| ٣٧١١ |
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)}
أي ليس ثمة أظلم ممن يفتري على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام دين الله الحق فيقول: إن محمدًا ليس هو المقصود بالبشارة، أو هو ساحر كذاب، مع علمه بأنه صادق وأن الذي جاء به هو الدين الحق فيظلمون بذلك أنفسهم وغيرهم، فهم يظلمون أنفسهم لأنهم يحرمونها الهدى ويوردونها موارد التهلكة ويدخلونها دار البوار، ويظلمون غيرهم لأنه يكونون سببًا لمنعهم من الدخول في دين الله فيحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم، ويظلمون الرسول بنسبته إلى الكذب. جاء في (التحرير والتنوير) في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}: "وإنما كانوا أظلم الناس لأنهم ظلموا الرسول بنسبته إلى ما ليس فيه، إذ قالوا: هو ساحر، وظلموا أنفسهم إذ لم يتوخوا لها النجاة ... وظلموا الناس بحملهم على التكذيب وظلموهم بإخفاء الأخبار التي جاءت في التوراة والإنجيل" (1).
وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ ...} فأخرجه مخرج الاستفهام ولم يقل (ولا أظلم ممن افترى ...) أو نحو ذلك، وذلك ليشارك السامع بالإجابة وليقرر بنفسه أن لا أظلم ممن افترى على الله الكذب فيقول: لا أحد أظلم منه، فإنه بدل أن يخبر الله بذلك فيقول: (ولا أظلم ممن افترى على الله الكذب) يقرر السامع ذلك بنفسه.
وقال: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فجعل نفي الهداية ختامًا للآية؛ لأنه قال: {وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ} أي يدعى إلى الهدى، فناسب نفي الهدى عنه، كما قال في أصحاب موسى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} لأنهم زاغوا عن طريق الحق، أي مالوا عنه فضلوا، فنفى الهدى عنهم ووصفهم بالفسق.
وقد تقول: ههنا سؤالان:
الأول: لِمَ لَمْ يؤكد نفي الهداية كما أكده في موطن آخر، فقد قال في سورة الأنعام: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: ١٤٤]، فأكد نفي الهداية بان فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
والسؤال الآخر: أنه قال في خاتمة هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. في حين ختمها في آيات متشابهة بغير هذه الخاتمة، فقد قال في سورة الأنعام: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: ٢١] فختمها بنفي الفلاح عنهم.
وقال في مكان آخر: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: ۱۷] فسماهم مجرمين لا ظالمين.
وفي موطن آخر سماهم كافرين فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68].
وأحيانًا لا يعقب بشيء بل يكتفي بقوله: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} كما ورد في الكهف – الآية 15، فما السبب في ذلك كله؟
والجواب : أن كل تعبير إنما يكون بحسب ما يقتضيه السياق والمقام، فإذا احتاج الكلام إلى مؤكد أكد، وإن لم يقتض التوكيد لم يؤكد؟
وإذا اقتضى أن يصفهم بصفة ما وصفهم بها على حسب السياق، وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144]، فأكد نفي الهداية بـ (إن)؛ وذلك لأنه زاد على آية الصف قوله: {لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} فاقتضى ذلك تأكيد نفي الهداية لهؤلاء الذين يضلون الناس بغير علم.
هذا إضافة إلى أنه عرف (الكذب) في آية الصف ونكره في آية الأنعام، فقال في الصف: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}، وقال في الأنعام : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}، ومن المعلوم أن (الكذب) معرفة، و(كذبًا) نكرة، فإذا كان الافتراء في أمر معين عرفه، وإن كان الافتراء عامًا لم ينحصر في شيء معين نكّره (2).
فلما كان الافتراء في آية الصف متعلقًا بصفة النبي محمد والتبشير به عرفه فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}، ونكر الكذب في آية الأنعام، لأنهم يفترون على الله كذبًا في أمور متعددة ونواح مختلفة ولا ينحصر افتراؤهم في أمر معين، فاقتضى ذلك تأكيد نفي الهداية أيضًا من جهة أخرى.
وهو يصفهم أحيانًا بعدم الفلاح بحسب ما يقتضيه السياق، وذلك نحو قوله تعالى: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 20 – 21].
فلما قال: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} ناسب أن يقول: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} فنفى الفلاح عنهم لأنهم خسروا أثمن شيء وهو أنفسهم، فمن أين يأتيهم الفلاح؟ فإن الذي يخسر مالاً قد يأتيه الفلاح من جهة أخرى، أما الذي خسر نفسه فكيف يأتيه الفلاح وإلى أين يأتي الفلاح ولم تعد له نفس؟ فإنه خسرها، ولذلك أكد الكلام بإن وجاء بضمير الشأن للدلالة على عظم الخسارة وعدم الفلاح فقال: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}.
وقد يزيد في خسرانهم وعقوبتهم وعدم فلاحهم فيجعل عليهم لعنة الله، وذلك نحو قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [هود: 18 – 19]، فإن هؤلاء زادوا على غيرهم في أوصاف السوء، فقد ذكر أنهم:
1- افتروا على الله كذبًا.
2- وأنهم يصدون عن سبيل الله.
3- ويبغونها عوجًا.
4- وهم بالآخرة هم كافرون.
فاستحقوا بذلك اللعنة ومضاعفة العذاب وكانوا هم الأخسرين، كما قال تعالى في الآية التي بعدها: {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} [هود: 20 – 22].
وأما وصفهم بأنهم مجرمون أو كافرون أو غير ذلك، فذلك بحسب ما يقتضيه سياق الكلام.
قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17] فوصفهم بأنهم مجرمون، وذلك لأنه ذكر في الآية قبلها: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [يونس : 13]، فإنه لما ذكر أنه أهلكهم بظلمهم ووصفهم بالإجرام فقال: {كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} ناسب وصف هؤلاء الذين هم أظلم من أولئك بالإجرام فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ}.
وقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ} يعني لا أحد أظلم من هؤلاء المفترين، فاستحقوا الوصف بالإجرام كالأولين الذين أهلكهم رب العزة.
وقال في آية أخرى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت : 68] فوصفهم بالكفر؛ وذلك لأنه تقدم قبل هذه الآية قوله: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67]، فإنه لما تقدم أنهم آمنوا بالباطل وكفروا بنعمة الله، وهو الدين الحق، ناسب أن يصفهم بالكفر فقال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}.
