| ١٩١ |
{أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)}
هذا التعبير يحتمل معنيين كلاهما مراد:
الأول: بل ألهم آلهة تمنعهم من أن ينالهم مكروه يقع عليهم من جهتنا؟
والآخر: ألهم آلهة غيرنا تمنعهم وتحفظهم؟
ثم استأنف فذكر أن هذه الآلهة لا تستطيع أن تنصر نفسها، وأنهم لا يصحبون منا بنصر ولا تأييد فكيف ينصرونهم، فهم أعجز من ذلك؛ فليس لهم القدرة في أنفسهم ونحن لا نعينهم فهم ليست لهم قيمة ولا مكانة.
جاء في (الكشاف): "ثم أضرب عن ذلك بما في (أم) من معنى (بل) وقال: {أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ } من العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا.
ثم استأنف فبين أن ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره؟" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "قيل: والمعنى ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز من أن ينالهم مكروه من جهتنا...
[وقيل] أم لهم مانع من سوانا" (2).
وجاء في (روح المعاني): "وقوله تعالى: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} أي لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم ويدفعوا عنها ما ينزل بها ولا هم منا يصحبون بنصر أو بمن يدفع عنهم، من جهتنا. فهم في غاية العجز وغير معتنى بهم فكيف يتوهم فيهم ما يتوهم؟" (3).
وقال: {وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ}فقدم (هم) أي ليسوا هم يصحبون منا وإنما غيرهم هم الذين نعينهم ونكون معهم وننصرهم وهم المؤمنون بي وبرسولي كما قال سبحانه: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36].
وقال سبحانه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51].
وقدم (منا) على (يصحبون) أي لا يصحبون منا وإنما يصحبون من الذين يعبدونهم، فهم الذين ينصرونهم ويدفعون عنهم كما غيرنا وهم قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس: ٧٤ - ٧٥].
وكما قال في قوم إبراهيم: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68].
فهؤلاء عاجزون لا أحد يمنعهم من الله.
فهم عاجزون والهتهم أعجز فما أضلهم وأخسرهم !!
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 107 إلى ص 108.
(1) الكشاف 2/329.
(2) البحر المحيط 6/314.
(3) روح المعاني 17/52.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٢ |
{بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44)}
أي نحن حفظناهم ومتعناهم هم وآباءهم وليست آلهتهم ولا أحد غيرنا فلا يغتروا بذلك ويظنوا أنهم سيبقون على حالتهم من التمتيع والطمأنينة. أفلا يرون أنا نأتي على دار الكفر وننقصها شيئًا فشيئًا ونمكن منهم المسلمين فيفتحون ديارهم؟
جاء في (الكشاف): "ثم قال: بل ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا. وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا وإمهالاً كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم طال عليهم الأمد وامتدت بهم أيام الروح والطمأنينة فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب أمنهم واستمتاعهم وذلك طمع فارغ...
{أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا} ننقص أرض الكفر ودار الحرب ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردها دار إسلام... وإن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها" (1).
وقال: {بَلْ مَتَّعْنَا} و{أَنَّا نَأْتِي} و{نَنْقُصُهَا} بإسناد ذلك إلى ضميره سبحانه ليدل على أن ذلك كله بإرادته وحوله وقوته وليس بما جرت عليه الأحوال، وإنما هو بتسليطنا جيوش المسلمين عليهم. وكان الأصل أن يقال: (يأتي جيوش المسلمين فيغلبونهم) ولكنه أسند الإتيان إليه سبحانه لأن ذلك بنصره وتأييده.
جاء في (روح المعاني): "وكان الأصل: يأتي جيوش المسلمين، لكنه أسند الإتيان إليه عز وجل تعظيمًا لهم [أي تعظيمًا لجيوش المسلمين] وإشارة إلى أنه بقدرته تعالى ورضاه. وفيه تعظيم للجهاد والمجاهدين" (2).
قد تقول: لقد قال في الرعد: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا} [الرعد: 41].
فقال: (أولم) بإدخال (لم) على الفعل.
ومن المعلوم أن (لم) تقلب زمن المضارع إلى المضي.
في حين قال في آية الأنبياء: {أَفَلَا يَرَوْنَ} بإدخال (لا) على الفعل المضارع.
و(لا) الداخلة على المضارع تصرفه إلى الاستقبال غالبًا وقد تكون للحال.
فكان السؤال عن الرؤية في الرعد في الماضي.
وأما في الأنبياء فالسؤال عن الرؤية في الحال والاستقبال، فلم ذاك؟
والجواب أنه قال بعد آية الرعد: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا}.
وهذا إخبار عن ماض، فذكر ما فعله ربنا بهم، فناسب إدخال (لم) التي تفيض المضي.
في حين قال في الأنبياء: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} وهذا إنذار وتخويف مما يقع لهم في المستقبل.
وقال: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46)}.
وهذا تحذير لهم مما يقع في المستقبل، فناسب إدخال (لا) وذلك تذكير لهم في الحال والاستقبال. والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 108 إلى ص 110.
(1) الكشاف 2/329.
(2) روح المعاني 17/53.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٣ |
{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)}
بعدما ذكر أنه جعل في أعناقهم أغلالًا، ذكر أنه جعل من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا.
وقال: {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} و{وَمِنْ خَلْفِهِمْ} ولم يقل: (وجعلنا بين أيديهم سدًا وخلفهم سدًا) ذلك أن (من) تفيد ابتداء الغاية، ومعنى ذلك أنه جعل السد ابتداء من بين أيديهم ولم يترك بينه وبينهم فراغَا، وكذلك من خلفهم، فإن السد ملتصق بهم من الأمام وكذلك من الخلف فلا يستطيعون أن يخطوا خطوة واحدة أو حركة. بخلاف ما إذا لم يذكر (من) فإنه يحتمل أن يكون بينهم وبين السد مسافة بعيدة أو قريبة وذلك نحو قوله: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ} {ق: 6}، فإن بينهم وبين السماء مسافة بعيدة، وكذلك قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} {الملك: 19}، فإن بينهم وبين الطير مسافة غير قليلة. في حين قال عن الأرض: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا} {فصلت: 10} فجاء بـ (من) ليدل على أن الرواسي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبينها فراغ.
ثم قدم الجار والمجرور على السد فقال: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} ولم يقل: (وجعلنا سدًا من بين أيديهم وسدًا من خلفهم) وذلك لأن الكلام عليهم لا على السد فكان تقديم ما تعلق بهم أولى. ونحوه قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} كما ذكرنا.
وقد تقول: هذا أمر السد من أمامهم فلماذا جعل من خلفهم سدًا؟ وما الغرض منه؟
فنقول: كما أنه منعهم من السير إلى أمام منعهم من العودة والرجوع إلى أماكنهم الأولى. فإن الشخص إذا قطع عليه الطريق عاد إلى مكانه الأول ومقامه الذي كان فيه. وهنا قد منعه من ذلك فبقي في مكانه من الطريق في غير مأمن وفي غير مقام فهلك.
ثم أغشى أبصارهم وغطاهم فمنعهم من الرؤية فهم لا يبصرون ولا يتحركون فكيف يهتدون؟.
