| ١٤٦١ |
أما بعد:
عباد الله: ماذا يريد منا ربنا؟ وماذا يريد منا عُبَّادِ الشهوات, وأربابِ النزوات؟
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً).
هذه الآيةُ الجليلة، تكشفُ عن حقيقةِ ما يريدهُ اللهُ للناس من التوبةِ والاستقامةِ والنجاة، وحقيقةِ ما يريدهُ الشهوانيون من الانحرافِ والفسقِ والضلال, إنهم يريدون أنْ ينطلقَ جنونُ الشهوة بلا حواجزَ أو عقبات، انطلاقةً لا يقرُ معها قلبٌ, ولا تهدأ معها نفسٌ ولا يطمئنُ معها بيتٌ، ولا يسلمُ معها عرضٌ, ولا تقومُ معها أسرةٌ، ولا تبقى معها فضيلة.
وحتى أكون صريحاً جداً معكم أقول: إن كلُ هذا الفساد هو ما تريدُه بعض الأقلامُ عبر الصحفِ والمجلات, وما تريدُه الأفلامُ الهابطة عبر أشرطةِ الفيديو, وأخيراً عبر قنواتِ البثِّ الفضائي، والتي أخذتْ تغزو مجتمعاتِ المسلمين على حينِ غفلةٍ من أهلها، لتزيدَ البلاءَ بلاءً، والقلوبَ خواءً.
ليس بغريب أن يستغلها الأعداءُ الذين قال اللهُ فيهم: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ), ولكنَّ الغريبَ المؤسف، أنْ يستجيبَ أبناءُ المسلمين لمخططات أولئك المجرمين، فينشئوا القنوات الهابطة بأموالهم.. ويحملوا أوزار المشاهدين فوق أوزارهم.. (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون).
والغريب المؤسف الآخر، أن يعكف قوم على هذه القنوات المجرمة، ويعرضوا أنفسهم وأهاليَهم لفتنٍ كقطعِ الليلِ المظلم تجعل الحلم حيراناً.
ويا لله العجب! كيف يأمنُ مسلمٌ على عرضِ أولادهِ وبناته، وقد أحضرَ لهم بيده ما يُهيِّج شهواتِهم, ويثيرُ نزواتِهم, ويدفعهُم -شاءَ أم أبى- إلى تلبيةِ الشهوةِ، وإطفاء النزوةِ في حلالٍ أو حرام.
ماذا ننتظر من برامج وأفلام، تشجع الرذيلة، وتهدم الفضيلة، وتنظرُ إلى الفتاةِ العفيفة نظرةَ إشفاقٍ ورحمة, يُذهبُ بها إلى المصحاتِ النفسية، لحلِ عُقَدِها؟!
ماذا سيقدمُ لنا البثُ الفضائيُ الأمريكي والفرنسي غيرَ أفلامِ الجنسِ الصاخبة, مسبوقةً بعبارةٍ سخيفةٍ تافهة, مضمونها هذه الأفلامُ للبالغينَ فقط؟! يا لقبحهم وفجورهم , هل سينسحبُ الأطفالُ الصغارُ بسلام، حين يقرءونَ تلك العبارة.. وكيف يسوغ للبالغين مشاهدةُ تلك المشاهدِ القذرة, بموجبِ فتوى التلفاز الأمريكي، أو المذهب الفرنسي؟
ماذا سيقدمُ لنا البثُ الفضائيُ الأجنبي غيرَ أفلامِ العنفِ والجريمة، وتجارةِ الخمورِ والمخدرات, ومشاهد الأجساد العارية, واللقطات الفاضحة؟!
أمَّا البثُ الفضائي العربي، فلا يقلُ شراً عن سابقه, ولا يتوارى خجلاً من سالفهِ, بل إنَّنا لا نعدو الحقيقة إذا اعتبرنَا هذا النوعَ من البث أشدَّ خطراً, وأعظمَ ضرراً، بسببِ عاملِ اللغةِ المشترك, وتقاربِ الثقافات.
دعونا من مسلسلاتِ الحبِّ والغرام بقذارتِها من عشراتِ السنين, فهي أشهرُ من أن تذكر، لكنَّنا نُشيرُ على عجلٍ إلى ما يحاولُ المجرمون فرضَه, وإقناعَ الناس به من المفاهيمِ المنكوسةِ، والسلوكياتِ الماجنة، في قالبٍ من الخداعِ والمكرِ العظيم.
فعلى سبيل المثال: لا مانعَ لدى القائمينَ على تلكَ الأفلام الماجنةِ والتمثيلياتِ الهابطة , أن يدخلَ على المرأة رجلٌ أجنبيٌ عنها, وأن يخلوَ بها الساعاتِ الطوال.
وربما يجد أحدُ الممثلين زوجَته في الفيلم مع رجلٍ أجنبيٍ في بيتهِ لوحدها, فيستشيطُ غضباً, ويمتلأُ حنقاً, لا لأنَّ الرجلَ خلا بزوجتهِ، فتلكَ قضيةٌ عادية, ولكنَّه غضب، لأنَّه يكرَهُ هذا الرجلَ بالذاتِ ولا يحبه.
تأمل رحمك الله، من خلال هذا المشهدِ كيف تمكنَ المخرج من إيصالِ الفكرةِ التي يريد إلى ذهنِ المشاهد وعقلهِ الباطن, دون أن يَشعرَ المشاهدُ المخدوع بشيءٍ من ذلك , فلا بأسَ عندهم بخلوةِ الذكورِ بالإناث, ولا مانعَ من استضافةِ المرأةِ للرجلِ الأجنبيِ في بيتها، حتى ولو كانت المسافةُ الفاصلةُ بينهما وبين غرفةِ النوم بضعة أمتار.. وأما قضيةُ الحجاب فهي عندهم جزء من التقاليد البالية, أو هو على الأقل غطاءُ الرأس وللعجائزِ فقط.
وربما تشاهد في بعض المسلسلاتُ الممثل يدخلُ المنزل فتسارع الأمُ العجوز إلى تغطيةِ رأسها، أما البنتُ الشابة ذاتُ العشرينَ عاماً فتظل سافرةَ الوجه، حاسرةَ الرأس، تتغنج بضحكاتِها, وتتشدقُ بعباراتها, فأيُ مفهومٍ يحاولون فرضَه وتعميمه من خلالِ هذه المسلسلات؟!
الإجابة لا تحتاج إلى مزيد ذكاء.
ولا تزال القنواتُ العربيةُ الفضائية، تُمطرنا أربعاً وعشرين ساعةً، طوالَ العامِ، ببرامجَ الرذيلةِ والمجون، ومسلسلاتِ الخنا والفحش، وأغاني العُهرِ والفساد.. مكمِّلةً بذلك الدورُ الذي ابتدأتهُ القنواتُ الأرضية، لعُقودٍ طويلةٍ من الزمن بمشاركة المسرحُ والإذاعات، والمجلةُ والرواية!!
