أسرار بلاغية
| ٣٧١ | {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)} أي إلا إذا أراد ربهم أن يرحمهم فينقذهم ويمتعهم في الحياة إلى أجل، فنفى الإنقاذ إلا من طريق رحمة الله لهم. والتعبير يحتمل معنيين: الأول: أن ينقذهم رحمة بهم ويمتعهم إلى حين. والمعنى الآخر: أن إنقاذهم على نوعين : إنقاذ رحمة وإنقاذ تمتيع. وذلك أن قسمًا من هؤلاء الناجين يؤمنون بعد الكفر ويهتدون بعد الضلال، فكان إنقاذهم رحمة منه تعالى. والقسم الآخر يبقون على ضلالهم فيكون إنقاذهم متاعًا إلى حين. والقسمان نالتهم رحمة الله والمتاع على حين. فالذين آمنوا نالتهم رحمة الله بإنقاذهم من الغرق وبإيمانهم. والذين لم يؤمنوا نالتهم رحمة الله بالنجاة من الغرق. وعلى هذا فكلهم مرحومون ممتعون، ولكن منهم من نالته رحمة أوسع بنجاته وإيمانه. وقال: {رَحْمَةً مِنَّا} ليدل على أن الرحمة بهم كانت منه سبحانه، وإلا فليس ثمة من يرحمهم ويغيثهم. وحتى لو أغاثهم أحد فذلك برحمته سبحانه لهم وتهيئته من ينجيهم، فهم لا ينقذون إلا برحمته سبحانه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}: "وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمتاع، أي فمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة، وفيمن علم أنه لا يؤمن فليتمتع زمانًا ويزداد إثمًا. وثانيهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام، بل الزوال في الدنيا لا بد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين، ثم يميته، فالزوال لازم أن يقع" (۱). وقد تقول: لقد قدم الرحمة ههنا على الجار والمجرور فقال: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا}، فهل يصح أن يقدم الجار والمجرور على الرحمة فيقول: (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعًا إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا رحمة ومتاعًا إلى حين) كما قدم ذلك في مواطن من القرآن الكريم، وذلك نحو قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} {هود: 9}. وقوله: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ}{الشورى: 48}. وما الغرض من هذا التقديم والتأخير؟ فنقول: ههنا سؤالان: السؤال الأول: هل يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية (يس)؟. والآخر: ما الغرض من هذا التقديم والتأخير فيما ورد من نحو ذلك في القرآن؟. أما الجواب عن السؤال الأول فنقول: إنه لا يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية (يس) ، لأن المعنى سيختل، ذلك أنه لو قال: (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعًا على حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا) كان المعنى أنه سينقذهم من الله تعالى منقذ وينجيهم منه مغيث رحمة ومتاعًا إلى حين، وبذلك يكون الله عاجزًا عن إغراقهم، تعالى عن ذلك؛ لأنه سيكون من ينقذهم من الله، ولذا لا يصح التقديم في الآية. أما تقديم الجار والمجرور فيما ذكرناه من آيتي هود والشورى فذلك ما يقتضيه المقام. فإنه سبحانه وتعالى قال في هود: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} {هود: 9 – 10}. وقال في الشورى: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} {الشورى: 48}. في حين قدم الرحمة على الجار والمجرور في سورة فصلت فقال: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} {فصلت: 49 - 51}. ومن النظر في المواطن الثلاثة يتضح أن الكلام في (فصلت) على الرحمة أكثر وأثرها على الإنسان أوسع مما في هود والشورى، فإنه في هود لم يذكر إلا إذاقته إياها ونزعها منه، فذكر حالة نزع الرحمة فقط ولم يذكر أثر الرحمة عليه. وأما في الشورى فإنه لم يزد على أن قال: (فرح بها). وأما في (فصلت) فقد فصل وأطال في وصف أثرها فيه واحتفائه بها فناسب تقديمها في (فصلت). ونحو ذلك قوله تعالى في سورة هود: {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} {هود: 28} بتقديم الرحمة على الجار والمجرور. وقوله في السورة نفسها: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} {هود: 63} بتقديم الجار والمجرور على الرحمة. ومن النظر في سياق الآيتين يتضح سبب التقديم والتأخير فيهما. قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} {هود: 25 - 28}. وقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} {هود: 61 – 63}. فأنت ترى من النصين السابقين أن الكلام على الرحمة في قصة نوح أطول ووصفها أكثر، فقد قال: {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} وليس الأمر كذلك في قصة صالح، فقد قال: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} ولم يزد على ذلك. ثم قال بعدها: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ}. فلما كان الكلام على الرحمة أكثر في قصة نوح قدم الرحمة، ولما لم يكن الكلام كذلك في قصة صالح أخرها. هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى أن الكلام في قصة صالح على الله أكثر: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ}. وقال في قصة نوح: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}. فقال في قصة صالح: ١- اعبدوا الله. ۲ - ما لكم من إله غيره. 3 - هو أنشأكم من الأرض. 4 - واستعمركم فيها. 5- فاستغفروه. 6- ثم توبوا إليه. ۷- إن ربي قريب مجيب ولم يزد في قصة نوح على أن قال: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}. فناسب تقديم الضمير العائد على الله في قصة صالح فقال: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} دون قصة نوح. فناسب التقديم والتأخير من جهتين : 1- من جهة التوسع في ذكر الرحمة في قصة نوح فناسب ذلك تقديمها. ٢- ومن جهة التفصيل في الكلام على الله في قصة صالح دون قصة نوح، فناسب تقديم ضميره وتأخير الرحمة. وقد تقول: لقد قال في آية (يس): {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا}، وفي مواطن من القرآن الكريم قال: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فهل من فرق بين التعبيرين؟ فنقول: الظاهر من التعبير القرآني أن قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} {الكهف: 65} أخص من قوله: {رَحْمَةً مِنَّا}، ذلك أن قوله: {رَحْمَةً مِنَّا} فيه الرحمة عامة تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، فقد قال تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}، وقال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} {فصلت: 50}. أما قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فهي رحمة خاصة بالمؤمن، ولم ترد في القرآن الكريم في غير المؤمنين. قال تعالى على لسان سيدنا نوح: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} {هود: 28}. وقال في الخضر وهو الرجل الصالح الذي اتبعه موسى ليتعلم منه: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} {الكهف: 65}. وقال في سيدنا أيوب عليه السلام: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}. ونظير هذا قوله: {نِعْمَةً مِنَّا} و{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}، فإن قوله:{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فيه النعمة عامة تشمل المؤمن والكافر. قال تعالى: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {الزمر: 49}. وقال: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} {الزمر: 8}. فهذه النعمة عامة شملت عموم الناس وقد أصابت الكافر كما هو واضح في الآية الثانية. أما قوله: {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}، فهي خاصة بالمؤمن، قال تعالى: {إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} {القمر: 34 - 35}. وهذا نظير قوله: {رَحْمَةً مِنَّا} و{رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} وقد تقول: ولكنه قد يرد في الموقف الواحد مرة (رحمة منا) ومرة (رحمة من عندنا) وذلك نحو قوله تعالى في سيدنا أيوب في سورة الأنبياء : {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}. وقوله فيه في سورة (ص): {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} {ص: 43}. فما الفرق؟ فنقول: إن السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين هو الذي يوضح سبب الاختلاف بين التعبيرين. قال تعالى في سورة (ص): {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} {ص: 41 - 44}. وقال في سورة الأنبياء : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء : ۸۳ - 84}. ومن النظر في النصين يتضح الفرق: ١- فقد قال في سورة (ص) {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} فذكر مست الشيطان له. وقد اختلف المفسرون في تفسير هذا المس ، وفسره بعضهم بأنه وسوسة من الشيطان أطاعه فيها. جاء في (الكشاف): "لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبا فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبه إليه" (2). أما في سورة الأنبياء فقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}، فذكر في (ص)، ما هو خلاف الأولى فناسب ذكر {رَحْمَةً مِنَّا} في (ص) و{رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} في الأنبياء. ۲- ذكر في سورة الأنبياء الله بصفة الرحمة فقال: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، ولم يذكر مثل ذلك في (ص). ٣- ذكر في الأنبياء أن الله استجاب له وكشف ما به من ضر تصريحًا، ولم يذكر مثل ذلك في (ص) بل فهم ذلك ضمنًا، فكان ما في الأنبياء أتم وأكمل مما ذكر في (ص). فناسب كل تعبير موطنه. ثم إن السياق في كل من السورتين يوضح ذلك أيضًا: فقد ذكرت قصة أيوب عليه السلام بعد قصة داود وسليمان عليهما السلام في السورتين، وكان السياق في سورة (ص) فيما وقع لهما خلافًا للأولى، فقد ذكر فيها سيدنا داود وتسور المحراب عليه وفزعه من المتسورين، وذكر الحكم في مسألة النعاج التي ترمز إلى أمر ما الله أعلم به. وعلى أية حال فقد ظن داود أن الله قد فتنه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب وغفر الله له ذلك. وذكر سليمان وأنه أحب حب الخير عن ذكر ربه، وذكر أن الله قد فتنه وألقى على كرسيه جسدًا ثم أناب. وذكر أيوب وأن الشيطان قد مسه بنصب وعذاب. فالمقام والسياق في الابتلاءات والفتن التي تعرض لها الأنبياء المذكورون. وليس في سورة الأنبياء مثل ذلك، وإنما ذكر التفضل والإنعام عليهم ورحمته بهم، فقد ذكر داود وسليمان وحكمهما في الحرث فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} {الأنبياء: 79} ، ولم يذكر أنه فتنهما، وإنما ذكر تفضله وإنعامه عليهما. وذكر أيوب ولم يذكر أنه مسه الشيطان، وإنما