وقوله: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} يحتمل أنه أغشاهم بالسدين، أي غطاهم فلا يستطيعون الإبصار ولا الحركة، أو أغشى أبصارهم علاوة على السدين. وفي كلتا الحالتين لا يستطيعون الحركة ولا الابصار.
وقد تقول: ولم ترك الجانبين وهما جهتا اليمين واليسار، فلم يذكر أنه جعل فيهما سدين؟
فنقول:
1- إن قوله: {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} منعهم من الحركة البتة إلى أية جهة كانت، ذلك لأن السدين ملتصقان بهم.
2- قوله: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} أي غطيناهم، والتغطية تشمل جميع الجسم وليس جانبًا منه أو جانبين فلا يستطيعون الحركة لإغشائهم.
3- قوله: {فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} يمنعهم من معرفة ما هم عليه من السبيل.
4- إذا اتجهوا إلى جهة اليمين كان السد من بين أيديهم أيضًا ومن خلفهم، لأن هذه الجهة ستكون هي الأمام فتكون مسدودة عليهم، وإن أية جهة سيتجهون إليها ستكون هي ما بين أيديهم فيجعل سدًا من بين أيديهم ومن خلفهم. فقوله: (من بين أيديهم ومن خلفهم) يشمل جميع الجهات؛ لأن اية جهة يتجهون إليها ستكون ما بين أيديهم فلا حاجة إلى ذكر جهتي اليمين واليسار، فما ذكره يغني عن ذكرهما.
وإسناده الجعل والإغشاء إلى الله تعالى بيان أنه لا يمكن لأحد أن يزيل السدين أو يرفع الغشاوة.
جاء في (التفسير الكبير): "وعلى هذا فقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} يكون متممًا لمعنى جعل الله إياهم مغلولين، لأن قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد، فكأنه قال: لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل...
وفيه وجه أخر وهو أن يقال: المانع إما أن يكون في النفس وإما أن يكون خارجًا عنها. ولهم المانعان جميعًا من الإيمان. أما في النفس فالغل وأما من الخارج فالسد. ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} {فصلت: 53}، وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه، ولا يقع نظره على الآفاق؛ لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق. وعلى هذا فقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق.
وفي تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} مسائل:
(المسألة الأولي) السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة، فإنهم في الدنيا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة (ومن بين أيديهم سدًا) فلا يقدرون على السلوك. وأما السد من خلفهم فما الفائدة فيه؟
فنقول: الجواب عنه من وجوه:
(الأول): هو أن الانسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها، وهداية نظرية والكافر ما أدركها، فكأنه تعالى يقول: (جعلنا من بين أيديهم سدًا) فلا يسلكون طريقة الاهتداء التي هي نظرية (وجعلنا من خلفهم سدًا) فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية....
(الثالث): هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قوامه يفوته المقصد ولكنه يرجع، وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك فقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ} إشارة إلى إهلاكهم.
(المسألة الثانية): قوله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} بحرف الفاء يقتضي أن يكون للإغشاء بالسد تعلق، ويكون الإغشاء مرتبًا على جعل السد فكيف ذلك؟.
فنقول: ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بيانًا لأمور مترتبة يكون بعضها سببًا للبعض، فكأنه تعالى قال: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا) فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم (وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا) فلا يبصرون ما في الآفاق، وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله: (وجعلنا على أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون شيئًا أصلًا.
وثانيهما: هو أن ذلك بيان لكون السد قريبًا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم، فإن من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقًا بهما تبقى عينه على سطح السد فلا يبصر شيئًا. أما غير السد فللحجاب، وأما عين السد فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريبًا من العين جدًا.
(المسألة الثالثة): ذكر السدين من بين الأيدي ومن خلف، ولم يذكر من اليمين والشمال ما الحكمة فيه؟... لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك. فكيفما يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سدًا.
ووجه أخر أحسن مما ذكرنا، وهو أنا لما بينا أن جعل السد صار سببًا للإغشاء كان السد ملتزقًا به، وهو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة، فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال. وقوله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} يحتمل ما ذكرنا أنهم لا يبصرون شيئًا، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود، وسبيل الحق عليه مسدود، وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد، فيظن أنه على الطريقة المستقيمة وغير ضال" (1).
وقد تقول: ولم لم يقل قال في سورة البقرة: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} {البقرة: 7}؟
فنقول: إن كل موطن اقتضى ما ذكر فيه، علاوة على أن ما ذكر في سورة (يس) يفيد ما أفاده في سورة البقرة. ذلك أن قوله: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} هو بمعنى قوله: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}، وأن قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ} يفيد أنهم لا يسمعون، فإن من كان بين سدين مغطى بهما لا يسمع. وإذا كان كذلك فهو لا يفقه؛ لأن منافذ العلم مسدودة، فأفاد أنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يفقهون.
ثم إن ما ذكره في كل موطن هو المناسب من جهة أخرى، ذلك أنه قال في سورة يس: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} والصراط إنما يكون للسير فيه وسلوكه، فذكر ما يمنع الكفرة من سلوك الصراط المستقيم والسير فيه، وهو الأغلال في أعناقهم، والسد من بين أيديهم ومن خلفهم. والسد إنما هو لمنعهم من السير. أما المؤمنون فإنهم على الصراط المستقيم يسلكونه ويتخذونه سبيلًا. ولم يذكر مثل ذلك في البقرة، فكان ذكر السد مناسبًا في سورة (يس).
وأما في سورة البقرة فقد قال: إن هذا الكتاب لا ريب فيه وهو هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة.
فالمسألة متعلقة بالإيمان والتقوى، فذكر أن الكفرة مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم وأن على أبصارهم غشاوة فانسدت منافذ الإيمان والتقوى. ومنافذ الإيمان والتقوى والعلم لدفع الريب هي السمع والبصر والقلب، فذكر أن هذه كلها مغلقة.
فأغلق منافذ السير على الصراط المستقيم في سورة (يس) وأغلق منافذ الإيمان والهدى في سورة البقرة، فناسب كل تعبير مكانه الذي هو أليق به.
وقد تقول: ولم لم يكرر (جعلنا) من الخلف فيقول: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} كما قال في سورة النبأ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} {النبأ: 10 – 11}؟
والجواب: أن التكرار يفيد التأكيد. والسدان ليسا بمنزلة واحدة، فإن السد الذي من بين أيديهم يمنعهم من السير إلى أمام، وهو أهم؛ لأنه هو الموصل إلى الهدى وإلى الفلاح، وأما السد من خلف فهو مانع من الرجوع، والعود ليس أحمد.
ولما لم يكن السدان بمنزلة واحدة من حيث الأهمية لم يجعلها في التعبير بمنزلة واحدة، فذكر الفعل في المهم وحذفه مما هو أقل اهمية.
وأما تكراره في سورة النبأ فإن الليل والنهار كلاهما مهم للإنسان وحياته، فلا تصلح الحياة بليل لانهار فيها، ولا تصلح بنهار لا ليل فيها. قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} {القصص:71 – 72}.
فلما كانت الحياة إنما تستقيم بالليل والنهار معًا جعلهما بمنزلة واحدة في التعبير فكرر الجعل مع كل واحد منهما، والله أعلم.