حتى كانت ثالثةَ الأثافي، وقاصمةَ الظهرِ، ذلك البرنامجُ الدياثيُّ الماجن " ستار أكاديمي " الذي عرُض في السابق عدة مرات، ويعاد هذه الأيام للمرة الرابعة.
برنامجٌ دياثة بثياب عربية وللأسف، يجتمعُ فيه شرذمةٌ من الفساق والفاسقات، في بيتٍ واحدٍ، وتحت سقفٍ واحد، ويُصورُونَ على الهواءِ مباشرةً، ويطالعُهم ملايينَ المفتونين والفارغين، ممن يرتدَّون إلى أسفلَ سافلين، بعد أن رفعهُم الإسلامُ لأعلى عليين، وصورَهُم ربَهُم في أحسن تقويم.
وبينما كنت أعد هذه الخطبة بالأمس، وقفت على خبرين، ينبيانك عن شيء من أحوال الأمة.
الخبر الأول: ما ستقوم به إحدى الجهات في المغرب العربي من إقامة ستار أكاديمي آخر.. لكنه يحترم خصوصية المشاركين، ويفصل بين الذكور والإناث في الإقامة،وستمنع المشاركات من لبس التنورة القصيرة، أوالملابس الكاشفة عن الصدر.. وكأن ما سوى هذا مباح لا بأس فيه.
ويذكر أنه وقع الاختيار على 14 مرشحاً من أحد عشر ألف مشارك ومشاركة تقدموا للاختبارات التي أقيمت في كل من تونس والمغرب والجزائر وفرنسا.. وأن المشاركين والمشاركات سيخضعون على مدى ثلاثة أشهر ونصف لدراسة الرقص والتعبير المسرحي.
أما الخبر الثاني: فإنه في هذا الوقت العصيب، الذي يجري في الدم المسلم الطاهر في فلسطين وفي العراق، لم أكن أعلم أن فتاة عراقية تشارك في البرنامج الخبيث، حتى طالعت خبراً سخيفاً بالأمس، يقول: إن العراقيين لم تشغلهم همومهم ومشاهد القتل والاحتلال عن التصويت لمرشحتهم فلانة.
سبحان الله.. ماذا يريد هؤلاء بالأمة، وهم الذين خدروا شبابها، وأفسدوا بناتها بهذه البرامج الماجنة؟
وأي أمة ستطرد المحتل، وتستعيد أمجادها، وأبناؤها وبناتها قصارى همهم التصويت لفلان الماجن، أو لفلانة العاهرة.
ولسنا نعجبُ في الواقعِ من جرأةِ القائمين والمشاركين، في هذا البرنامج الخسيس الخليع، فلستُ أشكُ بأنَّهم حُفنةً من أعداء الدين، وفي أحسنِ أحوالهم شرذمةٌ من الإباحيين الشهوانيين، الحاقدين على أخلاقِ الأمةِ وشبابها، المتاجرين بقيمها ومبادئها العليا.. لكنَّ العجبُ لا ينقضي من أُسرٍ مسلمةٍ، ذاتَ شرفٍ وسُمعة، يأذنونَ لقنواتٍ إباحيةٍ كهذه، بالدخولِ إلى منازلهم، ويتحلقُ حولَ عُروضها الماجنةِ، ذواتُ الخدور، وشبابُ الأمةِ المجبولِ على الدين والعفة.
ولسنا نرى كبيرَ فرقٍ بين من علمَ مقاصدَ وأهدافَ هذا البرنامجُ وأمثاله، من برامجِ الخنا والفاحشة، ثمَّ أصّر على مطالعةِ أهلهِ وأولاده وبناته لهذه الفواحشِ، وبين من قامَ بإنشاءِ محطةَ البثِّ نفسها، ونفَّذَ البرنامجَ وموّله، حتى أطلَّ بوجههِ القبيحِ، وسوءَتهِ المشبوّهة.
نسأل الله أن يهدي ضالنا.. ويكفينا شر شرارنا.. ونعوذ به أن يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إنه جواد كريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله
عباد الله: لماذا نحذر من القنوات الفضائية؟ وما الذي أحدثته هذه القنوات في مجتمعاتنا؟
في سنواتٍ محدودةٍ, أثمرتْ هذه القنواتُ المشؤومةُ ثمراتِها المرة، وتجرع بعضُ أولئكَ المبتلينَ بها ما جنتهُ أيديهم, فهذا مراهقٌ تثورُ شهوته فلا يجدُ في البيتِ غيرَ أخته, فيفجرُ بها ويرتكبُ ما حرمَ الله، وتلك فتاة صغيرة تذهبُ بها أمُها إلى المستشفى, فإذا التقاريرُ المخبرية تبشرُ الأمَّ بأنَّ طفلتَها حاملٌ من الزنا؟!
وذلك غلامٌ يتعلمُ شربَ الخمر من الأفلامِ، وآخر يدمن المخدرات، وهناك عشرات القَصَص المرة, التي يشيبُ من هولها الولدان.
أيها المسلمون: وقد يعترفُ بعضُ المبتلينَ بهذه القنوات بخطورتِها وشدةِ تأثيرِها, لكنَّهم يتمسكونَ بحججٍ واهية, كأن يحتجُ بعضهم بأنَّه قد وضَعَ الطبقَ الفضائي لمتابعةِ الأخبارِ العالمية, ومشاهدةِ الأحداثِ الدولية, ولنا أن نتساءل هل توازي هذه المنفعةُ المغمورةُ – إن اعتبرناها منفعة –بحرَ المفاسدِ الَّلامتناهية؟! و السيل الجارف من الأفلامِ والبرامج المدمرة؟! بل إن بعض القنوات الإخبارية لا تخلو من المفاسد العظيمة.
ثم إذا كان هدفُك متابعةَ الأخبار، هل تحكمت في الجهاز من حيث الضبط والتشفير للقنوات الأخرى، أم أنك تركت الحبل على الغارب؟.
عباد الله: إننا ندعو الجميعَ إلى التوبةِ من مطالعةِ هذه الفضائياتِ المُدمرة، وهذه البرامجُ على وجهِ الخصوصِ، وإلاَّ فليتربصَ الجميعُ بعقوبةٍ لا تُبقي ولا تذر، (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
وعلى من ولاهُ اللهُ أمراً من أمورِ المسلمين، أن يقومَ بدورهِ المُمكن، وواجبهِ المشروع، في كفِّ هذا البلاءِ عمن يستطيعُ ممن استرعاهُ الله أمره، ولنكن على ذكرٍ، بأنَّ اللهَ تعالى يغارُ، وغيرتُه أن يأتي المؤمنُ ما حرمَ اللهُ عليه.
علينا -معاشرَ المسلمين- أن نتقي الله عز وجل، وإذا أردنا أن نحفظِ مجتمعاتِنا من الزنا والشذوذ، والجرائم والمخدرات، فلنقضِ على أسبابِها وبواعثِها, وإن من أعظم أسبابِها تلك المجلاتُ والأفلامُ, والخمور.
