أسرار بلاغية

٣١١ ِمنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) } وورد في القرآن استعمال ألفاظ الجن والجنة والجان، وورد في مقابل ذلك الإنس والناس والإنسان. فالجن استعمل في مقابل الإنس، وهما الأصلان لهذين الجنسين من المخلوقات، وورد استعمال (الجنة) في مقابل (الناس)، والناس هم مجموعة قليلة أو كثيرة من الإنس أو أفراد منهم، وقد يطلق الناس على الجميع. والجنة هم مجموعة من الجن أو أفراد منهم، و (الجان) ما يقابل (الإنسان)، وهو يطلق على الواحد الفرد منهم أو الجنس، وقد يقال للجمع أيضًا، فتقول للواحد من البشر: (هذا إنسان)، ويقال للجنس أيضًا نحو قولك: (خلق الإنسان من طين). ويقال للواحد من الجن (جان)، ويقال للجنس أيضًا، كقولك: (خلق الجان من نار)، وربما أطلق على الجمع أيضًا فيقال (هؤلاء جان). وعلى هذا يكون الفرق بين الإنسان والجان أن الإنسان يطلق على الواحد وعلى الجنس ولا يطلق على الجمع. أما (الجان) فيطلق على الواحد والجنس والجمع أيضًا. ويدل على ذلك استعمال القرآن لهذه الألفاظ، فيستعمل الجن والإنس للثقلين، وكثيرًا ما يستعمل الإنس لما يقابل الجن، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، وقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: 128]. ويستعمل (الجنة) لما يقابل الناس، قال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119، السجدة: 13]، وقال في سورة الناس: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 5 - 6]، فاستعمل (الجنة) لما يقابل (الناس). والإنس غير الناس، فالناس مجموعة من الإنس كما ذكرت، ولذا لا يصلح أحيانُا وضع أحدهما مكان الآخر، فقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ} [البقرة: 13] لا يصلح أن يقال مكانه: (آمنوا كما آمن الإنس). ونحوه قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، وقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]، فلا يقال في نحو ذلك: (الذين قال لهم الإنس إن الإنس قد جمعوا لكم فاخشوهم). ونحوه قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ} [الأنفال: 26] فلا يقال فيه: (تخافون أن يتخطفكم الإنس) وإنما يصلح أن يقال ذلك للجن. وأنت تقول: ( هذا شخص من الإنس، وهذا رجل من الإنس) ولا تقول (هذا شخص من الناس) ولا (هذا رجل من الناس) للمعنى نفسه، فأنت في العبارة الأولى تبين جنسه، بخلاف الثانية. وإنما يكون المعنى في الثانية (هذا واحد من الناس) وليس قصدك بيان جنسه. أما الإنسان فهو ما يقابل الجان، ويستعمل للفرد الواحد وللجنس، قال تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13]، فلا يقال مكان ذلك: (كل إنس) ولا (كل الناس)، فالمقصود هنا كل فرد من الناس: وقال: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى} [النازعات: 35] والمقصود: كل إنسان. وقد يستعمل للجنس أيضًا، قال تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7]، وقال: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1]، وقال: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]. وكذلك (الجان) قد يستعمل للواحد والجنس، وهو ما يقابل الإنسان، وربما يستعمل للجمع أيضًا، قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 14 - 15]، وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 26 - 27] فأنت ترى أنه أعاد الضمير على الجان مفردًا. وقال: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل: 10] قيل: إن معنى الجان ههنا الحية السريعة، وقد تكون بمعنى الجنب أيضًا. فالجان هو الواحد أو الجنس ويقابله الإنسان، وقد تستعمل (الجان) أيضًا للجمع فتقول: (هذا جان)للواحد، و(هؤلاء جان) للجمع. وذل قد يستعمل القرآن (الجان) لما يقابل (الإنس) أحيانًا وذلك في أحد معنييه وهو الجنس أو للجمع، وذلك نحو قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 56]، وقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39]. أما الجني فهو الواحد من الجن، وقد يستعمل للمنسوب إلى الجن أيضًا، ويقابله الإنسي، فالفرق بين الجني والجان أن ألجني يكون للواحد من الجن ولكل ما هو منسوب إلى الجن، فتقول: (هذا جني) للواحد الجن، كما تقول: (هذا عمل جني، وصنعة جنية) أي منسوبة إلى الجن، كما تقول: (هذا رومي) وتعتني به شخصًا من الروم، وتقول: (هذا رومي) للمنسوب إلى الروم، نحو: هذا لسان رومي ونسج رومي. ونحوه الإنسي والإنسان، فالإنسي قد يكون للواحد من الإنس، ومنه قوله تعالى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26]، وقد يكون لما هو منسوب إلى الإنس فتقول: هذه صنعة إنسية لا جنية، وعمل إنسي لا جني، والله أعلم. وقد تقول: ولم قدم الجنة على الناس؟ والجواب: أن لهذا التقديم عدة أسباب: منها أنه الجنة هم المعتدون على الناس، وأنهم الأصل في الوسوسة، حتى أن الوسواس من أسماء الشيطان، وقد تكون وسوسة الإنسي للأنسي بسبب وسوسة الشيطان ودفعه. وقد تقول: ولم إذن قدم في آية أخرى شياطين الإنس على شياطين الجن فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]؟ والجواب: أن المقام في الأنعام يقتضي تقديم شياطين الإنس على شياطين الجن، ذلك أن سياق الآيات في كفرة الإنس ومشركيهم، لا في الجن والشياطين (انظر الآيات 106 -116). وقد جاء في الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} والعداوة للأنبياء ومحاربتهم ظاهرة في الإنس، فعداوة الأنبياء أظهر في الإنس منها في الجن. ثم قال: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} والافتراء على الله ظاهر لنا في الإنس، فناسب تقديم شياطين الإنس على الجن والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 69 إلى ص 73. الوقفة كاملة
٣١٢ تبدأ السورة بقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وهو أمر للرسول بأن يعلن هذا الأمر، فقال له: (قل) ولم يقل: (هو الله أحد) على طريقة الإخبار المجرد، وعلى سبيل الاعتقاد الشخصي الذي إن شاء أسره وإن شاء ذكره، بل طلب منه إعلان هذه العقيدة وتبليغها، وذلك لأهمية هذا الأمر، وذلك أن أكثر الناس ضلوا عن الحقائق الكبرى التي جمعتها هذه السورة القصيرة في مفرداتها، الجليلة في معانيها. وطلب الإعلان عما في هذه السورة يدل على أهمية ما جاء فيها وما تضمنته من أصول اعتقادية. {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) } المشهور أن (هو) ضمير الشأن خبره الجملة بعده (1) وهي {اللَّهُ أَحَدٌ}، ومعلوم أن ضمير الشأن يؤتى به في مواطن التفخيم والتعظيم، فدل ذلك على جلالة ما بعده وفخامته، جاء في (روح المعاني): "المشهور أن (هو) ضمير الشأن، ومحله الرفع على الابتداء، خبره الجملة بعده ... والسر في تصديرها به التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها، مع ما فيها من زيادة التحقيق والتقرير، فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقبًا لما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن" (2). {أَحَدٌ} كلمة تأتي على ضربين: الأول: أن يراد بها عموم العقلاء ومن يصح خطابه، فتلزم الإفراد والتذكير، وتقع بعد النفي والاستفهام والشرط وفي غير الموجب عمومًا. وهي تقع على المفرد والمثنى والجمع، المذكر والمؤنث نحو (ما في الدار أحد) أي ما فيها شخص عاقل، وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} [التوبة: 6]، وقال: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] فاستعملها للجمع. وقال: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32] فأوقعها على المؤنث. وهمزة (أحد) هذه أصلية عند أكثر أهل اللغة. والضرب الآخر: من ضربي كلمة (أحد) أنها تكون بمعني (واحد) وأجمعوا على أن همزتها منقلبة عن واو وأصلها (وحد)، غير أن هناك فرقًا بين (وحد) و (أحد) في المعنى والاستعمال. فـ (وَحَد) تستعمل للعاقل وغيره، فتقول: (رجل وَحَد) أي لا يعرف أصله، وتقول: درهم وَحَد، ووحش وَحَد. أما (أحد) فلا تستعمل إلا للعقلاء، فإذا استعملتها في الإثبات من غير أضافة ولا تبيين بمن فهي خاصة بالله تعالى، فلا يقال: رجل أحد. جاء في (روح المعاني): "(أحد) المستعمل في الإثبات على ثلاثة أوجه: الأول: أن يضم إلى العشرات نحو أحد عشر وأحد وعشرون. والثاني: أن يستعمل مضافًا أو مضافًا إليه بمعنى الأول، كما في قوله تعالى: {أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف: 41] وقولهم: يوم الأحد، أي يوم الأول. والثالث: أن يستعمل مطلقًا وصفًا، وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى. وهو وإن كان أصله (وحدًا) إلا أن (وحدًا) يستعمل في غيره سبحانه" (3). وجاء في (لسان العرب): "أحد: في أسماء الله تعالى (الأحد) وهو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر ... وقولهم: (ما في الدار أحد) فهو اسم لمن يصلح أن يخاطب، يستوي فيه الواحد والجمع، والمؤنث والمذكر" (4). وجاء فيه أيضًا: "وأما اسم الله عز وجل (أحد) فإنه لا يوصف شيء بالأحدية غيره، لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحد، كما يقال: رجل وحدً أي فرد: لأن (أحدًا) صفة من صفات الله عز وجل التي استخلصها لنفسه ولا يشركه فيها شيء" (5). وقد تقول: ولم لم يستعمل (واحدًا) ههنا؟ الجواب أن ذلك لعدة أمور منها: 1- أن كلمة (أحد) خاصة بمن يعقل ومن يصح خطابه على العموم ولا تستعمل لغير العاقل، أما كلمة (واحد) فتستعمل للعاقل وغيره، فتقول: (كتاب واحد وقلم واحد)، فإذا سألك سائل (هل رأيت أحدًا في الدار؟) فإن لم يكن فيها إنسان قلت: لا. وإن كان فيها إنسان قلت: نعم، ولا يصح أن تقول: (نعم) إن لم يكن فيها إلا دابة كالثور والبعير وعموم ما لا يعقل. جاء في (ملاك التأويل): "وأما الفرق من جهة المعنى فأن واحدًا يقع على كل مفرد بما هو مفرد كان مما ينصف بالعقل والعلم أو لا يتصف، تقول: رجل واحد وحجر واحد وجمل واحد. وهذا خلاف حكم (أحد) فإنه لا يقع إلا لأولي العلم والعقل من الملائكة والإنس والجن" (6). فاستعمل هنا (أحدًا) ولم يستعمل (واحدًا) للدلالة على أنه (حي عالم واحد) فجمعت كلمة (أحد) هذه المعاني كلها. واستعمالها هنا أنسب من كلمة (واحد) ذلك أن بعدها {اللَّهُ الصَّمَدُ} أي المقصود في الحوائج. ولا بد أن يكون المقصود في الحوائج عالمًا بمن يقصده. ثم قال بعده: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وهذه من خواص الأحياء، فكلمة (أحد) أنسب ههنا من كل وجه. وقد تقول: ولكن القرآن استعمل كلمة (واحد) لله تعالى.فنقول: نعم إنه استعملها لما يقابل الاثنين والثلاثة وعموم التعدد فقلب: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73]، فكان استعمال كل لفظة في مكانها أنسب. 2- إن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل في الواحد، ذلك أن كلمة (أحد) يدخل فيها معنى الواحد، فعندما تقول: (الله أحد) دل على أنه واحد، ودل على أمور أخرى مع الوحدانية كالحياة والعلم، وأما الأحد فلا يدخل في الواحد؛ لأن كلمة (أحد) تدل على كلمة واحد وعلى صفات أخرى معها، فكان استعمال (أحد) أنسب ههنا. 3- "إنك إذا قلت: (فلان لا يقاومه واحد) جاز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان. بخلاف الأحد، فإنك لو قلت: (فلان لا يقاومه أحد) لا يجوز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان" (7). 4- إن (أحد) صفة مشبهة على وزن (فَعَل) مثل بَطَل وحَسَن، أما (واحد) فعلى زنة اسم الفاعل من (وَحَد).والصفة المشبهة أثبت من اسم الفاعل، فأحد أثبت من (واحد) وأدوم، فالواحد قد تزول وحدانيته إذا كان له نظير، فتقول: كنت واحدًا فصرنا اثنين، وكان واحدًا فصاروا جمعًا، وقد يبقى على وحدانيته إذا لم يكن له نظير.أما (أحد) فهي تدل على الثبات والدوام، ووحدانيته لا تتغير ولا تزول، فجاء بالصيغة الدالة على دوام الأحدية وعدم تغيرها، وهذا مناسب لقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}.وقد جمع ربنا سبحانه لنفسه الوحدانية المطلقة على كل حال، فسمى نفسه واحدً وأحدُا، كما سماها عالمًا وعلميًا، وغافرًا وغفورًا. فحالته على كل حال هي الوحدانية، وهي لا تزول على أي حال من الأحوال.قال تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]، وقال: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، وغير أنه يختار الواحد في مقام والأحد في مقام آخر، وكل هو مناسب لموضعه. 5- إن كلمة (أحد) الواقعة في الإثبات خاصة بالله تعالى، وهي تفيد الوحدانية في الذات والصفات، فهو متفرد في ذاته ومتفرد في صفاته لا يشركه فيها غيره، أما الواحد فهي خاصة بالذات، جاء في (البحر المحيط): "وأحد بمعنى واحد، أي فرد من جميع الجهات الوحدانية، أي في ذاته وصفاته لا يتجزأ، وهمزة أحد بدل من واو" (8).وجاء في (تفسير البيضاوي): "أحد: يدل على مجامع صفات الجلال، كما دل (الله) على جميع صفات الكمال" (9).فهي تدل على الوحدانية في الذات والتنزيه في الصفات، فصفاته صفات كمال لا يشركه فيها أحد، فأثبت له كلمة (أحد) الوحدانية في الذات والصفات، ونفت عنه الشرك في الذات والصفات، وهي هنا أنسب من كلمة (واحد) لأن المقام مقام توحيد وتنزيه لله.فاتضح أن كلمة (أحد) لها دلالتان: أنه واحد وهي تفيد التوحيد، وأنه لا نظير له في صفاته، وهي تفيد التنزيه. 6- أن كلمة (أحد) أقدم كلمة (واحد) في الاستعمال وأسبق وجودًا منها في اللغات السامية كما تدل الأبحاث الحديثة، وقد كانت تستعمل بمعنى الواحد، وقد استعملت بمعنى الأول أيضًا في بعض اللغات. جاء في (التطور النحوي) "فأحد سامية الأصل وواحد مشتقة منها" (10). ويقال للواحد المذكر في العربيات الجنوبية (أحد)، وللمؤنث (أحدت) (11)، وفي اللحيانية (أحد) للواحد والمذكر، و(إحدى) للواحدة (12). وفي لغة النبط (حد) بمعنى "أحد، وبمعنى الأول والواحد" (13).فلفظة (أحد) أقدم من لفظة (واحد)، فاستعملها للدلالة على أن الله قديم لم يلد ولم يولد وليس قبله شيء، فناسب بين قدم اللفظة والمقام.وقد فسر الضمير (هو) باسمه العلم مخبرًا عنه بالأحدية فقال: {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ولم يستعمل اسمًا آخر مما يحتمل المشاركة في الصفة فأراد أن يصفح عن ذاته العلية باسمه الذي لا يشركه فيه أحد غيره. فلم يقل: (هو الرحمن أحد) أو هو الرزاق أو الحي او العالم أو ما إلى ذلك، ولو قال ذلك لم ينص ذلك على أن المقصود به الله، فجاء بما يزيل كل وهم ولبس وخاطره شرك. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 75 إلى ص 81. (1) انظر الكشاف 3/367. (2) روح المعاني 30/269. (3) روح المعاني 30/272. (4) لسان العرب 4/36. (5) لسان العرب 4/464. (6) ملاك التأويل 2/961. (7) التفسير الكبير 32/178، وانظر تفسير فتح القدير 5/502. (8) البحر المحيط 8/528. (9) أنوار التنزيل 814. (10) التطور النحوي 79. (11) تاريخ العرب قبل الإسلام 7/115. (12) تاريخ العرب قبل الإسلام 7/169. (13) تاريخ العرب قبل الإسلام 7/365. الوقفة كاملة
٣١٣ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} الكفو: النظير والمثل، فنفى أيكون له نظير ولا مثل. وكان الأصل أن يقول: ولم يكن أحد كفوًا له، ولكنه قدم الجار والمجرور لأهميته؛ لأن المطلوب نفي النظير عنه بالذات؛ لأن الكلام إنما هو عليه، فقدم ما عليه مدار الكلام وهو الله، والضمير إنما يعود عليه. ثم قدم الكفو لأن المراد نفيه وأخر (أحد) فكان ترتيب الكلام على ما يقتضيه المعنى. ولو قال: (لم يكن أحد كفوًا له) لكانت الأهمية تنصب على (أحد). ولما كان الكلام على (الله) ونفي النظير عنه قدم ضميره، وكما قدم الضمير في بداية السورة على العلم فقال: {هُوَ اللَّهُ} قدم الضمير على الكفو. ثم إن هذا من باب تقديم المعمول على عامله، فإن الجار والمجرور (له) متعلق بـ (كفوًا). وتقديم المعمول على عامله يفيد القصر في الغالب ويفيد الاهتمام. وههنا يفيدهما معًا، ذلك أنه نفى الكفاءة له حصرًا، وأما غيره فيتكافؤون، وهذا المعنى لا يفيده التأخير. هذا علاوة على الاهتمام، فإن الكلام على الله سبحانه وصفاته، فكان أولى بالتقديم من كل ناحية. وقد تقول: ولكنه لو قال (لم يكن أحد له كفوًا) لكان أيضًا من باب تقديم الجار و المجرور على متعلقه، ولأفاد القصر. أقول: لو فعل ذلك لم يكن نصًا في معنى القصر، ذلك أن المعنى يحتمل أن (له) متعلق بمحذوف صفة لأحد، فيكون المعنى (لم يكن أحد له) (كفوًا)، كما تقول: ليس في الدار أحد من أهلها، فقد نفيت أن يكون فيها أحد من أهلها، وقد يكون فيها من غير أهلها، فنفيت أن يكون أحد له، أي تابع له، كفوًا، وأما من لم يكن له فقد يكون كفوًا. وذلك كما تقول: (ليس أحد في المدينة أفضل منه) فقد نفيت الأفضلية عمن هو من أهل المدينة دون غيرها، ويحتمل الكلام أيضًا معنى التعلق بـ (كفوًا) فيفيد الحصر، لكن من جهة أخرى لا يفيد أنه المهم وأنه مدار الكلام، فكان ما قاله هو الأولى. جاء في (تفسير الكشاف): "فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم ... فما باله مقدمًا في أفصح الكلام وأعربه؟ قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه" (4). إن الاحتمالات التعبيرية في نحو هذا الكلام على النحو الآتي: لم يكن أحد كفوًا له. لم يكن أحد له كفوًا. لم يكن كفوًا أحد له. لم يكن كفوًا له أحد. لم يكن له أحد كفوًا. لم يكن له كفوًا أحد. فقولنا: (لم يكن كفوًا له) نفى الكفاءة له، ولم يذكر الكفاءة بالنسبة إلى غيره، فقد يتكافؤون أو لا يتكافؤون، كما نقول: (لم يكن أحد راغبًا عنك). أما الأهمية فقد ذكرناها آنفًا. وقولنا: (لم يكن أحد له كفوًا) يحتمل أن الجار والمجرور (له) صفة لأحد، ويحتمل تعلقه بـ (كفوًا)، فإن علقته بمحذوف صفة لأحد كان المعنى أن من كان له فليس كفوًا، بخلاف من كان لغيره. ويحتمل التعلق بـ (كفوًا) فيفيد القصر. ولا يفيد هذا التعبير أن الأهمية الأولى هي لنفي الكفاءة عن الله كما سبق أن ذكرنا. أما التقدير الأول فهو لا يصح أن يراد، أي أن يكون (له) صفة لأحد. وقولنا: (لم يكن كفوًا أحد له) يحتمل أن الجار و المجرور متعلقان بـ (كفوًا) وهو تعبير ضعيف، بل مردود عند أكثر النحاة؛ لأنه فصل بين العامل والمعمول بأجنبي، والعامل (كفوًا)، والمعمول (له)، والأجنبي (أحد) لأنه اسم كان. ويحتمل أن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لأحد، فيكون المعنى نفي الكفاءة عمن كان له دون غيره كما سبق أن ذكرنا، وهو مردود. وهذا التعبير في كل أحواله ضعيف لا يؤدي المعنى المراد. وقولنا: (لم يكن كفوًا له أحد) يفيد نفي الكفاءة له من غير قصر، ويؤكد أن كلهم غير أكفاء له، كما تقول: (لم يكن راغبًا عنك أحد) فهذا يفيد نفي الرغبة عنه على وجه الاهتمام لتقدم الخبر، ولا يتضمن معنى بالنسبة إلى الآخرين، فقد يكونون أكفاء فيما بينهم أو غير أكفاء. ويحتمل معنى آخر وهو أن الجار والمجرور كانا صفة لأحد، أي أن أصل الكلام (لم يكن كفوًا أحد له) فقدم الجار والمجرور على موصوفه فأصبح حالًا، فيكون قريبًا من معنى الوصف الذي ذكرناه، وهذا المعنى لا يصح ولا يجوز. وقولنا: (لم يكن له أحد كفوًا) يحتمل معنيين: أولهما: أن يكون الجار والمجرور كان صفة لأحد في الأصل، ثم قدم فأصبح حالًا على ما بينا في العبارة السابقة. وهذا المعنى لا يصح. ويحتمل أنه متعلق بكفواً وقد فصل بينهما بــ (أحد) وقد وقعت الكفاءة في آخر الكلام، فهي على هذا ليست مهمة، في حين أن السياق في نفي الكفاءة له، فهي المقصود بالنفي، ولذا يكون الأولى العدول عن هذا التعبير. وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} يفيد نفي الكفاءة له على سبيل الصقر وإثبات الكفاءة لغيره فيما بينهم، فيكون المعنى: ليس لله كفء على جهة القصر ولكن من عداه أكفاء. وهو كما تقول: (لم يكن عنك راغبًا أحد) فقد نفيت الرغبة عنه على سبيل القصر وأثبت الرغبة عن غيره، وكما تقول: (ما نام زيد في الدار) فقد نفيت النوم في الدار ولم تثبت النوم في غيره، فقد يكون نام في غيره أو لا، وإذا قلت: (ما في الدار نام زيد) فقد نفيت النوم في الدار وأثبت النوم في غيره. وفي الآية يكون المعنى أن الكفاءة لله منفية وهي مثبتة لغيره، فتكون كسبت معنيين: نفي الكفاءة له وإثباتها لغيره، فيكون هو الإله حصرًا، أم غيره فلا يكون إلهًا. وهذا التعبير سالم مما يؤخذ على غيره من احتمالات الوصيفة والحالية، فهو أولى تعبير وأحسنه في هذا المقام، والله أعلم. وقد تقول: ولم نفى ذلك بصيغة الماضي فقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} والجواب: أنه إذا لم يكن له كفوٌ في الماضي فليس له كفوٌ في المستقبل قطعًا، لأن هذا الكفء إما أن يكون كان موجودًا في الماضي أو لا. فإن كان موجودًا في الماضي وليس كفوًا فلا يكون في المستقبل كفوًا؛ لأن ذلك لا يكون إلا لسبب، وهذا السبب لا يكون إلا إذا كان أقوى من الإله بحيث يضعفه ويقوي ذاك، والسبب لا يوجد إلا إذا أوجده الإله، وهذا لا يكون. وإما أن لا يكون موجودًا وإنما سيوجد في المستقبل، وهذا لا يكون كفوًا أصلًا؛ لأنه كان معدومًا فأوجده سبب، والأسباب وضعها الإله. إن هذه الآية تلخيص للسورة وتثبيت لمعانيها، ذلك أن قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } يفيد تفرده بالوحدانية في ذاته وصفاته لا يشاركه فيها أحد، وهذا يعني أنه لا نظير له وأنه ليس له كفؤًا أحد. وقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} أفاد أنه المقصود من جميع الخلق دون غيره لا يشاركه في هذه الصمدية أحد، وهذا يدل على أنه لا نظير له، وأنه لو كان له نظير لكان مصموداً إليه معه، فدل ذلك على أنه ليس له كفوًا أحد بمعنى الصمدية كلها. وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} باين جميع المخلوقات، إذ دل على أنه القديم لا أول له ولا آخر، فدل على أنه ليس له كفوًا أحد. ثم انظر إلى ما في السورة من لطائف. 1- أنه قال في القراءة المتواترة (كفوًا) وهو إبدال عن (كفء)، وذلك إن هذه الصورة التعبيرية لا نظير لها في العربية كما هو معلوم، إذ لا يكون في الأسماء المعربة في العربية اسم في آخره واو لازمة فبلها ضمة.وإذا حصل ذلك قلبت الواو ياء قبلها كسرة كالتسامي والتداعي، ولكن جاز هذا في الأمر العارضة لإبدال كما في هذا، فجاءت على خلاف الأسماء المعربة في العربية ومما لا نظير له في الأسماء المعربة، فجاء بكلمة لا نظير لها في العربية لمن ليس له نظير فكان تناسب بين المفردة والمعنى، ولو جاء بأي كلمة أخرى لم تؤد هذا الأمر. 2- جاء بكلمة (أحد) في الإثبات وهو قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } لما ليس له نظير في صفات الإثبات، وهو وصف خاص بالله تعالى كما أسلفنا. وجاء بها أيضًا في صفات النفي فقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وهي من الألفاظ الدالة على العموم، فنفى عنه النظير على وجه العموم، فجاء في صفات الأثبات بـ (أحد) الخاصة بالله، وجاء بنفي الكفاءة والمماثلة بـ (أحد) الدالة على العموم، فجاء بها نفيًا وإثباتًا. 3- جمع بين الاسم وضميره فقال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وهو مما يدل على التعظيم والتفخيم في كل أحوالها الإعرابية والتفسير. 4- ارتباط الآيات ببعضها: قوله: {اللَّهُ أَحَدٌ} يعني أنه لم يلد ولم يولد؛ لأنه لو كان يلد أو يولد لم يكن منفردًا بالوحدانية. وكذلك يعني أنه لم يكن له كفوًا أحد؛ لأنه لو كان له كفو لم يكن منفردًا بالوحدانية. وقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} يفيد أنه لم يلد ولم يولد من ناحيتين: أ- من ناحية أنه مصمت صلد لا جوف له، لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه شيء. ب- من ناحية أنه المقصود فليست به حاجة إلى ولد ولا اتخاذ ولد، ولو كان مولودًا لم يكن الصمد؛ لأنه كان هناك مقصود فبله. وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} يفيد أنه متفرد بالوحدانية ليس معه أحد، فلو كان والدًا مولودًا لم يكن واحدًا، بل كان له شريك، وهذا معنى {اللَّهُ أَحَدٌ}. ويفيد أنه الصمد بمعنى الصمدية كلها. ويعني أنه (لم يكن له كفوًا أحد) أي ليس له نظير بخلاف العباد. ولأنه ليس له نظير أو مكافئ لم تكن له صاحبة؛ لأنه لو كانت له صاحبة لكانت مكافئة له. وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} معناه {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، وأنه الصمد، فليس له نظير أو مكافئ؛ لأنه هو المقصود وكل الخلق محتاجون إليه. ومعناه أنه {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وهذا يعني نفي النظير. إن هذه السورة فيها إثبات صفات الكمال ونفي صفات النقص، فصفات الكمال هي الوحدانية، وأنه القائم بحاجات خلقه، فهو إلههم وربهم. ونفي صفات النقص من كونه والدًا أو مولودًا، ونفي أن له نظيرًا، والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 86 إلى ص 96. (1) الكشاف 3/367. (2) أنوار التنزيل 814. (3) التفسير الكبير 32/183 – 184. (4) الكشاف 3/367. الوقفة كاملة