(1) التفسير الكبير 26/45 – 46.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 33 إلى ص 40.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٤ |
{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)}
{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} أي فكيف أختصكم الله بالوحي دوننا، ونحن بشر وأنتم بشر؟
وفي هذا القول تكذيب لهم وإنكار للنبوات على العموم. وقد فصل ما تضمنته هذه العبارة من تكذيب للمرسلين وإنكار للنبوات بقوله بعد: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} فإن هذا القول يعني إنكار النبوات، وبقوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} وهو تكذيب لهم خاصة.
فذكر الأمر العام الذي يتضمن الأمرين، ثم ذكر كل أمر مما تضمنته العبارة
وهذا الإنكار شأن كثير من الأمم السالفة، فإنهم أنكروا أن ينزل الله على بشر من شيء.
جاء في (تفسير ابن كثير) في قوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا}: "أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة.
وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} {التغابن: 6}، أي استعجبوا من ذلك وأنكروه، وقوله تعالى: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} {إبراهيم: 10}، وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله جل وعلا: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} {المؤمنون: 34}، وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} {الإسراء: 94} (۱).
وقد تقول: ولم لم يكتف بقوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} وقد ذكرت أنه يتضمن معنى ما بعده؟.
والجواب: أنه ليس المقصود من قولهم هذا إثبات الرسل، فإن هذا الم ينازعهم فيه أحد، وإنما المقصود إنكار النبوات وتكذيبهم، فأوضحوا المقصود وأبانوا عن معتقدهم.
ودفعًا لحجة الرسل الذين سيحتجون عليهم بقولهم: نعم نحن بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده فيختصه بالرسالة، وإن كوننا بشرًا لا يمنع من أن يوحي إلينا ربنا، وما إلى ذلك من الحجج التي تبين أنه لا مانع من أن يكون البشر رسولًا، وأنه لو أرسل ربنا ملكًا لجعله رجلًا ولألتبس عليهم الأمر أيضًا، فأبانوا عن معتقدهم بقولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}. ثم بينوا رأيهم في هؤلاء الرسل فقالوا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}.
وهذه العبارة الأخيرة تعني تكذيب الرسل وعدم الإيمان لهم حتى لو كان الرحمن أنزل شيئًا؛ لأنهم كاذبون فيما يرون.
{وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}
هذا القول يعني أنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. وهذا شأن كثير من المجتمعات البشرية التي حكي عنها في القرآن نحو قوله: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} {فصلت: 14}، وقوله: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} {الإسراء: 94}، ومثلهم قوم سيدنا محمد فإنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} {العنكبوت: 61}.
وقال: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} {الأنبياء: 3}.
وقال: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} {ق: 2}.
جاء في (روح المعاني): "وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون بالأصنام" (2).
قال الفخر الرازي: "وقوله: (الرحمن) إشارة إلى الرد عليهم؛ لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن؟ فقال: إنهم قالوا: ما أنزل الرحمن شيئًا، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئًا، هو الرحمة الكاملة؟" (3).
وقد تقول: ولم قال ههنا: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} فأسند الفعل إلى الرحمن، وقال في سورة الملك: {وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} {الملك: 9}.
وفي سورة الأنعام: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} {الأنعام: 91} بإسناد الفعل إلى الله؟.
فنقول: إن كل تعبير هو الأنسب في مكانه.
فأما سورة الملك فإنه يشيع فيها ذكر العذاب ومعاقبة الكفار، فقد ذكر فيها مشهدًا من مشاهد الذين كفروا في النار وسؤالهم عن النذر التي جاءتهم وذلك قوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} {الملك: 5 - 11}.
ثم حذر عباده من عقوبته وبطشه في الدنيا وألا يأمنوا عذابه من فوقهم أو من تحت أرجلهم، وأن يعتبروا بما فعله ربنا في الأقوام الهالكة {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} {الملك: 16 – 18}.
ثم حذرهم مرة أخرى وهددهم بقوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} {الملك: 20 – 21}.
وعاد مرة أخرى فذكر إنكار الكفار ليوم النشور واستبعادهم له وحذرهم من عقوبات رب العالمين في الدنيا والآخرة فقال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} {الملك: 25 – 30}.
وإزاء كل هذا التحذير والتخويف وذكر مشاهد العذاب لم يذكر بخصوص المؤمنين وجزائهم إلا آية واحدة وهي قوله: {إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} {الملك: 12}.
فلا يناسب إزاء كل هذا التهديد والتحذير للكافرين وما أعده الله لعذابهم في جهنم أن يقرنه باسم الرحمن.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن القائلين لهذا القول إنما هم في أطباق النيران، وأنهم ألقوا فيها فوجًا بعد فوج وقد اشتد غضب الله عليهم ولم تدركهم رحمته فلا يناسب ذكر الرحمن هنا أيضًا.
ثم إن الله جعل العذاب بمقابل الرحمة فقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} {الحجر: 49 – 50}، ولما كان المشهد مشهد العذاب كان ذلك في مقابل الرحمة، فلا يناسب هذا العذاب ذكر الرحمة، وبخاصة أن هؤلاء كفروا بربهم فلا ترجي لهم رحمة ولا ينالهم من اسم الرحمن نصيب.
ومن ناحية أخرى أن القائلين في سورة (يس) إنما هم في الدنيا وهم يتقلبون في نعم الله ورحمته، أما القائلون في سورة الملك فإنما هم في جهنم وقد يئسوا من رحمته سبحانه، فناسب كل تعبير موطنه.
وأما سورة الأنعام فإنها يشيع فيها التحذير والتهديد والتوعد وليس فيها مشهد من مشاهد الجنة، وإنما فيها صور غير قليلة من مشاهد النار.
كما أن السورة لم يرد فيها اسم (الرحمن) على طولها، في حين ورد فيها اسم (الله) تعالى (۸۷) سبعا وثمانين مرة.
فناسب كل تعبير مكانه.
{إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}
لقد واجهوهم بالتكذيب صراحة بعد أن ذكروا ذلك ضمنًا بقولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا}، وقولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}
وكان النفي والإثبات بما وإلا في قوله: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} وههنا بان وإلا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}.
ذلك أن (إن) أقوى في النفي من (ما) فوضع كل حرف في الموضع الذي يقتضيه، ذلك أن قولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} غير منكور وهو معلوم للجميع. أما قولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} فهو موضوع النزاع، فإنه الوصف الذي يلصقه أهل القرية بهم ويدفعه المرسلون عن أنفسهم. فإن كونهم بشرًا لا يحتاج إلى إثبات أو دليل، بخلاف إثبات الكذب. وأهل القرية لم يذكروا بشريتهم إلا ليصلوا إلى تكذيبهم، فإن الغرض من قولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} ليس إثبات البشرية لهم وإنما هو إثبات الكذب عليهم، فناسب ذكر أقوى الحرفين فيما فيه قوة إنكار ويحتاج إلى إثبات.
(1) تفسير ابن كثير 3/567.
(2) روح المعاني 22/221.
(3) التفسير الكبير 26/52.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 73 إلى ص 78.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٥ |
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)}
في هذا الوقت المتأزم والظرف العصيب الذي كثر فيه التهديد والتوعد واشتد فيه الإرهاب جاء من أقصى المدينة رجل يسعى ليعلن اتباعه للرسل وإيمانه بهم ويبين ضلال قومه غير مبال بما سيحدث له.