اللهم صل على محمد...
الوقفة كاملة
|
| ١٤٦٢ |
الخطبة الأولى:
وبعد:
آفة من الآفات، وبليّة من البليّات، ومرض من أمراض القلوب المفسدة لها، يقول عنها العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فلعمرو الله، كم من حُرّةٍ صارت به من البَغَايا، وكم من حُرٍّ أصبح به عبدًا للصبيان والصبايا، وكم من غيورٍ تبدّل به اسمًا قبيحًا بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المَطَارِف والحَشَايا، وكم أهدى للمشغوف به أشجانًا وأحزانًا، وكم جَرّ من غُصّةٍ، وأزال من نعمةٍ، وجلب من نقمةٍ، وكم خَبأ لأهله من آلام منتظرةٍ، وغموم متوقّعة، وهموم مستقبلة".
أتدرون -يا رعاكم الله- ما هذه الآفة والمشكلة التي ذكرها الإمام ابن القيم -رحمه الله-؟!
إنها استماع الأغاني والمعازِف، إنها الغناء والطرب ولواحقه من الحفلات والمهرجانات والمناسبات التي عمودها الغناء وآلات المعازف، وخيمتها الغفلة عن ذكر الله -جل وعلا-.
الغناء -يا عباد الله- من أعظم الأسباب التي تصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وتُشغل عن فعل الطاعات والخيرات.
الأغاني والمعازف وآلاتهما على اختلاف أنواعها، وتعدّد أشكالها، تلكم الجراثيم والأوبئة التي احتلت غالب بيوت المسلمين اليوم -إلا من رحم الله-، وقليلٌ ما هُم، بل وحاصرت البيوتَ التي لم تستطع دخولها حصارًا شديدًا، تحاول الدخول فيها والتغلغل إلى ساكنيها بالّتِي واللُّتَيَّا.
الأغاني وما أدراكم ما الأغاني؟!
التي فُتن بها كثيرٌ من الرجال والنساء الذين ضعف إيمانهم، وخفّت عقولهم، واقتدى بهم شبابُ الأمة من بنينَ وبناتٍ، فشغلوا أوقاتهم، وملؤوا أرجاء بيوتهم وسياراتهم بأصوات المغنين والمغنيات التي تبثّها الإذاعات، وتصوّرها القنوات، بل وخصّصت لها المتاجر والمحلات.
وإن من عظم البليّة -يا عباد الله- أن وُضِعت جمعيات، بل وزارات لما يُسمّى تضليلاً: الثقافة والفنون والمسرح -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-.
ومن وراء ذلكم: الصحف والمجلات، والقنوات الماجنة التي تنوّه بشأن هؤلاء المطربين والمطربات، وتنشر أسماءَهم وصورَهم على صفحاتها مُعرّفةً الناس بهم، ومُصدّرةً لهم، ومُروّجةً لبضاعتهم المنتنة الخبيثة، حتى لقد أصبح بعض شباب الأمة الإسلامية في هذه الأعصار المتأخّرة يعرف عن هؤلاء المغنين والمغنيات وأغنياتِهم كُلَّ دقيق وجليل، ويعرف مواقيت بثّها آناء الليل وأطراف النهار، ولو سألته عن مواقيت الصلاة، لقال: لا أدري، ولو سألته عن أمور دينه، لقال: هاه، هاه، لا أدري.
وكيف يدري، ومن أين له أن يدري وهمته متجهة لضد ذلك؟! وكيف له بالهداية وبعض وسائل الإعلام تلقّنه أغنيةَ فلانٍ وفلانة، وتعلن مواعيدَ بثها في كل ساعة؟! وأنّى له بالسلامة والنجاة وبعض الإذاعات والقنوات -لا حيّاها الله- همّها تصدير الأغاني، وتطوير الفساد على نحو ما يسمونه: فيديو كليب؟! وله من اسمه نصيب.
أيها المسلمون: من كان في شك من تحريم الأغاني والموسيقى والمعازف، فليُزِل الشك باليقين من قول رب العالمين، وهدي الرسول الأمين في تحريمها، وبيان أضرارها.
فهناك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تدل على تحريم الأغاني، والوعيدِ الشديد لمن استحلّ ذلك، أو أصرّ عليه.
والمؤمنُ العاقلُ المستجيبُ لربه المطيعُ لرسوله، يكفيه دليل واحدٌ من كتاب الله، أو صحيح سنة رسول الله.
فكيف إذا تكاثرت الأدلة على تحريم ذلك، وأجمع العقلاء على تسفيه فاعل ذلك؟!
قال الله -جل وعلا-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا)[الأحزاب: 36].
فاقرؤوا -وفّقكم الله- قولَ ربكم -جلّ في علاه- في تحريم الأغاني، وتحذِيركم منها، ووعيد من استعملها، أو استمع إليها، يقول ربنا -جل وعلا-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[لقمان: 6 - 7].
قال الواحدي وغيره: "أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناءُ، قاله ابن عباس وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما-".
وقال أبو الصَّهْبَاء: سألت ابنَ مسعود عن قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) فقال: "والله الذي لا إله غيره، هو الغناء" يردّدها ثلاث مرات.
وذكر ابنُ كثير عن الحسن البصري: "نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير".
أما الغناء مع الموسيقى، فأمرُه أشدُّ وأنكى؛ فقد روى الإمام البخاري في صحيحه معلّقًا بصيغة الجزم عن أبي مالك الأشعري قولَه: "لَيَكُونَنَّ من أمتي أقوامٌ يستَحِلّون الحِرَ والحَرِيرَ والخَمرَ والمَعازفَ".
وقد حاول قومٌ أن يطعنوا في هذا الحديث، فقالوا: إنه معلّقٌ لا يُحتَجّ به، ولكن البخاري -رحمه الله- رواه معلّقًا بصيغة الجزم، وهو في اصطلاحه صحيحٌ ثابتٌ، وقد رُويَ متصلاً صحيحًا في كتب أخرى من كتب السنة، فرواه أبو داودَ وابنُ ماجة والترمذيُ وأحمدُ وغيرهم.
ولو لم يكنْ في تحريم الأغاني إلا هذا الحديثُ لكفى.
وعن أبي مالك الأشعري أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لَيَشْرَبَنّ ناسٌ من أمتي الخمر، ويسمّونها بغير اسمها، يُعزَف على رؤوسهم بالمعازِف والقَيْنَات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير"[رواه أحمدُ وابنُ حبان وصحّحه وابنُ ماجة واللفظ له وصححه ابنُ القيم والألباني].
وعن عمرانَ بنِ حُصينٍ أن رسول الله قال: "في هذه الأمة خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ" فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذاك؟ قال: "إذا ظهرت القَيْنَات -أي: المغنيّات- والمعازِف وشُرِبت الخمور"[رواه الترمذي وصححه الألباني].