وأما عدم التعقيب بشيء فذلك أيضا ما يقتضيه المقام والسياق، قال تعالى: {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الكهف: 15].
والقائل هنا هم الفتية أصحاب الكهف، وهؤلاء ليس بوسعهم أن يقرروا إن كان الله سيهدي قومهم أم لا، فإن علم ذلك إلى الله، ولذا لم يتعدوا الوصف بقولهم: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}. فناسب كل تعبير موطنه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 296 إلى ص 301.
(1) التحرير والتنوير 28/179.
(2) انظر معاني النحو 1/137 وما بعدها.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧١٢ |
{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) }
هذا تهكم بهم، فمثل تكذيبهم، وإخفاءهم صفة محمد وإنكارهم الحق الذي جاء به، وقولهم إنه سحر مبين، بمن ينفخ نور الشمس بفمه ليطفئها، وقال: {نُورَ اللَّهِ} ليدل على أن ما جاء به محمد إنما هو نوره سبحانه ليهدي به الخلق، وأن نور الله أنأى أن يطفأ، فهو أكثر تمكنًا وأشد إنارة من نور الشمس؛ لأن الشمس تغيب نورها، أما نور الله فلا يحجبه شيء ولا يطفئه أحد.
واللام في (ليطفئوا) يحتمل أن تكون زائدة في المفعول للتوكيد، وأصله (يريدون أن يطفئوا نور الله).
وتحتمل أن تكون للتعليل، أي إرادتهم لهذا الغرض، بمعنى أن كل همهم مصروف لهذا الغرض.
جاء في (الكشاف): {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ} أصله: يريدون أن يطفئوا، كما جاء في سورة براءة. وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيدًا لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك ... وإطفاء نور الله بأفواههم تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: (هذا سحر)، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه" (1)
وقد تقول: لقد قال في سورة التوبة: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 32] ولم يقل: (يريدون ليطفئوا نور الله) فما الفرق؟
والجواب: أن اللام يؤتى بها مع مفعول فعل الإرادة للتوكيد، وقد اقتضى السياق في آية الصف التوكيد، ذلك أن السياق فيها إنما هو "في تكذيب النصارى للبشارات بمجيء محمد: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 6 – 8].
ونور الله هو الإسلام، فتكذيب النصارى للبشارة الواردة في كتبهم القصد منه إطفاء نور الله، فجاء باللام الدالة على التوكيد.
وأما في آية التوبة فالسياق مختلف، وقد ذكرت الآية في سياق آخر لا يحتاج إلى مثل هذا التوكيد، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 30 – 31].
فالسياق في آيات الصف متجه إلى النبوة ومحاولة تكذيبها فجاء باللام، والسياق في آيات التوبة في النعي على معتقدات اليهود والنصارى في عزير والمسيح والأحبار والرهبان، فجاء باللام الزائدة في الآية الأولى لأن الكلام على نبوة محمد والإسلام، ولم يأت بها في الآية الثانية لأن السياق مختلف" (2).
ثم ألا ترى من ناحية ثانية أنه في موطن الرد على اليهود والنصارى في شركهم بالله جاء باللام لأن الأمر يقتضي التوكيد فقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا}.
فانظر كيف جاء باللام الزائدة للاختصاص في قوله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ} وقوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} لأن السياق يقتضي ذلك، وحذفها في الموطن الذي لا يقتضيه؟
ويدلك على ذلك أيضًا أنه قال: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} فجاء باسم الفاعل الدال على الثبوت (متم)، بمعنى أن الأمر ثبت واستقر. في حين قال في سورة التوبة: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} فجاء بالفعل المضارع مسبوقًا بأن الناصبة {أَنْ يُتِمَّ} وهذا تنصيص على الاستقبال، فإن (أن) الناصبة للمضارع من حروف الاستقبال، فكان ما في الصف أكد، والله أعلم.
وقال: (بأفواههم) ليدل على الصورة المضحكة لفعلهم، فإن الذي ينفخ بفمه في نور الشمس ليطفئها مثار للسخرية منه، فهم لم ينفخوا بآلة ذات دفع قوي مثلاً لعلهم يطفئون نور الله بل بأفواههم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ذكر تكذيبهم وافتراءهم على الله وقولهم عندما جاءهم بالبينات: {هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}، وهذا كله من المحاربة بالأفواه، فقال: (بأفواههم) لذلك، والله أعلم. وقد أنجز الله ما وعد وأتم نوره وأرغم أنف الكافرين.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 301 إلى ص 304.
(1) الكشاف 4/99.
(2) معاني النحو 3/82 – 83.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧١٣ |
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) }
أضاف الرسول إلى ضميره تعالى فقال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} ولم يقل: (هو الذي أرسل محمدًا) أو (هو الذي أرسل الرسول) وذلك لتكريمه وللدلالة على أنه حافظه ومعزه وناصره فإنه رسوله، والناس في العادة يحمون من يضافون إليهم وينصرونهم، فكيف بالله وقد أضافه إلى نفسه سبحانه؟
لقد ذكر أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، والمقصود بالهدى هي الدلائل التي تدل على صدقه من البراهين والمعجزات والبشارات.
فالهدي هو ما يدل على أنه رسول من مثل ما أخبر به عن الأمم السابقة وعما سيكون في المستقبل فكان كما أخبر، والبشارات التي بشر بها الأنبياء السابقون من ذكر اسمه وصفاته، وأن الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وغيرها من الدلائل مما يدل على أنه رسول الله حقًا، وهو من الهدى الذي يهدي الناس إلى الحق.
ودين الحق هو ما جاء به من الأحكام والشرائع.
جاء في (فتح القدير): {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى}أي بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها الله لعباده، و(دين الحق) وهو الإسلام" (1).
وجاء في (التفسير الكبير): "واعلم أن كمال حال الأنبياء صلوات الله عليهم لا تحصل إلا بمجموع أمور:
أولها: كثرة الدلائل والمعجزات، وهو المراد من قوله: {أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى}.
وثانيها: كون دينه مشتملاً على أمور يظهر لكل أحد كونها موصوفة بالصواب والصلاح ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدنيا والآخرة، وهو المراد من قوله: {وَدِينِ الْحَقِّ}" (2).