وفي التعبير دلالات مهمة في هذا الخصوص.
1- فقد ذكر أنه جاء من أقصى المدينة، أي من أبعد مكان فيها لا يثنيه شيء، حاملا هم الدعوة.
2- قال: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} ولم يقل (من أقصى القرية) وقد سماها قرية بادئ ذي بدء فقال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} ذلك للدلالة على أنها واسعة، فالقرية إذا كانت متسعة تسمى مدينة أيضًا. فأفاد أن هذه القرية كبيرة متسعة ولذا أطلق عليها مدينة، وذلك يفيد أنه جاء من مكان بعيد وذلك يدل على اهتمامه الكبير بمعتقده الجديد..
٣- قال: (يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه وليس متباطئًا يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، وهو توجيه للدعاة بعدم التواني في أمر الله.
4-لم يسكت عن الحق ولم يجامل أو يهادن بل دعا قومه إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأتباعهم وأعلن عن إيمانه هو.
5- إن مجيئه من أقصى المدينة يدل على وصول البلاغ إلى أبعد مكان فيها، مما يدل على جديتهم في التبليغ وتوسعهم فيه، وهو تصديق لقولهم: {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}.
وقال هنا: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} فقدم {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} على (رجل)، وقال في سورة القصص {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} {القصص: 20}، بتقديم (رجل) على {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}.
ذلك أن القصد في آية (يس) أن يبين أن مجيء الرجل كان من أبعد مواضعها. وأما في القصص فإنه يفيد أن الرجل من أقصى المدينة، أي هو من أهل المواضع البعيدة غير أنه لا يلزم أن يكون مجيئه من أقصى المدينة. وهو كما تقول: (جاءني من القرية رجال) أي جاؤوك من القرية، وتقول: (جاءني رجال من القرية) فالرجال هم من أهل القرية لكن لا يقتضي أن مجيئهم إليك كان من القرية بل قد يكونون في المدينة ثم جاؤوك. وقد يكون المجيء من القرية. فقولك: (جاءني رجال من القرية) يحتمل معنيين، بخلاف قولك: (جاءني من القرية رجال).
وعلى أية حال فإن قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} يفيد أنه جاء من أبعد مكان من المدينة.
وقوله: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} يحتمل ذلك ويحتمل أنه من أهل الأماكن البعيدة وإن لم يكن مجيئه من هناك.
وفي تقديم (من أقصى المدينة) في سورة (يس) فائدة أخرى حتى لو كان مجيئهما كليهما من أقصى المدينة. فإن قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} يدل على أن الاهتمام أكبر لأكثر من سبب:
1- ذلك أن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان لغرض تبليغ الدعوة. في حين أن مجيء الرجل إلى موسى كان لغرض تحذيره. والأمر الأول أهم.
2- ثم إن مجيء الرجل من أقصى القرية إنما كان لإشهار إيمانه أمام الملا ونصح قومه. في حين أنه كان مجيء الرجل إلى موسى ليسر إليه كلمة في أذنه، فمجيء رجل (يس) إنما كان للإعلان والإشهار، ومجيء رجل موسى إنما كان للإسرار. وفرق بين الأمرين.
3- إن مجيء رجل (يس) فيه مجازفة ومخاطرة بحياته، وليس في مجيء رجل موسى شيء من ذلك، وإنما هو إسرار لشخص بأمر ما ليحذر.
4- إن المجتمع في القرية كله ضد على الرسل وعقيدتهم مكذب لهم متطير بهم، فإعلان الرجل أنه مؤمن بما جاء به الرسل مصدق لهم فيه ما فيه من التحدي لهم. بخلاف مجتمع سيدنا موسى عليه السلام فإنه ليس فيه فكر معارض أو مؤيد وليست هناك دعوة أصلًا.
5- إن نصر رسل الله وأوليائه ودعاته أولى من كل شيء، فإن تعزيزهم تعزيز لدعوة الله. وأما موسى عليه السلام فإنه كان رجلًا من المجتمع ليس صاحب دعوة آنذاك ولم يكلفه الله بعد حمل الرسالة.
فتقديم (من أقصى المدينة) دل على أن الموقف أهم وأخطر. ومع ذلك أفادنا أن تحذير شخص من ظالم أمر مهم ينبغي أن يسعى إليه ولو من مكان بعيد.
فإن كلا من الموقفين مهم، غير أن أحدهما أهم من الآخر، فقدم ما قدم ليدل على الاهتمام.
جاء في (التفسير الكبير): في قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} "وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان:
أحدهما: أن بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي.
وعلى هذا فقوله: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} فيه بلاغة باهرة؛ وذلك لأنه لما جاء من (أقصى المدينة رجل) وهو قد آمن دل على أن إنذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة...
وفي التفسير مسائل:
(المسألة الأولى): قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ} في تنكير الرجل مع أنه كان معروفًا معلومًا عند الله فائدتان:
(الأولى): أن يكون تعظيمًا لشأنه، أي رجل كامل في الرجولية.
(الثانية): أن يكون مفيدًا لظهور الحق من جانب المرسلين، حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا.
(المسألة الثانية): قوله: (يسعى) تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ليكونوا في النصح باذلين جهدهم. وقد ذكرنا فائدة قوله: (من أقصى المدينة) وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة" (1).
وجاء في (روح المعاني): "{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} أي من أبعد مواضعها (رجل) أي رجل عند الله تعالى فتنوينه للتعظيم. وجوز أن يكون للتنكير لإفادة أن المرسلين لا يعرفونه ليتواطؤوا معه...
(يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه حرصًا على نصح قومه. وقيل: إنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذب عنهم...
وجاء {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} هنا مقدمًا على (رجل) عكس ما جاء في القصص.
وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة.
وقال الخفاجي: قدم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بيانًا لفضله، إذ هداه الله تعالى مع بعده عنهم، وأن بعده لم يمنعه عن ذلك. ولذا عبر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وأن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرب أو بعد.
وقيل: قدم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين.
وقيل: إنه لو تأخر توهم تعلقه يسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة، مسكنه في طرفها وهو المقصود" (2).
(1) التفسير الكبير 26/54.
(2) روح المعاني 22/225 – 226.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 90 إلى ص 94.
* * *
{قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)}
قال لهم: (يا قوم) ليعطف قلوبهم. وذكر لهم ثلاثة أمور تدعوهم إلى اتباع هؤلاء الدعاة:
1- كونهم مرسلين من الله، وهذا أهم ما يستوجب اتباعهم، فكونهم مرسلين من ربهم يدعو إلى اتباعهم لأنهم لا يدعون إلى أنفسهم ولا إلى معتقدات شخصية ولا إلى آراء خاصة ولا إلى أفكار بشرية وإنما يدعونهم إلى ما أراده ربهم وخالقهم.
2- وأنهم لا يسألون أجرًا على هذا التبليغ ولا يبتغون مصلحة خاصة كما هو شأن كثير من أصحاب الدعوات الأرضية، مما يدل على أنهم مخلصون في دعوتهم لهم.
3- أنهم مهتدون، وهذا يقتضي الاتباع، وهو بغية كل متبع مخلص.
جاء في (الكشاف): "{مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة" (1).
