نظير في أي مكان أو زمان ، وذلك بما قرره الفقهاء في كتبهم من الأحكام المتعلقة بالسجناء وأحوالهم وكيفية التعامل معهم ، وهذا الاهتمام نابع من اهتمام الإسلام بكرامة الإنسان وحفظه لآدميته .
ولتسهيل الأمر وتوضيح الأحكام في هذا الشأن فقد قسم أهل العلم الكلام في هذه المسألة إلى قسمين : أحكام متعلقة بصحة السجين الشخصية ، وأحكام متعلقة بالعناية الصحية بالمكان المتخذ للسجن .
أولاً : الأحكام المتعلقة بصحة السجين الشخصية :
1 - سجن المريض : بحث الفقهاء مسألة سجن المريض ابتداء ، هل يحق للوالي أن يسجن الشخص المريض ؟ والجواب أن هذه المسألة مسألة اجتهادية يرجع فيها البَتّ إلى القاضي ، من خلال تقديره لموجب السجن وخطورة المرض وإمكان رعاية السجين في سجنه . فمتى توفرت الرعاية الصحية الكافية للمريض في سجنه ولم يكن ذا مرض خطير قد يفضي به إلى الهلاك لو سجن ، جاز سجنه ، وإذا لم يتوفر ذلك يوكل به القاضي من يعالجه ويحفظه دون تركه كُليّة حتى يعود بالإمكان سجنه .
2 - إذا مرض السجين داخل السجن : إذا مرض المسجون في سجنه وأمكن علاجه داخله فإنه يجب علاجه دون إخراجه ، ولا يمنع الطبيب والخادم من الدخول عليه لمعالجته وخدمته ، ولو تسبب عدم علاجه في هلاكه يترتب على ذلك مسؤولية جزائية وعقوبة على المتسبب في ذلك . وقد مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأسير في وثاقه ، فناداه : يا محمد يا محمد ، فأتاه فقال : ما شأنك ؟ قال : إني جائع فأطمعني وظمآن فاسقني . فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء حاجته . رواه مسلم 3/1263 . ولا شكّ أن العلاج من حاجة المريض .
أما إذا لم يمكن علاجه داخل السجن ، فيجب إخراجه إلى حيث يمكن معالجته تحت إشراف السجن وأن يوكل به من يراقبه ويحرسه .
هذا ولم يفرّق الفقهاء بين الأمراض العضوية أو النفسية ( النفسية الحقيقية وليست النفسية الكاذبة أو العاديّة التي يتّخّذها كثير من المحامين وسيلة لتبرئة المجرمين ) ، لذا ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه لا يجوز قفل باب السجن على المسجون - إذا أمن عدم هربه - ولا جعله في بيت مظلم ولا إيذاؤه بحال أو أي شيء من شأنه إثارة الذعر في نفسه . كما لا ينبغي منع أقاربه من زيارته لما في ذلك من أثر صحي ونفسي عليه .
3 - يشرع للوالي أو من ينوبه تخصيص قسم طبي في السجن يهتم بشؤون المسجونين الصحية وأحوالهم ، وهذا يغني عن إخراجهم إلى المستشفيات العامة وتعريضهم للإهانة أو التحقير .
4 - ينبغي تمكين السجين من رؤية زوجته ، ومعاشرتها إذا توفر المكان المناسب لذلك في السجن ، حفاظا عليه وعلى أهله .
5 - نص الفقهاء على وجوب تمكين السجين من الوضوء والطهارة ، ولا شك أن هذا من العوامل الوقائية المهمة من المرض .
ثانياً : الأحكام المتعلقة بالعناية الصحية بالمكان المتخذ للسجن :
ينبغي أن يكون المكان المتخذ للسجن مكانا واسعا نظيفا ذا تهوية جيدة تصله أشعة الشمس تتوفر فيه كل المرافق الصحية التي تستلزمها طبيعة الحياة .
ولا يجوز جمع عدد كبير من المسجونين في مكان واحد بحيث لا يستطيعون الوضوء والصلاة .
ثالثاً : هذه بعض الأمور التي نص الفقهاء على تحريم استخدامها في تأديب المسجون أو التعامل معه :
1- التمثيل بالجسم : فلا تجوز معاقبة السجين بقطع شيء من جسمه أو كسر شيء من عظمه وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بالأسرى فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تمثلوا ) رواه مسلم 3/1357 .
2- ضرب الوجه ونحوه ، لما فيه من الإهانة ، كما لا يجوز وضع الأغلال في أعناق المسجونين أو مدّهم على الأرض لجلدهم ولو حدا ، لما فيه من الإهانة والضرر الصحي والجسدي على المسجون .
3- التعذيب بالنار ونحوها أو خنقه أو غطّه في الماء ، إلا إذا كان هذا على وجه المماثلة والقصاص ، كأن يكون السجين قد اعتدى على غيره بأن حرقه بالنار ونحوه فيجوز استيفاء الحق منه على نفس الوجه .
4- التجويع والتعريض للبرد ، أو إطعامه ما يضرّه ويؤذيه ، أو منعه من اللباس ، فإن مات المحبوس بسبب هذه الحال ، فحابسه معرّض للقتل قصاصا أو دفع الدية .
5- التجريد من الملابس لما فيه من كشف العورة وتعريض السجين للمرض البدني والنفسي .
6- منعه من قضاء حاجته ومن الوضوء والصلاة : ولا يخفى ما في ذلك من ضرر صحي على السجين .
صور من اهتمام المسلمين بالسجناء :
- الحديث السابق الذكر الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بالاهتمام بالأسير وتلبية حاجته من الطعام والشراب ، وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدفع بالأسرى ونحوهم على أصحابه ويوصيهم بهم خيرا .
- كان الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتفقد السجون ويشاهد من فيها من المسجونين ويفحص عن أحوالهم .
- كتب عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس إلى عماله يقول : انظروا من في السجون وتعهدوا المرضى .
- جعل الخليفة المعتضد العباسي من الميزانية 1500 دينار شهريا لنفقة المسجونين وحاجاتهم وعلاجهم ونحوه .
- لما سجن الخليفة العباسي المقتدر أحد وزرائه وهو ابن مقلة ، ساءت أحوال الوزير فأرسل له الطبيب المشهور ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة ليعالجه في سجنه وأوصاه به خيرا . وكان الطبيب يطعم السجين بيده ويرفق به وبحاله .
- وكتب الوزير علي بن عيسى الجراح في زمن الخليفة المقتدر إلى رئيس مستشفيات العراق حينذاك يقول له : ( فكرت مد الله في عمرك في أمر من بالحبوس - أي السجون - وأنه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض ، وهم معوّقون عن التصرف في منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء فيما يعرض لهم ، فينبغي أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم ، وتحمل لهم الأدوية والأشربة ، ويطوفون على سائر الحبوس ويعالجون فيها المرضى ويزيحون عللهم فيما يصفونه لهم ) واستمر هذا الحال خلافة المقتدر والقاهر والراضي والمتقي . للمزيد يُراجع : أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام ص367-379 ، والموسوعة الفقهية ج16 ص320-327 .
الوقفة كاملة
|
| ٦٥ |
العفو عند المقدرة في الإسلام من أرقى الأخلاق وأرفعها وتظهر الجمال المصاحب لأخلاق الإيمان وعلو كعب صاحب العفو وقوة إيمانه ، فالعفو والتسامح سمتان هامتان من سمات المؤمن القوي ودلالة على نبل أخلاقه، وفيه استجابة لأمر الله عز وجل الذي أمرنا بالصفح والمغفرة.
وللعفو عند المقدرة أهمية كبيرة وأثر عظيم، حيث يقول تعالى: { فاصفح الصفح الجميل} (الحجر :85) فالصفح والعفو والتسامح صفات هامة جدا لكل أفراد الأسرة المسلمة، وقد كثرت الآيات والأحاديث في مدح هذه الصفة التي ترتبط بقوة المسلم وليس بضعفه كما يعتقد البعض.
وتحثنا أيات كتاب الله وسنة نبيه الكريم على هذه الصفة الحميدة، قال تعالى: { وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } ( آل عمران: 134) .
وقال تعالى: {وَإنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” ( التغابن :14). فالعفو عند المقدرة من مبادئ الأخلاق الكريمة التي يدعو إليها الإسلام، بل هي أعظمها شأناً لأن العفو من شيم الرجال الكرام حيث يقول تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (الأعراف: 199)، ويقول سبحانه: { وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم } (البقرة:237).
وقال عز وجل : {وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصِّلت 35:34)
والعفو عند المقدرة هي شيمة من شيم الأنبياء فهذا يوسف عليه السلام عفا عن إخوته الذين رموه في البئر وأبعدوه عن أبيه { قَال لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [يوسف: 92]
ولنا في نبينا محمد ﷺ أسوة حسنة، فقد صفح عن قريش عندما مكنه الله منهم فعن عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ” الطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والمهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة” (إسناده صحيح يشرط مسلم ) فالطلقاء من قريش: هم الذين خلى عنهم رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وأطلقهم، فلم يسترقهم، ومفرده طليق وهو الأسير إذا أطلق سبيله.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته: فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواصل الأعمال. فقال: “يا عقبة صل من قطعك واعط من حرمك واعرض عمن ظلمك” (مسند أحمد)
ما المقصود بالعفو عند المقدرة؟
العفو هو التجاوز عن الذنب ويكون عندما يتم ترك العقاب عليه مع المقدرة، فإن من الأخلاق العظيمة التي تعز صاحبها هي العفو عند المقدرة، أي العفو عن المسيء في حال القدرة على معاقبته، فإذا كانت المعاقبة هي جوهر العدل بينما العفو يكون قمة الفضل، وإن هذا الخلق الكريم هو الذي حث عليه القرآن الكريم فقال تعالى : {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}(الحجر:85).
والعفو لغة: مصدر عَفَا يَعْفُو عَفْوًا، فهو عافٍ وعَفُوٌّ، والعَفْوُ هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وأصله المـحو والطمس، وعفوتُ عن الحق أي أسقطته، كأنك محوته عن الذي عليه. وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: “وكلُّ مَن استحقَّ عُقوبةً فتركْتَه فقد عفوتَ عنه”.
والصفح أعلى درجة من العفو والمسامحة. الغُفْرَان أو المَغْفِرَة: هو إسقاط العقوبة والمؤاخذة ولكنه يزيد عن الصفح بأن الغفران يوجب الثواب للمغفور له وثوابه بأن يستر أو يخفى ذنبه.