قال: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} {الأنبياء: 83}. فناسب المقام والسياق ذكر الخصوصية بقوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} في سورة الأنبياء دون سورة (ص)، والله أعلم. ثم لننظر إلى الآيتين من ناحية أخرى. فقد قال في (الأنبياء): {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}. وقال في (ص): {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} {ص: 43}. وإليك الفرق بينهما: في الأنبياء في (ص) فاستجبنا له - - فكشفنا ما به من ضر - - آتيناه أهله وهبنا له أهله رحمة من عندنا رحمة منا وذكرى للعابدين وذكرى لأولي الألباب ونود أن نذكر ما يأتي تعقيبا على النصين: 1- إن قوله: (آتيناه) يشمل (وهبنا له) وزيادة، فإن الإيتاء يشمل الهبة وغيرها، فقد يستعمل الإيتاء في المال وغيره نحو قوله: {آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}، وقوله: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً}، وقوله: {آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} مما لا تصح الهبة في نحوه. ۲- إن قوله {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} يشمل {رَحْمَةً مِنَّا} وزيادة، إذ الرحمة في قوله: (منا) عامة يشترك فيها عموم الخلق مؤمنهم وكافرهم. أما قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فهي رحمة خاصة تزيد على الرحمة العامة، فهي إذن تشمل قوله: {رَحْمَةً مِنَّا} مع زيادة في الرحمة. ۳- وقوله (للعابدين) يشمل (أولي الألباب) وزيادة في الوصف، فإن العابدين كلهم من أولي الألباب وليس أولو الألباب كلهم من العابدين، ذلك أنه لا تصح عبادة من غير عقل، وعلى هذا فإن العابدين يزيدون في الوصف على أولي الألباب، فإن العابدين هم: أولو الألباب + عبادة. فكان قوله: (للعابدين) يشمل أولي الألباب وزيادة. 4- وزاد على ذلك قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} {الأنبياء: 84}. وبهذا يتضح أن آية الأنبياء تشمل آية (ص) وزيادة، فناسب كل تعبير مكانه. هذا علاوة على أنه في سورة (ص) تكرر ذكر مشتقات الهبة، وفي (الأنبياء) تكرر ذكر الإيتاء. فقد قال في (ص): {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} {الآية: 9}، وقال: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} {الآية: 35}، وقال: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} {الآية: 35}، وقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} {الآية: 43}. وقال في (الأنبياء) : {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} {الآية: 48}، وقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} {الآية: 51}، وقال: {وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} {الآية: 73}، وقال: {وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} {الآية: 74} ، وقال: {وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} {الآية: 79}، وقال: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} {الآية: 84}. فناسب لفظ (وهبنا) ما في (ص)، و( آتينا) ما في الأنبياء، من حيث السمة التعبيرية لكل من السورتين. ثم من ناحية أخرى أن لفظ العبادة والعابدين ورد في سورة الأنبياء أكثر مما ورد في (ص)، بل لم يرد لفظ (العابدين) في (ص). فقد ورد ذلك في الأنبياء عشر مرات، في حين ورد في (ص) خمس مرات. قال تعالى في الأنبياء: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} {الأنبياء: 19}، وقال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} {الأنبياء: 25}، وقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} {الأنبياء: 26}، وقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون} {الأنبياء: 53}، وقال: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} {الأنبياء: 66}، وقال: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} {الأنبياء: 67}، وقال: {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} {الأنبياء: 73}، وقال: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}، وقال: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} {الأنبياء: 92}، وقال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} {الأنبياء: 106}. وقال في (ص): {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} {ص: 17}، وقال: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} {ص: 30}، وقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} {ص: 41}، وقال: {نِعْمَ الْعَبْدُ} {ص: 44}، وقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} {ص: 45}. فناسب قوله: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} ما في الأنبياء، وقوله: {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ما في (ص). ومما زاده حسنا أنه قال في (ص): {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} {ص: 29}، فناسب ذلك قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} {ص: 43}. وأنه قال في (الأنبياء): {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} {الأنبياء: 73}. وقال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} {الأنبياء: 106}. فناسب ذلك قوله: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}. هذا علاوة على أن سورة الأنبياء تكررت فيها مواقف العبادة وسياقاتها مما لم ير مثله في (ص)، وشرح ذلك يطول مما لا يناسب هذا المقام. فناسب كل تعبير مكانه من كل وجه، والله أعلم. (1) التفسير الكبير 26/82. (2) الكشاف 3/16. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 198 إلى ص 211. الوقفة كاملة |
| ٣٧٢ | {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49)} معنى النظر ههنا وقوع الشيء من غير ترقب له، فلا يرونه إلا واقعًا، وقد فسره المفسرون بالانتظار، ولما كان الكفار غير منتظرين للصيحة بل ينكرونها فروها بالانتظار الفعلي. جاء في (التفسير الكبير): "{مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي لا ينتظرون إلا الصيحة المعلومة... فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون الصيحة بل كانوا يجزمون بعدمها، فنقول: الانتظار فعلي لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله البوار وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وقدرته وعلمه" (1). وجاء في (البحر المحيط): "ما ينظرون أي ما ينتظرون، ولما كانت هذه الصيحة لابد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها" (2). والحق أن ثمة فرقًا بين (ينظرون) و(ينتظرون). فمعنى (ينظرون) يرون الأمر واقعًا بغتة من غير ترقب له أو توقع. أما الانتظار فهو ترقب وقوع الأمر. وأكثر الاستعمال القرآني على هذا، فهو يستعمل (النظر) لما يفاجئ من الأحداث، والانتظار لما فيه ترقب وتوقع. قال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} {الزخرف: 66}. فذكر أنها تأتيهم بغتة أي من غير ترقب. وقال: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} {محمد: 18}. وهي مثل ما قبلها. وقال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} {الأعراف: 53}. والكلام واضح أنه في اليوم الآخر، وهو يأتيهم من غير ترقب له أو انتظار؛ لأنهم كافرون به كما يدل على ذلك الكلام. في حين قال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} {الأحزاب: 23}. أي منهم من ينتظر ذلك ويترقبه. وقال: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ} {السجدة: 30}. فأمره بالانتظار وهو الترقب. وقال هود لقومه: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} {الأعراف: 71}. فهو قد توعدهم وتهددهم وأمرهم بانتظار ذلك وترقبه. ثم إن بناء كل من الفعلين يقوي ما ذكرناه، فإن بناء (انتظر) أطول من (نظر)، وذلك يدل على زيادة الانتظار وطوله، إذ كثيرًا ما يناسب اللفظ المعني. ومعنى الآية - أي آية يس - أنهم لا ينظرون إلا صيحة واحدة تبغتهم وهم يختصمون في حياتهم ومعاشهم، والمقصود بالصيحة هذه صيحة القيامة. واختار (ينظرون) على (ينتظرون) لأن في ذلك فزعًا أكبر؛ فإن الذي تفجؤه الصيحة يرجف فؤاده ويفزع أكثر ممن ينتظرها؛ "لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف، فإن المقبل على مهم إذا صاح به صائح يرجف فؤاده، بخلاف المنتظر للصيحة. فإذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على الغافل الذي هو مع خصمه مشغول يكون الارتجاف أتم والإيجاف أعظم" (3). وذكر الصيحة ههنا كما ذكرها في أصحاب القرية، فإن كلا من الصنفين لم يتق ما بين يديه وما خلفه، فلم يرحمه ربه وأخذته الصيحة. غير أن هناك فرقًا بين البناء في الآيتين: فقد قال في أصحاب القرية: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} بالفعل الماضي لأن الصيحة قد وقعت. وقال ههنا: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} بالفعل المضارع لأنها لم تقع. وقال في أصحاب القرية: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}. وقال ههنا: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وذلك أنه لما قال: إن الصيحة تأخذهم، أي كأنها تأخذهم من أهلهم قال: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} لأن الصيحة أخذتهم بعيدًا عن أهلهم. ولم يقل مثل ذلك مع قوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} لأنها أخمدتهم جميعًا هم وأهلهم. وناسب ذلك أيضًا قوله: {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في أمور الدنيا، ومعنى ذلك أنهم ليسوا بين أهلهم ولا في مساكنهم، فناسب أن يقول: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}. ومعنى (يخصمون): (يختصمون) غير أنه أبدل من التاء صادًا وضعفها وكسر الخاء لالتقاء الساكنين فصار يخصمون. وسبب هذا الإبدال والتضعيف - والله أعلم - أن التضعيف يدل على المبالغة، فأبدل وضعف للدلالة على المبالغة في الاختصام. أي أن الساعة تأخذهم وهم منهمكون في الاختصام مبالغون في أمور الدنيا لا يشغلهم عن ذلك شاغل، فتأخذهم الصيحة فلا يستطيعون توصية ولا ينطقون بشيء. جاء في (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني): "وأصل (يخصمون) يختصمون، فأبدلت التاء صادًا، وأدغمت في الصاد فصار (يخصمون)، والتضعيف يفيد القوة والتكثير والمبالغة. فأفاد ههنا المبالغة في الاختصام. والمعنى أن الساعة تأخذهم وهم منهمكون في معاملاتهم منشغلون في خصومات الدنيا على أكثر ما يكون وأشد ما يكون غير منشغلين بشيء آخر عن الدنيا، فالساعة لا تقوم على رجل يقول: لا إله إلا الله. وفي الحديث: (شرار الخلق الذين تدركهم الساعة وهم أحياء)، فتصيح الساعة صيحة تقطع الاختصام، فلا يكون نبس ولا حركة ولا خصومة ولا كلام، بل صمت مطبق وسكون مطلق، {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} فعبر عن ذلك بقوله: (يخصمون). ولا يدل الأصل (يختصمون) على هذه المبالغة والقوة... في حين قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} {الزمر: 31} من غير إبدال، ذلك أن الاختصام أمام رب العالمين لا يكون مثل الاختصام في الدنيا. فالاختصام في الدنيا عام يشمل المخاصمات التي تستدعي القضاء والفصل بين المتخاصمين، كما يشمل غيرها مما لا يستدعي قضاء ولا فصلاً. أما الاختصام عند الرب فهو مما يستدعي القضاء والفصل، فبالغ في البناء فيما استعمله في الدنيا، بخلاف ما استعمله في الآخرة، والله أعلم" (4). واختيار الصيحة هو المناسب في هذا المقام، إذ هي التي تقطع الاختصام والقيل والقال، فبينما هم يختصمون في معاملاتهم وهم في صخب الدنيا، إذ تأتيهم الصيحة فتقطع ذلك كله، كما يكون في مكان ما ضجيج وصخب فتقطع ذلك بصيحة واحدة فإذا هو صمت مطبق وسكون رهيب. وذكر أن الصيحة واحدة؛ ذلك لأنهم لا يحتاجون إلى أخرى، فإن الصيحة الواحدة تأخذهم جميعًا فلا حاجة إلى ثانية. ثم إنه إذا تتابعت الصيحات ألفها السامع فلا تكون لها تلك الرهبة، أما هذه فصيحة واحدة ليس لها نظير تخلع قلوبهم فيموتون جميعًا. أما الصيحة الثانية فلجمعهم عند رب العالمين. (1) التفسير الكبير 26/86. (2) البحر المحيط 7/340. (3) التفسير الكبير 26/86. (4) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني – باب الإبدال 56 – 57. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 233 إلى ص 238. الوقفة كاملة |
| ٣٧٣ | { قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا …. (52)} قال: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا} ولم يقل: (يقولون يا ويلنا) ذلك أنه لو قال: (يقولون) لكان الفعل حالًا للنسلان أي (ينسلون قائلين يا ويلنا)، كما نقول: (هو يقبل يبكي) و(يُدبر يسرع) فيكون القول عند النسلان، في حين أن القول قبل النسلان، فإنما قالوا ذلك في ابتداء بعثهم من القبور (1). جاء في (التفسير الكبير): "لو قال قائل: لو قال الله تعالى: (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا) كان أليق. نقول: معاذ الله، وذلك لأن قوله: {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاء ويؤلفها ويحييها ويحركها... فلو قال: (يقولون) لكان ذلك مثل الحال لينسلون أي ينسلون قائلين يا ويلنا، وليس كذلك، فإن قولهم: (يا ويلنا) قبل أن ينسلوا" (2). {يَا وَيْلَنَا} الويل هو الحزن والعذاب والهلاك، ومعنى (يا ويلنا) أنهم ينادون هلاكهم وعذابهم، أي احضر يا عذابنا و يا هلاكنا فهذا أوانك، كما يقول الناس: (يا مصيبتي) و(يا خراب بيتي) أي احضر فهذا وقتك وأوانك، قال تعالى في أصحاب النار: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} {الفرقان: 13 - ۱4}، أي قالوا: يا ويلاه، يا ثبوراه. جاء في (لسان العرب): "الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه يا حزني و يا هلاكي و يا عذابي: احضر فهذا وقتك وأوانك، فكأنه نادي الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع" (3). وقد تقول: ولم قال: (يا ويلنا) ولم يقل: (يا ويلتنا) بالتاء؟ والجواب: أن الويل هو ما ذكرناه أي العذاب والحزن، أما الويلة فهي الفضيحة. ويؤتى بها في مواطن الفضيحة وذلك نحو قوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} {الكهف: 49}. فقالوا: (يا ويلتنا) أي يا للفضيحة وهي فضيحة نشر الأعمال، فإن قسما من الأعمال كان يتستر منها فاعلها، فهو يفعلها في السر فإذا بالكتاب قد فضحها كلها. ولو تتبعنا مواطن استعمال الويلة بالتاء في القرآن الكريم لوجدناها كلها في مواطن الفضيحة، بخلاف مواطن الويل. قال تعالى: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} {هود: 72}. فقالت: (يا ويلتا) ذلك أن العجوز المسنة التي تلد وبعلها شيخ تشعر بأن ولادتها في مثل هذه السن فضيحة تخجل منها، ولذا قال تعالى في موطن آخر: {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} {الذاريات: 29}. وقال في ابن آدم الذي قتل أخاه ولم يعلم ماذا يفعل به ولا كيف يتخلص من الجثة وقد أعيته الحيلة {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} {المائدة: 31}. وهو موطن عجز فاضح، إذ كان أقل تفكيرًا وحيلة من الغراب. وقال: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} {الفرقان: 27 - 29}. وهذا موطن افتضاح في ضعف الشخصية وعجزها، فإن صاحبه استطاع أن يخدعه ويضله ويلغي تفكيره ويعبث بعقله وذلك دليل نقص وعجز. ولم يرد الويل في مثل هذه المواطن. قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} {الأنبياء: 12 – 15}. وقال: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} {الأنبياء: 46}. وقال: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} {الأنبياء: 97}. وقال: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} {يس: 52}. وقال: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} {الصافات: 19 – 20}. وقال: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} {القلم: 30 - 31}. جاء في (لسان العرب): "الويل: حلول الشر، والويلة: الفضيحة والبلية. وقيل هو تفجع، وإذا قال القائل: واويلتاه، فإنما يعني وافضيحتاه، وكذلك تفسير قوله تعالى: {يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ} {الكهف: 49}" (4). و(المرقد) يحتمل المكان ويحتمل المصدر أي الرقاد، وهو بهذا المعنى أي بمعنى الرقاد تكون ضجعة القبر كالنوم بالنسبة إلى اليقظة، فيكون البعث يقظة والرقاد في القبر كالنوم. وقال: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ولم يقل: (من بعثنا من أجداثنا) ليشمل المعنيين: المكان والمصدر. فهم قد بعثوا من الأجداث وبعثوا من رقدة الموت. جاء في (الكشاف): "عن مجاهد للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قالوا: من بعثنا" (5). وجاء في (البحر المحيط): "المرقد استعارة عن مضجع الميت، واحتمل أن يكون مصدرًا، أي: من رقادنا، وهو أجود، أو يكون مكانًا فيكون المفرد فيه يراد به الجمع، أي من مراقدنا. وما روي عن أبي بن كعب ومجاهد وقتادة من أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر فقالوا: هو غير صحيح الإسناد، وقيل: قالوا: (من مرقدنا) لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم" (6). (1) روح المعاني 23/32. (2) التفسير الكبير 26/89. (3) لسان العرب (ويل) 14/265. (4) لسان العرب (ويل) 14/265. (5) الكشاف 2/560. (6) البحر المحيط 7/341، روح المعاني 23/32. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 247 إلى ص 251. * * * {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)} من المحتمل أن يكون هذا كلام الملائكة جوابًا عن سؤالهم، ويحتمل أن يكون هذا كلام المؤمنين، أو أن يكون كلام الكافرين (1)، فإنهم يعلمون أن المؤمنين كانوا يذكرون اليوم الآخر ويؤمنون به، فذكر ما علموه عن ذلك، وقد حذف القائل ليعم جميع الاحتمالات ويشمل كل من يصح منه القول. فإن قيل: إن قول الكفار: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} سؤال عن الذي بعثهم، وقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} ليس جوابًا عنه فكيف يصح ذلك؟ والجواب: أن قول الكفار: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ليس سؤالًا حقيقيًا عن الذي بعثهم، وإنما هو سؤال تحسر وابتئاس وندم، يدل على ذلك قولهم: (يا ويلنا) فهم يعلمون على وجه اليقين أن الله هو بعثهم للحساب ولذا قالوا: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} فكان الجواب بما هو الأولى وهو تذكيرهم بالوعد الذي كان يوعدونه في الدنيا وما ذكرته الرسل وتقريعهم على ما فرط منهم ، ومع ذلك هو يتضمن الجواب عن الباعث وذلك قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} أي أن الرحمن هو الذي بعثكم. وهو نظير قولنا لرجل يقول متحسرًا مبتئسًا: كيف وصلت إلى هذه الحال؟ فنقول له: هذا بسوء عملك . وهو ليس جوابًا عن سؤاله، فإن سؤاله عن الحال والكيفية، والجواب كان عن السبب، فهو في الحقيقة جواب عن سؤال (بأي شيء حصل؟) أو: لم حصل هذا؟ فعدل إلى ما هو الأولى بالجواب. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} سؤال عن الباعث فكيف طابقه ذلك جوابًا؟ قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم بالبعث وأنبأكم به الرسل، إلا أنه جيء به على طريقة سيئت بها قلوبهم ونعيت إليهم أحوالهم وذكروا كفرهم وتكذيبهم وأخبروا بوقوع ما أنذروا به، وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع، وهو الذي وعده الله في كتبه المنزلة على ألسنة رسله الصادقين" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "إن قلنا: (هذا) إشارة إلى المرقد أو إلى البعث فجواب الاستفهام بقولهم: (من بعثنا) أين يكون؟ نقول: لما كان غرضهم من قولهم: (من بعثنا) حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه، حصل الجواب بقوله: هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيهًا. كما أن الخائف إذا قال لغيره: ماذا تقول أيقتلني فلان؟ فله أن يقول: (لا تخف) ويسكت لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه و به يحصل الجواب" (3). وجاء في (روح المعاني): "وكان الظاهر أن يجابوا بالفاعل لأنه الذي سألوا عنه بأن يقال الرحمن أو الله بعثكم، لكن عدل إلى ما ذكر تذكيرًا لكفرهم وتقريعًا لهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى الفاعل. وذكر غير واحد أنه من الأسلوب الحكيم على أن المعني: لا تسألوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن، وإنما الذي يهمكم أن تسألوا ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع. وفيه من تقريعهم ما فيه" (4). و(ما) في قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا أي هذا الذي وعده الرحمن. ويحتمل أن تكون مصدرية أي هذا وعد الرحمن. أما الواو فتحتمل العطف على الجملة وتحتمل الحالية، أي وقد صدق المرسلون فيما أخبروا به. وجوزوا أيضًا أن تكون الواو عاطفة على الصلة، فإن كانت (ما) مصدرية كان التقدير: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين. وإن كانت اسمًا موصولًا كان المعنى: هذا الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: إذا جعلت (ما) مصدرية كان المعنى: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله: {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} إذا جعلتها موصولة؟ قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون، بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال. ومنه: صدقني سن بكره" (5). وهذه الآية نظير قوله في سورة الأحزاب: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} {الأحزاب: 22}. إن هذه الآية بمقابل قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {يس: 48}. فهذا القول في الآخرة يقابل قولهم في الدنيا. فقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} {يس: 52} بمقابل قولهم في الدنيا: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ}. وقوله: {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} بمقابل قولهم: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. والسخرية والاستهزاء بقولهم: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ....} يقابله الندم والحسرة بقولهم: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}. وقوله: {وَيَقُولُونَ} في الدنيا يقابل قوله: (قالوا) في الآخرة. ثم إن اختيار لفظ (المرسلون) هو المناسب لما تردد في السورة من ذكر المرسلين. ثم لننظر من ناحية أخرى أن ثمة سؤالين قد ذكرا وهما: السؤال الأول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ والسؤال الآخر: من بعثنا من مرقدنا؟ وأن قوله تعالى: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} جواب عن السؤالين معًا. فقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} جواب من جهة عن السؤال الأول، فقد سألوا: متى هذا الوعد؟ فقال: هذا هو. وجواب عن السؤال الآخر من جهة أخرى، فقد تضمن ذكر الباعث الذي بعثهم من المرقد وهو الرحمن. ثم إن هذه الآية مرتبطة أيضًا بقول أصحاب القرية: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}. فقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} رد على قولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} فوعد الرحمن إنما يكون فيما أنزل. وقوله: {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} رد على قولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}. وهي مرتبطة أيضًا بقوله تعالى في أول السورة: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} {يس: 11 – 12}. فقد وعد الرحمن على لسان رسوله أن من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب له مغفرة وأجر كريم، ثم قال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا}. وقال ههنا: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}. فإنه أحيا الموتى وبعثهم من مرقدهم وصدق رسوله فيما بلغ. هذا إضافة إلى أنه تردد ذكر الرحمن في الآيتين. ثم لننظر من ناحية تعبيرية وهي أن كلمة (الوعد) في قوله: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} مصدر بمعنى اسم المفعول، أي الموعود به. جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} أي متى يقع الموعود به" (6). وقد فسر بيوم القيامة وبالعذاب (7). فالمصدر الصريح في الآية بمعنى الذات. وقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} إجابة عن المصدر وعن الذات. فإن كانت (ما) اسمًا موصولًا فهي بمعنى الذات فتكون إجابة عن الوعد الذي هو بمعنى الذات. وإن كانت (ما) مصدرية فقد أجاب بالمصدر المؤول وهو إجابة عن المصدر الذي هو الوعد. فجاء في (ما) ولم يأت بـ (الذي) ليشمل المعنيين معًا. ثم إنه جمع قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} بين الوعد والصدق، كما في قوله تعالى: {وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} {الأحقاف: 16}. وأما اختيار لفظ (الرحمن) فله أكثر من سبب: منها: أنه إذا كان هذا قول المؤمنين فإنهم آثروا اسم الرحمن؛ لأن هذا وقت رحمته التامة بهم فإنه يدخلهم في رحمته كما قال تعالى: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {آل عمران: 107}. وإذا كان قول الكافرين فإنهم آثروا اسم الرحمن طمعًا في رحمته. جاء في (روح المعاني): "في إيثارهم اسم الرحمن قيل: إشارة إلى زيادة التقريع من حيث إن الوعد بالبعث من آثار الرحمة، وهم لم يلقوا له بالًا ولم يلتفتوا إليه وكذبوا به ولم يستعدوا لما يقتضيه. وقيل: آثره المجيبون من المؤمنين لما أن الرحمة قد غمرتهم فهي نصب أعينهم... وقال ابن زيد: هذا الجواب من قبل الكفار على أنهم أجابوا أنفسهم، حيث تذكروا ما سمعوه من المرسلين عليهم السلام أو أجاب بعضهم بعضًا. وآثروا اسم الرحمن طمعًا في أن يرحمهم، وهيهات ليس لكافر نصيب يومئذ من رحمته عز وجل" (7). هذا مع أنه من الملاحظ في القرآن الكريم أن اسم الرحمن كثيرًا ما يذكر في مشاهد الآخرة وهذا منها. قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} {مريم: 61}. وقال: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} {طه: 108}. وقال: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} {طه: 109}. وقال: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} {يس: 52}. وقال: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} {النبأ: 37}. وقال: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} {النبأ: 38}. وقال: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ} {مريم: 69}. وقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} {مريم: 85}. وقال: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} {مريم: 87}. وقال: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} {مريم: 93}. وقال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} {الفرقان: 26}. هذا إضافة إلى أنه تردد اسم الرحمن في السورة أربع مرات وأن جو الرحمة شائع فيها. قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} {يس: 11}. وقال:{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ }{يس: 15}. وقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} {يس: 23}. وقال: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} {يس: 52}. وقال: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} {يس: 5}. وقال: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} {يس: 58}. وقال: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} {يس:44}. وقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} {يس: 45}. وقد تقول: لقد أسند الفعل (وعد) إلى (الله) في مواطن من القرآن الكريم وذلك كقوله تعالى {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} {النساء: 95}. وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} {المائدة: 9}. وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَ} {التوبة: 68}. وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} {التوبة: 72}. وهنا أسند الفعل (وعد) إلى الرحمن فما الفرق؟ فنقول: إن كل سورة أسند فيها الفعل الماضي (وعد) إلى (الله) لم يذكر فيها اسم (الرحمن) وإن كانت طويلة كسورة النساء والمائدة والتوبة وغيرها من السور، وذلك في عشر سور من القرآن الكريم. وكل سورة أسند فيها الفعل (وعد) إلى (الرحمن) تكرر اسم الرحمن في السورة، وذلك في سورتي مريم و(يس). أما سورة مريم فقد تكرر فيها اسم الرحمن إحدى عشرة مرة، وأما سورة (يس) فقد تكرر فيها اسم الرحمن أربع مرات. فناسب هذا الاختيار من كل وجه. وقد تقول: وهل ثمة فرق بين ما أسند الوعد فيه إلى الله، وما أسند إلى الرحمن؟ فنقول: إن ما أسند فيه الوعد إلى الله مخصص بالمؤمنين أو بالكافرين فيقول مثلا: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ} أو {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} فهو وعد خاص. أما ما أسند فيه الوعد إلى الرحمن فهو وعد عام يشمل عموم العباد وذلك تحقيقًا للرحمة التي يحققها اسم الرحمن، قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} {مريم: 61}. فقد ذكر أنه وعد عباده على الإطلاق مع أن المقصود بعباده هؤلاء من تاب وآمن وعمل صالحًا كما في الآية السابقة، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} {مريم: 60 – 61}. وقال في سورة (يس): {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} فأطلق الوعد ولم يذكر الموعود من الخلق أهم المؤمنون أم الكافرون، فهو وعد عام على الإطلاق فلم يذكر مفعولاً لوعد، أما إسناده إلى الله فهو مخصص دائمًا وذلك في اثني عشر موضعًا من القرآن الكريم، فاتضح الفرق بينهما. وسبحان قائل هذا الكلام. (1) ينظر الكشاف 2/560. (2) الكشاف 2/590. (3) التفسير الكبير 26/90. (4) روح المعاني 23/33. (5) الكشاف 2/590. (6) التفسير الكبير 26/86. (7) البحر المحيط 7/340. (8) روح المعاني 23/32. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 251 إلى ص 260. الوقفة كاملة |
| ٣٧٤ | {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)} أي ما كانت النفخة المذكورة في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} إلا صيحة واحدة (1) فإذا هم مجموعون محضرون لدى رب العزة. وجاء بالفاء و(إذا) للدلالة على مفاجأة الجمع والإحضار بعد الموت والبلى وسرعته، فإن (إذا) تفيد المفاجأة، والفاء تدل على الحدوث بلا تراخ، واجتماعهما يدل على المفاجأة والسرعة. ومعنى (جميع) مجموعون، أي فإذا هم مجموعون. وقد تقول: ولم قال: (جميع) ولم يقل: (مجموعون) كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم؟ فقد قال في سورة الواقعة: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} {الواقعة: 49 – 50}. وقال: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} {هود: 103}. والجواب: أن (جميع) تأتي بمعنيين - كما ذكرنا في آية سابقة - إما أن تكون بمعنى مفعول أي مجموعون، وإما أن تكون بمعنى مجتمعين وذلك نحو قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} {القمر: 44}، وقوله: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} {الشعراء: 56} أي مجتمعون. فجاء بـ (محضرون) ليدل على أنهم مجموعون لا مجتمعون، أي لم يجتمعوا باختيارهم. وأما (مجموعون) فهو يدل تنصيصًا على اسم المفعول، أي جمعوا جمعًا، ولذا لم يحتج إلى نحو (محضرون). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن (جميع) على زنة (فعيل) وهي بمعنى (مفعول) كما اتضح، وهذه الصيغة لا تقال إلا لما وقع فعلاً (2)، ولا تقال لما سيقع، أما صيغة (مفعول) فتقال لما وقع ولما لم يقع. فأنت لا تقول: (قتيل) إلا لمن قتل، ولا تقول: (طريد) إلا لمن طرد. أما مقتول ومطرود فيقال لمن قتل ولمن سيقتل، أي أن صيغة (مفعول) تحتمل الحال والاستقبال، بخلاف فعيل. وفي آية (يس) تحدث عن أحداث القيامة بصيغة ما وقع، فجاء بالصيغة التي تدل على الوقوع. أما آيتا الواقعة وهود فإنهما في سياق المستقبل فجاء بهما على مفعول. قال تعالى في الواقعة: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ} {الواقعة: 49}، فقد أمر الرسول أن يبلغهم بقوله: (قل) وهذا يدل على أن الكلام في الدنيا، وسياق الآيات واضح في ذلك. وقال في هود: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} {هود: 103 – 105}. فقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ} يدل على أنهم في الدنيا. وكذلك قوله: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ}، وقوله: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} فكل ذلك يدل على أن الكلام على المستقبل. فاتضح الفرق. ويدل (لدينا) على الحضور والقرب، وهو أخص من (عندنا)، فإن (عند) قد تكون للحاضر والغائب. فأنت تقول: (عندي مال) وإن كان غائبًا، ولا تقول (لدي) إلا إذا كان حاضرًا قريبًا (3). وتقديم (لدينا) يدل على القصر، أي محضرون لدينا لا لدى غيرنا كما مر بيان ذلك. (1) ينظر التفسير الكبير 26/90، فتح القدير 4/363. (2) كتاب سيبويه 2/213، أدب الكاتب 228، المخصص 16/156. (3) ينظر الهمع 1/202، شرح ابن يعيش 4/100، شرح الرضي على الكافية 2/128. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 260 إلى ص 262. الوقفة كاملة |