وقد قدم الهدى على دين الحق لأنه مدعاة إلى قبول دين الحق. وقد أضاف (الدين) إلى (الحق) فقال: {وَدِينِ الْحَقِّ}، وهذه الإضافة جرت في القرآن الكريم على سبيل الاطراد، فقد أضاف الدين إلى الحق حيث اجتمعا في القرآن الكريم، ولم يصف الدين بالحق إلا إذا أضافه إلى كلمة أخرى كقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 25].
و(الدين) في آية النور هذه بمعنى الجزاء والحساب، وهو غير ما نحن فيه من معان. وإضافة الدين إلى الحق لها أكثر من دلالة:
منها: أن الحق من أسماء الله تعالى. وقد سمى الله نفسه الحق، ووصف نفسه بالحق فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} [الحج: 6]، وقال: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور : ٢٥]، وقال: {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} [الكهف: ٤٤] فلما أضاف الدين إلى الحق كان كأنه قال: (دين الله)، ولما كان الله الحق كان دينه حقًّا، بل هو الدين الحق.
ومنها: أن الحق نقيض الباطل، فإضافة الدين إلى الحق تعني أنه دين الحق والعدل وشريعته وليس دين الباطل، كما تقول: هذا طريق الحق، وذلك طريق الباطل.
ومنها: أن ذلك يحتمل أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، كقولهم: مسجد الجامع، وحب الحصيد، ودار الآخرة، وجانب الغربي، على تقدير مضاف، أو على غير تقدير، فيفيد أنه موصوف بصفة الحق على أية حال.
فهو دين، وهو دين الحق، وهو الدين الحق، فيكون قد جمع بالإضافة أكثر من معنى. ولو وصف الدين بالحق فقال: (الدين الحق) لفات أكثر هذه المعاني.
وقد تقول: ولم ختمت الآية السابقة بقوله: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، وختمت هذه الآية بقوله: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}؟
والجواب: أن خاتمة كل آية مناسبة لما ورد فيها، ذلك أن أصل معنى الكافر في اللغة من كفر إذا ستر وغطى، ومنه سمي الزارع كافرًا؛ لأنه يستر الحب ويغطيه، وسمي الليل كافرا لأنه يستر ما فيه.
والكفر : الظلمة، فلما قال {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ}: كان معنى ذلك أنهم يريدون أن يبدلوا النور ظلامًا، فكان ذلك كفرًا بالمعنى اللغوي، فكان قوله: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ههنا أنسب.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الكفر أعم من الشرك، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركًا، وأن النور أعم من الرسول والدين، فجعل العام بمقابل العام، والخاص بمقابل الخاص، فلما ذكر النور ذكر في مقابله الكفر، ولما ذكر الرسول والدين ذكر في مقابله الشرك.
جاء في (التفسير الكبير): "قال في الآية المتقدمة: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، وقال في المتأخرة: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، فما الحكمة فيه؟
فنقول: إنهم أنكروا الرسول وما أنزل إليه وهو الكتاب، وذلك من نعم الله، والكافرون كلهم في كفران النعم، فلهذا قال: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ولأن لفظ الكافر أعم لفظ المشرك، والمراد من الكافرين ههنا اليهود والنصارى والمشركون، وهنا ذكر النور وإطفاءه، واللائق به الكفر؛ لأنه الستر والتغطية .....
وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق، وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام، وهي اعتراض على الله تعالى ...
والاعتراض قريب من الشرك ... ولما كان النور أعم من الدين والرسول لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام، والإرسال والرسول والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين" (3).
وهناك لطيفة نذكرها في تناسب التعبير بين الآيتين وهي:
1- أنه قال في الآية السابقة: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ} [الصف: 8]، وقال في هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى}. فجعل النور بإزاء الهدى ذلك أن النور إنما هو للهدى، والخلق إنما يهتدون بالنور، كما قال تعالى: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]، وقال: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 – 16].
2- أضاف النور إلى الله في الآية السابقة فقال: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ}، وأضاف الرسول إلى نفسه سبحانه في هذه الآية فقال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ}
3- قال في الآية السابقة: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} وقال في هذه الآية: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}، وإتمام نوره يعني نصره وإظهاره على الدين كله، والله أعلم.
قد تقول: لقد قال الله في سورة الفتح: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28] ولم يقل: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} كما قال في سورتي الصف والتوبة، فلم ذاك؟
والجواب: أنه لم يذكر في سياق آية الفتح محادة المشركين ولا محاربتهم كما ذكر في سياق آيتي التوبة والصف، ولم يقل قبل هذه الآية: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} أو نحو ذلك كما قال في سورتي التوبة والصف، وإنما قال قبلها: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: ٢٧] فلم يقتض ذلك أن يقول: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} كما قال في السورتين.
لقد ذكر قبل آية الفتح الوعد بدخول المسجد الحرام آمنين - كما ذكرنا -، وهذا تم بالاتفاق بينهم وبين المشركين في صلح الحديبية، فلم يقتض قول: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} من كل وجه، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 304 إلى ص 308.
(1) فتح القدير 2/515.
(2) التفسير الكبير 16/41.
(3) التفسير الكبير 29/316 – 317.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧١٤ |
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)}
خاطب الذين آمنوا التشويق قائلًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} ووصف التجارة بأنها (تنجي من عذاب أليم)، وبدأ بالإنجاء من العذاب الأليم أهم، قبل ذكر إدخال الجنات، ذلك أن النجاة من العذاب الأليم أهم، فإن الإنسان إذا كان معذبًا فلن يهنأ بعيش وإن كان في النعيم، وقد يتمنى المرء الموت للاستراحة من العذاب، فبدأ بما هو أهم. وقد سمى الله النجاة من العذاب فوزًا، كما سمى دخول الجنة فوزًا، قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الأنعام: 15 - 16]، وهذا هو الفوز الأول لأصحاب هذه التجارة.
وقد أسند الفعل (أدل) إلى نفسه سبحانه وذكر المفعول به فقال (أدلكم)، وإسناد الفعل إلى نفسه وذكر المفعول به يدلان على الاهتمام بأمر المؤمنين ومحبة الله لهم، فإن الذي يدل شخصًا على ما يفعله إنما هو محب له ويطلب له الخير، فهو لم يقل: (هل أدل) بالإطلاق، وإنما قال: (هل أدلكم) بتخصيص الدلالة لهم. ولم يقل: (هل تدلون) ببناء الفعل للمجهول فيكون الدال مجهولًا، ولكن أسند الدلالة إلى نفسه.