أما المعنى الكنائي الوارد في مقولة العفو عند المقدرة من شيم الكرام لأن هؤلاء هم الذين بلغوا حد اليقين في فهم الحياة ومعرفة طرقها وابتلاءاتها . وهو مؤشر على سمو القيمة الإنسانية العليا التي ينبغي أن نتحلى بها عند قدرتنا على ظلم الآخرين . فمن يخطئ ويعترف بخطئه، فإنه يستحق أن ينال المغفرة والصفح عنه.
دروس وعبر في العفو عند المقدرة
هناك قصص كثيرة عن العفو وهي الصفة التي اتصف بها الأنبياء والكثير من السلف الصالح باعتبارهم القدوة الصالحة والأسوة الحسنة لجميع الناس الذين اقتدوا بهم فيما بعد وتمثلوا بسيرتهم الجليلة، التي نوّرت صفحات التاريخ الانساني..وهذه بعض القصص والدروس والعبر:
في العام الثامن للهجرة، عاد النبي ﷺ إلى مكة رفقة جيش عظيم لفتحها. وذلك بعد كل الظلم والتعسف الذي تعرض له من أهل قريش، والحرب التي شنوها ضد دين الإسلام. ومع ذلك، عفا ﷺ عنهم بعد فتح مكة ولربما كان الهدف الرئيس من عفوه ﷺ أن يرسم في خيالنا أنواع الظلم والأذى الذي تعرض له أنقى الناس وأطهرهم، لنتفاجأ برد فعله المتسامح اتجاههم. وسبب ذلك ليس فقط كونه نبيا، بل إن الرسالة أعمق وأكبر كونه قدوة.
نبي الله يوسف عليه السلام الذي عفى عن إخوته الذين حاولوا أن يقتلوه ورموه في البئر، وعملوا على تفرقته وإبعاده عن أبيه وهو صغيراً، فعفا عنهم عند القدرة على الانتقام منها، قَال سبحانه وتَعَالَى عن يوسف عليه السلام أنه قال: “قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”(يوسف:92).
أن النبي ﷺ نائمًا في ظل شجرة، فإذا برجل من الكفار يهجم عليه وهو ماسك بسيفه ويوقظه، ويقول: يا محمد، من يمنعك مني. فيقول الرسول ﷺ بكل ثبات وهدوء: (الله)، فاضطرب الرجل وارتجف، وسقط السيف من يده، فأمسك النبي ﷺ السيف، وقال للرجل: (ومن يمنعك مني؟)، فقال الرجل: كن خير آخذ. فعفا النبي ﷺ عنه. (متفق عليه).
في يوم من الأيام أراد معن بن زائدة أن يقتل مجموعة من الأسرى كان قد أسرهم في أحد المعارك فقال له أحدهم: نحن أسراك وبنا جوع وعطش فلا تجمع علينا الجوع والعطش والقتل، فقال مُعَن: أطعموهم واسقوهم. فلما أكلوا وشربوا، قال أحدهم: لقد أكلنا وشربنا، فأصبحنا مثل ضيوفك، فماذا تفعل بضيوفك؟، فقال لهم: قد عفوتُ عنكم.
قال أبو ذر رضي الله عنه لغلامِه: “لِمَ أرسلتَ الشاة على عَلف الفرَس؟”، قال: أردتُ أن أَغِيظك، قال: “لأجمعن مع الغيظ أجرًا؛ أنت حرٌّ لوجه الله تعالى”.
سبَّ رجلٌ أبا هريرة، فلمَّا انتهى قال له أبو هريرة رضي الله عنه: “انتهيتَ، قال الرجل: نعم، وإن أردتَ أن أزيدك زِدتُك، فقال أبو هريرة: يا جارية، ائتني، فسكن الرَّجل، وقال في نفسه: بماذا سيأمرها؟ فقال: أبو هريرة ائتني بوضوءٍ، فتوضأ أبو هريرة وتوجَّه إلى القِبلة، فقال: اللهم إنَّ عبدك هذا سبني، وقال عنِّي ما لم أعلمه من نفسي، اللهمَّ إن كان عبدك هذا صادقًا فيما قال عنِّي، اللهم فاغفر لي، اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا فيما قال عنِّي، اللهم فاغفر له، فانكبَّ الرجل على رأس أبي هريرة رضي الله عنه يُقبلها.
فوائد العفو عند المقدرة
شرع الله سبحانه وتعالى القصاص في الجنايات ولكنه فضل العفو على القصاص لمَ له من فوائد عظيمة تعود للفرد وعلى المجتمع وتتمثل هذه الفوائد فيما يلي:
العفو فيه إصلاح أما القصاص فلا يكون فيه عفو ولا إصلاح
إن العافين لهم أجر عظيم عند الله جل وعلا وهو وعد عظيم يجدونه في الآخرة خير مما كانوا يحصلون عليه في الدنيا.
العفو عند المقدرة فيه العزة والشرف للعافين.
العفو عند المقدرة يتجلى فيه الدفع بالتي هي أحسن، وهو من الأمور الهامة التي تعمل على إزالة العداوة من المعتدي حتى يستحي من نفسه على ما فعله ويصير صديقاً حميماً لمن آذاه.
العفو عند المقدرة يكسب الفرد نعمة أن يعفو الله عنه لأنه قد عفا عن إخوانه المسلمين.
العفو عند المقدرة يكون نابعا من الإيمان الداخلي الموجود عند المؤمن فهو إيمان راسخ بعيدا عن الظلم والشرك وظلم المرء لنفسه، فهذا العفو النابع من الإيمان يدفع بالناس إلى المحبة فيما بينهم، بدل أن يتشاغلوا بينهم ويتربص كل واحد منهم للآخر حتى لا يغدوا لقمة سائغة لأعدائهم.
العبد الذي يتصف بصفة العفو عند المقدرة يكون قد امتثل بأوامر الله سبحانه وتعالى.
من تقلد بصفة العفو يكون قد اتصف بصفات أصحاب الجنة التي عرضها السموات والأرض.
من يتصف بالعفو يكون صبوراً وحليماً ويتقلد منصب القدوة للناس ويستحق أن يكون قائداً بسبب حلمه وصبره، فالعفو يكسبه رحابة الصدر والسريرة وتبتعد نفسه عن الحقد والعقد النفسية والبعضاء للآخرين.
في العفو رحمة بالمسيء وتقديرا لجانب ضعفه البشري بالإضافة إلى امتثال العبد لأوامر الله.
العفو يساهم بتوثيق الروابط الاجتماعية التي تكون معرضة دائماً إلى الوهن والضعف بسبب الانفصال والانفصام والذي يكون ناتجاً عن سوء المعاملة لبعضهم البعض وجناية بعضهم على بعض.
العفو يكون سببا للتقوى، قال تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُم .
في العفو السكينة والطمأنينة النفسية. فبالعفو يتصدر العبد المنزلة الرفيعة والمحبة عند الله سبحانه وتعالى وعند الناس.
العفو عند المقدرة من شيم الكرام وهي صفة من الصفات الهامة لأنها من شيم الأنبياء والرسل.
بين الضعف والانكسار والعفو عند المقدرة
يعتقد الكثير من الناس أن التسامح هو نوع من الضعف والانكسار بظنهم أن عدم تلقين الآخر درسا قد يجعله يتطاول عليهم فيعيد الكرة ما أن تسمح له الفرصة. لكن الحقيقة أن تسامح الآخر معناه أن تقدر ظرفه، أن تلتمس له الأعذار، أن تعي أن الآخر لم يكن أبدا عدوا لك لأن عدوك الحقيقي هو السوء الذي يقر في نفسك. التسامح معناه أن تضع حدا للسوء، على الأقل من ناحيتك، أن تركز تفكيرك على الأمور التي تعنيك حقا عوض الانشغال بمراجعة الأحداث وإشعال نار الغضب والفتنة والانتقام بداخلك. وبهذا يكون التسامح طريقة لمداراة الألم وأسلوبا لمعالجة الغضب ووضع حد للثأر والأكثر من ذلك أنه نوع من النضج الفكري الذي به تتغير نظرة الإنسان للحياة. وبهذا ينتقل التفكير من مجابهة الخلق، إلى إرضاء الخالق.
بين الاقتصاص والعفو
لا شك أن النفوس تضعف عند بسط الانتقام بسبب غليان الغضب بين حنايا الصدور، ومع تصاعد أحاديث المجالس والمقاهي ورسائل الهواتف يتصاعد دخان نار الانتقام والثأر، وفي هذا الوقت يظهر المؤمن الحليم والعاقل الصبور حقّا، فلا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الصبور إلا عند الابتلاء، ولا العفوُّ إلا عند المقدرة.
ولا يعني العفو عند المقدرة تحريم العقوبة ولا ذمُ الاقتصاص، يقول الله عز وجل: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل * إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم *ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} (الشورى : 41 – 43) فطلب الاقتصاص من الظالم حق عادل للمظلوم كفِله له الإسلام، ولكن من أراد المراتب العالية فليتسلح بالصبر والمغفرة { إن ذلك لمن عزم الأمور} وهذه الآية عامة في كل حقوق العباد سواء في المال أو العرض أو الدم، ولا يخلو مؤمن من حقوق له أو عليه فيما بينه وبين عباد الله. والمؤمن يبتلى في الدنيا بأمور كثيرة، وما الدنيا إلا دار تمحيص وامتحان.
الوقفة كاملة
|
| ٦٦ |
الدعاء والتضرع في ظلمة السجون
السجنُ من أنواع البلاءِ الذي يبتلي اللهُ به عبادَه المؤمنين؛ ليمتحن صبرهم وفراقهم لأهلهم وذويهم، وليمحِّصَ صبرهم وثباتهم، وقد أصاب هذا البلاء الكثير من العلماء والفقهاء والصالحين والمجاهدين، فكان السجن لهم مدرسة تزوَّدوا منها بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وكان الحبس لهم دورة يأخذون منها الدروس والعبر، ويستلهمون منها العظة والخبرة، فخرجوا من غيابات السجون أكثر إيمانًا وصبرًا، وأعظم ثباتًا وعلمًا ويقينًا، وبعضهم فضَّل البقاء فيه حتى ينجلي الحق، وينكشف زيف الباطل، بالرغم من مرارة البقاء، وقسوة المكان، وسواد الجدران.