٣١٤ {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} يجوز أن تكون (ما) استفهامية، أي أيّ شيء يغني عنه ماله إذا تردى، أي إذا هلك، ويجوز أن تكون (ما) نافية أي لا يغني عنه ماله شيئًا" (1)، والمعنيان مرادان، وهذا من التوسع في المعنى. معنى (تردّى): هلك، من الردى، أو تردّى في حفرة القبر، أي سقط فيها، وهو من مستلزمات المعنى الأول، أو تردى في قعر جهنم، أي سقط فيها (2). كل هذه المعاني مرادة، فإن هذا الشخص لا يغني عنه ماله شيئًا إذا هلك وقبر وكانت عاقبته أن يهوي في النار، وماذا يغني عنه ماله يا ترى؟! ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 181 إلى ص 182. (1) انظر البحر المحيط 8/483. (2) انظر الكشاف 3/443، البحر المحيط 8/483 – 484. الوقفة كاملة
٣١٥ {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} ذكر لهذه الآية أكثر من معنى؛ فقد قيل إن المعنى أن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال وبيان الحلال والحرام والطاعة والمعصية، ونحن نتكفل ببيان ذلك والتعريف به (1). وقيل: المعنى إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته، فالسالك في طريق الهدى يصل إلى الله سبحانه، أي إلى مرضاته، وهو نحو قوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56]، وقوله: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الإنسان: ۲۹]. جاء في (التبيان في أقسام القرآن): "قال الواحدي: (علينا للهدى) أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته، وهذا المعنى في القرآن في ثلاثة مواضع: ههنا، وفي (النحل) في قوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9]، وفي (الحجر) قوله: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}. وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولابد. والهدى هو الصراط المستقيم، فمن سلكه أوصله إلى الله، فذكر الطريق والغاية، فالطريق: الهدى، والغاية: الوصول إلى الله" (2). وجاء في (فتح القدير): "أي إن علينا البيان. قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال. قال قتادة: على الله البيان، بيان حرامه وطاعته ومعصيته. قال الفراء: من سلك الهدى فعلى الله سبيله، لقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} يقول من أراد الله فهو على السبيل القاصد" (3). وجاء في (تفسير ابن كثير): "{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} تبيين الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله. وجعله كقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}" (4). وهذا المعنيان مرادان، فإن بيان الهدى وبيان سبيل طاعته إنما يكون على الله سبحانه تبيينه وتوضيحه. وإن طريق الهدى يوصل إلى الله سبحانه، أي إلى مرضاته وثوابه وجنته، وأما طريق الضلال فلا يوصل إليه وإنما يوصل إلى النار، وقد جمعت الآية هذين المعنيين الجليلين معًا. ونظير ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9] فإنه يجمع هذين المعنيين، فإنه يعني أن على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين. ومعنى (القصد): الاستقامة والعدل، ومعنى (القصد) أيضًا: استقامة الطريق. جاء في (لسان العرب) "القصد: استقامة الطريق، قصَد يقصِد قصدًا فهو قاصد، وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} أي على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة. ومنها جائر، أي ومنها طريق غير قاصد. وطريق قاصد: سهل مستقيم، وسفر قاصد: سهل قريب، وفي التنزيل {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ} [التوبة: 42] قال ابن عرفة: سفرًا قاصدًا، أي غير شاق، والقصد: العدل" (5). ويعني أيضًا أن الطريق القاصد يصل إلى الله، والطريق القاصد هو الطريق المستقيم، وأما ما عداه فهو طريق جائر حائد عن الحق، كما قال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ}. ويحتمل معنى آخر، وهو أن مقصدك واعتزامك ينبغي أن يكون على ربك، وأن يكون توجهك إليه. قال الفراء: "من سلك الهدى فعلى الله سبيله لقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}، يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد" (6). أي من أراد الله فهو على السبيل المستقيم، أي فليسلك السبيل المستقيم، فإن ربنا عليه. ونحو هذا ما قيل في قوله تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41]، فقد قيل: إن المعنى "عليّ أن أدل على الصراط المستقيم بالبيان والحجة، وقيل: بالتوفيق والهداية" (7). وقيل: هو "على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول إلي من غير اعوجاج وضلال، وهو على نحو (طريقك عليّ) إذا انتهى المرور عليه. وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة والشهادة باستعلاء من ثبت عليه، فهو أدل على التمكن من الوصول، وهو تمثيل فلا استعلاء لشيء عليه سبحانه، تعالى الله عن ذ ذلك علوًا كبيرًا ... والعرب تقول: طريقك في هذا الأمر على فلان، على معنى: إليه يصير النظر في أمرك، وعن مجاهد وقتادة أن هذا تهديد للعين، كما تقول لغيرك: افعل ما شئت فطريقك علي، أي لا تفوتني" (8). وذهب بعضهم إلى أن (علي) بمعنى (إليّ) (9)، وهذا المعنيان مرادان معًا في هذه الآيات الثلاث، والله أعلم. ثم لنلاحظ من جهة أخرى تأليف هذه الآية: لقد قدم الخبر (وهو الجار والمجرور) على الاسم، وأكد الآية بإن واللام. أما التقديم في مثل هذا التعبير فإنه يفيد القصر غالبًا، ومعنى ذلك أن الهداية مختصة به سبحانه، إذ هو وحده الذي يهدي الناس إلى ما يصلحهم في الدنيا والآخرة، ولا يقبل هدى غيره. وكل هدى سوى هداه باطل وضلال، وهو مردود مرفوض، وصاحبه شقي في الدنيا والآخرة، ولا يمكن لأحد أن يهدي خلقه غيره ولا يستطيع ذلك، وإن الناس لو اتبعوا هدى غيره لضلوا وشقوا. وقد أكد التعبير بإن واللام ليثبت هذا المعنى في نفوسنا، وليبين لنا أهمية هذا الأمر. إن أكثر الناس ينازعون في هذا الأمر ويبتغون الهدى في غير ما أنزل الله، ولا يقرون بهذه الحقيقة، ولذا أكده بمؤكدين. وإذا كانت الآية بالمعنى الآخر، وهو أن طريق الهدى يوصل إلى الله ولا يذهب إلى غيره، وما سواه طريق منقطع عنه يوصل سالكه إلى النار فهذا المعنى به حاجة إلى القصر والتوكيد أيضًا، وهو نظير قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: ٤٢]، ونظيره في القصر {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 30] فهو على كل معنى مؤكد مقصور. إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها وما بعدها أحسن ارتباط وأجله، فهي مرتبطة بقوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} فإن هذا السعي المختلف المتناقض أصحابه محتاجون إلى الهدى ليسلكوا الطريق الصحيح، وإن الخلق إذا أوكل أمر السعي إليهم ذهبوا في متاهات وابتعد بعضهم عن بعض وسلكوا طرقًا متنائية متباعدة، ألا ترى أن سعي الناس شتى لأنهم لم يتبعوا هدى ربهم وإنما اتبعوا أهواءهم وعقولهم فضلوا، ولذلك ينبغي أن يكون الهدى الله حصرًا لئلا يكون سعي الناس شتى. وهي مرتبطة بقوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ....} فهذا من الهدى الذي بينه ربنا وقد عرفنا كل طريق وإلى ماذا يوصل، وهي مرتبطة بما بعدها من الآيات كما سنوضح ذلك. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 182 إلى ص 186. (1) انظر فتح القدير 5/440، تفسير ابن كثير 4/520، البحر المحيط 8/484. (2) التبيان 45. (3) فتح القدير 5/440. (4) تفسير ابن كثير 4/52. (5) لسان العرب (قصد) 4/354 – 355. (6) فتح القدير 5/440. (7) فتح القدير 3/136. (8) روح المعاني 14/51. (9) انظر روح المعاني 14/51. الوقفة كاملة