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "ومن لم يُمسَخ منهم في حياته مُسِخ في قبره".
وقال: "إنَّ الله حرّم على أمتي الخمر والميسر والكوبَة والغُبَيْراء"[رواه أحمدُ وأبو داودَ وصححه الألباني في صحيح الجامع].
والكَوْبَة، هي: الطبْل.
وعن أنس قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "صوتانِ ملعونانِ في الدنيا والآخرة: مزمارٌ عند نعمة، ورَنّةٌ عند مصيبة"[رواه البزار بإسنادٍ جيد وصححه الحافظُ الضياء المقدسي وغيرُه].
عبادَ الله: لقد حرم الله الغناء في مكة قبل الهجرة، وقبل أن تُفرضَ كثيرٌ من الفرائض، وقبل أن تحرّمَ سائر المحرمات كالخمرة وغيرها، وذلك لخطورته على الأخلاق والسلوك، ولكي يشُبَّ القلبُ ويُبنى على الطهارة والفضيلة من البداية.
أيها الأحبة في الله: إن مفاسدَ استماع الأغاني كثيرة، وآفاتها خطيرة، ولعل من أهمها: أنه يُفسدُ القلب، قال الضحاك بنُ مُزاحِم: "الغناءُ مَفْسَدَة للقلب مَسْخَطَة للرب".
ومن مضارّه: أنه يُنبِت النفاق في القلب، كما يُنبِت الماءُ البقلَ والزرعَ، كما قال غير واحدٍ من السلف.
قال الإمام أحمد: "الغناء يُنبِت النفاق في القلب، فلا يعجبني".
ومنها: أنه عدّةٌ وعَتَاد للشيطان يُغري بهما عباد الله على الفسوق والعصيان، ويفتنهم به عن عبادته، ويصدهم عن سبيله، قال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا)[الإسراء: 64].
قال ترْجُمَانُ القرآن عبد الله ابنُ عباس: "صوت الشيطان الغناءُ والمزاميرُ واللهو".
وكذا قال مجاهدٌ والضحاك.
ومن مفاسد الأغاني: أنها تمحو من القلب محبة القرآن الكريم، فإنه لا يجتمع في القلب محبة القرآن ومحبة الألحان؛ لأن القرآن وحيُ الرحمن، والغناءَ والمعازف وحيُ الشيطان، وهما ضدّان لا يجتمعان أبدًا، فهو خيارٌ فردٌ وطريقٌ واحدٌ، فاختر لنفسك أحد الطريقين، قال ابنُ القيم -رحمه الله-:
حُبّ الكتابِ وحُبّ ألحان الغِنَا *** فِي قلب عبدٍ ليس يجتمعانِ
ثقُلَ الكتابُ عليهمُ لَمـا رأوا *** تقييـده بشرائـع الإيمانِ
واللهوُ خفَّ عليهمُ لَمـا رأوا ما *** فيه من طَرَب ومن ألحانِ
يا لذّةَ الفُسّاقِ لستِ كلذّةِ الْـ *** أَبرارِ في عَقْـلٍ ولا قُـرآنِ
ومن مضار استماع الأغاني: أنها مَجْلَبةٌ للشياطين، فهم للمغنين والمستمعين قرناء، وما كان مَجْلَبَة للشياطين فهو مَطْرَدَة للملائكة، فالملائكة تحبُ الذكر وتحضره، فماذا يكون حالُ أهل بيت يخالطون الشياطين؟!
فيا أسفًا على بيوت خلت من ذكر الله، وخلت من ملائكة الرحمن، وعُمِرَت بالأغاني، وامتلأت بالشياطين.
ومن المفاسد العظيمة بل الشنيعة للغناء: أنه رُقْيَة الزنا، وداعية الفحشاء، قال الفُضَيل بن عِيَاض: "الغناء رُقْيَة الزنا".
فالغناء دعوةٌ صريحةٌ إلى الفحشاء، ولهذا يحرص المغنون في أغنياتهم على ذكر محاسن النساء، وقَصص الغرام والعشق، والمجون والغزل، والهِيَام ووصف القُدُود، والخدود والثغور والنحور، وما في معنى ذلك؛ مما يثير لدى السامعين الوَجْدَ والهوى، ويحرّك الغرائز، ويُشعِلُ نارَ الشهوات.
قال يزيدُ بنُ الوليد: "يا بني أمية، إياكم والغناء؛ فإنه يُنقِص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السُّكْر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنا".
وذلك؛ لأن غناء الرجل ذو أثر كبير على عواطف المرأة ومشاعرها.
ونزلَ الحُطَيْئةُ الشاعرُ المشهورُ برجلٍ من العرب ومعه ابنته مُلَيْكَة، فلما جنَّ عليه الليل سمعَ غناءً، فقال لصاحب المنزل: "كُفَّ عني هذا، فقال: وما تكره من ذلك؟! فقال: إنَّ الغناء رائدٌ من رادَة الفجور، ولا أحبُ أن تسمعه هذه، فإن كففتَه وإلا خرجت عنك".
وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: "فإنه رُقْيَة الزنا، ومُنبِت النفاق، وشَرَك الشيطان، وخمرة العقل، وصَدُّه عن القرآن أعظم من صدِّ غيره من الكلام الباطل؛ لشدة ميل النفوس ورغبتها فيه".
ومن مضار استماع الأغاني والاشتغال بها وجعلها دَيْدَنًا وعادةً ومُفْتَخَرًا: أنها سبب لأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة، قال ابنُ القيم: "والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب أنه ما ظهرت المعازِف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم، واشتغلوا بها إلا سلّط الله عليهم العدو، وبُلُوا بالقحط والجدب وولاة السوء".
ولقد ارتكبت أمة الإسلام في الأندلس ما حذّر منه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاتخذت القَيْنَات والمعازف، وأسرفت في ذلك إسرافًا شديدًا، وصرفت الأموال الطائلة في الأغاني والمعازف، فالدور والبساتين تُوقَف على الموسيقى، وأصبح المرضى يعالجون في المستشفيات بالموسيقى، فكان الغناء من جملة ما عصوا الله به، فحل بهم بلاء استأصل شَأْفَتَهم ودمّر دولتهم: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[البقرة: 57].
ومن مضار الأغاني ومفاسدها التي نراها في عصرنا هذا: ما فيها من تدمير للغة العربية لغة القرآن، ونشرٍ للعامية، ونشرٍ لكلمات الفساد، وتجريء الناس على الجهر بالسوء من القول، فكلمات وعبارات لا تُقَال إلا في المَخَادِع أصبحت تملأ المسامِع، ويردّدها الشباب عَلَنًا بلا حياء ولا رادِع، والله -جل وعلا- لا يحب الجهر بالسوء من القول.