ولا ريب في أن بقاء الإنسان بين الجدران لا يرى فيه أحدًا فيستأنس بحديثه، أو جليسًا يسامره، بل قد يجالس من لا يرغب برؤيته، وتنفر الطباع من مقارنته وصحبته، إضافة إلى أن الحبس يمنع الإنسان من مباهج الحياة ولَذَّاتِها، وسرور الحياة ومتعتها، ويحجبه عن رؤية الأحباب والأصدقاء، ومزاولة عمله ونشاطه في السراء والضراء، بل أعظم من ذلك أن يحال بينه وبين أهله وفلذات كبده، وجلب ما يفرحهم ويمتعهم، ويسعدهم ويؤنسهم، وفيه أن المسلم يحرم من الصلاة في الجمعة والجماعات، ونقل الأقدام إلى الصلوات، وأعظم من ذلك أن يمارَس عليه أنواعٌ من التعذيب النفسي والجسدي، فالأمر ليس بالسهل واليسير، بل هو أقرب إلى الأمر العسير، ولا يصبر عليه ألا أهلُ التقوى والإيمان، والإرادة القوية والعلم والبيان، حتى لخَّص بعض الشعراء حالة السجين ونفسيته بقوله:
خَرَجْنَا من الدنيا وَنَحْنُ مِنَ اهْلها
فَلَسْنا منَ الأمواتِ فيها ولا الْأَحْيَا
إذا دخلَ السجَّان يومًا لحاجة
عَجِبْنا، وقلنا: جاءَ هذا من الدنيا
ونفرحُ بالرؤيا، فَجُلُّ حديثِنا
إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإنْ حسُنت كانت بطيئًا مجيئُها
وإن قبُحت لم تنتظرْ وَأَتَتْ سَعْيا
فلا ينبغي لأحد أن يتمنَّى البلاء، أو يرجو حصوله؛ لأنه لا يعلم العاقبة، أو المصير والمآل، وقد تخونه قواه، ويفقد عزيمته، وتزلُّ قَدَمُه، ولذا جاء الحديث عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُم الْمَوْتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُم انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا))؛ رواه مسلم.
لكن من ابتُلي به فعليه أن يستثمر وقته، ويتزوَّد منه، ويكثر من الدعاء والتضرُّع وبثِّ الشكوى إلى المولى سبحانه أن ينجِّيَه ويرزقه العافية، ويخلو مع ربه ويراجع حساباته، ويكثر من تلاوته للقرآن، والذكر والتسبيح والاستغفار.
وممن ابتُلي بهذا البلاء فنجَّاه الله من الغم، وأبدله فرحًا ونجاة، وتوبة وسرورًا: سيدنا يونس عليه السلام حيث حبس في بطن الحوت، وسجن في ظلمات ثلاث؛ قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 87، 88].
ومنهم سيدنا ونبيُّنا يوسف عليه السلام اتخذ من السجن مدرسةً للتعليم والدعوة، ومكانًا للخلوة والعبادة والذكر والتسبيح، وفي النهاية وبعد سنين أبى أن يخرج من السجن حتى يُظهر اللهُ الحقَّ، ويكشف زيف الباطل، وكان يكثر من الدعاء بأن يصرف الله عنه كيد الكائدين: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 33 - 37]، فخرج من السجن مرفوعَ الرأس، ومكَّنه الله من الحكم وخزائن الأرض يقسم بالسوية والعدل، وينشر الرحمة والفضل.
ومن أصحاب نبيِّنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل خبيب بن عدي رضي الله عنه لمَّا حبسه المشركون ليقتلوه، وقيَّدوه لينتقموا منه حصل له من الكرامة ما يحصل لأولياء الله سبحانه، تقول مارية مولاة حجير بن أبي إهاب: "حُبِسَ خبيب في بيتي، ولقد اطَّلعت عليه، وإن في يده لقطفًا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه"، فلمَّا خرجوا به من الحرم إلى التنعيم ليقتلوه، جعلوا يفاوضونه على إيمانه وثباته ليتنازل عنه، فكان إيمانه قويًّا كالجبال الرواسي.
ومن أئمة الهدى الإمام أبو حنيفة النعمان حينما سُجن في بغداد بسبب رفضه تولِّي القضاء، فأمر الخليفة بضربه وسجنه، ولسان حاله يقول كما قال سيدنا يوسف: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ [يوسف: 33]، وفي ظلمة السجن لقي من التضييق والتشديد، والعنت والتنديد، ولكن عزيمته لم تلن، وإيمانه لم يخبُ حتى فاضت روحه إلى خالقها.
ومنهم الإمام ابن تيمية رحمه الله؛ فقد سجن سبع مرات مجموعها تقريبًا ست سنوات، منها سجنه بدمشق مدة ستة أشهر، وقد استثمرها في التأليف وكتابة الرسائل والردود على المخالفين، وأطول الفترات هي محبسه للمرة السابعة، مدتها عامان وثلاثة أشهر ونصف تقريبًا، ومنها أخرجت جنازته من سجن القلعة إلى المقبرة، وقد فتح الله عليه العلم والدعاء، ولذَّة المناجاة والعبادة بالرغم من حرمانه من قراءة الكتب، ووسائل الكتابة، فكان زاده في الخلوة الدعاء، وقوته فيها التضرع والبكاء، وغذاؤه الذكر والالتجاء، يقول تلميذه البار ابن القيم رحمه الله وهو يصف أحواله، وينعت أخباره، ويحكي لنا أسراره: "قال لي مرَّة: ما يصنعُ أعدائي بي؟! أنا جنَّتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بدلت لهم ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما سببوا لي فيه من الخير، وكان يقول في سجودِه وهو محبوس: اللهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وقال لي مرة: المحبوس من حُبس قلبُه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَاب ﴾ [الحديد: 13]، وعلم اللهُ: ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قطُّ، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرِّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتدَّ بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب عنَّا ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، وكان يقول: إن في الدنيا جنَّة من لم يدخلها لا يدخل جنَّة الآخرة، فسبحان من أشهد عباده جنَّته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها".
وقد سجن أحد مشايخنا حفظه الله في السجن الانفرادي وهو من أشد أنواع الحبس حيث يبقى المحبوس واقفًا على قدميه طيلةَ أشهر عدة، فاستغل فترة وجوده في ترتيب أولوياته، ومراجعة حساباته، وما تعلَّمه من علوم ومعارف، وحفظه لكتاب الله حتى أَلَّفَ في مخيِّلَتِه كتابًا، ورتَّبَ في ذهنه مؤلَّفًا، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء.
فالواجب أن يتأسَّى المؤمن بهؤلاء الأئمة، وأن يحذوَ حذوهم، ويسير على منوالهم، ويقتفي أثرهم؛ لتكون له العاقبة الحميدة والسيرة المجيدة، وألا يظهر الشكوى لغير المولى، وليحذر من اليأس والقنوط، وليعلم بأن الفرج مع شدة الكرب.
فاللهم فَرِّجْ عن إخواننا المعتقلين في سجون العراق، ونفِّس عن كلِّ مكروب، وأرجعْه سالمًا غانمًا لأهله وذويه، وارحم من مات منهم وارزقه الجنان، وارزق أهله الصبر والسلوان.
وصلِّ اللهم وسلِّمْ على سيد البشر نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين.
الوقفة كاملة
|
| ٦٧ |
الكل
كلمات البحث
تسجيل دخول تسجيل دخول
إنشاء حساب إنشاء حساب
الرئيسية
الرئيسية
ركن الخطب
ركن الخطب
الملتقيات الحوارية
الملتقيات الحوارية
المقالات الخطابية
المقالات الخطابية
الكتب والمقالات
المكتبة الخطابية
الملفات العلمية
الملفات العلمية
portal.scientific_discoveries
الكشاف العلمي
مشاريعنا
مشاريعنا
الأسئلة الشائعة
الأسئلة الشائعة
الملتقيات الحوارية
ملتقى خطبة الأسبوع
جبر الخواطر من مكارم الأخلاق
جبر الخواطر من مكارم الأخلاق
ahmed-muhamed ahmed-muhamed1443/01/10 - 2021/08/18 05:48AM
Noto Arabic Naskh
Aa
جبر الخواطر من مكارم الأخلاق
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إلاه إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله إمام النبيين
وبعد
العناصر
أولا: فضل جبر الخواطر والترغيب فيه ثانيًا: جبر النبي صلى الله عليه وسلم للخواطر
ثالثًا: نماذج عملية لجبر الخواطر رابعًا: وسائل جبر الخواطر
الموضــوع
مفهوم جبر الخواطر: الجبر عادة يقال عن العظم وهو أكثر ما يؤلم عندما يكسر، فنضع له جبيرة كى يلتئم.. وعكس «الجبر» «الكسر»، ولكم أن تتخيلوا كم هو مؤلم كسر العظام ومعروف إنها لا تلتئم بسهولة وأحيانا يترك الكسر شروخا، لذا سمى بالجبر لأنه يحتاج وقتا ولا يأتى ببساطة لأن عادة الجبر يكون لكسر موجع.. والخاطر هو القلب أو النفس فيقال أخذ على خاطره: يعنى حزن وقلبه تأثر.. وجبر الخواطر بسيط جدا ولكن الإيجو أو الأنا دائما عند البشر يطغى. نخشى من أى فعل من ناحيتنا فى معظم الأحيان من أجل أنفسنا أو الأنا المتضخمة داخلنا.
وجبر الخواطر خلق إسلامي عظيم يدل على سمو نفس وعظمة قلب وسلامة صدر ورجاحة عقل، يجبر المسلم فيه نفوساً كسرت وقلوباً فطرت وأجساماً أرهقت وأشخاص أرواح أحبابهم أزهقت، فما أجمل هذه العبادة وما أعظم أثرها، يقول الإمام سفيان الثوري: “ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلي ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم”.
ومما يعطي هذا المصطلح جمالاً أن الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسني وهو “الجبار” وهذا الاسم بمعناه الرائع يُطمئنُ القلبَ ويريحُ النفس فهو سُبْحَانَهُ “الذِي يَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، والمَرَضَ بِالصِحَّةِ، والخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، والخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الخَلَائِقِ”. تفسير أسماء الله للزجاج (ص: 34).
أولا: فضل جبر الخواطر والترغيب فيه
تفريج الكروب وتيسير الأمور: عن أَبي هريرة رضى الله عنه عن النبيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ نَفَّس عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبةً منْ كُرب الدُّنْيا نفَّس اللَّه عنْه كُرْبةً منْ كُرَب يومِ الْقِيامَةِ، ومَنْ يسَّرَ عَلَى مُعْسرٍ يسَّرَ اللَّه عليْهِ في الدُّنْيَا والآخِرةِ، ومَنْ سَتَر مُسْلِمًا سَترهُ اللَّه فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، واللَّه فِي عَوْنِ العبْدِ مَا كانَ العبْدُ في عَوْن أَخيهِ،...) رواه مسلم
فإن نفست عن مؤمن كربة ألا تجبر بذلك خاطره، وإن يسرت له ما تعسر من شئون ألا تجبر بذلك خاطره، وإن سترت عيبه وحفظت سرت ألا تطمأن قلبه وتهدأ من روعه وتجبره، فجبر الخواطر يمكننا العثور عليه دائمًا في شتى الأمور وإن لم يذكر صراحةً نستدل عليه من أثره.
من أعظم القربات إلى الله تعالى: يقول الإمام سفيان الثوري: “ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلي ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم”.
أحب الأعمال إلى الله: عن عبدالله بن عمر رضي الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، و أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً ، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا ، و لأنْ أَمْشِي مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ اعْتَكِفَ في هذا المسجدِ ، يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا ، و مَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ ، و مَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ ، و لَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ ، و مَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَامِ ، [ و إِنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْسِدُ العَمَلَ ، كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ ]) صحيح الترغيب والترهيب
كان الصَّحابةُ رضِيَ اللهُ عنهم -لحرصِهم على الطَّاعاتِ وما يُقرِّبُ مِن رِضا اللهِ عزَّ وجلَّ- كثيرًا ما يسأَلون النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أفضَلِ الأعمالِ، وأكثرِها قُربةً إلى اللهِ تَعالى، فكانت إجاباتُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تختلِفُ باختلافِ أشخاصِهم وأحوالِهِم، وما هو أكثرُ نفعًا لكلِّ واحدٍ منهم.
وفي هذا الحديثِ يقول النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفَعُهم للناسِ"، أي: أكثَرُ مَن يَنتفِعُ الناسُ بهم، وهذا لا يَقتصِرُ على النَّفعِ المادِّيِّ فَقَطْ، ولكنَّه يمتَدُّ ليشمَلَ النَّفعَ بالعِلمِ، والنَّفعَ بالرَّأْيِ، والنَّفعَ بالنَّصيحَةِ، والنَّفعَ بالمَشورةِ، والنَّفعَ بالجاهِ، والنَّفعَ بالسُّلطانِ، ونحوَ ذلك، فكُلُّ هذه من صُوَرِ النَّفعِ التي تجعَلُ صاحِبَها يشرُفُ بحُبِّ اللهِ له، "وأحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ سُرورٌ يُدخِلُه على مُسلِمٍ"، أي: أنَّ أحَبَّ الأعمالِ: هي السَّعادَةُ التي تُدخِلُها على قَلبِ المُسلِمِ، وهذا يَختلِفُ باختِلافِ الأحوالِ والأفرادِ، فقد يتحقَّقُ السُّرورُ في قلْبِ المُسلِمِ بسُؤالِ أخيه عنه، وقد يتحقَّقُ بزيارةِ أخيه له، وقد يتحقَّقُ بهدِيَّةِ أخيه له، وقد يتحقَّقُ بأيِّ شَيءٍ سِوى ذلك، الأصْلُ أنْ تُدخِلَ السُّرورَ عليه بأيِّ طريقةٍ استطَعْتَ، "أو يَكشِفُ عنه كُربَةً"، والكُربَةُ: هي الشِّدَّةُ العظيمةُ التي تُوقِعُ صاحِبَها في الهَمِّ والغَمِّ، فمَنِ استطاعَ أنْ يَكشِفَ عن أخيه كُرُبَه، ويَرفَعَ عنه غَمَّه، فقد وُفِّقَ بذلك إلى أفضَلِ الأعمالِ، "أو يَقضي عنه دَينًا"، أي: تَقْضي عن صاحِبِ الدَّينِ دَينَه؛ وذلك فيمن يَعجَزُ عن الوفاءِ بدَينِه، "أو تطرُدُ عنه جُوعًا"، أي: بإطعامِه أو إعطائِه ما يقومُ مَقامَ الإطعامِ، "؛ ولِأَنْ أَمشِيَ معَ أخٍ لي في حاجَةٍ أحَبُّ إليَّ مِن أنْ أَعتكِفَ في هذا المسجِدِ، يعني: مسجِدَ المدينَةِ شَهرًا"، ففي قولِه هذا إشارةٌ إلى فضْلِ المشْيِ مع المُسلِمينَ في قَضاءِ حوائِجِهم، وتَيسيرِ العَقَباتِ لهم، حتى جاوَز هذا الفضْلُ الاعتكافَ في مسجِدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا يَدُلُّ هذا إلَّا على عَظيمِ فضْلِ السَّعيِ بين المُسلِمينَ لقَضاءِ حوائجهم، "ومَن كَفَّ غَضَبَه سَتَرَ اللهُ عَورَتَه"، وفيه إرشادٌ إلى ما يَجِبُ أنْ يأخُذَ المُسلِمُ به نفسَه وقتَ الغَضَبِ، من كَفِّ الغَضَبِ وكظْمِ الغَيظِ، وأنَّ عاقِبَةَ ذلك طَيِّبةٌ، وهي سَترُ اللهِ عزَّ وجلَّ لعَورَتِه، "ومَن كَظَمَ غيظَه، ولو شاءَ أنْ يُمضِيَه أمضاهُ مَلَأَ اللهُ قلْبَه رَجاءً يومَ القيامَةِ"، وهذا فضْلُ مَن كَظَمَ غيظَه للهِ، مع استطاعَتِه أنْ يُمضِيَ غيظَه، ولكِنَّه كَظَمَه ومَنَعَه للهِ؛ ولأنَّ هذا الأمرَ عزيزٌ على النَّفسِ، فكان فضْلُه عظيمًا، "ومَن مَشى معَ أخيه في حاجَةٍ حتى تتهيَّأَ له"، أي: حتى تُقْضى له، "أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَه يوم تَزولُ الأقدامُ"، أي: ثبَّت اللهُ قَدَمَه يومَ القيامَةِ على الصِّراطِ.
ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "وإنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفسِدُ العَمَلَ، كما يُفسِدُ الخَلُّ العَسَلَ"، خَتَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذه العِباراتِ، وهذا الإرشادِ، بعدَ أنْ أرشَدَ السائِلَ إلى أحَبِّ الأعمالِ إلى اللهِ تَعالى، وكأنَّه أرادَ أن يقولُ له: إنْ فَعَلتَ هذه الأعمالَ الصالِحَةَ، فإيَّاك أنْ يَفوتَك حُسْنُ الخُلُقِ؛ فإنَّ سوءَ الخُلُقِ يُفسِدُ الأعمالَ الصالِحَةَ، فَسادًا عَظيمًا، كما يفسُدُ العَسَلُ إذا وُضِعَ عليه الخَلُّ، فعليكَ -إذنْ- أنْ تَجتنِبَ سوءَ الخُلُقِ؛ فإنَّ سوءَ الخُلُقِ يُحبِطُ الأعمالَ، ويُضيعُ الثَّوابَ.
وفي الحديثِ: الحثُّ على مَكارِمِ الأخلاقِ والتَّحذيرُ من سُوءِ الخُلُقِ
من الدعاء الملازم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ : (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي ). سنن الترمذي (صحيح).
من صفات الله تعالى: فقد جبر الله تعالى خاطر نبيه يوسف عليه السلام لما ألقاه اخوته في الجُب، قال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } (يوسف)
فكان هذا الوحي من الله سبحانه وتعالى لتثبيت قلب يوسف –عليه السلام- ولجبر خاطره؛ لأنه ظلم وأوذي من أخوته والمظلوم يحتاج إلى جبر خاطر، لذلك شرع لنا جبر الخواطر المنكسرة.
وجبر الله خاطر ام موسى حين ردَّ موسى عليه السلام إليها لتقر عينها قال ـ تعالي: (فرددناه إلي أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون)
وجبر الله تعالى خاطر نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بعد ما أذاه قومه فخرج من مكة بأمر الله مهاجرا إلى المدينة، قال تعالى : {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }القصص:85
فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أحب مكة التي ولد فيها ونشأ أُخرج منها ظلما، فاحتاج في هذا الموقف الصعب وهذا الفراق الأليم إلى شيء من المواساة والصبر، فأنزل الله تعالى له قرآن مؤكد بقسم؛ أن الذي فرض عليك القرآن وأرسلك رسولا وأمرك بتبليغ شرعه سيردك إلى موطنك مكة عزيزا منتصرا وهذا ما حصل.
وقال تعالى : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} الضحى.
فانظر لروعة العطاء المستمر في هذه الآية حتى يصل بالمسلم لحالة الرضا، فهذه الآية رسالة إلى كل مهموم ومغموم، وتسلية لصاحب الحاجة، وفرج لكل من وقع ببلاء وفتنة؛ أن الله يجبر كل قلب لجأ إليه بصدق.
وعن عبداللَّه بن عَمْرو بن العاص رضي اللَّه عنهما: (أَن النَّبِيَّ ﷺ تَلا قَول اللَّهِ تعالى في إِبراهِيمَ عليه الصلاة والسلام: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم:36]، وَقَوْلَ عِيسَى عليه الصلاة والسلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]، فَرَفَعَ يَدَيْه وَقالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّه: يَا جبريلُ، اذْهَبْ إِلى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فسَلْهُ: مَا يُبْكِيهِ؟ فَأَتَاهُ جبرِيلُ، فَأَخْبَرَهُ رسولُ اللَّه ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُو أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبريلُ، اذهَبْ إِلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرضِيكَ في أُمَّتِكَ وَلا نَسُوؤُكَ) رواه مسلم.
ويجبر الله كل الخلق ويجبر من يدعوه باستجابة الدعاء وكشف الضر كما قال تعالى( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض) سورة النمل
ثانيًا: جبر النبي صلى الله عليه وسلم للخواطر
أبو امامه: كان صلى الله عليه وسلم يرشد الصحابة للحل ويدلهم على الطريق ويطيب خاطرهم فقد دخل -عليه الصلاة والسلام- ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال :”يا أبا أمامة، مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني، وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله -عز وجل- همك، وقضى عنك دينك، قلت: بلى يا رسول الله؟ قال:قل إذا أصبحت، وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، وأعوذ بك من العجز، والكسل، وأعوذ بك من الجبن، والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال، قال أبو أمامة: ففعلت ذلك، فأذهب الله -عز وجل- همي وقضى عني ديني”. سنن أبي داود
فقراء المهاجرين: عندما جاءوا مكسوري الخاطر وقالوا : يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: “أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» رواه مسلم.