وقد كرر الاتباع بقوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} لأكثر من غرض. فالتكرار يفيد التوكيد ويفيد أمرًا آخر وهو: أن المرسلين ينبغي أن يتبعوا أصلًا، فإذا ثبت أن شخصًا ما مرسل من ربه كان ذلك داعيًا إلى أن يتبع قطعًا، وهذه دلالة قوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}.
أما اتباع غير المرسلين فيكون لمن فيه صفتان:
1- أن يكون مهتديًا.
2- أن لا يسأل أجرًا ولا يطلب منفعة ذاتية.
وهذ توجيه لعموم المكلفين، ولو قال: (اتبعوا المرسلين. من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون) لكان ذلك خاضًا باتباع الرسل ولا يشير إلى اتباع غيرهم من المصلحين والداعين إلى دعوتهم. فتكرار (اتبعوا) أفاد الاتباع للرسل في حالة وجودهم. والاتباع الثاني لمن يحمل هاتين
الصفتين.
جاء في (روح المعاني): "تكرير للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يتضمن نفي المانع عن اتباعهم بعد الإشارة إلى تحقق المقتضي" (2).
واختار (من) على (الذين) لكونها أعم، فإنها تشمل كل داع إلى الله، واحدًا كان أو أكثر.
(1) الكشاف 2/582.
(2) روح المعاني 22/226.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 94 إلى ص 96
الوقفة كاملة
|
| ١٩٦ |
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)}
* * *
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}
لقد طوى القرآن ذكر ما حصل له بعد قولته التي قالها وما فعل به قومه وكيف واجهوه.
إلا أنه بين أنه لم يكد يتم قوله حتى قيل له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ} ولم يذكر أمرًا أو مشهدًا بين الدنيا والآخرة. ومعنى ذلك: أنهم لم يمهلوه بعدها البتة. فإنه ما إن قال ذلك حتى وجد نفسه على باب الجنة يقال له: ادخل الجنة.
فاختصر كل ما لا حاجة له به وإنما دل عليه المقام.
ومن مظاهر الاختصار أنه بنى الفعل للمجهول فقال: (قيل) ولم يذكر القائل؛ لأنه لا يتعلق غرض من ذكر القائل، ولعل القائل هم الملائكة.
كما أنه لم يقل: (قيل له) لأن ذلك معلوم من السياق.
جاء في (الكشاف) :"قيل ادخل الجنة، ولم يقل: (قيل له) لانصباب الغرض إلى المقول وعظمه لا إلى القول له مع كونه معلومًا" (1).
وهكذا يطوي ما حصل له بعد قولته، ويطوي الفاعل فيبني الفعل للمجهول، ويطوي المقول له ولا يذكر إلا قوله: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ}.
فيسير التعبير في نسق واحد وفي جو تعبيري واحد.
جاء في (روح المعاني) في قوله: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}: "استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك. والظاهر أن الأمر إذن له بدخول الجنة حقيقة، وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الدنيا، فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال: قتلوه بوطء الأرجل حتى خرج قصبه من دبره وألقى في بئر وهي الرس {وقيل: قتل بغير ذلك من أنواع القتل – راجع ص 228}... والجمهور على أنه قتل، وادعى ابن عطية أنه تواترت الأخبار والروايات بذلك" (2).
{قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ}
ما إن أدخل الجنة حتى تمنى أن قومه يعلمون بإكرامه وحسن عاقبته، فإنهم لو علموا ذلك لاهتدوا وآمنوا بمثل ما آمن به ونالهم من الكرامة مثل ما ناله، وهو لم يتمن ذلك في نفسه فقط، بل قال ذلك بلسانه، فواطأ القلب اللسان، وفي ذلك إشارة إلى تمني الهداية لقومه وحب الخير لهم. ولم يمنع من ذلك سوء ما فعلوه به. فإن المؤمن يحب الهداية للخلق ولو كانوا ألد أعدائه، بل ولو أساءوا إليه وعذبوه، بل ولو قتلوه.
جاء في (الكشاف): "وإنما تمنى علم قومه بحاله ليكون علمهم بها سببًا لاكتساب مثلها بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والعمل الصالح المفضيين بأهلهما إلى الجنة.
وفي حدث مرفوع (نصح قومه حيًا وميتًا). وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل البغي، والتشمر في تخليصه والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتله والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام" (3).
وجاء في (روح المعاني): "وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب مثله بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والطاعة جريًا على سنن الأولياء في كظم الغيظ والترحم على الأعداء. وفي الحديث: نصح قومه حيًا وميتًا" (4).
وفي هذا القول إشارة للدعاة وللمسلمين ليحبوا الهداية لعموم الخلق وأن يترفعوا عن الحقد والضغينة.
لقد تمنى أن يعلم قومه أمرين:
1- مغفرة ربه له وذلك ليتوبوا ولا ييأسوا من رحمة الله.
2- وإكرامه ليحفزهم ذلك إلى العمل لينالوا حسن العاقبة.
(1) الكشاف 2/585.
(2) روح المعاني 22/228، وانظر الكشاف 2/585.
(3) الكشاف 2/585.
(4) روح المعاني 22/229.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 120 إلى ص 123.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٧ |
{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30)}
* * *
{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}
الحسرة: أشد الندم، والغم يركب الإنسان حتى يكون حسيرًا منقطعًا لا يستطيع فعل شيء لتدارك ما فاته.
جاء في (لسان العرب): "الحسرة أشد ندم حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه" (1).
وقال الزجاج: "الحسرة أمر يركب الإنسان من كثرة الندم على ما لا نهاية له حتى يبقى حسيرًا" (2).
و"الحسرة على ما قال الراغب: الغم على ما فات والندم عليه، كأن المتحسر انحسر عنه قواه من فرط ذلك أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه" (3).
ومعنى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} على أشهر الأقوال أنه نداء للحسرة مجازًا، أي أقبلي يا حسرة فهذا وقت حضورك.
جاء في (الكشاف) في قوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}: "نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالي يا حسرة فهذه أحوالك التي حقك أن تحضري فيها وهي حال استهزائهم بالرسل، والمعنى: أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهون، أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين" (4).
ويقوي الدلالة على النداء قوله تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} {الفرقان: 13 - 14}، وقوله: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} {الانشقاق: 10 - 11}.
ومعنى دعاء الثبور مناداته للحضور بأن يقولوا: واثبوراه، أو: يا ثبوراه، أي احضر يا ثبور فهذا وقتك وحينك.
والثبور: الهلاك (5).
ولا يقصد حقيقة النداء ولكن المقصود بيان أن العباد أوقعوا أنفسهم في أمر عظيم لا يستطيعون منه مخرجًا تركبهم منه الحسرة مركبًا عظيمًا لا تفارقهم، وينالهم من الغم والندم ما يملأ نفوسهم، فليس في نفوسهم مكان لغير الكرب والندم، وليس فيها موضع استرواح رائحة أمل ولا تنسم نسمة فرج، فهم متحسرون نادمون منقطعون لا تفارقهم الحسرة والندم والغم أبد الأبدين.
وعبر عن ذلك تفظيعًا لما يصيبهم، وهو نظير قولنا عن شخص وقد عمل عملًا نعلم أنه سيلحقه منه خسران كبير: يا خسارته، يا ويله مما سيحصل، نقول ذلك استفظاعًا لما يصيبه واستعظامًا له.