ثم إنه لم يقل: (قل يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم) فيكون القائل والدال هو الرسول، وإنما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ} فكان القائل والدال للمؤمن هو الله سبحانه.
ثم إن ذكر المفعول به لفعل الإنجاء (تنجيكم) له دلالته في إمحاض النصح وحب الله للمؤمنين، فإنه يريد أن ينجيهم من العذاب، فهو لم يقل: (هل أدلكم على تجارة تنجي من عذاب أليم) بل أراد نجاتهم هم. وقال: (تنجيكم) بتخفيف الجيم، ولم يقل (تنجيكم) بالتشديد، للدلالة على سرعة الإنجاء وعدم التلبث والمكث في العذاب (1).
وقال: {مِنْ عَذَابٍ} بتنكير العذاب، ولم يقل: ( من العذاب) ليشمل كل عذاب ولئلا يخص عذابًا معينًا، ووصفه بأنه (أليم) والعذاب الأليم قد يكون نفسيًا وبدنيًا وظاهرًا وباطنًا، فشمل بذلك كل أنواع العذاب. ثم إنه أطلق العذاب ولم يقيده في الدنيا والآخرة، وذلك للدلالة على أن هذه التجارة تنجي من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، أما من لم ينتفع بها ولم يعمل بها فإنه سيطاله العذاب في الدنيا والآخرة، فإن من يترك الجهاد ستدوسه القوى الغاشمة وتسحقه، وقد تستبيحه حتى تخرجه من داره وماله.
فعبر الآية عن كل ما يدل على تكريم المؤمنين وحب الله لهم:
1- فقد قال: {هَلْ أَدُلُّكُمْ} ولم يقل: (قل هل أدلكم) للدلالة على أن القائل هو الله، وأن الذي عرض ذلك هو الله وليس رسوله.
2- وقال: {هَلْ أَدُلُّكُمْ} بالاستفهام الدال على التشويق.
3- وقال: {أَدُلُّكُمْ} بإسناد الدلالة إلى نفسه.
4- وقال: {أَدُلُّكُمْ} فقيد الفعل بضمير المخاطبين ليفيد أن الدلالة مختصة بهم.
5- {تُنْجِيكُمْ} بالتخفيف، ولم يقل: (تنجيكم) بالتشديد.
6- {تُنْجِيكُمْ} فقد الإنجاء بضمير المخاطبين للدلالة على حب الخير للمؤمنين وإمحاض النصح لهم.
7- وقال: {مِنْ عَذَابٍ}فنكر العذاب ليشمل كل أنواعه.
8- وقال: {أَلِيمٍ} ليشمل كل مؤلم منه.
9- وأطلق العذاب ليشمل عذاب الدنيا والآخرة.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 309 إلى ص 311.
(1) انظر بلاغة الكلمة في التعبير القرآني ص 75 وما بعدها.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧١٥ |
{تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
فسر التجارة بما ذكر من الإيمان والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس فقال: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، ولم يقل: (أن تؤمنوا بالله ورسوله) وذلك لأكثر من فائدة:
منها: إن (أن) تفيد الاستقبال، فلو كان ذكرها لكان يعني أن طلب الإيمان إنما يكون في المستقبل، مع أن الإيمان ينبغي أن يكون في الحال.
ومنها: أنه لو قال: (أن تؤمنوا بالله) لكان المصدر المؤول إما أن يكون بدلًا من التجارة، أو خبرًا عن مبتدأ محذوف، على تقدير (هي أن تؤمنوا)، وعلى التقديرين يكون عدم ذكر (أن) أولى، ذلك أنه إذا كان بدلًا يكون التقدير (هل أدلكم على أن تؤمنوا بالله ورسوله) على تقدير تكرار العامل أو إحلاله محل الأول، وإذا كان كذلك فلا يصح أن يقول: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ .....} إلخ؛ لأن الدلالة على الشيء لا تعني القيام به، فإنك إذا دللت امرأً على خير لم يفد أن صاحبك فهل ما دللته عليه، وأن الدلالة على هذه التجارة لا يعني غفران الذنوب وإدخال الجنة والنصر، وإنما العمل بهذه التجارة هو الذي يؤدي إلى ذلك، فقال: (تؤمنون) و (تجاهدون) أي تفعلون ذلك.
وكذلك إذا كان التقدير خبرًا عن مبتدأ محذوف، أي: هي أن تؤمنوا، فذلك أيضًا لا يؤدي إلى مغفرة الذنوب وإدخال الجنة والنصر، وإنما ذلك هو تفسير لما دلهم عليه فقط، فقوله: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ......} أي تفعلون ذلك.
ثم إن قوله: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .......} من دون (أن) يفيد الطلب بمعنى آمنوا، وعدل عن الأمر الصريح إلى الخبر للدلالة على أنهم كأنهم امتثلوا لما أمرهم به فهم يفعلونه، ويدلك على أن هذا الفعل بمعنى الطلب قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ .... }بجزم (يغفر)، فإنه لو لم يكن (تؤمنون) بمعنى الطلب لم ينجزم (يغفر).
وقد تقول: ولكن قد تقدم الطلب وهو الاستفهام، أعني قوله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} فجاز إجابته بالجزم.
فنقول: إن المعنى يأبى ذلك، فإن الدلالة على التجارة لا تستلزم المغفرة وإدخال الجنة، وإلا دخل كل الناس الجنة والنصر هو الطاعة.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟ قلت: للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين" (1).
لقد فسر التجارة بأمرين وهما : الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وهذا الأمران ينجيان من العذاب الأليم بأنواعه في الدنيا والآخرة.
أما الأول: وهو الإيمان، فإنه يبعث على الطمأنينة والاستقرار والأمن النفسي والرضا بقضاء الله، وظاهر أن لفظ (الإيمان) له علاقة بالأمن، فالنفس المؤمنة إنما هي في أمن وسكينة. وهذا ينجي من العذاب النفسي وعذاب الباطن عمومًا.
وأما الآخر: وهو الجهاد، فهو ينجي من العذاب الظاهر كما ذكرنا، فإن الشعوب التي لا تجاهد شعوب خانعة مستضعفة، فدل على أن هذه التجارة تنجي من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
{وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}
ذكر (في سبيل الله) لأنه الغرض من الجهاد، وكل جهاد في غير سبيله فهو باطل لا يفضي إلى جنة ولا ينجي من العذاب الأليم.