الأطفال: كان لهم من جبر الخاطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيب فعن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله ـصلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس خلقاً ، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير – أحسبه قال: كان فطيما -، قال: فكان إذا جاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرآه قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير -طائر صغير كالعصفور-؟ قال: فكان يلعب به ) رواه مسلم
زيد بن أرقم -رضي الله عنه: “أنه لما سمع قول عبد الله بن أبي لأصحابه وكان بمعزل عن جيش المسلمين، ولم يأبهوا لذلك الغلام، فقال عبد الله المنافق لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، (أبلغ زيد عمه، وأبلغ العم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كلمة خطيرة جداً، أرسل النبي -عليه الصلاة والسلام- لعبد الله بن أبي، جاء، وحلف، وجحد، قال زيد: فصدقه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (وصار اللوم على زيد، كيف تنقل مثل هذا الكلام الخطير، أنت غلام لا تعلم ماذا يترتب على مثل هذا الكلام)، قال زيد: فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد، فبينما أنا أسير قد خفقت برأسي من الهم، (هذا غلام انكسر قلبه وخاطره من جراء رد قوله، ولوم الناس له وهو صادق)؛ إذ أتاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أني لي بها الخلد في الدنيا) وهو سبب نزول قول الله -تعالى- في سورة المنافقون : {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} سورة المنافقون:8 سنن الترمذي.
المحبين والمشتاقين: بل إنه عليه الصلاة والسلام جبر بخواطرنا نحن الذين نحبه ونشتاق إليه ونتمنى لو كنا إلى جانبه نذود عنه وننافح عن دعوته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ووَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ” قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ” بَلْ أَنْتُمْ أَصْحابِي، وَإِخْوَانُنَا لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ “، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ” أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ ” فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ” فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ “. رواه مسلم
تطييب قلوب المنكسرين: عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: لقيني رسول الله ﷺ فقال لي: يا جابرُ ما لي أراكَ منكسِرًا ؟ قلتُ : يا رسولَ اللَّهِ استُشْهِدَ أبي قُتِلَ يومَ أُحُدٍ ، وترَكَ عيالًا ودَينًا ، قالَ : ( أفلَا أبشِّرُكَ بما لقيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ ؟ ) قلتُ : بلَى يا رسولَ اللَّهِ قالَ : ما كلَّمَ اللَّهُ أحدًا قطُّ إلَّا من وراءِ حجابِه وأحيى أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا فقالَ : يا عَبدي تَمنَّ عليَّ أُعْطِكَ قالَ : يا ربِّ تُحييني فأقتلَ فيكَ ثانيةً قالَ الرَّبُّ تبارك وتعالَى : إنَّهُ قد سبقَ منِّي أنَّهم إليها لَا يُرجَعونَ قالَ : وأُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) سنن الترمذي( حسن)
ثالثًا: نماذج عملية لجبر الخاطر
الامام أحمد بن حنبل لم ينس من صبره وجبر خاطره وقت المحنة ( أبوالهيثم )فكان يدعو له في كل صلاة : “اللهم اغفر لأبي الهيثم … اللهم ارحم أبا الهيثم … قال ابن الإمام له : من يكون أبو الهيثم حتى تدعو له في كل صلاة ، قال : رجل لما مُدت يدي إلى العقاب وأُخرجت للسياط إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي : تعرفني ؟ قلـت : لا . قال أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار ، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضُربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين” .(مناقب الإمام أحمد/ ابن الجوزي (
موقف إنساني مع طفل مصابة بمتلازمة داون
وفي لقطة إنسانية تجسد معنى جبر الخواطر، فاجأ طفل مصاب بمرض "متلازمة داون" الجميع، بنزوله إلى أرض ملعب جامعة الملك سعود، خلال مباراة الهلال والقادسية، وتسبب هذا الطفل بتأخير المباراة عن موعدها المحدد بدقائق؛ حيث حاول أكثر من شخص إقناع الطفل بطريقة ودودة بالخروج من الملعب إلا أنه رفض.
وبينما كان الطفل يصر على البقاء داخل الملعب، حاول العماني علي الحبسي حارس الهلال، تبادل لعب الكرة معه في سبيل إقناعه للخروج، إلا أنه تمسك بالبقاء أيضًا.
وفي لفتة إنسانية طيبة من لاعبي الهلال، قاموا باصطحابه إلى منتصف الملعب وقدموا له الكرة، وهو ما منحه شعورًا كبيرًا بالسعادة وقرر بعدها الخروج من الملعب بكامل إرادته، ما أثار إعجاب الجماهير الذين قاموا بالتصفيق بحرارة كإشادة بتصرف لاعبي الهلال مع الطفل.
وأشعل الموقف الإنساني، تفاعلاً كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، في عدم إجبار الطفل على الخروج من الملعب، والتعامل معه بروح طيبة وود واضحين.
وقالت شقيقة الطفل سعود العصيمي، البالغ من العمر عشر سنوات، إن هذا الموقف أثر بشكل إيجابي على شقيقها؛ حيث إنه كان فرحًا بالكرة التي حصل عليها من لاعبي الهلال.
وأكدت أنه ظل حاملاً الكرة طوال الوقت منذ انتهاء المباراة، مشيرة إلى أنه رغم إصابته بمتلازمة داون إلا أنه يتفاعل بشكل كبير مع المجتمع باستمرار
الإمام الشعراوي والدكتور حُسام موافي ، هو واحد من أشهر دكاترة الباطنة في مصر و الوطن العربي ، يحكي هذا الحوار الذيي دار بينه وبين فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله – فيقول: أنه في مَره اتصل عليه الشيخ الشعراوي رحمه الله بيحجز عنده علشان يروحله العيادة و يكشف، فقال لا والله يا مولانا أنا سآتي إلى بيتك.
بعد الكشف سأله الدكتور حسام :ايه يامولانا أفضل عبادة أعملها تقربني من ربنا سُبحانه
و تعالي ، خصوصًا إني في أواخر عُمري ؟ الشيخ قال له :فكر أنت يا دكتور حُسام ايه أفضل عبادة ؟؟؟!!! الدكتور حُسام قاله : الصلاة ؟ الشيخ قاله : لا، قال له: الصيام ؟ الشيخ قاله : لا، قال له: العُمرة ؟ الشيخ قال له : لا، ثم تابع الشيخ قائلاً: أفضل عبادة هي" جبر الخاطر "
الدكتور حُسام قال له : كيف هذا يا مولانا ؟!! وما دليلك على هذا الكلام ؟ فرد عليه الشيخ الشعراوي قائلاً :من ألعن مِن الذي يكذب بالدين ؟ ، يعني من ألعن من شخص بيقول لا في ربنا و لا في رسول و العياذ بالله ؟ ، فرد الدكتور حسام :فعلا يامولانا مافيش اصعب من كدا !!، رد الشيخ الشعراوي قائلاً :ربنا بيقول : أرأيت الذي يُكذب بالدين ؟! ماذا يفعل؟ فذلك الذي يدُع اليتيم " .. يعني بيكسر خاطر اليتيم " و لا يحُض على طعام المسكين " .. يعني بيطرد المساكين ولا يجبر خاطرهم ثم بعد ذلك قال : " فويل للمصلين "اذا ثالث أمر قاله الصلاة ! ..
يعني أول أمرين ربنا ذكرهم هما : جبر الخاطر ، و الثالثة الصلاة ! ..
يكمل الدكتور حُسام موافي فيقول : خدت النصيحة بتاعت الشيخ الشعراوي في بالي واتوكلت على الله للبيت .. ثاني يوم كان اجازتي .. و في هذا اليوم أنا متعود أنزل يوم اجازتي اشتري شوية حاجات لزوجتي .. الخُضار و اللحمة وغيرها.. وأنا راجع للبيت افتكرت مكالمة تليفون كانت من جاري يقول لي: " اجبر خاطر يا دكتور حاول الذهاب إلى حماتي عندك في المستشفي مريضة .. اطمن عليها وطمنا ، وتابع الدكتور حسام موافي : افتكرت نصيحة الشيخ الشعراوي " اجبر خاطرًا " و جاري قالي جبر خاطر .. فحسيت انها رسالة من ربنا و مبعوتالي !
بالفعل قررت اذهب إلى المستشفي اللي بيشتغل فيها علشان أجبر خاطر جاري وذهبت لحماته في المستشفي، و فجأة جاء لي ألم شديد في صدري وأنا في المُستشفى و أخذت الدواء بعدها بدقيقتين لأني عرفت إنها جلطة في شُريان القلب ، فناديت على الدكتور قلت له اعطيني دواء كذا .. و فورًا اعطاني الدواء ..
الجلطة دي لو كانت جاءت لي و أنا بعيد عن المُستشفي أو في البيت و لم اجبر خاطر جاري ،كنت مت فورًا لأن أقوى إنسان في الدُنيا لو جاءت له جلطة في الشريان التاجي هيموت بعدها ب ٥ دقايق لو لم يأخذ الدُعامة .
ويختتم الدكتور حسام موافي قائلاً: فسُبحان الله و كأن ربنا بيقول لي جبرت بخاطر جارك و أخذت بالنصيحة .. جبرت انا بخاطرك و انقذت حياتك !.
مواقف لا تنسى: لا شك أن كل إنسان منا قد حُفر في ذاكرته أشخاص كان لهم الدور الفاعل والعمل الدءوب بمواقف سطرت وحفظت سواء بالقول أو الفعل أو رسالة أو فكرة أو كلمة خير جبرت نفوسا وأثلجت صدورا، فهذه المواقف تحفظ ولا تنسى، كما لم ينس النبي عليه الصلاة والسلام موقف المطعم بن عدي حين أدخله في جواره يوم عودته من الطائف حزيناً أسيفاً فقال يوم أسر أسرى بدر : “لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لأجبته فيهم” صحيح البخاري
مواقف يومية: فما أجمل أن نتقصد الشراء من بائع متجول في حر الشمس يضطر للسير على قدميه باحثا عن رزقه مساعدة له وجبرا لخاطره، وما أروع أن نقبل اعتذار المخطئ بحقنا وخصوصاً عندما نعلم أن خطئه غير مقصود وأن تاريخ صحبتنا معه طيب نقي، فالصفح عنه ومسامحته تُطَيِّبُ نَفسه وتَجبرُ خاطره، وتبادل الهدايا بين الأقارب والأصدقاء والأحباب من أجمل ما يدخل الفرحة للقلب والهناء للنفس وهي سبيل الحب، وبساط الود، وطريق الألفة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: “تهادوا تحابوا” البخاري.
