عرض وقفة أسرار بلاغية
- ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴿١﴾ ﴾ [الإنسان آية:١]
{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)}
تذكر السورة الإنسان قبل وجوده، وتذكره وهو نطفة أمشاج، وتذكره وهو إنسان مكلف، وبعد خروجه من الدنيا إلى النعيم والملك الكبير أو إلى الأغلال والسعير.
{هَلْ أَتَى}
اتفق المفسرون على أن (هل) بمعنى (قد) (1) على أن الاستفهام للتقرير، أي (أقد أتى على الإنسان حين من الدهر؟)، فإن معنى {هَلْ أَتَى}: (أقد أتى) بقد المسبوقة بهمزة الاستفهام، وليس معناها (قد أتى) من دون استفهما. والمراد بها التقرير، أي أن تستجوب المخاطب وتقرره بأمر قد علمه فتقول له: (هل أتى على الإنسان ذلك؟) فلابد أن يقول مقرًّا معترفًا بذلك: نعم قد أتى عليه. كما تقول لشخص قد أعطيته وأرضيته: هل أعطيتك وأرضيتك؟ فيقول لك: نعم.
وهو أبلغ من مجرد الإخبار بأن تقول له: قد أعطيتك وقد كفيتك؛ لأن هذا إخبار من المتكلم دون أن يًقرّ به المخاطب ويعترف به، بخلاف ما إذا سبقه الاستفهام التقريري.
فإذا أقرّ – ولابد – بأنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، قيل له: ومن الذي خلقه وأوجده؟
جاء في (الكشاف): "هل بمعنى (قد) في الاستفهام خاصة، والأصل: أهل، بدليل قوله:
أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
فالمعنى (أقد أتى) على التقرير والتقريب جميعًا، أي أتى على الإنسان قبل زمن قريب حين من الدهر لم يكن فيه شيئًا مذكورًا، أي كان شيئًا منسيًّا غير مذكور نطفة في الأصلاب" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "اتفقوا على أن (هل) ههنا وفي قوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} بمعنى قد، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان؟ وقد علمت أنه قد رآه، وتقول: هل وعظتك وهل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته" (3).
وجاء في (روح المعاني): {هَلْ أَتَى} "أصله على ما قيل (أهل) على أن الاستفهام للتقرير، أي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه، والمقرر به من ينكر البعث، وقد علم أنهم يقولون: نعم قد مضى على الإنسان حين لم يكن كذلك. فيقال: فالذي أوجده بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إحياؤه بعد موته، و(هل) بمعنى (قد) وهي للتقريب ... فلما سدت (هل) مسدّ الهمزة دلت على معناها ومعنى الهمزة معًا، ثم صارت حقيقة في ذلك، فهي للتقرير والتقريب" (4).
وجاء في (فتح القدير): "قيل: هي وإن كانت بمعنى (قد) ففيها معنى الاستفهام، والأصل: أهل أتى، فالمعنى؛ أقد أتى، والاستفهام للتقرير والتقريب" (5).
{عَلَى الْإِنْسَانِ}
اختلف في المقصود بالإنسان في هذه الآية أهو آدم عليه السلام فيكون المقصود بقوله: {لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} منذ خلقه الله من طين إلى أن نفخ فيه الروح، فإنه كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، أم هو جنس الإنسان، أي بنو آدم، بدليل قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}، فإن كل واحد من بني آدم لم يكن شيئًا أصلاً، ثم كان شيئًا غير مذكور وهو نطفة في الرحم، ثم كان إنسانًا مذكورًا فيما بعد، والآية تحتملهما، والراجح عندي أن الإنسان في هذه الآية آدم وفي الآية بعدها جنس الإنسان، فذكر الإنسان الأول ومن تلاه.
وجاء في (البحر المحيط): "والإنسان هنا جنس بني آدم، والحين الذي مرَّ عليه إما حين عدمه وإما حين كونه نطفة وانتقاله من رتبة إلى رتبة حتى حين إمكان خطابه، فإنه في تلك المدة لا ذكر له، وسمي إنسانًا باعتبار ما صار إليه.
وقيل: آدم عليه الصلاة والسلام، والحين الذي مر عليه هي المدة التي بقى فيها إلى أن نفخ فيه الروح" (6).
وجاء في (التفسير الكبير): "اختلفوا في الإنسان المذكور ههنا:
فقال جماعة من المفسرين: يريد آدم عليه السلام، ومن ذهب إلى هذا قال: إن الله تعالى ذكر خلق آدم في هذه الآية، ثم عقب بذكر ولده في قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}.
والقول الثاني: أن المراد بالإنسان بنو آدم، بدليل قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ} فالإنسان في الموضعين واحد ...
واعلم أن الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، ومتى كان كذلك فلابد من محدث قادر" (7).
{لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}
تحتمل الآية أكثر من معنى، فإنها تحتمل أنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا أصلاً لا مذكورًا ولا غير مذكور، مثل قوله تعالى: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 67]، وقوله: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9].
وتحتمل أن النفي موجه للقيد، أي كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، فإن مثل هذه التعبيرات تحتمل نفي الأصل، كما تحتمل نفي القيد. ومثل ذلك قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] والمعنى: لا يسألونهم أصلاً لا ملحفين ولا غير ملحفين. وتحتمل نفي القيد وحده ولا يتوجه إلى الأصل، وذلك كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16]، فإنه نفى اللعب ولم ينف خلق السماوات والأرض.