ناهيكم عن الكلمات التي تحمل الكفر والاعتراض على القضاء والقدر، وسب الدهر، والتأفّف والتضايق من والأوامر الشرعية، والقيود الاجتماعية، والأعراف النبيلة، مما يشجع السامع على التمرد على فطرته والثَّوَرَان على قيمه الإسلامية.
ومن مضارها السيئة: أنها تغير معنى القدوة، فيُصدّرُ هؤلاء السَّفَلة من المغنين على أنهم نجومٌ وأبطال، وإذا ماتوا سُمّوا شهداء -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-.
وإن تَعْجَب فَعَجَبٌ فعلُ صحافةٍ وشاشاتٍ وموجات أثير لا هم لها إلا المغني المشهور، ولا صوت لها إلا المطرب المغرور، ولا رصيد لها إلا الحفلات والمهرجانات والجلسات، مما يضل شباب الأمة ويفتنهم، بل ويعلّقهم بالفَسَقَة والسَّبَهْلَل من المغنين والمغنيات، وقد تكون المغنية نصرانيةً أو يهوديةً، بل لربما كان اسم المغني يُفصح عن نصرانيته وفسقه، والقدوة محمد وصحبُهُ، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب: 21].
القدوة، هم العلماء الربانيون، والدعاة الصالحون، وأبطال الجهاد في الماضي والحاضر، قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)[الأنعام: 90].
إن في تصدير هؤلاء المطربين والمطربات، وتلميعهم، إشغال لشباب الأمة عن الجهاد، والعمل لدينهم.
إن أعداءَنا يريدون شباب الأمة أن يعيشوا على الآهات والنغمات، ويحيوا على الفسق والغرام، يريدونهم أن يناموا في أحضان البغايا، لا أن يناموا في أحضان المنايا والجهاد، والعمل لهذا الدين، إذ لو فعلوا لدمروهم، واستأصلوا شَأْفَتهم.
عباد الله: إن من أعظم أسباب سوء الخاتمة -والعياذ بالله- الإصرار على المعاصي وإلفها، كالغناء وغيره، فإن الإنسان إذا ألف شيئًا مدة حياته وأحبه، وتعلق به، يعود ذكره إليه عند الموت، ويردده حال الاحتضار في كثير من الأحيان.
وفي هذا يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "إن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت، مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة، قال تعالى: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً)[الفرقان: 29]".
فينبغي علينا جميعًا: أن نحذر من سوء الخاتمة، وليكن من رأيناه يسقط ميتًا وهو يدندن بالأغاني عبرةً لنا وعظةً في المبادرة إلى التوبة والرجوع إلى الله -تعالى-، وقد أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم-: "إن المرء يبعث على مات عليه".
وقال أيضًا: "إنما الأعمال بالخواتيم".
وإنه لا بد لكل من أراد حسن الختام أن يعمل بالتوبة النصوح قبل فوات الأوان، إن كان ممن يزاول مهنة الغناء، أو يستمع إلى الغناء، أو يُصدّره، فعليه أن يسارع بالتوبة والإنابة إلى الله -تعالى-، حتى لا يُقبَض وتأتيه منيته، وهو على تلك المعصية، حينها لا ينفع الندم.
الخطبة الثانية:
عباد الله: هذا هو الغناء -يا عباد الله- وهذه هي أضراره ومفاسده، ووالله ما أكثرها وما أشدَ خطرها، وإن الغناء حرام، حرّمه الله ورسوله، وهذا حكمٌ صريحٌ واضحٌ في منع الغناء وتحريمه، وتفسيقِ فاعِله، والمستمعِ إليه، يقول ابنُ القيم -رحمه الله تعالى-: "ولا ينبغي لمن شمّ رائحة العلم أن يتوقّف في تحريم ذلك، فأقلُ ما فيه أنه شعارُ الفُسّاق وشاربي الخمور".
وقال مالك -رحمه الله تعالى- لما سئل عن الغناء: "إنما يفعله عندنا الفُسّاق".
نعم -عباد الله- هو حرام لا يجوز فعله، ولا استماعه ألبتة، عن نافع قال: سمع ابنُ عمر مزمارًا، قال: "فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافع، هل تسمع شيئًا؟ قال: فقلت: لا، قال: فرفع أصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبي فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا"[رواه أبو داودَ وصححه الألباني].
أيها الشِّيب والشباب: إن مجالس الغناء وحفلاته ومهرجاناته وأشرطته لغوٌ ولهوٌ، فلنبتعد عنها، ولنطهر أسماعنا منها.
ومن صفات أهل الإيمان: أنهم بعيدون عن اللهو واللغو، قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)[المؤمنون: 3].
أيها الآباء، أيها الأولياء، يا من أنتم مؤتمنون على بيوتكم ومؤتمنون على نسائكم ومؤتمنون على ذَرَارِيكم: طهّروا بيوتكم من هذا الغناء، وهذه المعازف، ومن هذه الأنجاس، واقطعوا عنها هذه الأصوات الملعونة، والمزامير الشيطانية.
إنَّ الرجلَ الغيورَ ذا الشهامة والعزة والكرامة لا يرضى بحالٍ لامرأته، أو بنته أن تسمع غناءَ رجلٍ فاجرٍ يُطرِب بصوته، ويفتنُ بصورته، ويصفُ في غنائه العشقَ والحبَ والغرام.
أينَ الغيرة -يا عباد الله-؟! بل أين الحمية؟!
وبعض الفحول من الرجال لا يرى غضاضةً ولا بأسًا في أن تتلذذ ابنته بآهات المغنين من العرب والغرب، وتتسلّى بها، حاملةً في الجيب صورَهم، متتبّعةً أخبارَهم، ناهيكم عمن يسافرون ويبذلون الأموالَ لحضورها، وبذلُ المال فيها حرام، وقد نهى النبي عن إضاعة المال.
فاتقوا الله -أيها الآباء والأولياء- في أسركم وبناتكم وأولادكم، فإنهم أمانةٌ عندكم ستسألون عنها، فالله -جل وعلا- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6].
ويقول النبيُ –صلى الله عليه وسلم-: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته"[رواه ابن حبان وإسناده حسن].
ويقول أيضًا: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته"[متفق عليه].
و"كفى بالمرء إثمًا أن يُضيع من يقوت".
واعلم -أيها الولي- أنك سوف تسأل عن نفسك وعن ذريتك في: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَليمٍ)[الشعراء: 88-89].
في يوم رهيب: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)[عبس: 34-37].
وإنني أوجهه نداءً إلى طائفةٍ عَلّها أن تعي ندائي، إنها طائفةٌ استُعملت فيما يغضب الله -عز وجل-، إنها طائفة تُصدر الفساد وترعاه، وتتفنّن في إضلال الشباب، إنهم أصحاب محلات الأغاني الذين ينتجونها ويسجلونها ويبيعونها على الشباب وعلى الناس.
إننا نقول لهؤلاء الذين يبيعون الأغاني: إنها محرمة وثمنها حرام، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله -تعالى- إذا حرم شيئًا حرم ثمنه"[رواه أحمدُ والدارقطني بأسانيدَ جيدة].