والبر بأرقى صوره أن تشتري لوالديك ما يحتاجون وتفاجئهم بما يفقدون؛ دون طلب منهم أو سؤال بل كرم منك وتبرع، ففي هذا الفعل أجمل ما يسطر من جبر الخواطر وإدخال الفرح والسرور على قلوبهم، كما لا ننسى صاحب الحاجة والمسكين الذي انكسر قلبه وذلت نفسه وضاق صدره ما أجمل أن نجعل له من مالنا نصيب ومن طعامنا ولو الشيء القليل ومن دعائنا ما نستطيع، بذلك نجبر كسرهم ونطيب قلوبهم ولا نشعرهم بالنقص، قال أحمد بن عبد الحميد الحارثي: “ما رأيت أحسن خلقاً من الحسين اللؤلؤي، كان يكسو ممالكيه كما يكسو نفسه”. (سير أعلام النبلاء (10/544
وفي هذا الزمان تشتد الحاجة إلى مواساة الناس والتخفيف عنهم وتطييب خاطرهم؛ لأن أصحاب القلوب المنكسرة كثيرون، نظراً لشدة الظلم الاجتماعي في هذا الزمان، وفساد ذمم الناس واختلاف نواياهم، ففي مجتمعاتنا ترى أن هذه معلقة لا هي زوجة ولا هي مطلقة، وهذه أرملة، وذاك مسكين، وهذا يتيم، والآخر عليه ديون وغم وهم، وهذا لا يجد جامعة، وذاك لا يجد وظيفة، وهذا لا يجد زوجة، أو لا يجد زواجاً، وذاك مريض والآخر مبتلى … والهموم كثيرة.
وتطييب الخاطر لا يحتاج إلى كثير جهد ولا كبير طاقة فربما يكفي البعض كلمة: من ذكر، أو دعاء، أو موعظة، وربما يحتاج الآخر لمساعدة، وينقص ذاك جاه، وينتظر البعض قضاء حاجة، ويكتفي البعض الآخر بابتسامة، فعلينا أن نجتهد بإدخال الفرح والسرور إلى قلوب إخواننا ولا نبخل على أنفسنا، فالصدقة والخير نفعه يعود إليك.
نحتاج اليوم إلى تطييب الخاطر، وقد تكون مواقع بعض الناس الاجتماعية مؤهلة لهم لذلك: كالمفتي، والعالم، والإمام، والخطيب، والطبيب، وهكذا المدير، فإن المدير يقوم بدور عظيم في تطييب خواطر الموظفين، والكلمة اللطيفة منه، والتشجيع، والدعم النفسي والمعنوي لا شك أن له أثر عظيم في نفوس من تحته، وقد يصبح المريض صحيحاً بمثل هذا، ويصلح المخطئ، ويزول حزن المهموم، والكلام يجب أن يُنتقى بمثل: التذكير برحمة الله، سعة فضله، إن مع العسر يسرا، بعد الهم فرجا، ومن يتق الله يجعل له مخرجا، انتظار الفرج عبادة، رحمة الله بالمضطرين، أمن يجيب المضطر إذا دعاه، المعونة تنزل على قدر الشدة، وهكذا من الكلام الطيب الذي جاء في الكتاب والسنة.
رابعًا: وسائل تطييب الخواطر
مواساة المنكسرين وتطيب خواطرهم لا يقتصر على الكلام فقط ، بل قد تكون المواساة وتطييب الخواطر بالمال ، وقد تكون بالجاه ، وقد تكون بالنصيحة والإرشاد ، وقد تكون بالدعاء والاستغفار لهم ، وقد تكون بقضاء حوائجهم ، فعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة ، فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة ، وكلما قوي قويت (الفوائد (17) بتصرف) .
فمن وسائل تطييب النفوس ما يلي :
المواساة عند فقد الأحبة أو عند حدوث المصائب: فإن مما يجبر كسر النفوس المصابة عند فقد الأحبة : لطيف التعزية ، فإن الكلمة الطيبة للمصاب يثبت بها بإذن الله ويغدو صبره عليها سهلاً يسيراً ، فإن العبد ضعيف بنفسه ، فإذا وجد هذا يعزيه ، وهذا يسليه ، سهلت عليه الأمور العظام .
وعندما توفيت ابنة المهدي جزع عليها جزعاً لم يسمع بمثله فجلس الناس يعزونه فجاءه ابنُ شيبة يوماً فقال له : أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً ، وأعقبك صبراً ، ولا أجهد الله بلاءك بنقمة ، ولا نزع منك نعمة ، ثواب الله خير لك منها ، ورحمة الله خير لها منك ، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده (وفيات الأعيان ) .
فلم يروا تعزية أبلغ ولا أوجز من هذه التعزية ، وكان مما سُرِّىَ على المهدي بها .
ومن لطيف التعزية ماقيل من بعض الأعراب عندما دخل على بعض ملوك بني العباس وقد توفي له ولد اسمه العباس فعزاه ثم قال : خير من العباس أجرك بعده * والله خير منك للعباس.
ابن لهيعة قاضي مصر حين احترقت مكتبته العظيمة، واحترقت داره، بعث إليه الليث بن سعد من الغد بألف دينار، الدينار أربعة غرامات وربع من الذهب، أي: أربعة آلاف ومائتين وخمسين غراماً من الذهب.
عروة بن الزبير رجع من سفر، مات ولده بالعين، وقطعت رجله بالغرغرينا، وقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، سمع إبراهيم محمد بن طلحة بما حصل لعروة بن الزبير، فذهب إليه يواسيه، فقال: والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أرب في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضاءك، وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض -إن شاء الله-، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء، من علمك ورأيك، والله ولي ثوابك والضمين بحسابك،
الاعتذار للآخرين ، وقبول أعذار المعتذرين : فالحرص على الاعتذار عند الخطأ ، من وسائل تطييب النفوس ؛ لأن الإنسان يَرِدُ عليه الخطأ في تعامله مع الناس ؛ وكفاره ذلك الذنب هو الاعتذار .
وكذلك هو الحال ( لمن أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته ؛ فإن التواضع يٌوجب عليك قبول معذرته ، حقاً كانت أو باطلاً ، وتكل سريرته إلى الله ...) (مدارج السالكين ).
تبادل الهدايا : للهدية أثر واضح في تطييب النفوس ، وتصفية القلوب من الأدغال و الأحقاد ، فعن أنس رضي الله عنه أنه قال : ( يا بني ! تباذلوا بينكم؛ فإنه أودُّ لما بينكم ) ( رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني ) .
الابتسامة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تَبسُّمكَ في وجه أخيك لك صدقة » (رواه الترمذي وصححه الألباني) يعني : أن إظهارك البشاشة والبشر إذا لقيته تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة (فيض القدير ) ، فضلاً عن كونها تطيب النفوس ، وتزيد المحبة .
قال ابن عيينه رحمه الله : " البشاشة مصيدة المودة " ، فقد يصادفك شخص في الطريق وأنت مهمومٌ مغمومٌ حزينٌ ؛ فيبتسم في وجهك ، فتشعر أنه همك قد زال ، وحزنك قد رحل .
وجاء في الأثر أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : « ما مِن مُسلِمَينِ يَلتَقِيانِ"، أي: يَجتَمِعانِ في طَريقٍ أو نَحوِه، "فيتَصافَحانِ"، أي: فيُسلِّمُ أحَدُهما على الآخَرِ مُصافَحةً باليَدِ، "إلَّا غُفِرَ لهما"، أي: كان ثَوابُهما مَغْفِرةً مِن اللهِ تعالى، "قَبْلَ أن يَفْتَرِقا"، أي: يُغْفَرُ لهما في ذلك الموقِفِ قبلَ أن يَتْرُكَ أحَدُهما الآخَرَ، فيَفْترِقا في الطُّرُقِ. »(رواه ابو داوود ) فالابتسامة إذن تنشر المحبة بين المسلمين ، وتطيب خواطرهم ، وتبعث الاطمئنان في نفوسهم وقلوبهم .
قضاء حوائج الناس : فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة» (رواه النسائي ، وصححه الألباني ) .
قال حكيم بن حزام رضي الله عنه "ما أصبحت وليس ببابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها " (سير أعلام النبلاء ) .
ومشى بَقِي بن مخلد مع ضعيف في مظلمة إلى إشبيلية ، ومشى مع آخر إلى إلبيرة ، ومع امرأة ضعيفة إلى جَيَّان (سير أعلام النبلاء ) هذا مع كثر عبادته ، وكثرة طلابه وانشغاله بالعلم والتأليف .
التزاور : زيارة المريض حال مرضه ، وزيارة الإخوان بين حين وآخر له أثر كبير في تطييب النفوس ، وتنمية المودة والألفة
فهم النفسيات : النفس البشرية كالبحر ، والنفوس تختلف باختلاف أصحابها ، فما يصلح لهذه قد لايصلح للأخرى ، ولله در شبيب بن شيبة حينما قال : "لا تجالس أحداً بغير طريقه ، فإنك إذا أردت لقاء الجاهل بالعلم ، واللاهي بالفقه ، والعِيِّ بالبيان آذيت جليسك " ( آداب العشرة ) وهذا المنيعي حسان بن سعيد المخزومي عندما أراد أن يبني جامعاً أتته امرأة بثوب لتبيعه وتنفق ثمنه في بناء ذلك الجامع ، وكان الثوب لا يساوي أكثر من نصف دينار ، فطيب خاطرها ، واشتراه منها بألف دينار ، وخبأ الثوب كفنا له (سير أعلام النبلاء ) .
إخفاء الفضل والمنة عند جبر الخواطر : كان القعقاع بن شَوْرٍ إذا قصده رجلٌ ، وجالسه ، جعل له نصيباً من ماله ، وأعانه على عدوه ، وشفع له في حاجته ، وغدا إليه بعد المجالسة شاكراً (الكامل للمبرد ) .