٣١٦ {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18} ولم يقل: (ولا يجنبها إلا الأتقى) كما قال: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى}، وإنما ذكر أن الأتقى سيجنبها، أما غير الأتقى فقد يجنبها أيضًا أو يردها ورودًا خفيفًا على حسب عمله، أما الأتقى فإنه يجنبها تجنيبًا كاملاً. ثم ذكر مقابل الأشقى الذي كذب وتولى: {الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} وذكر له ثلاث خصال: التقوى بل الصفة العليا في التقوى وهي {الْأَتْقَى}، وأنه يؤتي ماله يتزكى، وهو مقابل {بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} وهو الوصف الأعلى في هذا الأمر، ذلك أنه {يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}، فهو يعطي ماله كله، وبذا يكون قد وصفه بالوصف الأعلى في التقوى والوصف الأعلى في الإنفاق، فإنه لا عطاء أكثر من ذلك. ثم انظر كيف قال: {يُؤْتِي مَالَهُ} بإضافة المال إليه، ولم يقل: (يؤتي المال) بمعنى أنه يؤتي ثمرة كدّه وعمله وهو. ثم ذكر الغرض من ذلك وحاله عند العطاء وهو أنه يتزكى بذلك، أي يتطهر. وذكر أنه لم يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، وذلك أعلى درجات التصديق بالحسنى. ثم انظر كيف أنه لما ذكر الأشقى بصفات أعم وأسوأ مما قاله فيمن قبله فقال: {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} وهو أعم وأسوأ ممن قال فيهم: { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} ذكر أيضًا بمقابل: {مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} من هو أعلى منه فقال: {الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}، فقد ذكر بمقابل {أَعْطَى} وهو يحتمل العطاء الكثير والقليل أنه {يُؤْتِي مَالَهُ} وهو أكثر وأعم؛ ذلك لأن هذا يؤتي ماله كله. وبمقابل (اتقى) الأتقى وهي الصفة العليا، وبمقابل {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أنه يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه الأعلى ولا يفعله إلا لذلك، فهو أعلى درجات التصديق. ولذا كان الجزاء أعلى، فإنه قال في الأولى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} وقال ههنا أنه يجنب النار وأنه سوف يرضى، فذكر أمرين. ومعنى {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} أنه سوف يرضى بثوابه في الآخرة لعظيم ما أعد له. وهناك معنى آخر لها، وهو أنه لم يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ورضوانه ولسوف يرضى الله عنه، وكلا المعنيين جليل شريف، فإن رضا الله أكبر من الجنات، كما قال الله تعالى {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 72] والمعنيان مرادان معًا، ذلك أن الله سوف يرضى عنه، وأنه سيرضى بما جزاه الله سبحانه، فانظر عظم هذا الجزاء. ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} بالبناء للمجهول، ولم يقل: (سيتجنبها الأتقى) بالبناء للمعلوم، ذلك أن تجنب النار أمر عسير ليس ذلك إليه بل ذلك إلى ربه، وسبيل ذلك التقوى والتطهر وإنفاق المال وإخلاص العمل الله. ونظير ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185] بالبناء للمجهول، ولم يقل: (فمن تزحزح عن النار) لأن الزحزحة عن النار ليست إلى الناس بل إلى خالقهم ومالكهم خالق النار، وهذا إنذار عظيم للناس لو كانوا يعلمون، فإنه ليس باستطاعة أحد أن يتجنب النار بنفسه ولو كان الأتقى، وكيف يمكن أن يتجنبها وقد أقسم ربنا على أننا كلنا سنردها ولا ينجو إلا من ينجيه الله منها، فقال سبحانه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: ۷۱ - ۷۲]، وقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر: 60 – 61]. ألا ترى إلى قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا}، وقوله: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا} بإسناد التنجية إلى الرب نفسه لا إلى المتقين، وهو نظير قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} ببناء التجنيب للمجهول، والمتقون – كما يظهر من الآيات – هم الناجون. وقد تقول: ولم أسند ضمير التنجية في سورة مريم إلى ضمير المتكلمين فقال: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} وأسنده في سورة الزمر إلى الله فقال: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا} وبنى الفعل للمجهول في سورة الليل فقال: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى}؟ والجواب: أن ذلك بحسب السياق الذي ورد فيه التعبير، فإن الجو الشائع في سورة مريم إسناد الفعل إلى ضمير المتكلمين، وذلك نحو قوله: { أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ …. (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ …. (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ …. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ ..... ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ...... يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ ..... } إلخ، فناسب ذلك إسناد الفعل (ننجي) إلى ضمير الجماعة للتعظيم. وإن الجو الشائع في سورة الزمر إسناد الفعل إلى الله سبحانه، وقد شاع فيها ذكر الله نحو قوله: { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ..... إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا .... ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ .... أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ .... وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً .... أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ .... اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ .... فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .... } وغير ذلك وغيره، فناسب ذلك أن يسند التنجية إلى الله. في حين شاع في سورة الليل العموم والإطلاق، فناسب حذف الفاعل وإسناد التجنيب إلى غير مذكور ليناسب جو الإطلاق في السورة، ولا شك أن ذكر الفاعل يفيد التخصيص لا الإطلاق. ومن الملاحظ أنه ذكر في الذين اتقوا أنه ينجيهم، وفي الأتقى أنه يجنبها، ذلك أن النجاة قد تكون بعد الوقوع في الشيء ومعاناته، وذلك نحو قوله تعالى في بني إسرائيل: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة: 49 ]. أما التجنيب فمعناه التنحية والمباعدة، فقولي: (جنبتك العذاب) يفيد أني أبعدتك عنه فلم تذقه، وأما (أنجيتك من العذاب) فقد يحتمل أنه كان واقعًا فيه ثم أنجاه منه، ولذا قال تعالى بعد قوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} أي بعد الورود. ولا شك أن الأتقى هو في الدرجة العليا من التقوى فقال فيه: (وسيجنبها)، وأما الذين اتقوا ففيهم المتقي والأتقى، فذكر أن لهم النجاة، وكلاهما ذو حظ عظيم غير أنهم درجات عند ربهم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 195 إلى ص 198. الوقفة كاملة
٣١٧ {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)} تذكر السورة الإنسان قبل وجوده، وتذكره وهو نطفة أمشاج، وتذكره وهو إنسان مكلف، وبعد خروجه من الدنيا إلى النعيم والملك الكبير أو إلى الأغلال والسعير. {هَلْ أَتَى} اتفق المفسرون على أن (هل) بمعنى (قد) (1) على أن الاستفهام للتقرير، أي (أقد أتى على الإنسان حين من الدهر؟)، فإن معنى {هَلْ أَتَى}: (أقد أتى) بقد المسبوقة بهمزة الاستفهام، وليس معناها (قد أتى) من دون استفهما. والمراد بها التقرير، أي أن تستجوب المخاطب وتقرره بأمر قد علمه فتقول له: (هل أتى على الإنسان ذلك؟) فلابد أن يقول مقرًّا معترفًا بذلك: نعم قد أتى عليه. كما تقول لشخص قد أعطيته وأرضيته: هل أعطيتك وأرضيتك؟ فيقول لك: نعم. وهو أبلغ من مجرد الإخبار بأن تقول له: قد أعطيتك وقد كفيتك؛ لأن هذا إخبار من المتكلم دون أن يًقرّ به المخاطب ويعترف به، بخلاف ما إذا سبقه الاستفهام التقريري. فإذا أقرّ – ولابد – بأنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، قيل له: ومن الذي خلقه وأوجده؟ جاء في (الكشاف): "هل بمعنى (قد) في الاستفهام خاصة، والأصل: أهل، بدليل قوله: أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم فالمعنى (أقد أتى) على التقرير والتقريب جميعًا، أي أتى على الإنسان قبل زمن قريب حين من الدهر لم يكن فيه شيئًا مذكورًا، أي كان شيئًا منسيًّا غير مذكور نطفة في الأصلاب" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "اتفقوا على أن (هل) ههنا وفي قوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} بمعنى قد، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان؟ وقد علمت أنه قد رآه، وتقول: هل وعظتك وهل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته" (3). وجاء في (روح المعاني): {هَلْ أَتَى} "أصله على ما قيل (أهل) على أن الاستفهام للتقرير، أي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه، والمقرر به من ينكر البعث، وقد علم أنهم يقولون: نعم قد مضى على الإنسان حين لم يكن كذلك. فيقال: فالذي أوجده بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إحياؤه بعد موته، و(هل) بمعنى (قد) وهي للتقريب ... فلما سدت (هل) مسدّ الهمزة دلت على معناها ومعنى الهمزة معًا، ثم صارت حقيقة في ذلك، فهي للتقرير والتقريب" (4). وجاء في (فتح القدير): "قيل: هي وإن كانت بمعنى (قد) ففيها معنى الاستفهام، والأصل: أهل أتى، فالمعنى؛ أقد أتى، والاستفهام للتقرير والتقريب" (5). {عَلَى الْإِنْسَانِ} اختلف في المقصود بالإنسان في هذه الآية أهو آدم عليه السلام فيكون المقصود بقوله: {لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} منذ خلقه الله من طين إلى أن نفخ فيه الروح، فإنه كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، أم هو جنس الإنسان، أي بنو آدم، بدليل قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}، فإن كل واحد من بني آدم لم يكن شيئًا أصلاً، ثم كان شيئًا غير مذكور وهو نطفة في الرحم، ثم كان إنسانًا مذكورًا فيما بعد، والآية تحتملهما، والراجح عندي أن الإنسان في هذه الآية آدم وفي الآية بعدها جنس الإنسان، فذكر الإنسان الأول ومن تلاه. وجاء في (البحر المحيط): "والإنسان هنا جنس بني آدم، والحين الذي مرَّ عليه إما حين عدمه وإما حين كونه نطفة وانتقاله من رتبة إلى رتبة حتى حين إمكان خطابه، فإنه في تلك المدة لا ذكر له، وسمي إنسانًا باعتبار ما صار إليه. وقيل: آدم عليه الصلاة والسلام، والحين الذي مر عليه هي المدة التي بقى فيها إلى أن نفخ فيه الروح" (6). وجاء في (التفسير الكبير): "اختلفوا في الإنسان المذكور ههنا: فقال جماعة من المفسرين: يريد آدم عليه السلام، ومن ذهب إلى هذا قال: إن الله تعالى ذكر خلق آدم في هذه الآية، ثم عقب بذكر ولده في قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}. والقول الثاني: أن المراد بالإنسان بنو آدم، بدليل قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ} فالإنسان في الموضعين واحد ... واعلم أن الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، ومتى كان كذلك فلابد من محدث قادر" (7). {لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} تحتمل الآية أكثر من معنى، فإنها تحتمل أنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا أصلاً لا مذكورًا ولا غير مذكور، مثل قوله تعالى: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 67]، وقوله: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9]. وتحتمل أن النفي موجه للقيد، أي كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، فإن مثل هذه التعبيرات تحتمل نفي الأصل، كما تحتمل نفي القيد. ومثل ذلك قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] والمعنى: لا يسألونهم أصلاً لا ملحفين ولا غير ملحفين. وتحتمل نفي القيد وحده ولا يتوجه إلى الأصل، وذلك كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16]، فإنه نفى اللعب ولم ينف خلق السماوات والأرض. والآية هنا تحتمل المعنيين، فإنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا أصلاً، ثم أتى عليه حين قد كان فيه شيئًا ولم يكن مذكورًا. وقد تقول: إذا كان المقصود هو المعنى الأول، فلم ذكر القيد، ولِمَ لَمْ يقل كما قال في موطن آخر: {وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}؟ والجواب: أن ذكر كلمة (مذكور) له أكثر من سبب ويؤدي أكثر من فائدة، منها: أن ذكرها يدل على تطور الإنسان ووجوده في جميع المراحل: فإنه لم يكن شيئًا، ثم كان شيئًا غير مذكور، ثم كان شيئًا مذكورًا، بخلاف ما إذا حذف كلمة (مذكور) فإنه يقفز المرحلة الوسطى. ثم إن ذكرها مناسب للآية بعدها، وهو قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} فإن الإنسان في الرحم حين كان نطفة أمشاجًا كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، ومناسب لقوله في السورة: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} فإن هذا يفيد أنه صار فيما بعد شيئًا مذكورًا. وأما عدم ذكرها في آيتي مريم فهو المناسب أيضًا، يوضح ذلك السياق الذي وردت فيه الآيتان؛ أما الآية الأولى فهي إيضاح لنبي الله زكريا حين بشره الله بيحيى واستبعد ذلك زكريا بقوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم: 8] فتعجب كيف يكون له غلام وهذا حال وحال امرأته؟ فقال رب العزة: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9]. فإذا كان رب العزة خلقه، ولم يك شيئًا أصلاً كان أهون عليه أن يخلق ولدًا من أبوين، ولا شك أن الخلق من العدم أصعب في ميزان العقل من الخلق من شيء وإن لم يكن مذكورًا، فإنه في حالة كونه شيئًا غير مذكور هو موجود على هيئة ما أو في حالة ما أو في طور ما لكنه غير مذكور، فالحالة الأولى – وهي خلقه من العدم – أبعد، وهو مع ذلك أوجده، ثم إنه لو قال: (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا مذكورًا) لقال: رب لقد كنت شيئًا وإن لم أكن مذكورًا فخلقتني، وأما الغلام الذي وعدتني به فليس له وجود أصلاً، فالأمر مختلف. وكذلك الآية الأخرى في السورة نفسها، وهو قوله: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 66 – 67] فإن الإنسان يستبعد إخراجه حيًّا بعد الموت، فيقول له رب العزة: لقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا أصلاً، والإعادة أيسر من الابتداء، ثم إن المادة بعد موت الإنسان موجودة في حين ابتدأ الله خلقه ولم يك شيئًا أصلاً، فالخلق الأول أدل على القدرة، ولا يناسب في هذا المقام أن يقول: (ولم يك شيئًا مذكورًا) لأن ذلك يعني أنه كان شيئًا غير أنه لم يكن مذكورًا، والحالة الأولى أدلّ على القدرة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه بعد الموت هو شيء لكنه غير مذكور، فلو قال: (ولم يك شيئًا مذكورًا) لأشبهت هذه الحالة حالته بعد الموت في أنه شيء غير مذكور. في حين أراد أن يدلل على عظيم قدرته في الإنشاء والابتداء ليدل على سهولة الإعادة والإخراج، فكان كل تعبير في مكانه هو الأنسب. ثم لننظر من ناحية أخرى نظم الآية { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ...} فإنه استعمل (أتى) بدل (جاء) ذلك أن بعض أهل اللغة فرق بين الإتيان والمجيء، فذكر أن (الإتيان) يفيد المجيء بسهولة (8). وقد استبان لي من النظر في التعبير القرآني أنه يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى)، وقد بينت ذلك بصورة وافية في كتابي (لمسات بيانية في نصوص من التنزيل) في شرح قصة موسى في سورتي النمل والقصص. فاستعمل (أتى) ههنا؛ لأن إتيان الدهر على الإنسان في هذه الحال ليس فيه مشقة ولا صعوبة عليه، فهو إما لم يكن شيئًا، أو كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، وفي كلتا الحالتين ليس في إتيان الدهر عليه مشقة أو صعوبة، فاستعمل (أتى) دون (جاء). ثم إنه قدم الجار والمجرور على الفاعل فقال: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} ذلك لأن الجار والمجرور أهم، فإن الإنسان هو مدار الحديث وليس الدهر، فإن الدهر يمر ولا يقف في حال، فالقول: إن الدهر يأتي ليس فيه فائدة كبيرة، بخلاف ذكر المأتى عليه وهو الإنسان. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 203 إلى ص 210. (1) التفسير الكبير 30/235. (2) الكشاف 3/295، وانظر البحر المحيط 8/393. (3) التفسير الكبير 30/235، وانظر معاني القرآن 3/213. (4) روح المعاني 29/150. (5) فتح القدير 5/334. (6) البحر المحيط 8/393. (7) التفسير الكبير 30/235 – 236. (8) مفردات الراغب 6، 102. الوقفة كاملة