اتقوا الله: واعلموا أنكم تبيعون حرامًا، وتنشرون فسادًا، وكسبكم خبيث: "وما نَبَتَ من سُحْت فالنار أولى به".
"وإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا".
ألا تخشى -يا صاحبَ المحل- من عقوبة الله وسخطه وأليم أخذه وعذابه؟!
فتب إلى ربك، واستبدل بيعَ هذه الأشرطة ببيع أشرطةٍ قد سُجّل عليها الكلم الطيب النافع من القرآن والسنة، والمواعظ النافعة، والخطب والمحاضرات المفيدة، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)[الطلاق: 2].
وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "من ترك شيئًا لله عَوّضه الله خيرًا منه".
وأنت يا من تسمع الأغاني وهي هِجِّيرَاك صباحًا ومساءً، تدندن عليك في كل مكان، تشتريها وتدير مفتاح الراديو في السيارة على موجاتها، ألا تخاف من رب العالمين الذي سوف يحاسبك ويسألك عن هذا السماع الحرام؟!
(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)[الإسراء: 36].
عبدَ الله: السمعُ أمانةٌ عظمى، ومِنةٌ كبرى، امتن الله على عباده بها، وأمرهم بحفظها، وأخبرهم بأنهم مسؤولون عنها، وإن استماع المزامير والطنابير جحودٌ لهذه النعمة، واستخدامٌ لها في معصية الله؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطَى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه"[رواه مسلم].
أيها المسلمون: إنه واجبٌ علينا أن نقاطع الأغانيَ قنواتٍ ومحلاتٍ وشركاتٍ، وفنانينَ وفناناتٍ، وشعراءَ وشاعراتٍ، وأن لا نُمكّنَ لهم، فلا نؤجّرهم، ولا ندعمهم بأي وسيلة كانت، وأن نُبرِئ الذمة وننصح الأمة ببيان الحكم الشرعي لهم، وأنها حرام، وأن ما يفعلونه بنا وبالأمة من مهرجانات وحفلات وأشرطة هي إفساد في الأرض وإضلال، وأن نتعاهدهم بالبيان والنصح بالتي هي أحسن حتى يرجعوا ويتوبوا، وإلا هجرناهم، وحذّرنا منهم، فإنهم من العُدَاة على الفضيلة والأخلاق.
وعلينا أن نُوجِدَ وندعمَ ونعمّمَ البديل الشرعي المباح الحلال، من قراءة قرآن، وطلب علم وسماعٍ لإذاعة القرآن، والأشرطة المفيدة، النافعة واللهو البريء، والشعر الجيد، والحِدَاء الطيب، الذي يُشعِل هِمَم الشباب للعلياء.
وفي ذلك -والله- غنيةٌ عن صوت فاسقٍ وفاسقة، وكفايةٌ عن شاشةٍ ماجنة، وإذاعةٍ فاسدةٍ، ومجلة هابطة، ولنحفظ أولادنا ونساءنا، ومَنْ هم تحت ولايتنا منها.
عباد الله: إننا لا نُلحِق اللوم، ونحمل المسؤولية بالقنوات والإذاعات التي تبث من دول كافرة؛ لأنه ليس بعد الكفر ذنب، ولا يُرجَى من كافر خير، لكننا نحمل المسؤولية في ذلك المسلمين الذين يغارون على دينهم، وأخلاقهم ونسائهم وذرياتهم، فكيف يليق بهؤلاء أن يرتكبوا ما حرم الله من الغناء واللهو والغفلة عن ذكر الله؟!
وكيف يليق بالمسلمين الذين اعتُدِي على دينهم وبلادهم وشُرّد إخوانهم في أقطار الأرض في فلسطين والعراق وغيرهما من البقاع والأصقاع؟
كيف يليق بهم مع ذلك أن يلهوا بالمهرجانات والحفلات وهم جرحى مهددون بالأخطار؟!
كيف لهم أن يغنوا وهم يسمعون مآسي إخوانهم في القوقاز والبلقان؟! كيف لهم أن يطربوا وهم يرون أرضهم في فلسطين تُغتصَب وأعراضهم تنتهك؟!
إن اللائق بأمة الإسلام، أمةِ لا إله إلا الله، أمةِ العزة والعزيمة والكرامة: إن اللائق والواجب بها أن تجدّ وتجتهد في حماية دينها وبلادها، وتجاهد الكفار، وتدفع الأخطار، وأن تحفظ مُقَدَّرَاتها وطاقاتها فيما ينفع ويفيد أبناء الأمة من علم وتعليم ودعوة إلى الله، وبناء مرافق، وإعداد للعدة في سبيل الله، لا أن تذهب سدى في اللهو الباطل والغناء الحرام.
ولتتذكر الأمة رعاةً ورعيةً رجالاً ونساءً أن عزتنا ونصرتنا لا تكون إلا بالإسلام والتمسك بالدين والعمل بسنة النبي الأمين، وأنها إذا تخلت عن الدين تخلى ربها عنها، قال تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)[محمد: 38].
وقال سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الأنفال: 53].
يا أمة الحق: عزتنا ليست بالأغاني والموسيقى والملاهي، فهذه لا تعيد حقًا مسلوبًا، ولا تردع ظالمًا، عزتنا بالقرآن والسنة، قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ)[الزخرف: 44].
وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين".
اللهم أصلح الراعي والرعية، والأمة الإسلامية.
اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واعصمنا من الفتن والشرور، وانصر إخواننا المجاهدين في الثغور، واغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وأمواتنا يا عزيز يا غفور.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٦٣ |
midad
المجلات الخليعة ومخاطرها
4K
4 دقائق
التصنيف:
27 شوال 1428 ( 08-11-2007 )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحدة، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فقد أصيب المسلمون في هذا العصر بمحن عظيمة، وأحاطت بهم الفتن من كل جانب ووقع كثير من المسلمين فيها، وظهرت المنكرات، واستعلن الناس بالمعاصي بلا خوف ولا حياء، وسبب ذلك كله: التهاون بدين الله وعدم تعظيم حدوده وشريعته وغفلة كثير من المصلحين عن القيام بشرع الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنه لا خلاص للمسلمين ولا نجاة لهم من هذه المصائب والفتن إلا بالتوبة الصادقة إلى الله – تعالى- وتعظيم أوامره ونواهيه، والأخذ على أيدي السفهاء وأطرهم على الحق أطرا.
وإن من أعظم الفتن التي ظهرت في عصرنا هذا ما يقوم به تجار الفساد وسماسرة الرذيلة ومحبو إشاعة الفاحشة في المؤمنين: من إصدار مجلات خبيثة تحاد الله ورسوله في أمره ونهيه فتحمل بين صفحاتها أنواعا من الصور العارية والوجوه الفاتنة المثيرة للشهوات، الجالبة للفساد، وقد ثبت بالاستقراء أن هذه المجلات مشتملة على أساليب عديدة في الدعاية إلى الفسوق والفجور وإثارة الشهوات وتفريغها فيما حرمه الله ورسوله ومن ذلك أن فيها:
1- الصور الفاتنة على أغلفة تلك المجلات وفي باطنها.