| ٣٧٥ | {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)} فاليوم، أي يوم القيامة الذي يحضر فيه الجميع للحساب لا تظلم نفس شيئًا. نكر النفس ليشمل كل نفس برة كانت أو فاجرة (1)، فالتنكير أفاد العموم، ونفى الظلم على الإطلاق، فليس في ذلك اليوم من ظلم، كما قال تعالى: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} {غافر: 17}. و(شيئًا) يحتمل معنيين: يحتمل المصدرية، أي لا تظلمون شيئًا من الظلم وإن قل. ويحتمل المفعول به، أي لا تظلمون شيئًا من الأشياء (2). وهذان المعنيان مرادان معًا، فلا تظلم نفس شيئًا من الظلم، ولا شيئًا من الأشياء، ولذا أطلق كلمة (شيء) ولم يقيدها. (1) ينظر روح المعاني 23/33. (2) ينظر روح المعاني 23/33 – 34. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 263 إلى ص 263. * * * {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بعدما نفى الظلم عن الجميع التفت إلى المخاطبين فقال: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} خطاب للكافرين، ذلك أن المؤمن يجزي أضعاف ما كان يعمل، أما الكافر فلا يجزى إلا ما كان يعمل. وقيل: بل إن الخطاب عام؛ لأن المقصود به الجنس، بمعنى أن الجزاء من جنس العمل إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فلا يجزى العمل السيء بالجزاء الحسن، ولا العمل الحسن بالسيء. جاء في (التفسير الكبير): "فقوله: {لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ} ليأمن المؤمن. {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} لييأس المجرم الكافر. وفيه مسائل: (المسألة الأولى): ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله: (ولا تجزون)، وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله: (لا تظلم) ولم يقل: (ولا تظلمون أيها المؤمنون)؟ نقول لأن قوله: {لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} يفيد العموم، وهو كذلك فإنها لا تظلم أبدًا. (ولا تجزون) مختص بالكافر، فإن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصًا بالمؤمن وعدلًا عامًا، وفيه بشارة. (المسألة الثانية): ما المقتضي لذكر فاء التعقيب؟ نقول لما قال: (محضرون) مجموعون، والجمع للفصل والحساب، فكأنه تعالى قال: إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل، فلا ظلم عند الجميع للعدل، فصار عدم الظلم مترتبًا على الإحضار للعدل، ولهذا يقول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم، أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه. (المسألة الثالثة): لا يجزون عين ما كانوا يعملون، بل يجزون بما كانوا يعملون أو على ما كانوا، وقوله: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يدل على أن الجزاء بعين العمل. لا يقال: (جزى) يتعدى بنفسه وبالباء، يقال: جزيته خيرًا وجزيته بخير؛ لأن ذلك ليس من هذا، لأنك إذا قلت: (جزيته بخير) لا يكون الخير مفعولك، بل تكون الباء للمقابلة والسببية، كأنك تقول: جزيته جزاء بسبب ما فعل. فنقول: الجواب عنه من وجهين: (أحدهما) أن يكون ذلك إشارة على وجه المبالغة إلى عدم الزيادة، وذلك لأن الشيء لا يزيد على عينه، فنقول قوله تعالى: (يجزون بما كانوا يعملون) في المساواة كأنه عين ما عملوا، يقال: فلان يجاوبني حرفًا بحرف. أي لا يترك شيئًا، وهذا يوجب اليأس العظيم. (الثاني) هو أن (ما) غير راجع إلى الخصوص وإنما هي للجنس، تقديره: ولا تجزون إلا جنس العمل، أي: إن كان حسنة فحسنة، وإن كانت سيئة فسيئة، فتجزون ما تعملون من السيئة والحسنة، وهذا كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} {الشورى: 40}" (1) وجاء في (روح المعاني): "واستظهر أبو حيان أن الخطاب يعم المؤمنين بأن يكون الكلام إخبارًا من الله تعالى عما لأهل المحشر على العموم كما يشير إليه تنكير (نفس) واختاره السكاكي. وقيل: عليه يأباه الحصر؛ لأنه تعالى يوفي المؤمنين أجورهم ويزيدهم من فضله أضعافًا مضاعفة. ورد بأن المعنى أن الصالح لا ينقص ثوابه، والطالح لا يزاد عقابه؛ لأن الحكمة تأبى ما هو على صورة الظلم، أما زيادة الثواب ونقص العقاب فليس كذلك. أو المراد بقوله تعالى: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أنكم لا تجزون إلا من جنس عملكم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر" (2). والتحقيق في الأمر أنه يعبر عن نحو ذلك بتعبيرين: (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)، (ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) وكل له معنى. فالتعبير الأول يحتمل معنيين: المعنى الأول: هو أنكم تجزون بمقدار ما كنتم تعملون، أي لا يزيد الجزاء عن العمل ولا ينقص. والمعنى الآخر: هو أنكم تجزون من جنس عملكم إن كان عملكم خيرًا فالجزاء خير، وإن كان شرًا فالجزاء شر، كقوله : "الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر". وأما التعبير الثاني وهو قولنا: (ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) فالباء فيه تفيد السبب، ولا يقتضي أن يكون الجزاء بمقدار العمل، بل ربما زاد عليه، ففي قولك: (عاقبتك بفعلتك) قد تكون العقوبة شديدة وهي أكبر مما تقتضيه الفعلة. وتقول (أكرمتك بحسن إجابتك أو بحسن تصرفك) فقد يكون الإكرام أكبر بكثير من عمله، فلا يقتضي ذلك مساواة الجزاء للعمل، بل قد يكون مساويًا له، وقد يكون غير مساو له. ولم يرد في القرآن الكريم: (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) ونحوه من التعبيرات في خطاب المؤمنين البتة، وإنما ورد ذلك في خطاب الكافرين أو الخطاب لعموم الخلق. فأما في خطاب الكافرين فتكون العبارة بمعنييها معًا، وهو أنه لا يجزون إلا بمقدار ما كانوا يعملون ومن جنس ما كانوا يعملون. وأما في خطاب عموم الخلق فالراجح أنه يعني الجنس؛ أي: إنما تجزون من جنس عملكم، بدليل استثناء المؤمنين من المعنى الأول، فإن جزاءهم أكبر من عملهم. أما الجزاء بالباء فيكون للمؤمنين والكافرين، قال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} {النجم: 31}. فكلاهما جعل جزاءه بالباء، لكنه قال في الكافرين إنه يجزيهم بما عملوا، وأما المؤمنون فذكر أنه يجزيهم بالحسنى وليس بما عملوا. وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الأعراف: 147}. وقال: {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {سبأ: 33}. وقال: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الأعراف: 180}. وقال: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {النمل: 90}. وقال: {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الصافات: 38 – 39}. وقال: {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الطور: 16}. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {التحريم: 7}. فأنت ترى أن الخطاب كله للكافرين. وقال نحو ذلك في عموم الخلق فقد قال تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} {إبراهيم: 51}. وقال: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الجاثية: 28}. أما في المؤمنين فقد ذكر أنه يوفيهم أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ولم يقل إنه يجزيهم ما كانوا يعملون. قال تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {التوبة: 121}. وقال: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} {النور: 38}. وهذه بشارة عظيمة، وقد أخبرنا ربنا أن الذي يعمل السيئة لا يجزي إلا مثلها، أما الحسنة فتجزي بعشر أمثالها، أو تجزي بخير منها. قال تعالى: { مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} {غافر: 40}، وقال: {فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {القصص: 84}. وقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} {الأنعام: 160}. وقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ} {النمل: 89}. وأما التعبير بالباء فيرد للمؤمنين والكافرين كما ذكرنا. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {النحل: 97}. وقال: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الزمر: 35}. فهذا في المؤمنين. وقال في الكافرين: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} {الأنعام: 120}. وقال: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} {الأنعام: 157}. فاتضح الفرق بين التعبيرين. ونعود إلى آية (يس) وهي قوله: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فقد ذكرنا أنه التفت إلى المخاطبين بعدما ذكر العموم، ولم يقل: (فاليوم لا تظلم نفس شيئًا ولا تجزى إلا ما كانت تعمل) وذلك أن الظلم منفي عن أن يوقع بكل نفس على جهة العموم فلا تظلم نفس شيئًا. ولو قال: (ولا تجزي إلا ما كانت تعمل) لاحتمل أن يكون المعنى أنه لا تجزي أي نفس إلا بمقدار ما كانت تعمل، وهذا المعنى غير صحيح ولا مراد، إذ قد تجزي نفس بأضعاف ما كانت تعمل، وهي نفوس المؤمنين على العموم، فالتفت إلى المخاطبين ليخبرهم بما أخبر ويحذرهم من مغبة أعمالهم. فقوله تعالى: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} قد يكون مقصودًا به الكفار خصوصًا، ولهذا المعنى ما يرجحه، ذلك أن الآية وقعت في سياق الكلام على الكفار وذلك ابتداء من قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} إلى هذه الآية. ويرجح ذلك أيضًا قوله بعد البعث: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} فيكون هذا التعبير مقصودًا بمعنييه، أي أنكم لا تجزون إلا بمقدار ما كنتم تعملون ومن جنسه. وقد يكون مرادًا به العموم، فيكون المقصود به أنكم لا تجزون إلا من جنس أعمالكم. فكان الالتفات في نحو هذا أولى. وقد تقول: لقد قدم نفي الظلم على الجزاء في هذه الآية. وفي آية أخرى قدم الجزاء على نفي الظلم فقال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} {غافر: 17}. فما السبب؟ فنقول: إن جو سورة (يس) وسياق الآيات فيها إنما هو في العلاقات بين أفراد المجتمع وظلمهم لبعضهم، فقد ذكر قبل هذه الآيات ظلم أصحاب القرية للمرسلين، وقتلهم الرجل الصالح ظلمًا، وذكر ظلم الموسرين للفقراء بأن منعوهم حقهم، ثم ذكر أن الصيحة تأخذهم وهم يختصمون فيما بينهم. فقدم نفي الظلم الذي يقع بين العباد على العمل الذي هو عام، ويدخل فيه الظلم وغيره. وأما في غافر فلم يرد ما يتعلق بعلاقة الفرد بالمجتمع وتظالمهم فيما بينهم، بل الكلام فيها على العقيدة. وليس في السورة موطن واحد ذكر فيه ظلم العبد للعبد، حتى أنه في الآية الخامسة وهي قوله: { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ}لم يذكر الأخذ وإنما ذكر الهم بالأخذ. فناسب تقديم الجزاء على نفي الظلم، والله أعلم. (1) التفسير الكبير 26/90 – 91. (2) روح المعاني 23/34 وينظر البحر المحيط 7/341. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 263 إلى ص 270. الوقفة كاملة |