وقدم {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} على الأموال والأنفس، لأنه أهم منهما ههنا.
وقد تقول: ولكنه قدم الأموال والأنفس على قوله: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في مواطن أخرى، فقد قال في (الأنفال) مثلًا: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 72]، وقال في سورة الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] فلم ذاك؟
والجواب: أن ذلك بحسب ما يقتضيه السياق، فقد يقتضي السياق تقديم كلمة ففي موضع، ويقتضي تأخيرها في موضع آخر.
فإذا كان السياق في حب المال وجمعه مثلًا قدم المال، وإذا كان السياق في القتال والجهاد قدم {فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، أو لغير ذلك من مقتضيات التقديم والتأخير. ففي سورة الأنفال مثلًا قدم المال لأنه "تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة من مثل قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال: 67]، وهو المال الذي فدى الأسرى به أنفسهم، وقوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] أي من الفداء، وقوله: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69] وغير ذلك فقدم المال ههنا، لأن المال كان مطلوبًا لهم حتى عاتبهم الله في ذلك فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به" (2).
وكذلك التقديم والتأخير في سورتي الصف والحجرات، فإن السياق في كل منهما يقتضي تقديم ما قدم، ذلك أن الكلام في الحجرات على المؤمنين وصفتهم، فقدم ما يتعلق بهم وهو أموالهم وأنفسهم، وأن الكلام في آية الصف على التجارة التي تنجي من عذاب أليم فقدم ما يتعلق بها وهو {فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. هذا إضافة إلى أنه تقدم ذكر القتال في سبيله في أول السورة وهو قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} وأن جو السورة يشيع فيه ذكر القتال، فاقتضى ذلك تقديم {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} على الأموال، والله أعلم.
{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
أي أن الأيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس خير من إيثار الراحة والقعود. صحيح أن القتال مكره إلى النفوس مبغض إليها كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ولكن في هذا المكروه خيرًا كثيرًا، فإن الأمة المجاهدة القوية تحمي نفسها وحقها، بخلاف الأمة القاعدة الخانعة فإنها تستعبد لكل غاز.
وقال: {ذَلِكُمْ} ولم يقل: (ذلك)؛ لأنه أراد أن الخير للأمة جميعها وليس لفرد أو فئة، وعلى سبيل الدوام وليس لوقت محدود.
وقد تقول: ولكن الله خاطب المؤمنين في موضع آخر وأشار بـ(ذلك) لا بـ (ذلكم). فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المجادلة: 12] فما الفرق؟
والجواب: أن الفرق ظاهر. فإن المخاطبين بآية الجهاد هم عموم المؤمنين إلى يوم القيامة، بخلاف آية تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول. هذا إضافة إلى أن آية الجهاد أعم حتى في زمن الرسول، فإن الجهاد يشمل الغني والفقير، فقد يجاهد الشخص بماله ونفسه، وقد يجاهد بماله فقط، وقد يجاهد بنفسه، على حسب استطاعته، كما قال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41]، بخلاف آية الصدقة فإنها تخص الأغنياء الذين يناجون الرسول خاصة.
هذا إضافة إلى إن آية تقديم الصدقة هذه نسخت بعد ذلك بمدة وجيزة وانتهى حكمها، فقد قال تعالى بعد هذه الآية: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة: 13] أما آية الجهاد فهي آية محكمة سار حكمها إلى يون الدين، فكان ما جاء فيها أهم وأعم وأشمل، والله أعلم.
إن ذكر آية الجهاد هذه بعد قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} يدل على أن إظهار الله لدينه إنما يكون بالجهاد لا بكونه هدى ودين الحق فحسب، فإن ذلك وحده لا يظهر عقيدة أو فكرة بل لا بد لها من حملة يجاهدون في سبيلها، وقد وعد الله بأنه سيظهر دينه على الدين كله، ومعنى ذلك أنه علم أن هذه الأمة ستجاهد في سبيله حتى يظهر الله دينه.
وقد تقول: ولكن الله قال في سورة التوبة ذلك ولم يعق الآية بالجهاد فكيف يصح استدلالك هذا؟
فنقول: كيف يصح هذا القول وسورة التوبة مشحونة بذكر الجهاد والقتال من أولها إلى آخرها؟ فقد تقدم الآية ذكر غزوة حنين، وقال بعدها: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وقال بعدها: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]، وقال بعدها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: 38] {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} [التوبة: 39] {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41] ... إلى الآية 52.
وذكر بعد ذلك ما يتعلق بالجهاد والقتال أيضًا إلى أواخر السورة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]. فالسورة من أولها إلى آخرها تكاد تكون في الجهاد، فاتضح ما قلناه، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 311 إلى ص 316.
(1) الكشاف 4/100.
(2) التعبير القرآني 82 – 83، وانظر البرهان للكرماني 203، درة التنزيل 189 – 190.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧١٦ |
{يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)}
قال: {يَغْفِرْ} بالجزم، وذلك يدل على أن قوله: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} طلب وليس إخبارًا. وقال: (ذنوبكم) ولم يقل: (من ذنوبكم) ليدل على أنه بذلك يغفر الذنوب كلها لا بعضها. ثم قال: {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} وتلك عاقبة من يغفر ذنبه.
{وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} فوصف المساكن بأنها طيبة "وإنما خصت المساكن بالذكر هنا؛ لأن في الجهاد مفارقة مساكنهم، فوعدوا على تلك المفارقة الموقتة بمساكن أبدية" (1).
واختيار ذكر {جَنَّاتِ عَدْنٍ} ههنا له دلالته أيضًا، فإن معنى (عدن) :الإقامة والبقاء، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، والإنسان يحب الحياة ويؤثر البقاء ويكره القتال؛ لأنه مظنة مفارقة الحياة وما فيها، فذكر له أن المجاهد للبقاء والإقامة الطيبة، فاختيار ذكر المساكن وجنات عدن ههنا اختيار ذكر المساكن وجنات عدن ههنا اختيار له دلالته.