2- النساء في كامل زينتهن يحملن الفتنة ويغرين بها.
3- الأقوال الساقطة الماجنة، والكلمات المنظومة والمنثورة البعيدة عن الحياء والفضيلة، الهادمة للأخلاق المفسدة للأمة.
4- القصص الغرامية المخزية، وأخبار الممثلين والممثلات والراقصين والراقصات من الفاسقين والفاسقات.
5- في هذه المجلات الدعوة الصريحة إلى التبرج والسفور واختلاط الجنسين وتمزيق الحجاب.
6- عرض الألبسة الفاتنة الكاسية العارية على نساء المؤمنين لأغرائهن بالعري والخلاعة والتشبه بالبغايا والفاجرات.
7- في هذه المجلات العناق والضم والقبلات بين الرجال والنساء.
8- في هذه المجلات المقالات الملتهبة التي تثير موات الغريزة الجنسية في نفوس الشباب والشابات فتدفعهم بقوة ليسلكوا طريق الغواية والانحراف والوقوع في الفواحش والآثام والعشق والغرام.
فكم شغف بهذه المجلات السامة من شباب وشابات فهلكوا بسببها وخرجوا عن حدود الفطرة والدين.
ولقد غيرت هذه المجلات في أذهان كثير من الناس كثيرا من أحكام الشريعة ومبادئ الفطرة السليمة بسبب ما تبثه من مقالات ومطارحات. واستمرأ كثير من الناس المعاصي والفواحش وتعدي حدود الله بسبب الركون إلى هذه المجلات واستيلائها على عقولهم وأفكارهم.
والحاصل: أن هذه المجلات قوامها التجارة بجسد المرأة التي أسعفها الشيطان بجميع أسباب الإغراء ووسائل الفتنة للوصول إلى: نشر الإباحية، وهتك الحرمات، وإفساد نساء المؤمنين، وتحويل المجتمعات الإسلامية إلى قطعان بهيمية لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، ولا تقيم لشرع الله المطهر وزنا ولا ترفع به رأسا، كما هو الحال في كثير من المجتمعات، بل وصل الأمر ببعضها إلى التمتع بالجنسين عن طريق العري الكامل فيما يسمونه (مدن العراة) عياذا بالله من انتكاس الفطرة والوقوع فيما حرمه الله ورسوله.
هذا وإنه بناء على ما تقدم ذكره من واقع هذه المجلات ومعرفة آثارها وأهدافها السيئة وكثرة ما يرد إلى اللجنة من تذمر الغيورين من العلماء وطلبة العلم وعامة المسلمين من انتشار عرض هذه المجلات في المكتبات والبقالات والأسواق التجارية فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ترى ما يلي:
أولا: يحرم إصدار مثل هذه المجلات الهابطة سواء كانت مجلات عامة، أو خاصة بالأزياء النسائية، ومن فعل ذلك فله نصيب من قول الله – تعالى-: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبٌّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدٌّنيَا وَالآخِرَةِ.... الآية" [النور:19].
ثانيا: يحرم العمل في هذه المجلات على أي وجه كان سواء كان العمل في إدارتها أو تحريرها أو طباعتها أو توزيعها، لأن ذلك من الإعانة على الإثم والباطل والفساد والله - جل وعلا- يقول: "وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ" [المائدة:2].
ثالثا: تحرم الدعاية لهذه المجلات وترويجها بأية وسيلةº لأن ذلك من الدلالة على الشر والدعوة إليهº وقد ثبت عن النبي إنه قال: {من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا} أخرجه مسلم في صحيحه.
رابعا: يحرم بيع هذه المجلات، والكسب الحاصل من ورائها كسب حرام، ومن وقع في شيء من ذلك وجب عليه التوبة إلى الله – تعالى- والتخلص من هذا الكسب الخبيث.
خامسا: يحرم على المسلم شراء هذه المجلات واقتناؤها لما فيها من الفتنة والمنكرات، كما أن في شرائها تقوية لنفوذ أصحاب هذه المجلات ورفعا لرصيدهم المالي وتشجيعا لهم على الإنتاج والترويج. وعلى المسلم أيضا أن يحذر من تمكين أهل بيته ذكورا وإناثا من هذه المجلات حفظا لهم من الفتنة والافتتان بها وليعلم المسلم أنه راع ومسئول عن رعيته يوم القيامة.
سادسا: على المسلم أن يغض بصره عن النظر في تلك المجلات الفاسدة طاعة لله ولرسوله وبعدا عن الفتنة ومواقعها وعلى الإنسان ألا يدعي العصمة لنفسه ففد أخبر النبي أن الشيطان يجري من ابن ادم مجرى الدم. وقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- : كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء! فمن تعلق بما في تلك المجلات من صور وغيرها أفسدت عليه قلبه وحياته وصرفته إلى ما لا ينفعه في دنياه وآخرتهº لأن صلاح القلب وحياته إنما هو في التعلق بالله جل جلاله وعبادته وحلاوة مناجاته والإخلاص له وامتلاؤه بحبه – سبحانه-.
سابعا: يجب على من ولاه الله على أي من بلاد الإسلام أن ينصح للمسلمين وأن يجنبهم الفساد وأهله ويباعدهم عن كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم ومن ذلك منع هذه المجلات المفسدة من النشر والتوزيع وكف شرها عنهم وهذا من نصر الله ودينه، ومن أسباب الفلاح والنجاح والتمكين في الأرض كما قال الله – سبحانه-: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُم فِي الأَرضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ" [الحج:41،40].
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٦٤ |
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحدة، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فقد أصيب المسلمون في هذا العصر بمحن عظيمة، وأحاطت بهم الفتن من كل جانب ووقع كثير من المسلمين فيها، وظهرت المنكرات، واستعلن الناس بالمعاصي بلا خوف ولا حياء، وسبب ذلك كله: التهاون بدين الله وعدم تعظيم حدوده وشريعته وغفلة كثير من المصلحين عن القيام بشرع الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنه لا خلاص للمسلمين ولا نجاة لهم من هذه المصائب والفتن إلا بالتوبة الصادقة إلى الله – تعالى- وتعظيم أوامره ونواهيه، والأخذ على أيدي السفهاء وأطرهم على الحق أطرا.
وإن من أعظم الفتن التي ظهرت في عصرنا هذا ما يقوم به تجار الفساد وسماسرة الرذيلة ومحبو إشاعة الفاحشة في المؤمنين: من إصدار مجلات خبيثة تحاد الله ورسوله في أمره ونهيه فتحمل بين صفحاتها أنواعا من الصور العارية والوجوه الفاتنة المثيرة للشهوات، الجالبة للفساد، وقد ثبت بالاستقراء أن هذه المجلات مشتملة على أساليب عديدة في الدعاية إلى الفسوق والفجور وإثارة الشهوات وتفريغها فيما حرمه الله ورسوله ومن ذلك أن فيها:
1- الصور الفاتنة على أغلفة تلك المجلات وفي باطنها.