اعطاء اليتامى والفقراء من الميراث عند حضور قسمة الميراث: عند مشاهدة بعض الفقراء أو اليتامى شيئا من قسمة الميراث فمن الأفضل أن يخصص لهم من المال شيئا يجبر خاطرهم ويسد حاجتهم حتى لا يبقى في نفوسهم شيء، قال تعالى: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}. النساء: 8
التعامل مع اليتيم والسائل برفق: قال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} سورة الضحى9-10 ، أجمل تطييب للخاطر وأرقى صورة للتعامل قال ابن قدامه -رحمه الله-: “وكان من توجيهات ربنا -سبحانه وتعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم، فكما كنت يتيماً يا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، ولا تذله، بل: طيب خاطره، وأحسن إليه، وتلطف به، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك، فنهى الله عن نهر السائل وتقريعه، بل: أمر بالتلطف معه، وتطييب خاطره، حتى لا يذوق ذل النهر مع ذل السؤال”. (تفسير ابن كثير (
وقد عاتب الله نبيه محمد-صلى الله عليه وسلم- لأنه أعرض عن ابن أم مكتوم وكان أعمى عندما جاءه سائلا مستفسرا قائلا: علمني مما علمك الله، وكان النبي –عليه الصلاة والسلام- منشغلاً بدعوة بعض صناديد قريش، فأعرض عنه، فأنزل الله: عَبَسَ وَتَوَلَّى*أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى*وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى*أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى سورة عبس:1 – 4، (التفسير البسيط للواحدي (
اعطاء المطلقة حقها في المتاع، وهو حق على المحسنين، متاعاً بالمعروف، فإذا لم يفرض لها مهر كان المتاع والتمتيع واجباً على المطلق، وإذا كان لها مهر أخذته، فإن تمتيعها بشيء تأخذه معها وهي ترتحل من مال غير المهر، أو ثياب، أو حلي، ونحو ذلك؛ جبراً لخاطرها، وتطييباً للقلب المنكسر بالطلاق،(مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ) سورة البقرة 236، (فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) سورة الأحزاب28، لماذا؟ لأن القلب قد حصل فيه انشعاب، والنفس قد كُسرت وكسرها طلاقها، فجبر الكسر بالمتاع من محاسن دين الإسلام.
وسائل أخرى: لنعلم أن المريض، والمهموم، والحزين، والطبيب، والموظف، والداعية، والغني، والفقير، والصغير، والكبير، الكل يحتاج إلى الكلمة الطيبة ، والابتسامة المشرقة ، والتعامل الحسن ، فجميعنا يحتاج إلى هذه العبادة .
ولذلك ينبغي على الجميع إحياء هذه العبادة وتفعيلها مع الصغار والكبار ، مع المرضى والأصحاء، مع الطلاب والمعلمين ، مع العالم والجاهل ، مع المصيب و المخطيء .
فقد يصبح الطفل من العلماء والعظماء النابهين النافعين ، لأمته بكلمةٍ تشجيعية يسمعها من معلمه ، أو أحد والديه .
وقد يصبح المريض الذي أعياه الألم ، صحيحاً سليماً معافى بعبارة مشجعة ، ودعوة طيبة ، وابتسامة صادقة ، من زائريه .
وقد يصبح المخطئ والمقصر والمسرف على نفسه صالحاً مصلحاً بموعظة حسنة وذكرى نافعة وتوجيه سديد .
ولابد من استثمار موقف الضعف عند العبد ؛ لربطه بالله وحده .. فهو سلوة المنكوبين .. وملاذ المنكسرين .. وهو الذي يملك كشف الضرِّ .. " أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ " [النمل :62] . وتذكيره بالثواب العظيم لأهل البلاء ؛ كما جاء عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وَصَب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غَمٍّ حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (رواه البخاري ) .
وكم من أُناس تبدَّلت أحوالهم ، وتغيَّرت أمورهم ، بسبب فتنة أو محنة ألمت بهم ، وتصبيرهم وتثبيتهم حتم وواجب ؛ حتى لا يكونوا ممن تعصف بهم الأزمات والفتن ، وتموج بهم رياح الابتلاء والمحن .
نسأل الله أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يؤلف بين قلوبنا ، ويصلح ذات بيننا ، ويجعلنا هداة مهتدين ، غير ضالين ولا مضلين .
نسأل الله –تعالى- أن يجعلنا من القائمين بحقوق إخواننا، ونسأله سبحانه أن يؤلف بين قلوبنا ويصلح ذات بيننا.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين
الوقفة كاملة
|
| ٦٨ |
جبر الخواطر عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلق إسلامي عظيم، يدل على سمو نفسه، وعظمة قلبه، ورجاحة عقله. بهذا الخلق، يجبر النبي نفوساً كُسرت، وقلوباً فطرت، وأرواحاً أزهقت، وأجساماً مرضت.
وجبر الخواطر عبادة وطاعة لله، تعالى، وجبر النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يقول بين السجدتين «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني». و«جبر الخواطر» صفة من صفات الأنبياء، فهم يتسمون بحسن المعاملة وطيبة القلب. وسُئل الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن أكثر الأفعال التي يدخل بها الإنسان الجنة، فقال: «التقوى وحسن الخلق»، وجبر الخاطر من حسن الخلق، وصفة إسلامية وإنسانية عظيمة، ولا تصدر إلا من صاحب القلب الطيب والأخلاق الحسنة، فهي مداواة للقلب.
يقول د. حمزة النشرتي في كتاب «آل بيت النبي»، كانت معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته وأولاده ولكافة الناس أكمل معاملة وأتمها، وكان الرجل الذي يقود الأمة، ويحمل هم الدعوة وإصلاح المجتمع، ومع هذا كله لم يمنعه ذلك من رعايته واهتمامه لأهل بيته.
كان الوفاء صفته صلى الله عليه وسلم، ومن صور ذلك وفاؤه لزوجته السيدة «خديجة»، فلم يتزوج عليها حتى ماتت إجباراً لخاطرها، لنصرتها له، ودعوته، والوقوف إلى جانبه بنفسها، ومالها، فبقي النبي وفياً لها حتى بعد وفاتها، حيث كان إذا ذبح شاة يُرسل بعض اللحم إلى صديقاتها، ويذكر مواقفها معه أمام زوجاته الأُخريات.
ومن صور المودة، والرحمة وجبر الخواطر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، مع زوجاته أنه ذات يوم دخل على «صفية» رضي الله عنها وهي تبكي، فسألها عن سبب بُكائها، فقالت إن حفصة عيّرتها بأنها ابنة يهودي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكِ ابنة نبي وإن عمكِ نبي وإنكِ تحت نبي.. فبم تفخر عليكِ) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (اتقي الله يا حفصة)، وفي هذا الحديث تطييب لخاطر السيدة «صفية» رضي الله عنها.
وكان لهن نعم الزوج من خلال المعاملة الحسنة معهن، تقول السيدة «عائشة» رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألين الناس وأكرم الناس، كان رجلاً من رجالكم إلا أنه كان ضحاكاً بساماً، كان بشراً من البشر يحلب شاتهُ، ويخدم نفسه، كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، وكان يعمل ما يعمل الرجال في بيته، وكان في خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة).
كان حريصاً على إدخال الفرح، والسرور على زوجاته، ويتعامل مع كل واحدة منهن بما يُناسب عُمرها، وميولها، ومن ذلك موقفه مع السيدة «عائشة» رضي الله عنها، حيث تقول: (لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على باب حجرتي والحبشةُ يلعبون في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم)، كما أنه كان يُناديها بالحُميراء، لما فيها من معاني الدلال، والمحبة لها وجبراً لخاطرها. وكان النبي يستغل أي موقف لإدخال السرور عليهن، فقد رُوي أنه تسابق مع «عائشة» مرتين، فسبقته في الأولى، وسبقها في الثانية، وقال لها: هذه بتلك.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ آراءهن في بعض أمور الدين، والدولة، ومن ذلك مُشاورته لزوجته «أم سلمة» رضي الله عنها في صُلح الحُديبية عندما أمر الصحابة بالتحلل من إحرامهم، فلم يقم أحد منهم، فاستشار زوجته «أم سلمة» في ذلك، فقالت له: (اخرج ثم لا تُكلم أحداً منهم كلمةً، حتى تنحر بُدنك، وتدعُو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يُكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك نحر بُدنهُ، ودعا حالقهُ فحلقهُ، فلما رأوا ذلك قامُوا، فنحرُوا وجعل بعضُهم يحلقُ بعضاً حتى كاد بعضُهم يقتُلُ بعضاً غماً)، وهذه المشورة تزرع السكن والمودة وتطيب الخاطر بين الزوجين، فينسى الرجل همومه، وأعماله، ويكون بذلك مُحباً لأهل بيته.
يضيف أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري في موسوعة «السيرة النبوية»، ومن مواقف حرصه على إسعاد بناته أنه عليه الصلاة والسلام تكفل بالعقيقة عن الحسن والحسين ابني ابنته «فاطمة». عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم من «فاطمة»، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها.
وجبر بخاطر ابنته «زينب» بفداء زوجها أبي العاص بن الربيع، إذ كان من أسرى بدر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت «زينب» بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء زوجها بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت أمها السيدة «خديجة» أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا» فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها. وكان يأتمنهن على أسراره، ويقوم لهن، ويحسن استقبالهن، بالإضافة إلى أنه كان يسارع إلى تزويجهن بعد بلوغهن وتحقق رجاحة عقولهن ومتانة دينهن، وكان يأمرهن بالحجاب، ولبس الساتر من الثياب.
وأما معاملته لخدمه فكانت أحسن معاملة كما يحكي ذلك خادمه أنس بن مالك قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشر سنين والله ما قال لي: أفاً قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا.
واستمر النبي على هذا العدل حتى لما اشتد عليه المرض، إلا أنه في النهاية استأذن زوجاته في أن يُمرض في حُجرة عائشة فأذِنَّ له، وعلى الرغم من ذلك، كان صلى الله عليه وسلم، يعتذر إلى الله فيما لا يستطيع العدل فيه، وهو الميل القلبي، لأن الإنسان لا يملكه.
الوقفة كاملة
|
| ٦٩ |
من رحمة الرسول بالحيوان
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمرَة (طائر صغير) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تُعَرِّشُ(ترفرف بجناحيها)، فجاء النبي ﷺ فقال : (من فجع هذه بولدها؟، ردوا ولدها إليها).
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ قال : (بينا رجل بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى(التراب) من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له.. قالوا : يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر).
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: (بينما كلب يطيف بركية (بئر)، قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها (خُفَّها)، فاستقت له به، فسقته إياه، فغفر لها به).