والعباد هم المكذبون بالرسل المستهزئون بهم.
جاء في (التفسير الكبير): "من المتحسر؟
تقول فيه وجوه:
(الأول): لا متحسر أصلًا في الحقيقة، إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عند تحقق العذاب.
وههنا بحث لغوي: وهو أن المفعول قد يرفض رأسًا إذا كان الغرض غير متعلق به، يقال: (إن فلانًا يعطي ويمنع) ولا يكون هناك شيء معطي، إذ المقصود أن له المنع والإعطاء، ورفض المفعول كثير، وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل، والوجه فيه ما ذكرنا، أن ذكر المتحسر غير مقصود، وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في ذلك الوقت.
(الثاني): أن قائل (يا حسرة) هو الله على الاستعارة تعظيمًا للأمر وتهويلًا له حيث يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضحك والنسيان والسخر والتعجب والتمني.
أو نقول: ليس معنى قولنا: يا حسرة و يا ندامة، أن القائل متحسر أو نادم، بل المعنى أنه مخبر عن وقوع الندامة ولا يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى قال: (يا حسرة) بل يخبر به على حقيقته إلا في النداء فإن النداء مجاز والمراد الإخبار" (6).
وجاء في (تفسير ابن كثير): "{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} أي يا ويل العباد، وقال قتادة: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} أي يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله وفرطت في جنب الله" (7).
وجاء في (روح المعاني): "ولعل الأوفق للمقام المتبادر إلى الأفهام نداء حسرة كل من يتأتى منه التحسر، فقيه من المبالغة ما فيه " (8).
(1) لسان العرب (حسر) 5/262.
(2) البحر المحيط 7/332.
(3) روح المعاني 23/3.
(4) الكشاف 2/586، وانظر التفسير الكبير 26/62، البحر المحيط 7/332ـ روح المعاني 23/3.
(5) انظر الكشاف 2/401، 3/325، البحر المحيط 6/485، 8/447، روح المعاني 18/244، 3/81.
(6) التفسير الكبير 26/62 – 63.
(7) تفسير ابن كثير 3/570.
(8) روح المعاني 23/4.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 142 إلى ص 145.
* * *
{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}
وهذا بيان سبب الحسرة والندم.
قوله: (من رسول) يفيد الاستغراق، والمعنى: أنه لم يسلم رسول من الاستهزاء.
وقد تقول: ولم قال ههنا: (من رسول) وقال في الزخرف: (من نبي)؟
فنقول: إن كل لفظة ناسبت الموطن الذي وردت فيه.
فقد قال في الزخرف: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {الزخرف: 6 - 7}.
فقوله: (كم أرسلنا) يفيد التكثير، فإن (كم) هذه خبرية وهي تفيد التكثير، والأنبياء أكثر من الرسل، فإن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فناسب كلمة (نبي) كم الخبرية.
جاء في (ملاك التأويل): "لما تقدم في آية الزخرف لفظ (كم) الخبرية، وهي للتكثير، فناسب ذلك كله من يوحى إليه من نبي مرسل أو نبي غير مرسل. فورد ما يعم الصنفين عليهم السلام" (1).
وتقديم (به) على الفعل للاهتمام، إذ المفروض أن يستقبل العباد رسولهم بالطاعة والاستجابة والإكرام لأنه مرسل إليهم من ربهم ولكنهم استقبلوه بالاستهزاء والسخرية.
وذهب صاحب (روح المعاني) إلى أن هذا التقديم للحصر الادعائي أو لمراعاة الفاصلة. قال: "وبه متعلق بيستهزئون، وقدم عليه للحصر الادعائي، وجوز أن يكون لمراعاة الفواصل" (2).
ومعلوم أن تقديم المعمول على عامله لا يقتصر على معنى الحصر.
نعم إن إرادة الحصر فيه كثيرة ولكن قد يكون التقديم لغير ذلك من مواطن الاهتمام وذلك كقوله تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} {النحل: 16}، فإن التقديم هنا لا يفيد الحصر، إذ الاهتداء لا يقتصر على النجوم، بل إن وسائل الاهتداء كثيرة قال تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} { النحل: 15}، فذكر من وسائل الاهتداء الجبال والأنهار والسبل (3).
والأظهر فيما نرى أن التقديم ههنا إنما هو للعناية والاهتمام، ويجوز أيضًا أن يكون لما ذكره صاحب( روح المعاني) والله أعلم.
(1) ملاك التأويل 2/584.
(2) روح المعاني 23/4.
(3) انظر كتابنا (الجملة العربية تأليفها وأقسامها).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 145 إلى ص 146.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٨ |
{فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)}
قال: إنهم لا يستطيعون التوصية، ولم يقل: (فلا يوصون) لأن نفي الاستطاعة أبلغ.
فأنت تقول: (هو لا يوصي) أي لا يفعل ذلك مع استطاعته عليها، فنفي التوصية لا ينفي الاستطاعة، ونفي الاستطاعة ينفي التوصية. فقولك: (هو لا يستطيع التوصية) أي لا يقدر عليها مع إرادته ذلك.
ونكر التوصية لأنه أراد العموم، فهم لا يستطيعون أن يوصوا أية توصية مهما كانت. ولو قال: (لا يستطيعون التوصية) لاحتمل أنهم لا يستطيعون التوصية المطلوبة أو الكاملة أو المعهودة، فتنكيرها أفاد العموم.
{وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إن الإنسان يتمنى أن يموت بين أهله، وهؤلاء لا يستطيعون أن يبلغوا أهلهم بشيء، ولا أن يعودوا إليهم، فحرموا من الأمنيتين العزيزتين كلتيهما.
ثم إنه قدم الفعل (يستطيعون) على المفعول به (التوصية) وأخر الفعل يرجعون) عن الجار والمجرور ولم يجعلهما على نسق واحد، فلم يقل: (فلا يستطيعون توصية ولا يرجعون إلى أهلهم).
ولم يقل: (فلا توصية يستطيعون ولا إلى أهلهم يرجعون) ذلك أن ما قاله ربنا أعدل الكلام في هذا المقام.
فإنه لو قال: (فلا توصية يستطيعون) فقدم المفعول على الفعل لكان نفي الاستطاعة خاصًّا بالتوصية وقد يستطيعون غيرها، كما تقول: (ما شعرًا قلت) أي قلت غيره، فإنك نفيت الشعر وأثبت غيره. ونحوه أن تقول: (ما زيدًا أكرمت) أي أكرمت غيره.
أما هنا فنفى التوصية ولم يثبت غيرها فكان النفي أعم وأشمل.
وقوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} نفى الرجوع إلى الأهل وأثبت الرجوع إلى غيرهم وهو الله، أي لا يرجعون إليهم بل إلينا. ولو قال: (ولا يرجعون إلى أهلهم) لنفي الرجوع إلى أهلهم ولم يثبت الرجوع إليه وهو غير مراد، ولكنه أراد إثبات الرجوع إليه سبحانه.
وهذا التقديم نظير التقديم في قوله تعالى في السورة: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}، ونظير التقديم في آخر السورة: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
هذا إضافة إلى ما تقتضيه خواتم الآية من هذا التقديم والتأخير.