| ٣٧٦ | {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)} يحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنفًا وهو إخبار جديد عنهم مع أزواجهم فيكون (هم) مبتدأ وما بعده خبرًا. ويحتمل أن يكون (هم) تأكيدًا للضمير المستتر في (فاكهون)، و(أزواجهم) معطوفًا عليه، على معنى: (إن أصحاب الجنة في شغل فاكهون هم وأزواجهم). كما تقول: مررت برجل قائم هو وزيد. فعلى هذا التقدير يكون المعنى: إن أصحاب الجنة مع أزواجهم في شغل فاكهون. فالأزواج يشاركنهم في الشغل والتفكه. ثم أخبر عنهم جميعًا أنهم في ظلال على الأرائك متكئون. والفرق بين التقديرين أنه على التقدير الأول، أي على إعراب (هم) مبتدأ يكون المعنى على النحو الآتي: (إن أصحاب الجنة في شغل فاكهون) فلم يذكر أن أزواجهم في شغل فاكهون، وإنما يدل عليه العموم باعتبار أنهن من أصحاب الجنة. ثم أخبر عنهم وعن أزواجهم بقوله: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ ....} فأخبر عنهم جميعًا بأنهم في ظلال وأنهم متكئون على الأرائك. فهذا إخبار عنهم بالنص، والأول إخبار من حيث العموم. وعلى التقدير الثاني يكون المعنى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ} ثم أخبر عنهم جميعًا بأنهم في ظلال على الأرائك متكئون. فعلى التقدير الأول يكون الكلام جملتين: الجملة الأولى: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون. والجملة الثانية تفسر هذا الشغل وتبينه وهي قوله: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ}. وعلى التقدير الثاني يكون الكلام جملة واحدة وأخبار (إن) متعددة، وهي (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم) (في ظلال) (على الأرائك متكئون). وعلى التقديرين تكون الأزواج يشاركنهم في الشغل والتفكه، غير أنه على أحد التقديرين تكون الدلالة بالمعنى العام، والتقدير الآخر تكون الدلالة بالنص. جاء في (الكشاف): "(هم) يحتمل أن يكون مبتدأ، أو أن يكون تأكيدًا للضمير في (شغل) وفي (فاكهون) على أن أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على الأرائك تحت الظلال" (1). وجاء في (البحر المحيط): "ويجوز في (هم) أن يكون مبتدأ، وخبره (في ظلال)، و(متكئون) خبر ثان، أو خبره (متكئون) و(في ظلال) متعلق به، أو يكون تأكيدًا للضمير المستكن في (فاكهون)، و(في ظلال) حال، و(متكئون) خبر ثان لان، أو يكون تأكيدًا للضمير المستكن في شغل) المنتقل إليه من العامل فيه. وعلى هذا الوجه والذي قبله يكون الأزواج قد شاركوهم في التفكه والشغل والاتكاء على الأرائك وذلك من جهة المنطوق. وعلى الأول شاركوهم في الظلال والاتكاء على الأرائك من حيث المنطوق، وهن قد شاركنهم في التفكه والشغل من حيث المعني" (2). وقد تقول: ولم قال في الجملة الأولى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ}، ولم يقل في الجملة الثانية: (إنهم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون) بان؟. والجواب: أنه لو قال ذلك لم يحتمل معنى التوكيد، وإنما سيحتمل معنى واحدًا وهو (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون). (إنهم وأزواجهم في ظلال...). فتكون الآية الثانية إخبارًا مستأنفًا وليس فيه نص على أن الأزواج يشاركنهم في الشغل والتفكه، فكان التعبير القرآني أولى لأنه يحتمل جميع الوجوه بالنص والمعنى. وقد تقول: ولم قدم (على الأرائك) على (متكئون)؟. فنقول: إنه لما قدم الشغل في الآية قبلها ثم قال بعده: (فاكهون) قدم مكان الشغل في الآية التالية فقال: {فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ}، وقال بعده: (متكئون)، فقابل بين الشغل ومكانه وبين حالتهم في الموطنين. إذ إن هذه الآية مرتبطة بالآية قبلها وهي بيان لما تقدم فيها. هذا علاوة على فواصل الآية التي تقتضي ذلك من جهة أخرى. (1) الكشاف 2/591. (2) البحر المحيط 7/342. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 275 إلى ص 277. الوقفة كاملة |
| ٣٧٧ | {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)} أي يحييهم رب العزة قائلاً: (سلام عليكم). قيل: ويحتمل أن يكون معنى (سلام) ههنا: خالصًا لهم لا شوب فيه. أي ولهم ما يدعون خالصًا لهم على أن "(ما يدعون): مبتدأ، وخبره (سلام)، بمعنى ولهم ما يدعون سلام خالص لا شوب فيه" (1)، قال ذلك رب العزة قولاً يعدهم به. وهذا معنى قوله: {قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} (2). وقد تقول: ولم لم يقل (سلام عليكم)؟ والجواب: أنه لم يقل ذلك ليشمل المعنيين: التحية وأنه خالص لهم. ولو قال: (سلام عليكم) لم يحتمل إلا معنى واحدًا وهو التحية. وقد تقول: قال ههنا: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}. وقال في فصلت: {نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} {فصلت: 32}. فما الفرق؟ والجواب: أننا ذكرنا أن آية (يس) فيمن هو في الجنة، وأن آية فصلت فيمن لم يدخلها بعد وإنما هو يبشر بها. فقال في (فصلت): (نزلًا) لأن النزل ما هيئ للضيف إذا نزل عليه من طعام ومكان، ومعنى: "أقمت لهم نزلًا: أي أقمت لهم غذاءهم وما يصلح معهم أن ينزلوا عليه" (3). ومعنى ذلك: أن هذا ما أعده لهم عند نزولهم في الجنة. وقال: {مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} فذكر المغفرة لأن الحساب لم يحصل بعد وهم يخافون من ذنوبهم ويرجون أن يغفرها الله لهم، فطمأنتهم الملائكة بقوله: {نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} أما آية (يس) فإنها في أهل الجنة وهم يتنعمون بها وقد انتهى الحساب وليس ثمة معاصي أو ذنوب يرجون مغفرتها فقال: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} فذكر كلمة (رب) لأنها الأنسب، فالرب هو المربي وهو متولي أمرهم وراعي أحوالهم يرعاهم ويكرمهم وينعمهم. ووصفه بالرحمة لأن رحمته مما يحتاجون إليها البتة، فالجنة هي مستقر رحمته، فلا تنقطع رحمته عنهم أبدًا. لقد جمع الله في هذه الآيات القليلة كل أسباب السعادة والنعيم، وأبعد عنهم كل دواعي الضيق والبرم والملل. 1- فقد ذكر أن أصحاب الجنة في شغل. فأبعد عنهم الملل الحاصل من الفراغ والبرم الذي يصدر عنه، فقد يكون الفراغ مملاً يبرم الإنسان به. 2- وليعلم أن هذا الشغل ليس من الشغل المضني الممل المزعج الذي يرهق صاحبه قال: (فاكهون) أي متنعمون متمتعون. فأبعد الملل من الفراغ، والضيق والبرم من الشغل. 3- وأبعد عنهم وحشة الوحدة التي تقتل الإنسان وتدخل الكآبة عليه مهما كان النعيم الذي يتقلب فيه فقال: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ}، فذكر أحب الصحبة إليهم وألصقها بهم وهي التي يفر الإنسان إليها في الأخير. ففي آخر المطاف يترك المرء كل صحبة ثم يعود إلى زوجه. وإذا قصد بالأزواج أمثالهم وقرناءهم فذلك يعم الجميع. 4- وذكر حسن المكان وجماله فقال: {فِي ظِلَالٍ} مما يدل على الشجر، وهو يعم أيضًا أنواع الظلال ولا يقتصر على ظل من نوع واحد أو ما يكون من شيء واحد. 5- ثم ذكر بهجة المكان ونعيمه وأن فيه أسباب الراحة فقال: {عَلَى الْأَرَائِكِ}. 6- وذكر أهنأ الجلسات والهيئات وأروحها مما يدل على تمام الراحة فقال: {مُتَّكِئُونَ} 7- وذكر فيها ألذ ما يؤكل من الطعام وأهنأه وأدل على سعة العيش وهي الفاكهة. ۸- ثم لئلا يظن أن ليس لهم إلا الفاكهة ذكر أن لهم ما يتمنون وما يطلبون. 9- ثم ذكر الأمن والسلام العام، فإن الخوف من فقدان هذا النعيم أو تغيره أو حصول شيء مما يكره ينغص العيش فذكر السلام. 10 - وقد أطلق السلام ولم يقيده بشيء فشمل كل معاني السلام. 11- ثم أبعد عنهم المجرمين وفصلهم منهم فقال: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} {يس: 59}؛ أي انفصلوا وكونوا على حدة فكان أمن وسلام مطلق. 12- وقال: {مِنْ رَبٍّ} أي راع لهم متوك أمرهم. 13- ووصفه بالرحمة قائلا: (رحيم) للحاجة إلى الرحمة على كل حال. فكانت السعادة في المكان والخلان، وتحقق الأماني والأمان، ورعاية الرحيم الرحمن. اللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين. (1) الكشاف 2/591، وينظر فتح القدير 4/365. (2) ينظر الكشاف 2/591. (3) ينظر لسان العرب (نزل) 14/181. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 281 إلى ص 284. الوقفة كاملة |