والقرآن يختار بدقة ما يقتضيه المقام والسياق، ونحو هذا الاختيار م ورد في قوله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 20 - 22]، فذكر أن لهم جنات فيها نعيم مقيم، واختيار النعيم المقيم له دلالته ههنا، وذلك أن هؤلاء لما هاجروا وتركوا مساكنهم جزاهم الإقامة في النعيم، فإن المهاجر لا بد أن يقيم ويستريح فجعل ذلك في النعيم المقيم.
{ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
وهذا هو الفوز الثاني، والفوز الأول هو النجاة من النار، وقال: {ذَلِكَ الْفَوْزُ} ولم يقل: (ذلك فوز) للدلالة على قصر الفوز عليه وأن كل ما عداه ليس بفوز، ووصفه بـ (العظيم) للدلالة على عظمة الفوز.
قد تقول: لقد قال ههنا: {ذَلِكَ الْفَوْزُ}، وقال في سورة التوبة في آية شبيهة بها: {وذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} فأكد القصر بضمير الفصل وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] فما الفرق؟ والجواب: أن النظر في النصين يوضح الفرق وسبب التعبير بكل منهما:
1- لقد قال في آية الصف: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، وقال في آية التوبة: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فوصفهم بأنهم مؤمنون ولم يطلب منهم الإيمان ويندبهم إليه، وذكر بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت.
2- وقال في آية الصف: {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}، وقال في التوبة: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فلم يبق لهم مال ولا نفس فقد اشتراها الله منهم، أما المذكورون في آية الصف فهم يجاهدون بها، فلا تزال أموالهم وأنفسهم لهم، فلم يذكر أنهم باعوها له.
3- ذكر في آية الصف أنهم يجاهدون في سبيل الله، وقال في آية التوبة: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} والمقاتلة مظنة القتل، أما الجهاد فهو عام ومنه القتال، وقوله: (يقاتلون) مناسب لاشتراء الأنفس.
4- وذكر في التوبة أنهم يقتلون ويقتلون، ولم يذكر مثل ذلك في آية الصف.
فكانت التضحية في التوبة أعلى مما في الصف، والفوز إنما يكون على قدر التضحية، فلما زادوا في التضحية زاد لهم في الفوز وأكده، والله أعلم.
ثم إنه قدم في صفقة الشراء الأنفس على الأموال؛ وذلك لأن الأنفس أغلى وأهم من المال، فباعوا أنفسهم أولًا، وهي أثمن شيء، ثم أتبعوها المال، وما قيمة المال إذا فقد المرء نفسه؟ وماذا يعمل به؟ فاقتضى كل تعبير ما هو في موضعه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 316 إلى ص 319.
(1) التحرير والتنوير ج 28/195.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧١٧ |
{وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}
أي ونعمة أخرى محبوبة عندكم وهي النصر من الله والفتح القريب، ومعنى ذلك أن النصر لا يأتي من دون جهاد.
وقوله: (تحبونها) له دلالته الخاصة في السورة، ذلك أنه قول في أول السورة: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ} فكأنه: افعلوا ما يحبه الله يعطكم ما تحبون، هو النصر والفتح القريب.
وقوله: (تحبونها) دلالة أخرى، ذلك أنه لم يقل: (هل أدلكم على تجارة تحبونها) فإن في بعض تلك التجارة كرهًا وهو القتال، فكأنه قال: أطيعوا الله بما يحب وتكرهون يعطكم ما تحبون.
ثم إنه قال: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ} ليدل على أن النصر إنما هو من الله وليس بجهادكم وعدتكم، كما قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] ووعدهم إن فعلوا ذلك بأمرين محبوبين: النصر والفتح القريب، ثم قال: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} للدلالة على أن ذلك كائن وحاصل.
لقد أمر الله رسوله أن يبشر المؤمنين بالنصر والفتح القريب. ولم يجعل البشارة داخلة في جواب الشرط أو الطلب، وإنما هي أمر بالتبليغ لما هو حاصل قطعًا، ومعلوم أن البشارة لا تكون إلا لما هو حاصل قطعًا، وقد حصل ما بشر به، فدل على صدقه .
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 319 إلى ص 319.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧١٨ |
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) }
قيل: معنى {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي؟ وقيل معناه: من يكون معي في نصرة الله؟
وعلى هذا يكون معنى التفسير الأول: إن اللخ ينصرني، فمن يكون مع الله لينصرني؟
وعلى التفسير الثاني يكون المعنى: أنا أنصر الله، أي: أنصر دينه فمن يكون معي لننصر الله؟
وهذان المعنيان يتضمنها قوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} فالمؤمن ينصر الله والله ينصره، فقوله: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} يحتمل أن المسيح طلب من ينصره إضافة إلى نصرة الله، كما يحتمل أنه طلب من ينصر الله إضافة إلى نصرته له.
وقولهم: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} يصح أن يكون الجواب عن المعنيين.
جاء في (الكشاف): "معنى (من أنصاري) من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله، ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله؛ لأنه لا يطابق الجواب" (1).
وجاء في (مجمع البيان): "{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}: من أنصاري مع الله ينصرني مع نصرة الله إياي؟ وقيل: {إِلَى اللَّهِ} أي فيما يقرب إلى الله، كما يقال: اللهم منك وإليك" (2)، فكل من الزمخشري والطبرسي ذكر جانبًا من جوانب النصرة، والله أعلم.
إن من الملاحظ في هذه الآية:
1- أنه بعد أن شوقهم لذكر التجارة عن طريق الاستفهام لم يكتف بذاك. وإنما أمرهم أن يكونوا أنصار الله فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} ليعلموا أن ذلك من باب الأمر والتكليف، وليس من باب الاختيار والمندوب.
2- إن الذي قال للحواريين: (من أنصاري) هو عيسى، أما القائل للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} فهو الله، وذلك يدل على عظم التبليغ للمؤمنين وأهميته.
3- لم يقل: (يا أيها الذين آمنوا قولوا نحن أنصار الله كما قال الحواريون) ولكنه قال: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} فإنه طلب الفعل ولم يطلب القول، وهذا مناسب لتأنيبه لمن قال ولم يفعل في أول السورة.
4- إن الحواريين لم يقولوا: (سنكون أنصار الله)وإنما قالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} أن نحن أنصاره الآن، ولذا قال: (فأيدنا) وذلك أنهم قاموا بالنصرة فعلًا فاستحقوا التأييد، وجاء بالبقاء الدالة على التعقيب، ولم يقل: (ثم أيدنا) الدالة على التراخي.