جاء في (التفسير الكبير) في هذه الآية: "فيه أمور مبينة للشدة، (أحدها) عدم الاستطاعة، فإن قول القائل: فلان في هذه الحال لا يوصي، دون قوله: لا يستطيع التوصية، لأن من يوصي قد يستطيعها.
(الثاني) التوصية وهي بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل، فقال لا يستطيعون كلمة، فكيف فعلا يحتاج إلى زمان طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟.
(الثالث) اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات، فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس.
(الرابع) التنكير في التوصية للتعميم، أي لا يقدر على توصية ما، ولو كانت بكلمة يسيرة، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.
(الخامس) قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} بيان لشدة الحاجة إلى التوصية؛ لأن من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها.
وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلابد له من التوصية، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة.
وفي قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهاليهم، وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية.
وثانيهما: أنهم إلى أهلهم لا يرجعون، يعني أنهم يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا.
ومن يسافر سفرا ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية" (۱).
وجاء في (روح المعاني): "{وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إذا كانوا في خارج أبوابهم بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا ويرجعون إلى الله عز وجل لا إلى غيره سبحانه" (2).
إن هذه الصيحة تأخذ الجميع، من كان في بيته وبين أهله ومن كان خارج بيته وليس بين أهله، فذكر الحالة الأشد وهي من كان بعيدا عن أهله وبيته. وناسب ذلك قوله: {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في معاملاتهم وأموالهم.
وهذا يشير إلى أنهم ليسوا مع أهلهم ولا في بيوتهم بل هم منشغلون بأمور الدنيا وصخبها، فناسب ذلك ما ذكر.
ثم إنه بدأ بالأقرب وهو التوصية، فهذا أقرب إلى الشخص، وذلك أن يوصي من حوله، ثم الأبعد وهو الرجوع إلى الأهل.
(1) التفسير الكبير 26/87.
(2) روح المعاني 23/31.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 238 إلى ص 241.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٩ |
{وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66)}
الطمس: إذهاب الشيء وأثره جملة حتى كأنه لم يوجد (1).
وطمس العين: تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة (2)، فلا يبين لها شق ولا جفن (3).
جاء في (لسان العرب): "طمس الله عليه يطمس، وطمسه، وطمس النجم والقمر والبصر: ذهب ضوؤه. وقال الزجاج: المطموس: الأعمى الذي لا يبين حرف جفن عينيه، فلا يرى شفر عينيه... ويكون الطموس بمنزلة المسخ للشيء، وكذلك قوله عز وجل: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا} {النساء: 47}.
... ربنا اطمس على أموالهم، أي غيرها" (4).
ومعنى الآية أن الله لو يشاء لأذهب أعينهم وأزالها حتى لا يبقى لها شق ولا جفن.
وهذا عمي ومسخ، فإن الأعمى من لا يبصر وقد تبدو عينه كأنها سليمة حتى لا يظن الناظر إليه أنه أعمى، أما المطموس فإنه عمى البصر وذهاب العين فلا يبين لها أثر.
ولم يقل: (ولو نشاء لأعميناهم) وذلك ليشمل العمى وزيادة وهو ذهاب العين وإزالتها، وهذا هو المناسب لقوله بعد: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} فهذا مسخ عام، وذاك مسخ جزئي.
إن الفعل (طمس) يتعدى بنفسه وبعلي فيقال: طمسه وطمس عليه، وقد ورد التعبيران في القرآن الكريم، فعداه ههنا بعلي فقال: {لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ}، وعداه في سورة القمر بنفسه فقال في قوم لوط: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} {القمر: 37}، وهما عند أهل اللغة بمعنى واحد.
والذي يبدو لي أنهما ليسا بمعنى واحد، فطمسه يختلف عن طمس عليه وإن كانا جميعًا يفيدان ذهاب العين، فإن (على) تفيد الاستعلاء.
فمعنى (طمسه): أزاله ومحا أثره، ومعنى (طمس عليه): غطاه بما يطمسه فلا يبقى له أثر ولا يبين منه شيء، فيكون الطمس عليه أشد من الطمس، فإنه يكون طمسًا ويكون فوقه ما يغطيه فلا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء. ونظيره في العربية (ختمه) و(ختم عليه).
جاء في (لسان العرب): "ختمه يختمه ختمًا وختامًا... طبعه فهو مختوم... والختم على القلب أن لا يفهم شيئا ولا يخرج منه شيء كأنه طبع...
قال أبو إسحاق ختم وطبع في اللغة واحد... وهو التغطية على الشيء والاستيثاق من أن لا يدخله شيء" (5).
وجاء في (القاموس المحيط): "ختمه يختمه ختمًا وختامًا: طبعه.
وعلى قلبه: جعله لا يفهم شيئا ولا يخرج منه شيء" (6).
فالختم على الشيء أشد من ختمه وذلك لتغطيته بما يمنع الدخول إليه والخروج منه، وكذلك طمسه وطمس عليه.
وقال ههنا: {لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ} للدلالة على شدة المسخ والطمس وهو المناسب للمسخ العام الذي ورد بعده.
وقد تقول: ولم قال في القمر: {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} من دون (على)؟.
والجواب: أن ما ذكره في (يس) أشد، ذلك أنه قال: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} في حين لم يزد على قوله: {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} في سورة القمر - كما ذكرت...
ثم إنه مناسب لورود (على) في الختم قبل هذه الآية وهو قوله: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ }.
هذا علاوة على أن السياق في (يس) فيما يفعله ربنا من العقوبات الشديدة الخارجة عن المألوف، فقد قال قبلها: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
وقال ههنا: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ}.
وقال بعدها: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ}.
فناسب ذكر (على) من كل وجه، والله أعلم.
وقوله: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ} يحتمل ثلاثة معان:
أحدها: استبقوا إلى الصراط، أي تسابقوا للوصول إليه.
والمعنى الثاني: بادروا إليه، مثل قوله تعالى: { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} {البقرة: 148}، أي بادروا إليها.
والمعنى الآخر: أي جاوزوه وتركوه فلم يهتدوا إليه.
جاء في (لسان العرب): "واستبقا الباب يعني تسابقا إليه... {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}: أي بادروا إليها. وقوله: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ} أي جاوزوه و تركوه حتى ضلوا....
{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} معناه ابتدرا الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه" (7).
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فإنه لو طمس على أعينهم لتسابقوا وابتدروا للوصول إلى الصراط، ولكنهم لن يهتدوا إليه.
جاء في (الكشاف): "{فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ} لا يخلو أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل، والأصل: فاستبقوا إلى الصراط، أو يضمن معنى ابتدروا، أو يجعل الصراط مسبوقًا لا مسبوقًا إليه، أو ينتصب على الظرف، والمعنى: أنه لو شاء لمسح أعينهم، فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المهيع الذي اعتادوا سلوكه إلى مساكنهم وإلى مقاصدهم المألوفة التي ترددوا إليها كثيرًا كما كانوا يستبقون إليه ساعين في تصرفاتهم موضعين في أمور دنياهم لم يقدروا، وتعايا عليهم أن يبصروا أو يعلموا جهة السلوك فضلا عن غيره... أو لو شاء لأعماهم فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذين اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقًا" (8).