والآية هنا تحتمل المعنيين، فإنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا أصلاً، ثم أتى عليه حين قد كان فيه شيئًا ولم يكن مذكورًا.
وقد تقول: إذا كان المقصود هو المعنى الأول، فلم ذكر القيد، ولِمَ لَمْ يقل كما قال في موطن آخر: {وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}؟
والجواب: أن ذكر كلمة (مذكور) له أكثر من سبب ويؤدي أكثر من فائدة، منها: أن ذكرها يدل على تطور الإنسان ووجوده في جميع المراحل:
فإنه لم يكن شيئًا، ثم كان شيئًا غير مذكور، ثم كان شيئًا مذكورًا، بخلاف ما إذا حذف كلمة (مذكور) فإنه يقفز المرحلة الوسطى.
ثم إن ذكرها مناسب للآية بعدها، وهو قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} فإن الإنسان في الرحم حين كان نطفة أمشاجًا كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، ومناسب لقوله في السورة: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} فإن هذا يفيد أنه صار فيما بعد شيئًا مذكورًا.
وأما عدم ذكرها في آيتي مريم فهو المناسب أيضًا، يوضح ذلك السياق الذي وردت فيه الآيتان؛ أما الآية الأولى فهي إيضاح لنبي الله زكريا حين بشره الله بيحيى واستبعد ذلك زكريا بقوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم: 8] فتعجب كيف يكون له غلام وهذا حال وحال امرأته؟ فقال رب العزة: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9].
فإذا كان رب العزة خلقه، ولم يك شيئًا أصلاً كان أهون عليه أن يخلق ولدًا من أبوين، ولا شك أن الخلق من العدم أصعب في ميزان العقل من الخلق من شيء وإن لم يكن مذكورًا، فإنه في حالة كونه شيئًا غير مذكور هو موجود على هيئة ما أو في حالة ما أو في طور ما لكنه غير مذكور، فالحالة الأولى – وهي خلقه من العدم – أبعد، وهو مع ذلك أوجده، ثم إنه لو قال: (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا مذكورًا) لقال: رب لقد كنت شيئًا وإن لم أكن مذكورًا فخلقتني، وأما الغلام الذي وعدتني به فليس له وجود أصلاً، فالأمر مختلف.
وكذلك الآية الأخرى في السورة نفسها، وهو قوله: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 66 – 67] فإن الإنسان يستبعد إخراجه حيًّا بعد الموت، فيقول له رب العزة: لقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا أصلاً، والإعادة أيسر من الابتداء، ثم إن المادة بعد موت الإنسان موجودة في حين ابتدأ الله خلقه ولم يك شيئًا أصلاً، فالخلق الأول أدل على القدرة، ولا يناسب في هذا المقام أن يقول: (ولم يك شيئًا مذكورًا) لأن ذلك يعني أنه كان شيئًا غير أنه لم يكن مذكورًا، والحالة الأولى أدلّ على القدرة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه بعد الموت هو شيء لكنه غير مذكور، فلو قال: (ولم يك شيئًا مذكورًا) لأشبهت هذه الحالة حالته بعد الموت في أنه شيء غير مذكور.
في حين أراد أن يدلل على عظيم قدرته في الإنشاء والابتداء ليدل على سهولة الإعادة والإخراج، فكان كل تعبير في مكانه هو الأنسب.
ثم لننظر من ناحية أخرى نظم الآية { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ...} فإنه استعمل (أتى) بدل (جاء) ذلك أن بعض أهل اللغة فرق بين الإتيان والمجيء، فذكر أن (الإتيان) يفيد المجيء بسهولة (8). وقد استبان لي من النظر في التعبير القرآني أنه يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى)، وقد بينت ذلك بصورة وافية في كتابي (لمسات بيانية في نصوص من التنزيل) في شرح قصة موسى في سورتي النمل والقصص.
فاستعمل (أتى) ههنا؛ لأن إتيان الدهر على الإنسان في هذه الحال ليس فيه مشقة ولا صعوبة عليه، فهو إما لم يكن شيئًا، أو كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، وفي كلتا الحالتين ليس في إتيان الدهر عليه مشقة أو صعوبة، فاستعمل (أتى) دون (جاء).
ثم إنه قدم الجار والمجرور على الفاعل فقال: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} ذلك لأن الجار والمجرور أهم، فإن الإنسان هو مدار الحديث وليس الدهر، فإن الدهر يمر ولا يقف في حال، فالقول: إن الدهر يأتي ليس فيه فائدة كبيرة، بخلاف ذكر المأتى عليه وهو الإنسان.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 203 إلى ص 210.
(1) التفسير الكبير 30/235.
(2) الكشاف 3/295، وانظر البحر المحيط 8/393.
(3) التفسير الكبير 30/235، وانظر معاني القرآن 3/213.
(4) روح المعاني 29/150.
(5) فتح القدير 5/334.
(6) البحر المحيط 8/393.
(7) التفسير الكبير 30/235 – 236.
(8) مفردات الراغب 6، 102.