5- قال: (فأيدنا) بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه ليدل على أن التأييد منه سبحانه، كما قال: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7] بإسناد النصر إليه، ولم يقل: (إن نصروا الله تنتصروا) فإن النصر لا يكون إلا منه سبحانه.
وهذا التأييد يحتمل أمرين: التأييد بالحجة، فأصبحوا ظاهرين في حجتهم، والتأييد بالسيف والغلبة وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام.
جاء في (تفسير أبي السعود): "{فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} أي قويناهم بالحجة أو بالسيف، وذلك بعد أن رفع عيسى عليه السلام، {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} أي غالبين" (3).
إن هذا التعبير مرتبط بقوله في أول السورة: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} كما سبق أن ذكرنا.
فإن قوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} إذا كان بمعنى غلبة السيف والظروف مرتبط باسمه (العزيز)، ومرتبط باسمه (الحكيم) من الحكم.
وإذا كان بمعنى غلبة الحجة فهو مرتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة، فهو مرتبط باسميه العزيز الحكيم أيا كان نوع التأييد، فارتبط آخر السورة بأولها.
6- لقد طلب من المؤمنين عامة أن يكونوا كحواري عيسى في نصرة الله، والحواريون هم الخلص من أتباع السيد المسيح.
فهو طلب من المؤمنين عامة على مر الأزمان أن يكونوا كالحواريين، فقد قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} ولم يقل: (يا أصحاب محمد) ومعنى هذا أنه يطلب من عموم المؤمنين أن يكونوا على درجة عظيمة من الرفعة والإخلاص والجهاد.
7- قال عيسى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} بإضافة الأنصار إلى نفسه فارتبطت النصرة به، وقال الله: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} ولم يقل: (كونوا أنصار محمد إلى الله) وذلك ليشمل الطلب عموم المؤمنين، ولئلا ترتبط النصرة بشخص الرسول(محمد).
ثم إنه لما كان قول عيسى موجهًا إلى الحواريين – وهم خاصة أتباعه – قال: {مَنْ أَنْصَارِي} بالتخصيص، ولما كان الكلام وجهًا إلى المؤمنين عامة قال: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} على العموم.
8- إن قول عيسى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} إلماح إلى أن رسالته منقطعة، فإنه أضاف الأنصار إليه، وهذا يدل على أنه بعد توفيه ستنقطع نصرته.
وأما قول الله للمؤمنين: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} فيدل على أن الرسالة دائمة غير منقطعة؛ لأن الإضافة إلى الله لا إلى شخص معين.
9- قال عيسى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} فقال الحواريون: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} ولم يقولوا: (نحن أنصارك إلى الله) وذلك للأعلام بأنهم يكونون أنصار الله بعده ولا تنقطع النصرة بعد ذهابه، فعزموا على نصرة الله سواء كان موجودًا أن لم يكن.
وقد تقول: ولم لم يقل: (من أنصار الله) حتى يكون الجواب ملائمًا؟
والجواب: أنه لو قال: من أنصار الله؟ لادعى كل أحٍد أنه من أنصار الله، ولقال اليهود: نحن أنصار الله، ولكنه قال: (من أنصاري) لتكون نصرة الله عن طريق نصر النبي الجديد، فكان سؤاله أنسب وجوابهم أنسب.
10- إن قوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا} يدل على أنه سيؤيد المؤمنين من أتباع الرسول محمد، فقد ناداهم بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} فدخلوا في التأييد.
11- ثم إن بشارة المسلمين أعظم، فإنه قال في أتباع عيسى: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } فخص ذلك بالتأييد على العدو، وقال في المسلمين: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح: 28] وإظهار دينه إنما يكون بظهور معتنقيه، وزاد لهم النصر والفتح القريب، فزاد على النصر الفتح.
12- من الملاحظ أن عيسى لم يعد أتباعه بشيء، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والفتح القريب.
13- ورد في الآية نسبة عيسى إلى أمه كما ورد في مكان آخر من السورة، كما ورد فيها طلب النصرة، وكلا هذين الأمرين يدل على أن عيسى بشر وليس ابنًا لله، تعالى عن أن يكون له ولد.
وفي الختام نود أن نقول: إن السورة ابتدأت بالجهاد والقتال، واختتمت بالتأييد والظفر، فقد ابتدأت بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} واختتمت بقوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} مما يدل على أن عاقبة الجهاد تأييد الله ونصره، فارتبط أول السورة بآخرها أحسن ارتباط وأوثقه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 320 إلى ص 324.
(1) الكشاف 4/101.
(2) مجمع البيان 9/418.
(3) تفسير أبي السعود 7/246.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧١٩ |
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)}
وجه ارتباط مفتتح السورة هذه بخاتمة السورة فبلها ظاهر، ذلك أنه قال في خاتمة السورة التي قبلها وهي سورة الواقعة: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} وقال ههنا: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فكأنه تعليل لأمره بالتسبيح، فكأنه قال: لقد سبحه ما في السماوات والأرض فسبحه أنت أيضًا كما سبحه أولئك، فتشترك معهم في التسبيح وتوافقهم في تنزيهه سبحانه.
جاء في (روح المعاني): "ووجه اتصالها بالواقعة أنها بدئت بذكر التسبيح وتلك ختمت بالأمر به، وكان أولها واقعًا موقع العلة للأمر به، فكأنه قال: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} لأنه سبح له ما في السماوات والأرض" (1).
والتسبيح معناه التنزيه، وقد مر في سورة الصف تفسير نحو هذه الآية فلا نعيد القول فيها، غير أنه في هذه الآية لم يكرر (ما). فلم يقل: (وما في الأرض)، وقد ذكرنا في أكثر من موضع أنه حيث كرر (ما) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض، وإذا لم يكرر (ما) فإنه لا يذكر شيئًا يتعلق بأهل الأرض بعدها، وحيث إنه لم يذكر بعدها شيئًا بتعلق بأهل الأرض لم يكرر (ما).
كما ذكرنا أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي، أي (سبح لله) يجري فيها ذكر للقتال، بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع، أي (يسبح لله)، وقد بدأت هذه السورة بالفعل الماضي، وقد جرى فيها ذكر للقتال وهو قوله: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الآية: 10].