٣١٨ {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) } لما ذكر أن الإنسان أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، واستدعى ذلك النظر فيمن أوجده وخلقه قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} فنسب الخلق إلى نفسه سبحانه بضمير التعظيم وأكده بإن؛ لأن ذلك يستدعي التعظيم ويستدعي التوكيد. وقد ذكر ضمير الخالق مرتين: مرة مع (إن) فقال: (إنّا)، ومرة مع الفعل خلق فقال: (خلقنا)، للدلالة على أنه هو الخالق وحده، وأنه ليس معه شريك. وقال: (نبتليه) بإسناد الابتلاء إليه ليعلم أن المبتلى هو الخالق. ثم أسند كل الأفعال إليه ليعلم أنه هو صاحبها لا غيره. ولم يبن فعلاً للمجهول، فإنه لو فعل ذلك لم يفد هذه الفائدة. ولأنه هو الخالق وهو الذي امتن عليه بالنعم فجعله سميعًا بصيرًا مميزًا استحق أن يعبد ويشكر. و(الإنسان) هنا بنو آدم وليس آدم، بدليل قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ} فإن آدم لم يخلق من نطفة (1). والذي يترجح عندي – والله أعلم – قول من ذهب إلى أن المقصود بالإنسان المذكور في الآية الأولى هو آدم عليه السلام، وفي الآية هذه بنوه (2)، فيكون قد ذكر خلق آدم وبنيه، وهو أدل على القدرة وأظهر؛ لأن فيه نوعي الخلق: الإيجاد والاستمرار. ولذا – والله أعلم – كرر كلمة (الإنسان) ولم يذكر الضمير فقال: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ .... إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} ولم يقل: (إنا خلقناه). ولو قال: (إنا خلقناه) لتعين أن يكون المقصود بالإنسان في الموضعين هم ذرية آدم ولم يشمل آدم. فكرر كلمة (الإنسان) ليحتمل أن يراد بالأول آدم وبالتالي ذريته فيشملهما جميعًا. ومعنى (الأمشاج): الأخلاط، يقال: مشج يمشج مشجًا إذا خلط، ومشجه ومزجه بمعنى، والمشيج: الخليط، والممشوج: المخلوط (3). وكلمة (أمشاج) تستعمل مفردًا وجمعًا، شأن كلمة هجان ودلاص وبشر وفلك وغيرها، فيقال في المفرد: مَشَج بفتحتين، كبطل وأبطال، ويقال: مشيج، كشريف وأشراف، وجمعهما أمشاج، ويقال في المفرد أمشاج أيضًا، كقولهم: برمة أعشار، وبرد أكباش، وثوب أسمال، وعلى هذا يقال: نطفة مَشَج، ونطفة مشيج، ونطفة أمشاج (4). واختار كلمة (أمشاج) على المشَج والمشيج لكثرة ما فيها من أخلاط وامتزاجات، وربما وصف الشيء بالجمع لإرادة التكثير، فيقال مثلاً: "بلد سبسب وبلد سباسب، كأنهم جعلوا كل جزء منه سبسبًا ثم جمعوه على هذا" (5). "وتقول: أرض قفر ودار قفر، وأرض قفار ودار قفار، تجمع على سعتها لتوهم المواضع كل موضع على حياله قفر" (6). فهذا إشارة إلى كثرة ما في النطفة من أخلاط على صغرها، ولا تفيد كلمة (مشج) أو (مشيج) هذا المعنى، والله أعلم. {نَبْتَلِيهِ} نختبره ونمتحنه، واختار (نبتلي) على (نبلوه) لبيان شدة الاختبار وقوته، فإن في (ابتلى) من الشدة والمبالغة ما ليس في (بلا)، ومعلوم أن (افتعل) فيه من المبالغة وقوة الحدث ما ليس في (فعل) وذلك كاكتسب وكسب واصطبر وصبر. ولو عدت إلى الاستعمال القرآني في (ابتلى) لو جدت ذلك واضحًا، قال تعالى بعد وقعة أحد وما أصابهم فيها: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]. وقال في وقعة الأحزاب: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 – 11]. والله سبحانه يبلو ويبتلي. وقد تقول: ولم قال ههنا: (نبتليه)، وقال في سورة (الملك): {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]؟ والجواب: أن كل تعبير مناسب لموطنه، فقد ذكرنا أن (الابتلاء) أشد من البلاء، ولذا ذكر معه مما يصح معه الابتلاء ما لم يذكره في سورة الملك؛ 1- فقد قال في سورة الملك: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} والمغفرة تقتضي التخفيف، بخلاف ما في سورة الإنسان. 2- ذكر في سورة الإنسان ما يصح معه الابتلاء من سمع وبصر وأنه هداه السبيل، فلما أطال في ذكر ما زوده بما يصح معه الابتلاء أطال وبالغ في البلاء، ولما خفف ولم يذكر ذلك في سورة الملك خفف في الفعل. 3- لم يذكر شيئًا من ابتلاء الأعمال في سورة الملك عدا ذكر الكافرين وذكر الذين يخشون ربهم فقال: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، وقال في وصف المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} ولم يذكر شيئًا من أعمال هؤلاء وأولئك، في حين ذكر في سورة الإنسان من أعمال هؤلاء وهؤلاء ما لم يذكره في سورة الملك، فذكر أن المؤمنين يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا، وأنهم يطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا. وطلب من نبيه أن يصبر لحكم ربه وأن لا يطيع آثمًا أو كفورًا، كما طلب منه أن يذكر ربه بكرة وأصيلاً، وأن يسجد له ويسبحه ليلًا طويلاً، وأفاض في ذكر نعيم المؤمنين ما لم يفض في سورة الملك. وكذلك بالنسبة إلى الكافرين، فقد ذكر أنهم {يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا}. وقال في ختام السورة: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، فاقتضى ذلك أن يذكر الابتلاء ويطيل في صيغة الفعل ويبالغ فيه، بخلاف سورة الملك. وقوله: (نبتليه) يحتمل معنيين: المعنى الأول: التعليل، أي خلقناه لنبتليه، وهو مثل قولك: جئت أتعلم منك، أي لأتعلم، وجئت أشتري دارًا، أي لأشتري، وهذه الجملة استئنافية تفيد التعليل. والمعنى الثاني: أن يكون حالًا مقدرة عن الفاعل، بمعنى: خلقناه مبتلين له، أي مريدين ابتلاءه، ومعنى الحال المقدرة أن تكون الحال واقعة في المستقبل، كقوله تعالى: {} فهو لم يكن نبيًّا حين التبشير. وقد يكون حالاً من المفعول، أي خلقناه مبتلى. ولم يذكر لام التعليل كما في سورة (الملك) التي قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} وذلك ليجمع معنيي التعليل والحالية. وقد تقول: ولِمَ لَمْ يفعل ذلك في سورة الملك ليجمع بينهما؟ والجواب: أن التعبير لا يحتمل ذلك، فقد قال: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} فإنه ذكر علة خلق الموت والحياة لا علة خلق الإنسان، فلا يحسن أن يقول: (الذي خلق الموت والحياة يبلوكم) فناسب كل تعبير موضعه. وقد تأتي الحال مفيدة للتعليل، كقولك: (جئت طالبًا للعلم) أي لطلب العلم، و(عبدت الله طامعًا في جنته) أي طمعًا، و(فعلت ذلك مبتغيًا رضوان الله) أي ابتغاء رضوان الله. وعلى هذا يمكن أن تكون جملة (نبتليه) استئنافية تفيد التعليل، أو حالية مفيدة للتعليل، أو حالًا مقدرة من الفاعل وهو الله، أي مستقبلة بمعنى مبتلين له، أو حالًا من المفعول وهو الإنسان (7) أي مبتلى. جاء في (التفسير الكبير): "أما قوله (نبتليه) ففيه مسائل: (المسألة الأولى) نبتليه معناه لنبتليه، وهو كقول الرجل: (جئتك أقضي حقك) أي لأقضي حقك، و(أتيتك أستمنحك) أي لا ستمنحك، كذا قوله: (نبتليه) أي لنبتليه. ونظيره قوله: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]. (المسألة الثانية): نبتليه في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين له، يعني مريدين ابتلاءه" (8). وجاء في (البحر المحيط): {نَبْتَلِيهِ} نختبره بالتكليف في الدنيا ... وعلى أن المعنى: نختبره بالتكليف، فهي في حالة مقدرة، لأنه تعالى حين خلقه من نطفة لم يكن مبتليًا له بالتكليف في ذلك الوقت" (9). وجاء في (الكشاف): {نَبْتَلِيهِ} في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين له، بمعنى: مريدين ابتلاءه، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، تريد: قاصدًا به الصيد غدًا" (10). وقد ذكر الله ههنا ما يصح معه الابتلاء ومستلزماته ومتعلقاته، فقد ذكر السمع والبصر والعقل، قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} ومعنى {هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أرشدناه وعلمناه، وهذا يقتضي العقل وذكر الاختيار، ويشير إلى ذلك قوله: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. وذكر مادة الاختبار وهو المنهج الرباني الذي أشار إليه بقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ}، وهذه الأمور لا يصح الابتلاء من دونها. ثم ذكر موقف المكلفين من هذا الاختبار أو الابتلاء، فذكر أنهم قسمان: شاكر وكفور، وذكر عاقبة هذا الاختبار أو الابتلاء وهي الجنة أو السعير، فذكر كل ما يتعلق بالاختبار من أركان وأحوال، فذكر المبتلى أو المختبر وهو الله وذلك قوله: (نبتليه)، وذكر المبتلى وهو (الإنسان)، وذكر موضوع الاختبار وهو قوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} وموقف المبتلى منه وعاقبته. جاء في (التفسير الكبير): "ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر فقال: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز، كما