قال رسول الله ﷺ: ( دخلت امرأة النار في هِرَّة(قطة)، ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا).
دخل النبي ﷺ بستاناً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جَمَل ، فلما رأى الجملُ النبيَّ ﷺ ذرفت عيناه، فأتاه رسول الله ﷺ فمسح عليه حتى سكن، فقال: (لمن هذا الجمل؟، فجاء فتى من الأنصار فقال : لي يا رسول الله ، فقال له: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا لي أنك تجيعه).
عن سعيد بن جبير ـ رضي الله عنه قال: (مَرَّ عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟، لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله -ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً
الوقفة كاملة
|
| ٧٠ |
خواطر حول الصلاة (2)
الصلاة رحلة عبر الزمن
أجمل ما في الصلاة أنها رحلة جميلة عبر الزمن، نحلُّ معه ونرتحل، نشهد تقلباته، ونشاهد تغيراته، فنرى فيها مظاهر القدرة الإلهية البديعة باديةً في صفحات هذا الكون الفسيح!
لكن الحياة المعاصرة بضوضائها وضجيجها، وزخارفها وزينتها - أفقدتنا الشعورَ الجميل بتقلبات الزمن، ورؤية آيات انقلاب الليل والنهار، التي تذكرنا بالموت والحياة! وضمر في نفوسنا هذا الإحساسُ رغم أهميته في التنبُّهِ إلى عظمة الله وبديع صُنعه، وربما كان سبب ذلك إلفَنا لها، واعتيادنا لمشاهدتها، أو اعتمادنا على الساعات، على الرغم من أنها مفيدة في تنظيم أوقاتنا، وضبط حركاتنا!
ولعلَّ من الحِكَم في ارتباط الصلاة بهذه الأوقات: إحياء لهذا الشعور الضامر، وردًّا إلى فطرةِ الحياة كلما حاول الشيطان أن يبعدَنا عنها! وصدق الله القائل: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].
وهذه الرحلةُ تمرُّ بعشرين محطة، عبر الليل والنهار، أشار إليها الحق سبحانه في كتابه، لكن أهمها خمسة، وسنمر على الأزمنة الباقية من خلالها.
أولاً: تبدأ هذه الرحلة في وقت الفجر؛ وذلك لأنَّ طلوع الفجر آية، وشهود هذه الآية يدفعُنا أن ننهض مسرعين لنقف بين يدَيْ من أبداها سبحانه، معظِّمين لجلاله في صلاة الفجر، أليس قد قال الله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78]؟
ثم نحط رحالنا بين يديه في غداة جميلة، وبكور مبارك، لنشهد الصبح وهو يتنفَّس، ونشاهد الإسفار الذي يسفر عن ضوء النهار.
في هذه الساعة المباركة من أول النهار نجلس كما جلس النبي صلى الله عليه وسلم، وندعو ربنا بما كان يدعوه، ونذكُرُه بما كان يذكره ويسبِّحه؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق: 39].
ثم نشهد أجمل منظر وأبهاه: إنها لحظات الإشراق! لحظة انتشار أشعة الشمس على صفحات الكون.
وعندما يكتملُ الانتشار، نقوم لنؤدِّيَ واجب التعظيم في سنَّة صلاة الضحى، وهذه الصلاة من سُنَن المرسلين، أليس قد قال الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴾ [ص: 17، 18]؟
قال ابن عباس: كنت أمرُّ بهذه الآية: ﴿ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴾ [ص: 18]، ولا أدري ما هي، حتى حدَّثتني أمُّ هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فدعا بوَضوء فتوضَّأ، ثم صلَّى صلاة الضحى.."[1].
ثانيًا: وهكذا تجري الشمس، ونقوم نحن إلى شؤون حياتنا، فما نشعر بها إلا وقد وصَلَت إلى قبة السماء، وهذا إيذانٌ بانتصاف النهار، وما أن تميل أدنى الميل - وميلها هذا آيةٌ من آياته - حتى ننهَضَ لنقفَ بين يدَيْ مَن أظهرها في صلاة الظُّهر.
وهذا الميل يقترن به حدث مهم، حدثنا عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ((أربَعٌ قبل الظُّهْرِ ليس فيهنَّ تسليمٌ، تُفتحُ لهنَّ أبوابُ السَّمَاءِ))[2].
وهذه الأربع هي سنَّة الظُّهر التي سنها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الزمن المبارك.
ثالثًا: ثم تجري الشمس، وتدلك دلوكًا، وتميل ميلاً إلى أن يبلغ ظلها: ظل الشيء مثله أو مثليه في الربع الثاني من منتصف النهار، فنقوم إلى صلاة العصر، نتفيَّأ في هذه الظلال رحماتِ الله تعالى، ونقف لنصلي قبل الفريضة سنَّة العصر التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((رَحِمَ اللهُ امرأً صلَّى قبل العصرِ أربعًا))[3].
وزمن العصر هو الطرفُ الثاني من النهار، كما جاء في التنزيل: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ﴾ [هود: 114]، وفيه تجتمع الملائكة؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((يتعاقبونَ فيكم ملائكةٌ بالليلِ وملائكةٌ بالنهارِ، ويجتمعون في صلاةِ العصرِ وصلاةِ الفجرِ، ثم يعرجُ الذين باتوا فيكم، فيسألُهم، وهو أعلمُ بكم، فيقول: كيف تركتُم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يُصلُّونَ، وأتيناهم وهم يُصلُّونَ))[4].
وهو زمن الأُفول، ويبدأ ضوءُها بالخفوت، ليوصف بالعشيِّ، أليس قد قال الله تعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ [غافر: 55]؟
وهكذا تجري نحوَ الغروب، ومنه تبدأ الشمس رحلة النهاية، وتبدأ بنَسْج خيوطها الذهبية على الجدران والأشجار، وهنا توصف بأنها شمس الأصيل، أليس قد قال الله تعالى: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 42]؟
إن وقتَ الغروب لا يقلُّ جمالاً وبهاءً عن وقت الشروق، وهو مشهدٌ يتجلَّى فيه خضوع الشمس بعد عزها، وانكسارُها بعد تألقها، وهذا الخضوع هو نوع من السجود لله سبحانه، أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذَرٍّ، أتدري أينَ تغرُبُ الشمسُ؟))، قلت: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: ((فإنها تَذهَبُ حتى تَسجُدَ تحتَ العرشِ، فذلك قولُه تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [يس: 38]))؟[5].
إن هذا التغيُّر هو آيةٌ من آيات الله سبحانه، ومظهر من مظاهر قدرته، تدعونا إلى تسبيح الله تعالى؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق: 39].
رابعًا: إن لحظةَ الغروب آية تتجلى في الآفاق، وهي تدعونا لنقفَ بعده بين يدي الله تعالى في صلاة المغرب.
لقد غابت الشمس عن أفقنا، وهي في غروبها هذا تأبى إلا أن تسعدنا بلون آخر من ألوانها البديعة، ألا وهو ظهور نوع من أنواع الشفق الذي أقسم الله به عندما قال: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾ [الانشقاق: 16]، وهو قسَمٌ يشير إلى أهميته وعظَمته.
وهكذا غابت الشمس، وبغروبها دخل الليل وحلَّ المساء، وفي المساء أدعيةٌ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بها، وأذكار يذكر بها اسم ربه، فما أجملَ أن تقوم في هذا المقام الكريم بمثل ما قام به النبيُّ صلى الله عليه وسلم!
خامسًا: ثم يظهر الشَّفَق الأحمر، وما دام هذا الشفق ظاهرًا مرئيًّا، فالوقت وقت المغرب، فإذا غاب حلَّ الظلامُ، وبغيابه دخل وقت صلاة العشاء الآخرة، وهي آخرُ أعمال العبادة قبل أن نستسلم إلى النوم العميق.
والزمن الذي يستغرق العِشاءَين: المغرب والعشاء وصفه الله بـ غسق الليل، بقوله: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ [الإسراء: 78].
ولكنْ لليل وظائفُ متعددة غير النوم، ومن أهم وظائفه: التهجُّد في الثُّلث الأخير من الليل، وهو وقت الأسحار، أليس قد قال الله تعالى: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 18]؟
فما أجملَ أن نحطَّ رحالَنا بين يديه في ذلك الوقت المبارَك والناس نائمون!
في وقت ينزل فيه ربُّنا - تبارك وتعالى - إلى السماء الدنيا، فيقول: ((مَن يدعوني فأستجيبَ له، مَن يسألُني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له))[6].
والتهجُّد من سُنن الأنبياء والصالحين من عباده، يدفعهم حبُّهم لربهم إلى هجرِ المضاجع، والقيام بين يديه، وقد أخبَر عنهم الحق بقوله: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: 16، 17].
وهكذا تنتهي هذه الرحلةُ المباركة، وأجمل ما فيها أننا نتحرَّى ذِكر الله، وتسبيحه وتعظيمه، والسجود بين يديه في هذه الأزمنة المتعاقبة، ونجري في عبادتنا لله كجري الشمس والكواكب وغيرها من خَلق الله تعالى.
إن الشعور الذي ينتابنا في هذه اللحظات له نكهة خاصة، لا يتذوقُها إلا مَن عرف الله حق معرفته، وملأ قلبه بتعظيمه والخشية منه، وما مثله إلا كمثل العاشق الولهان الذي ينتظر ساعةَ الوصال، ويترقب لحظة اللقاء على أحرَّ مِن الجمر!
إن هذه الأزمنة بألوانها المختلفة، وأطيافها المتنوعة: بمثابة أعراس الكون، ومواسمه المبارَكة، وقد كرَّم الله تعالى هذا الإنسان، فأذِن له بحضور هذه الأعراس والمواسم! ولكن أهمها وأعظمها ظهورًا هي أوقاتُ الصلوات الخمس المفروضة!
وزاد من حسنها، وبهائها: طريقة الإعلام بها، وهو الأذان، الذي هو بمثابة نشيد الإسلام، تصدح به الحناجر، ويتردد صداه في الآفاق!
فما أجمله من نداء، لا سيما وأنت تستشعر أن ملِك الملوك يدعوك لزيارته!
وهو يبدأ بـ كلمة عظيمة: الله أكبر، وتعني: أن اللهَ أكبرُ من أن نعرف كُنْهَ كبريائه وعظمته، وأكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو أكبر من كل شيء، وفي ذلك إشارة إلى ترك كل ما أنت فيه، والإسراع في إجابة النداء!
الوقفة كاملة
|