| ٣٧٨ | {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)} اصلوها: أمر من الفعل (صلي النار) أي قاسي حرها (1). والمعنى: قاسوا حر جهنم اليوم بسبب استمراركم على الكفر في الدنيا. وقال: (اليوم) لما ذكر الوعد قبلها فقال: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}. وكانوا يكذبون بهذا الوعد ويسخرون منه قائلين: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فقال لهم: اليوم تنفيذ الوعد الذي كنتم توعدونه فلا تأخير ولا إرجاء. ولذا تردد ذكر (اليوم) في هذه الآيات بإزاء ذكر الوعود فقال: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}، وقال: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ}، وقال {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}، وقال: {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}. وقال: {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} للدلالة على استمرارهم على الكفر، ولم يقل: (بما كفرتم)، فإن ذلك لا يفيد الدوام والاستمرار. وهو بإزاء قوله تعالى في الآية السابقة: {كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} الذي يدل على استمرار التذكير والوعد. فدوام الوعد من الرسل وأتباعهم قابله دوام الكفر منهم. وقوله: (تكفرون) يفيد الإطلاق، فهو لم يقيد الكفر بأي قيد، فلم يقل مثلاً: (بما كنتم تكفرون بالله أو باليوم الآخر) أو غير ذلك. إن الفعل (تكفرون) يحتمل معنيين: الأول: معنى الكفر الذي هو نقيض الإيمان. والآخر: الكفران الذي هو نقيض الشكر وهو الكفر بالنعم، قال تعالى: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} {النحل: 112}، وقال: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} {البقرة: 152}، وكلاهما موجب للنار. ولو قيده لتعين بمعنى واحد دون آخر، فهم كانوا يكفرون بالله وبعموم ما يجب الإيمان به كما كانوا يكفرون بنعمه تعالى. والسياق يقتضي هذا الإطلاق وإرادة المعنيين، ذلك لأنه تقدم ذكر الرسل وما دعوهم إليه فكفروا وكذبوا. كما أنه عدد عليهم نعمه وآياته فكفروا بها وجحدوا. فقد ذكر أنه أحيا الأرض الميتة، وأخرج منها حبًّا منه يأكلون، وجعل فيها جنات من نخيل وأعناب، وفجر فيها من العيون ليأكلوا من ثمره. وذكر أنه خلق لهم أنعامًا هم مالكون لها، وأنه ذللها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون، {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} {يس: 73} فهم كفروا بالله وكفروا بنعمه، فناسب أن يأتي بما يجمع هذين المعنيين فأطلق ولم يقيد. جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}: "وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحسرتهم من ثلاثة أوجه: (أحدها): قوله: (اصلوها)، فإنه أمر تنكيل وإهانة، كقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} {الدخان: 49}. (والثاني): قوله: (اليوم) يعني العذاب حاضر، ولذاتك قد مضت، وأيامها قد انقضت، وبقي اليوم العذاب. (الثالث): وقوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} فإن الكفر والكفران ينبئ عن نعمة كانت يكفر بها، وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام، ولهذا كثيرًا ما يقول العبد المجرم: افعلوا بي ما يأمر به السيد ولا تحضروني بين يديه" (2). وقد تقول: لقد أوجز ههنا فقال: {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}، وفضل في سورة الطور وأطال فقال: {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الطور: 16} فلم ذاك؟. فنقول: إن كل موطن اقتضى ما ورد فيه، فإن المقام في (يس) مقام إيجاز، وفي الطور مقام تفصيل. فقد قال في (يس): {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} ولم يزد على ذلك. في حين قال في الطور: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. ومن النظر في النصين يتضح ما يأتي: 1- أنه فصل في ذكر صفات أصحاب جهنم وعقوباتهم في الطور، وذكر ما لم يذكره في (يس). فإنه لم يزد في (يس) على قوله في أهل النار: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا}. في حين قال في الطور: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} 2- لما فصل في ذكر صفاتهم وعقوباتهم ما لم يفصله في (يس) أكثر من تبكيتهم وتقريعهم فقال: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. 3- أنه قال في (يس): {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا} فذكر الضلال على العموم. في حين ذكر في الطور أنهم يكذبون بالنار فقال: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}، فلما كان التكذيب واقعًا على النار ناسب أن يفصل القول فيها ويطيل الكلام عليها وأن يبصرهم بها ويبكتهم عليها فقال: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} 4- إن المذكورين في الطور أكثر ضلالًا وكفرًا من المذكورين في (يس)، ذلك أنه قال في (يس): {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا} والضال قد يكون كافرًا، وقد يكون لا يزال في دائرة الإسلام إلا أنه قد يعمل عمل أهل الضلال في أمر ما كالزنى وشرب الخمر وغيرها من الموبقات، فصاحب هذه المنكرات ضال غير أنه ليس كافرًا. قال تعالى في تقسيم المواريث: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} {النساء: 176}، و(أن تضلوا) ليس معناه: أن تكفروا. أما في الطور فقد قال: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ... هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14)}، فذكر: 1- أنهم مكذبون على العموم {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}. 2- وأنهم في خوض يلعبون. 3- أنهم يكذبون بالنار {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}. فناسب أن يزيد في عقوباتهم ويفصل في ذكرها. فناسب كل تعبير السياق الذي ورد فيه. (1) ينظر لسان العرب (صلو) 1/137. (2) التفسير الكبير 26/101. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 298 إلى ص 302. الوقفة كاملة |
| ٣٧٩ | {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69)} إن ارتباط هذه الآية بما قبلها ارتباط لطيف، فإنه لما ذكر جهنم والختم على الأفواه وتكليم الأيدي وشهادة الأرجل وغير ذلك مما ذكره بعد مما هو مستغرب وغير مألوف، فقد يظن ظان أن هذا من خيال الشعراء وتصوراتهم وليس من الحقائق فقال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ}. إن قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ}، رد لقولهم: (هو شاعر)، فقد كانوا يصفون رسول الله بهذا الوصف، قال تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} {الأنبياء: 5}، وقال: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} {الصافات: 36}، فرد قولهم بقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ}. ونفى الفعل بـ (ما) ولم ينفه بـ (لم) فلم يقل: (ولم نعلمه الشعر) وذلك لقوة (ما) في النفي، ذلك أن (ما فعل) نفي لـ (لقد فعل)، وأن (لم يفعل) نفي لـ (فعل)، و(ما) إذا نفت الفعل الماضي كانت بمنزلة جواب القسم (1). ومعنى (ما ينبغي له) ما يصح له ولا يليق ولا يتأتى له لو أراده، فهو لا يمكنه نظم الشعر ولا يستطيعه. جاء في (الكشاف): " {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه، أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل" (2). فنفى بهذا كون الرسول شاعرًا، ونفي كون القرآن شعرًا. لقد نفى أولًا تعليمه الرسول للشعر فقال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ}، وقد يظن ظان أنه ربما كان في تعليمه الشعر خير محرم منه، وأنه لو علمه إياه لكان أكمل له فقال: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} أي أنه لا يصح أن يكون شاعرًا، وأن الكمال في حقه عدم تعليمه إياه، فإن مهمة النبي غير مهمة الشاعر، فلا يليق بالنبي أن يكون شاعرًا. وأقل ما يقال في الشعر والشعراء: 1- أن الشاعر قد يزيد في الحقائق أو ينقص منها أو يكذب، وقد يستبد به الخيال في تصويراته الشعرية ومبالغاته، بينما الرسول لا يقول إلا الحق فلا يزيد فيه أو ينقص منه. 2- وأن الشاعر قد يعني بتزويق الكلام وتحسينه على حساب المعنى. ٣- وأن الشاعر قد يقع في ضرورات لا يقتضيها المعنى، وقد يضع الكلمة في غير موضعها المناسب، وقد يخل بمقتضيات البلاغة من تقديم وتأخير وذكر وحذف وما إلى ذلك. أما القرآن فإنه يضع التعبير في أعلى مراتب البلاغة. 4- ثم إن القرآن حدد سلوك الشعراء وطبيعتهم بما يختلف عن طبيعة النبي وسلوكه، فقد قال: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} {الشعراء: 224 - 226}، وهذا لا يمكن أن يكون سلوك الأنبياء الذين يتصدون لإصلاح الخلق، ولم يستثن منهم إلا أتباع الرسل والأنبياء فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...} {الشعراء: 227}. 5- ثم إن الشعر إنما هو قول الشاعر، أي هو كلام بشر. فلو كان القرآن شعرًا لكان من كلام البشر. وقد ادعى الكفار أن محمدًا شاعر، وأن القرآن شعر ليصلوا بذلك إلى أن القرآن ليس كلام الله، وأن محمدًا ليس رسولًا، فنفى ذلك ليبطل زعمهم. 6- ثم إن الشعر له نظير، والشعراء لهم نظراء وأضراب، فنفى أن يكون القرآن شعرًا ومحمد شاعرًا ليدل على أنه ليس له ولا لما جاء به نظير. جاء في (البحر المحيط): "{وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} أي ولا يمكن له ولا يصح ولا يناسب، لأنه عليه السلام في طريق جد محض، والشعر أكثره في طريق هزل، وتحسين لما ليس حسنًا، وتقبيح لما ليس قبيحًا، ومغالاة مفرطة. جعله تعالى لا يقرض الشعر كما جعله أما لا يخط، لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض... وإنما منع الله نبيه من الشعر ترفيعًا له عما في قول الشعراء من التخييل والتزويق للقول، وأما القرآن فهو ذكر بحقائق وبراهين، فما هو بقول شاعره" (3). وجاء في (روح المعاني): "{وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}... أي لا يليق ولا يصلح له الشعر لأنه يدعو إلى تغيير المعني لمراعاة اللفظ والوزن، ولأن أحسنه المبالغة والمجازفة والإغراق في الوصف، وأكثره تحسين ما ليس بحسن، وتقبيح ما ليس بقبيح، وكل ذلك يستدعي الكذب أو يحاكيه الكذب، وجل جناب الشارع عن ذلك، كذا قيل" (4). لقد قال قبل هذه الآية: إنه لو شاء لطمس على أعينهم، ولو شاء لمسخهم على مكانتهم، ولو شاء لكان، وفي هذه الآية أعني: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} ذكر ربنا ما شاء أن يكون، وهو أن يكون محمد نبيًا وليس شاعرًا، وأن ما أنزله عليه ذكر وقرآن وليس شعرًا. والطمس والمسخ من الآيات الدالة على قدرته تعالى، والقرآن الكريم أكبر الآيات الدالة على صحة رسالته فكلتاهما آية وحجة. الطمس والمسخ كل منهما آية على أن الله قادر على أن يعجز خلقه فلا يستطيعون أن يفعلوا إزاءها شيئًا، والقرآن آية على إعجازهم كذلك فلا يستطيعون أن يأتوا بمثله، فكلتاهما آية على قدرته وحجة على خلقه. لقد نفي الفعل (ينبغي) بـ (ما) فقال: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}، ولم ينفه بلا، ذلك أن (لا) الداخلة على الفعل المضارع أكثر ما تكون للاستقبال، بل ذهب النحاة إلى أنها خاصة بالاستقبال، قال تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} {ص: 30}، فنفى الفعل (ينبغي) بـ (لا) ذلك أنه دال على الاستقبال، فقد قال: (من بعدي)، وهذا هو الموطن الوحيد الذي دخلت فيه (لا) على الفعل (ينبغي) في القرآن الكريم، فلا يناسب ههنا النفي بـ (لا) لئلا يفهم أن هذا النفي خاص بالاستقبال لا ما هو عليه الآن. (1) ينظر كتاب سيبويه 1/460. (2) الكشاف 2/593. (3) البحر المحيط 7/345 – 346، وانظر أنوار التنزيل 587. (4) روح المعاني 23/47. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 321 إلى ص 325. * * * {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ} {يس: 69}. أي ما هذا الذي تسمعونه منه وتسمونه شعرًا إلا ذكر وموعظة من الله عز وجل وقرآن مبين، أي مظهر لكل أحد أنه ليس شعرًا، وإنما هو قرآن يتلى أنزله الله، فيه مواعظ وإرشاد للثقلين. وقد تقول: لقد قال تعالى ههنا: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ} فنفى وأثبت بإن وإلا، وقال في موطن آخر: {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} {القلم: 52}. فنفى وأثبت بـ (ما) و(إلا) فلم ذاك؟ وما الفرق؟ والجواب أن النفي بـ (إن) أقوى من (ما) (1) فنفى بما هو أقوى. وقد تقول: ولم نفى بـ (ما) في سورة القلم؟ والجواب: أن ذلك بحسب ما يقتضيه السياق والمقام، وأن كل موطن اقتضى التعبير الذي ورد فيه. وإيضاح ذلك أنه حيث كان الكلام على القرآن أكثر تفصيلاً أو كان يقتضي توكيدًا نفى بـ (إن) وإلا نفى بـ (ما). وإيضاح ذلك أنه في سورة القلم لم يكن السياق في الكلام على القرآن ولم يذكر عليه إلا آية واحدة وإليك ذلك: قال تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} {القلم: 51 - 52}، والكلام كما ترى على الرسول، فقوله: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ}إلى آخر الآية إنما هو في الكلام على الرسول لا على القرآن، وقال بعدها: {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} وهي الآية الوحيدة التي تكلمت على القرآن ههنا فنفى بـ (ما). وهذا هو الموطن الوحيد الذي نفى بـ (ما) في مثل هذا التعبير في القرآن الكريم. في حين قال في سورة (يس): {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} فالكلام على القرآن كما ترى، حتى إن قوله: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} يحتمل أن يكون المقصود به القرآن. فالكلام على القرآن أطول مما في القلم فنفى بـ (إن). ونحوه قوله تعالى في سورة يوسف: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} {يوسف: 102 - 104}. فقوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} يعني القرآن، فإنه هو ما يوحى إليه، و(أنباء الغيب) المذكورة يعني بها قصة يوسف التي ذكرها القرآن. وقوله: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} قيل: هو القرآن. فناسب أن يقول: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}. و نحوه ما جاء في سورة ص: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}. فالكلام إنما هو على القرآن كما هو واضح، فقوله: {مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}، قيل: هو القرآن. وقوله: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} يعني القرآن فناسب النفي بإن. وقال تعالى في سورة التكوير: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ... وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ... فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ.. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ...} {التكوير: 19 - 27}، وهو واضح في أن الكلام على القرآن، وأنه فضل في ذلك، فنفى وأثبت بإن وإلا، فاتضح الفرق. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 325 إلى ص 327. الوقفة كاملة |
| ٣٨٠ | {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)} قد يكون المقصود بقوله: (لينذر) القرآن أو الرسول، فكلاهما منذر، قال تعالى: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} والمقصود به الرسول. وقال: {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} {الأحقاف: 12}. والمنذر ههنا الكتاب. فالرسول منذر والقرآن منذر. وقوله: {مَنْ كَانَ حَيًّا} ذكرت فيه أقوال: منها: أن المقصود به من كان حي القلب حي البصيرة فينتفع بالإنذار. وقيل: إن المقصود به من كان عاقلا متأملا، لأن الغافل كالميت. وقيل: إن المقصود به من كان مؤمنًا؛ لأن الإيمان حياة، فمن كان مؤمنًا كان حيًا، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} {الأنعام: 122}. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} {الأنفال: 24}. وقيل: إن المقصود من كان قلبه صحيحا يقبل الحق ويأبى الباطل. وقيل: إن المقصود به كل حي على وجه الأرض، كقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} {الأنعام: 19}. وقيل: إن المقصود به من كان حيًّا في علم الله؛ أي علم الله أنه سيؤمن بهذا الإنذار (1). وكل هذه الأقوال محتملة، وإن كل هؤلاء معنيون بالإنذار. قال تعالى: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} {الكهف: 4} وهذا إنذار للكافرين. وقال: {لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} {الأحقاف: 12}. وقال: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} {الفرقان: 1}. وقال: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} {فاطر: 18} وهذا إنذار للمؤمنين. فالإنذار عام لكل الخلق مؤمنهم وكافرهم، محسنهم ومسيئهم، إلا أن الذي يترجح في ظني هنا - والله أعلم - أن المقصود بقوله: {مَنْ كَانَ حَيًّا} ما قصده في أول السورة بقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} {يس: 11}، وذلك لأنه قال بعد ذلك: {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} فجعل من كان حيًا بإزاء الكافرين. وإن كان كل من ذكرته الأقوال محتملاً مطلوبًا له الإنذار. ومعنى {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}: أي تجب عليهم كلمة العذاب (2). ومعنى {حَقَّ الْقَوْلُ} في القرآن: وجب العذاب كما ذكرناه في أول السورة، وذلك أن الله سبحانه قال في الأزل وقال في كتبه المنزلة على رسله: إنه من كفر به أدخله النار وعذبه بعد إلزامهم بالحجة. والحجة هي ما أنزل الله على لسان رسله وبلغوهم به فيحق القول بعد الإنذار وإلزامهم الحجة. قال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} {الإسراء: 15}، وقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} {الإنسان: 4}، وقال: {وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} {الشورى: 26}، وقال: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} {آل عمران: 131}. جاء في (التفسير الكبير): "{وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}، إما قول العذاب وكلمته كما قال تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} {السجدة: 13}، وقوله تعالى: {حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ} {الزمر: 71}، وذلك لأن الله تعالى قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، فإذا جاء حق التعذيب على من وجد منه التكذيب" (3). وفي مقابلة الكافرين للحي في قوله: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} إشارة إلى أن الكفار أموات وهو ما ذكره ربنا في أكثر من موطن، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} {الأنعام: 122}. جاء في (أنوار التنزيل): "وجعلهم في مقابلة من كان حيًا إشعارًا بأنهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أموات في الحقيقة" (4). إن هاتين الآيتين ارتبطتا بأول السورة ارتباطا لطيفة من نواح عدة: 1- فقد قال تعالى في أول السورة: {يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. فقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} يعني أنه ليس بشاعر، وهو يناسب قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ}. وقوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يقوي ذاك، فإن الشعراء كما قال رب العزة في كل واد يهيمون، فهذا مما يعضد هذا المعنى. 2- وقوله: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} يعني أن القرآن ليس بشعر، وهو يناسب قوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ}. 3- أن قوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}، وقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} يناسب قوله: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا}. 4- وأن قوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} يناسب قوله: {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}. 5- لقد وصف الله القرآن في أول السورة بأنه حكيم فقال: {وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ}، ووصفه هنا بأنه مبين فقال: {وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ}. ذلك أنه قال في أول السورة إنه على صراط مستقيم، ومعرفة الصراط المستقيم من غيره تحتاج إلى حكمة، والسير على الصراط المستقيم يحتاج إلى حكمة، فوصفه بأنه حكيم. وههنا أراد أن يبين أن القرآن ليس بشعر، وهذا أمر لا يحتاج إلى حكمة وإنما يحتاج إلى تبيين فقال: {وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ}، فكان كل وصف في مكانه أنسب. 6- سمى الله تعالى ما أنزله على رسوله قرآنًا وذكرًا ههنا فقال: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ}. وقال في أول السورة: {وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ}، وقال بعد ذلك: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} فسماه في الموطنين قرآنًا وذكرًا. وقد يكون من المناسب أن نذكر أنه قدم القرآن في أول السورة وأخر الذكر فقال: {يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ}، ثم قال في الآية الحادية عشرة: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ}. وههنا قدم الذكر وأخر القرآن فقال: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ}. ولعل من دواعي ذلك أنه في أول السورة بدأ بالكلام على القرآن ثم أخر الكلام على ما يشبه الطمس والمسخ وهو قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} فقدم القرآن لذلك. وههنا بدأ بالطمس والمسخ وأر الكلام على القرآن فقال: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ}، ثم قال بعد ذلك: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ}، فأخر ذكر القرآن لذلك والله أعلم. وهو من الموافقات اللطيفة. وهذا من لطيف الارتباط والتناسب. (1) انظر الكشاف 2/593، التفسير الكبير 26/106، أنوار التنزيل 587، تفسير ابت مثير 3/580، روح المعاني 23/49، فتح القدير 4/368. (2) انظر الكشاف 2/593، روح المعاني 23/50. (3) التفسير الكبير 26/106. (4) أنوار التنزيل 587، وانظر روح المعاني 23/50. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 327 إلى ص 331. الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 371 إلى 380 من إجمالي 396 نتيجة.