قال تعالى حاكيًا عن إبراهيم عليه السلام: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} [مريم: 42]" (11). {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} قَدَّم السمع على البصر، وهو الشأن في آيات القرآن التي اجتمع فيها السمع والبصر غالبًا، ذلك أن السمع أهم في باب الابتلاء والتكليف من البصر، فإن فاقد البصر يمكن أن يعي ويفهم ويبلغ، بخلاف فاقد السمع فإن من العسير تبليغه وإفهامه. وقدمهما على الهداية فقال بعد هذه الآية: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} لأن السمع والبصر طريقان يوصلان المعلومات إلى العقل، ومن دونهما يعسر على العقل فهم المعلومات واستيعابها. جاء في (التفسير الكبير): "الآية دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل، والأمر كذلك" (12). وجاء في (البحر المحيط): "وامتن تعالى عليه بجعله بهاتين الصفتين وهما كناية عن التمييز والفهم، إذ آلتهما سبب ذلك ... ولمَّا جعله بهذه المثابة أخبره تعالى أنه هداه إلى السبيل، أي أرشده إلى الطريق، وعرفنا مآل طريق النجاة ومآل طريق الهلاك، إذ أرشدناه طريق الهدى" (13). ولم يفصل بين هاتين الصفتين بالواو، فلم يقل: (وجعلناه سميعًا وبصيرًا) لئلا يظن أنه جعل الإنسان قسمين قسمًا يسمع وقسمًا يبصر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 210 إلى ص 216. (1) انظر الكشاف 3/295، البحر المحيط 8/293. (2) انظر التفسير الكبير 30/235. (3) انظر الكشاف 3/295، البحر المحيط 8/391، التفسير الكبير 30/236. (4) انظر الكشاف 3/295. (5) لسان العرب (سبسب) 1/243. (6) لسان العرب (قفر) 6/422. (7) انظر فتح القدير 5/235. (8) التفسير الكبير 30/237. (9) البحر المحيط 8/394. (10) الكشاف 3/295. (11) التفسير الكبير 30/237. (12) التفسير الكبير 30/237. (13) البحر المحيط 8/394. الوقفة كاملة
٣١٩ {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} بدأ بالوفاء بالنذر لأنه واجب، وذكروا للنذر ههنا معنيين: الأول: هو النذر المعهود مما أوجبه العبد على نفسه، وهو الأظهر. والثاني: أن المراد بالنذر "ههنا عام لما أوجبه الله تعالى وما أوجبه العبد، فيدخل فيه الإيمان وجميع الطاعات" (1). جاء في (الكشاف): "والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات؛ لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى" (2). وذكر بعده خوف اليوم الآخر، فكأنه ذكر النية المقارنة للعمل، والعمل لا يقبل إلا إذا كان مقرونًا بالنية. جاء في (التفسير الكبير): "واعلم أن تمام الطاعة لا يحصل إلا إذا كانت النية مقرونة بالعمل. فلما حكى عنهم العمل وهو قوله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} حكى عنهم النية وهو بقوله: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا} وتحقيقه قوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) وبمجموع هذين الأمرين سماهم الله تعالى بالأبرار" (3). ومعنى (مستطيرًا): "فاشيًا منتشرًا بالغًا أقصى المبالغ، من استطار الحريق، واستطار الفجر، وهو من طار، بمنزلة استنفر من نفر" (4). قال قتادة "استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض" (5). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 227 إلى ص 228. (1) البحر المحيط 8/395. (2) الكشاف 3/297. (3) التفسير الكبير 30/242. (4) الكشاف 3/297. (5) تفسير ابن كثير 4/454. الوقفة كاملة
٣٢٠ {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)} {عَلَى حُبِّهِ} الأظهر أن الضمير في (حبّه) يعود على الطعام، أي أنهم يطعمون الطعام مع اشتهائه والحاجة إليه، نظير قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] (1). وقيل: المعنى على حب الإطعام، بأن يكون ذلك بطيب نفس وعدم تكلف (2)، فالضمير يعود على مصدر (يطعمون) وهو الإطعام. وقيل: إن الضمير يعود على الله، والمعنى: أنهم يطعمون الطعام على حب الله، أي لوجهه وابتغاء مرضاته (2). وهذا المعنى مذكور فيما بعد في قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}. وقيل: إن المعنى الأول، أي (على حب الطعام) أمدح "لأن فيه الإيثار على النفس، وأما الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر" (3). وأعلاها أن يكون لكل ذلك، فهم يطعمون الطعام مع حاجتهم إليه واشتهائه فيكون ذلك من باب الإيثار، ويفعلونه بطيب نفس من غير تكدير ولا منة فيكون من باب الإحسان، مبتغين بذلك وجه الله تعالى ورضاه خالصًا عملهم له، فيكون من باب الإخلاص، فيجتمع بذلك الإيثار والإحسان والإخلاص. ثم إنه قال: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} فذكر الطعام، ولم يقل: (ويطعمون على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا)؛ وذلك لأنه أراد أن يعود الضمير عليه، ولو لم يذكر الطعام لم يعد الضمير على مذكور، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه لو لم يذكر الطعام لانتفى المعنى الأول، وهو أولى المعاني وأظهرها وأهمها، والذي به ينال البر ولا ينال البر إلا به، كما قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. فذكر الطعام أفاد ثلاثة معان وهي المعاني التي ذكرناها، ولو حذفه لأفاد معنيين: الأول: أن يكون المعنى (على حب الله) وهو الأظهر، وهو ما أفادته الآية بعدها. والآخر: أن يكون المعنى (على حب الطعام) وهو ما يقدر من الفعل (يطعمون) فكان ذكره أولى على كل حال. جاء في (روح المعاني): "وذكر الطعام مع أن الإطعام يغني عنه لتعيين مرجع الضمير على الأول، ولأن الطعام كالعلم فيما فيه قوام البدن واستقامة البنية وبقاء النفس، ففي التصريح به تأكيد لفخامة فعلهم على الأخيرين" (4). ثم إنه قدم المسكين على اليتيم، واليتيم على الأسير. قدم المسكين على اليتيم؛ لأن المسكين محتاج على الدوام، وإطعامه قد يكون على الوجوب وقد يكون على التطوع، فهو من الأصناف المذكورين في مصارف الزكاة. أما اليتيم فقد لا يكون محتاجًا، وقد يكون غنيًّا، بخلاف المسكين، ولذا لم يدخل فيمن تصرف إليهم الزكاة. أما الأسير فإنه قد يكون كافرًا. فكان التقديم بحسب الرتبة، فقدم المسكين على اليتيم، واليتيم على الأسير. والمسكين واليتيم قد يكون إعطاؤهما من باب الواجب، بخلاف الأسير فإنه يدخل في باب التطوع، "وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام، ولا تصرف إليهم الواجبات" (5). وبهذا يكون قد بدأ بالواجب وهو الفاء بالنذر، ثم بدأ بما هو أولى وهو المسكين وهو صاحب الحاجة الدائمة، وقد أدخله الله فيمن تجب لهم الزكاة، ثم اليتيم وهو قد يكون غير محتاج ويكون مكفولًا حتى يزول يتمه، ثم الأسير الذي لا تصرف إليه الواجبات من قبل الأفراد. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التقديم جرى بحسب الكثرة. فإن المساكين أكثر من اليتامى، لأن اليتم يزول حتمًا بالبلوغ فلا يسمى بعد ذلك يتيمًا، بخلاف المسكين فإنه يكون صغيرًا أو كبيرًا، واليتامى أكثر من الأسرى؛ لأن الأسرى إنما يكونون من أوزار الحرب، وأما اليتامى فهم موجودون في كل وقت وعلى أية حال، فكان التقديم بحسب الكثرة. ثم إن التقديم أيضًا مرتب بحسب القدرة على التصرف. فالمسكين له الأهلية الكاملة على التصرف، وأما اليتيم فأهليته ناقصة حتى يزول يتمه، وأما الأسير فهو أقل تصرفًا لأنه كالمحجور عليه، فليس له أن يتصرف في ذهابه وإيابه وعمله حتى يتخير فيه الإمام؛ فالآية مرتبة بحسب القدرة على التصرف. وذكر الأسرى هنا مناسب لذكر السلاسل والأغلال مع الكافرين؛ لأن الأسير مقيد مغلول. ومن الملاحظ أنه قال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ} ولم يقل: (يتصدقون) لئلا يخص ذلك الصدقات أو يخص من تجب عليهم الصدقة أو لهم، وإنما أراد فعل الخير عمومًا سواء كان صدقة أم إكرامًا، وسواء كان الفاعل غنيًّا أم فقيرًا، ممن تجب عليهم الصدقة أو لا. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 228 إلى ص 231. (1) الكشاف 3/296. (2) روح المعاني 29/155. (3) البحر المحيط 8/395، الكشاف 3/296، أنوار التنزيل 774. (4) البحر المحيط 8/395. (5) روح المعاني 29/155. (6) روح المعاني 29/155. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 311 إلى 320 من إجمالي 396 نتيجة.