فجاء بالفعل (استبق) ليشمل هذه المعاني كلها. ولو جاء بالفعل تسابق) أو (بادر) أو (ضل) لتعين معنى واحد ولم يحتمل هذه المعاني.
ثم إن هذا هو المناسب لقوله: {لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ}، فإن شدة الطمس جعلتهم لا يهتدون إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه.
ثم قال: {فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} قيل: ومعنى أتي يبصرون: كيف يبصرون.
و(أني) تحتمل معنى آخر وهو: من أين.
لقد قال: {وَلَوْ نَشَاءُ} ولم يقل: (ولو شئنا) للدلالة على أن عدم الطمس لاستمرار عدم المشيئة، ذلك أن (نشاء) فعل مضارع يفيد الحال والاستقبال وقد يفيد الاستمرار، أما (شئنا) ففعل ماض وهو يفيد المضي.
جاء في (روح المعاني): " {وَلَوْ نَشَاءُ} لأعميناهم، وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان على المضي لإفادة أن عدم الطمس على أعينهم الاستمرار عدم المشيئة، فإن المضارع المنفي الواقع موقع المضي ليس بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل، بل قد يفيد استمرار انتفائه" (9).
فانظر كيف قال: (طمسنا) بدل (أعمينا) وهو يشمل العمى وزيادة.
وقال: (على أعينهم) وهو يشمل الطمس وزيادة وهي التغطية والاستيثاق.
وقال: (فاستبقوا) وهو يشمل المسابقة وزيادة، والمبادرة وزيادة، والضلال وزيادة، إذ هو يجمع هذه المعاني كلها.
وقال: (الصراط) ولم يقل: (إلى الصراط) ليشمل معنى (إلى) والتعدية المباشرة. ولو قال: (فاستبقوا إلى الصراط) لم يحتمل معنى الضلال.
وقال: (فأنى) وهو يشمل معنى (كيف) وزيادة.
والحمد لله رب العالمين.
(1) البحر المحيط 7/344.
(2) الكشاف 2/592.
(3) فتح القدير 4/367.
(4) لسان العرب (طمس) 7/432.
(5) لسان العرب (ختم) 15/53.
(6) القاموس المحيط (ختمه) 4/102.
(7) لسان العرب (سبق) 12/17.
(8) الكشاف 2/592.
(9) روح المعاني 23/44.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 307 إلى ص 312.
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٠ |
{لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ}
لم يقل: (لا ينصرونهم) لأن ذلك قد يدل على أنهم قادرون على النصر ولكن لا يفعلون ذلك وإنما قال {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} ليدل على عجزهم وضعفهم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 354 إلى ص 354.
* * *
{وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ}
قيل: المعنى أن الآلهة لا يستطيعون نصرهم وإنما هم؛ أي: عابدوهم جند لهم يدافعون عنهم وينصرونهم، فهم بدل أن ينتصروا بهم صاروا جنودًا لهم يدافعون عنهم وينصرونهم، فهم بدل أن ينتصروا بهم أنفسهم، وهذا أسوأ ما يكون من خيبة الأمل وانقطاع الرجاء.
جاء في (روح المعاني): "(وهم) أي أولئك المتخذون المشركون (لهم) أي لآلهتهم {جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} أي معدون لحفظهم والذب عنهم في الدنيا" (1).
وجاء في (فتح القدير): "أي والكفار جند للأصنام محضرون، أي يحضرونهم في الدنيا. قال الحسن: يمنعون منهم ويدفعون عنهم، وقال قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا. قال الزجاج: ينتصرون للأصنام وهي لا تستطيع نصرهم.
وقيل: المعنى: يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لها بمنزلة الجند.
هذه الأقوال على جعل ضمير (هم) للمشركين وضمير (لهم) للآلهة" (2).
وقيل: بل المعنى أنهم جند لهم، أي جند للآلهة محضرون للعذاب في الآخرة، وذلك أن هذه الآلهة توقد بها النار يوم القيامة فتتقدمهم إلى النار وهم يتبعونهم إليها كما يتبع الجند قائدهم. أو أن الآلهة تكون جندا لهم محضرة للعذاب.
جاء في (الكشاف): "اتخذوا الآلهة طمعًا في أن يتقووا بهم ويعتضدوا بمكانهم، والأمر على عكس ما قدروا، حيث هم جند لآلهتهم معدون (محضرون) يخدمونهم ويذبون عنهم ويغضبون لهم، والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم، والأمر على خلاف ما توهموا، حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم؛ لأنهم يجعلون وقودًا للنار" (3).
وفيه معنى لطيف آخر وهو أن هذه الآلهة لا تستطيع نصرهم في حال أن لهم جندا محضرين، أي هي لا تستطيع النصر ولو كان لهم أي للآلهة جند محضرون معدون فكيف إذا لم يكن لهم ذلك؟ فلا شك أنهم سيكونون أعجز وأذل وأضعف، وعلى هذا تكون الواو واو الحال.
وذكر الفخر الرازي معنى آخر: وهو أن الآلهة لا تستطيع نصرهم، ولو كانت هي جندًا محضرين لنصرتهم أي: حتى لو اجتمعت الآلهة وكانت جندًا معدة لنصرهم لم تستطع أن تنصرهم فكيف إذا لم تكن كذلك؟
جاء في (التفسير الكبير): في قوله: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ}
"وهو يحتمل معنيين:
(أحدهما): أن يكون العابدون جندًا لما اتخذوه آلهة كما ذكرنا.
(الثاني): أن يكون الأصنام جندًا للعابدين، وعلى هذا ففيه معنى لطيف وهو أنه تعالى لما قال: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} أكدها بأنهم لا يستطيعون نصرهم حال ما يكونون جندًا لهم ومحضرون (4) لنصرتهم، فإن ذلك دال على عدم الاستطاعة، فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف، بخلاف من لم يكن متأهبًا ولم يجمع أنصاره" (5).
وهذه المعاني كلها محتملة صحيحة:
1- فإن الآلهة عاجزة وإن عابديهم ينصرونهم ويدفعون عنهم وهم لهم جند محضرون.
2- وأنهم وآلهتهم سيكونون محضرين للعذاب في النار.
3- وأن الآلهة لا تستطيع أن تنصرهم ولو كان لها جند محضرون معدون للنصر فكيف وهي ليست كذلك؟.
4- وهي لا تستطيع أن تنصرهم ولو اجتمعت وكانت جندًا معدين النصرة عابديهم.
فجمع هذا التعبير كل هذه المعاني.
ولو غير أي لفظ عن مكانه بتقديم أو تأخير لم يؤد هذه المعاني مجتمعة، فلو قال: وهم جند محضرون لهم.
أو: وهم جند لهم محضرون.
أو: ولهم هم جند محضرون.
وكذلك لو قيل أي تعبير آخر لم يفد هذه المعاني مجتمعة، بل ربما اختل المعنى. فكان هذا التعبير أعدل التعبيرات وأحسنها وأجمعها للمعاني المطلوبة.
(1) روح المعاني 23/51.
(2) فتح القدير 4/371.
(3) الكشاف 2/594.
(4) كذا، والصواب: (ومحضرين).
(5) التفسير الكبير 26/107.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 354 إلى ص 357.
الوقفة كاملة
|