وقد ورد فعل التسبيح معدى بنفسه كما في قوله: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42] ومعدى باللام كما في هذه الآية، وقد ذكر أن اللام إما أن تكون لتقوية وصول الفعل إلى المفعول، وإما أن تكون لام التعليل (2)، وإن تعديته باللام تفيد الدلالة على الإخلاص (3)، ذلك أن التسبيح إنما هو لله.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
عرف الاسمين الجليلين للدلالة على القصر فلا عزيز إلا هو، ولا حاكم ولا حكيم إلا هو،
"فهذا يقتضي أنه لا إله إلا الواحد، لأن غيره ليس بعزيز ولا حكيم، وما لا يكون كذلك لا يكون إلهًا" (4).
وقد مر تفسير نحو هذا بما فيه الكفاية في سورة الصف.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧٢٠ |
{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2)}
ذكر أولًا أنه سبح له ما في السماوات والأرض، ثم ذكر أنه له ملك السماوات والأرض، وهذا يقتضي أنه ملك ما فيهما أيضًا، إذ لا يكون الملك إلا على رعية، فلما ذكر أن له ملك السماوات والأرض علم أنه ملك من فيهما.
وقد أفاد تقديم الجار والمجرور (له) وتعريف المبتدأ (ملك السماوات) القصر، فلا ملك لأحد سواه على الحقيقة.
ومجيئ هذه الآية بعد آية التسبيح أنسب شيء، فإن الشخص قد يحمد في ذاته إن لم يكن مالكًا أو ملكًا، فإن ملك شيئًا أو ملك عليه فقد يظهر عليه ما لم يكن ظاهرًا، أو يتغير بتغير الحال فيذم ويعاب، أو قد يقصر في ملكه أو يسيء، ولذا كان مجيء هذه الآية أنسب شيء؛ لأنه ذكر أنه منزه في جميع الأحوال، فهو منزه في ذاته، ومنزه في عزته، ومنزه في حكمه وحكمته، ومنزه في ملكه، ومنزه في إحيائه وإماتته، ومنزه في قدرته، فدل ذلك على أنه لا يفعل إلا عن كمال حكمة وتمام تدبير، وأنه له الكمال المطلق في كل شيء، فاستحق التنزيه في ذاته وفي أفعاله وصفاته.
جاء في (تفسير التحرير والتنوير) في قوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: "ومضمون هذه الجملة يؤذن بتعليل تسبيح الله تعالى؛ لأن من له ملك العوالم العليا الدنيوي حقيق بأن يعرف الناس صفات كماله.
وأفاد تعريف المسند إليه قصر المسند على المسند إليه، وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بملك غيره في الأرض، إذ هو ملك ناقص، فإن الملوك مفتقرون إلى من يدفع عنهم العوادي بالأحلاف والجند، وإلى من يدبر نظام المملكة من وزراء وقواد، وإلى أخذ الجباية والجزية ونحو ذلك.
أو هو قصر حقيقي إذا اعتبرت إضافة (ملك) إلى مجموع السماوات والأرض، فإنه لا ملك لمالك على الأرض كلها بل السماوات معها" (5).
وقد تقول: لقد ذكر في مواطن أخرى من القرآن الكريم أن له ملك السماوات والأرض وما بينهما، كما في سورة المائدة 17، 18 والزخرف 85 ولم يذكر ذلك ههنا، فما السبب؟
فنقول: إن كل موطن ذكر فيه أن له ملك السماوات والأرض وما بينهما إنما جاء تعقيبًا على القول في الله ما لا يليق به سبحانه، كقول النصارى: إن المسيح ابن الله أو هو الله، أو قول اليهود: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} فجعلوا أنفسهم أبناء الله.
فيعقب على ذلك بقوله: إن له ملك السماوات والأرض وما بينهما، فلم يتخذ ولدًا؟
إن الذي يتخذ ولدًا إنما جه حاجة إلى ذلك، أو يشعر أن به حاجة، فيتخذ الولد لسد الحاجة، أما الله فإن له ملك السماوات والأرض وما بينهما، فهو ملكهما ومالكهما فلم الولد؟ فيذكر سعة ملكه في نحو هذا الموطن لبيان أن قولهم باطل وأنه غير محتاج إلى الولد، أما ما لم يرد في سياق ذلك فلا يذكر (وما بينهما).
ومن الطريف أن نذكر أيضًا أن كل موطن ذكر فيه (وما بينهما) إنما هو في سياق الكلام على ثلاث ملل، وهن: اليهود والنصارى والمسلمون، بخلاف ما لم يذكر ذلك، فاليهود والنصارى والمسلمون ثلاثة، والسماوات والأرض وما بينهما ثلاثة، فناسب بين الملل الثلاث ما ذكره من السماوات والأرض وما بينهما.
ففي سورة المائدة مثلًا ذكر الكلام على بني إسرائيل، فقد قال: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 12]، وقال بعدها: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} [المائدة: 14]، ثم قال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ} [المائدة: 15].
ومثل ذلك آية الزخرف، فقد ذكر موسى وفرعون ( من 46 إلى 56) ثم ذكر عيسى وتكلم فيه (من 57 إلى 64)، ثم ذكر عقيدة المسلمين: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ .....} [الزخرف: 81 وما بعدها]؛ فكان كل تعبير مناسبًا في مكانه.
{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
إن المالك أو الملك قد لا يكون قادرًا على كل شيء فذكر أن الله على كل شيء قدير. والملاحظ أنه إذا عمم القدرة فقال: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أو أطلقها لم يأت إلا بصيغة تفيد المبالغة، ولم يأت باسم الفاعل (قادرًا)، فإن المقدرة على كل شيء أو القدرة المطلقة غير المقيدة تقتضي المبالغة ولا يفيدها اسم الفاعل.
أما إذا جاء باسم الفاعل (قادر) فإنه لا يطلقه ولا يعممه، بل يقيده بأمر فيقول مثلًا: {إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً} [الأنعام: 37]، أو يقول: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65].
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 327 إلى ص 331.
(1) روح المعاني 27/164.
(2) انظر الكشاف (دار الفكر) 4/60، البحر المحيط (دار الفكر) 10/100، تفسير الرازي 29/207.
(3) نظم الدرر 7/432.
(4) تفسير الرازي 29/208.
(5) التحرير والتنوير 27/358 (دار سحنون).
الوقفة كاملة
|