2- النساء في كامل زينتهن يحملن الفتنة ويغرين بها.
3- الأقوال الساقطة الماجنة، والكلمات المنظومة والمنثورة البعيدة عن الحياء والفضيلة، الهادمة للأخلاق المفسدة للأمة.
4- القصص الغرامية المخزية، وأخبار الممثلين والممثلات والراقصين والراقصات من الفاسقين والفاسقات.
5- في هذه المجلات الدعوة الصريحة إلى التبرج والسفور واختلاط الجنسين وتمزيق الحجاب.
6- عرض الألبسة الفاتنة الكاسية العارية على نساء المؤمنين لأغرائهن بالعري والخلاعة والتشبه بالبغايا والفاجرات.
7- في هذه المجلات العناق والضم والقبلات بين الرجال والنساء.
8- في هذه المجلات المقالات الملتهبة التي تثير موات الغريزة الجنسية في نفوس الشباب والشابات فتدفعهم بقوة ليسلكوا طريق الغواية والانحراف والوقوع في الفواحش والآثام والعشق والغرام.
فكم شغف بهذه المجلات السامة من شباب وشابات فهلكوا بسببها وخرجوا عن حدود الفطرة والدين.
ولقد غيرت هذه المجلات في أذهان كثير من الناس كثيرا من أحكام الشريعة ومبادئ الفطرة السليمة بسبب ما تبثه من مقالات ومطارحات. واستمرأ كثير من الناس المعاصي والفواحش وتعدي حدود الله بسبب الركون إلى هذه المجلات واستيلائها على عقولهم وأفكارهم.
والحاصل: أن هذه المجلات قوامها التجارة بجسد المرأة التي أسعفها الشيطان بجميع أسباب الإغراء ووسائل الفتنة للوصول إلى: نشر الإباحية، وهتك الحرمات، وإفساد نساء المؤمنين، وتحويل المجتمعات الإسلامية إلى قطعان بهيمية لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، ولا تقيم لشرع الله المطهر وزنا ولا ترفع به رأسا، كما هو الحال في كثير من المجتمعات، بل وصل الأمر ببعضها إلى التمتع بالجنسين عن طريق العري الكامل فيما يسمونه (مدن العراة) عياذا بالله من انتكاس الفطرة والوقوع فيما حرمه الله ورسوله.
هذا وإنه بناء على ما تقدم ذكره من واقع هذه المجلات ومعرفة آثارها وأهدافها السيئة وكثرة ما يرد إلى اللجنة من تذمر الغيورين من العلماء وطلبة العلم وعامة المسلمين من انتشار عرض هذه المجلات في المكتبات والبقالات والأسواق التجارية فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ترى ما يلي:
أولا: يحرم إصدار مثل هذه المجلات الهابطة سواء كانت مجلات عامة، أو خاصة بالأزياء النسائية، ومن فعل ذلك فله نصيب من قول الله – تعالى-: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبٌّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدٌّنيَا وَالآخِرَةِ.... الآية" [النور:19].
ثانيا: يحرم العمل في هذه المجلات على أي وجه كان سواء كان العمل في إدارتها أو تحريرها أو طباعتها أو توزيعها، لأن ذلك من الإعانة على الإثم والباطل والفساد والله - جل وعلا- يقول: "وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ" [المائدة:2].
ثالثا: تحرم الدعاية لهذه المجلات وترويجها بأية وسيلةº لأن ذلك من الدلالة على الشر والدعوة إليهº وقد ثبت عن النبي إنه قال: {من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا} أخرجه مسلم في صحيحه.
رابعا: يحرم بيع هذه المجلات، والكسب الحاصل من ورائها كسب حرام، ومن وقع في شيء من ذلك وجب عليه التوبة إلى الله – تعالى- والتخلص من هذا الكسب الخبيث.
خامسا: يحرم على المسلم شراء هذه المجلات واقتناؤها لما فيها من الفتنة والمنكرات، كما أن في شرائها تقوية لنفوذ أصحاب هذه المجلات ورفعا لرصيدهم المالي وتشجيعا لهم على الإنتاج والترويج. وعلى المسلم أيضا أن يحذر من تمكين أهل بيته ذكورا وإناثا من هذه المجلات حفظا لهم من الفتنة والافتتان بها وليعلم المسلم أنه راع ومسئول عن رعيته يوم القيامة.
سادسا: على المسلم أن يغض بصره عن النظر في تلك المجلات الفاسدة طاعة لله ولرسوله وبعدا عن الفتنة ومواقعها وعلى الإنسان ألا يدعي العصمة لنفسه ففد أخبر النبي أن الشيطان يجري من ابن ادم مجرى الدم. وقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- : كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء! فمن تعلق بما في تلك المجلات من صور وغيرها أفسدت عليه قلبه وحياته وصرفته إلى ما لا ينفعه في دنياه وآخرتهº لأن صلاح القلب وحياته إنما هو في التعلق بالله جل جلاله وعبادته وحلاوة مناجاته والإخلاص له وامتلاؤه بحبه – سبحانه-.
سابعا: يجب على من ولاه الله على أي من بلاد الإسلام أن ينصح للمسلمين وأن يجنبهم الفساد وأهله ويباعدهم عن كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم ومن ذلك منع هذه المجلات المفسدة من النشر والتوزيع وكف شرها عنهم وهذا من نصر الله ودينه، ومن أسباب الفلاح والنجاح والتمكين في الأرض كما قال الله – سبحانه-: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُم فِي الأَرضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ" [الحج:41،40].
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٦٥ |
ثانياً- وسائل الإعلام:
من أكبر الجرائم في حق الأوطان هي المواد التي تبثها وسائل الإعلام بدون توجيه أو توعية، إلا السعي للإفساد والفساد على المستوى العقلي والسلوكي، ومعلوم ما تبثه الكثير من الفضائيات من فنون نشر الرذيلة، بل هناك أقمار كاملة معنية بهذه الأمور، وتعلن الحرب على الشباب طوال الليل والنهار؛ ليصبح مسخاً بلا هوية أو أخلاق، وذلك لأن المضمون والمحتوى الفكري والثقافي الذي يقدم للشباب -بخاصة البنات- منذ نعومة أظفارهم يؤثر حتماً على بنائهم النفسي، وتكوينهم العاطفي والوجداني، ويمثل لهم أنماطاً سلوكية، ونماذج عملية يقتدون بها، ويحبون التشبه بها في حياتهم العملية.
وفي مجتمعاتنا العربية، نجد كثيراً من البرامج التي تهتم بالأطفال دوماً ما تسأل الأطفال عن سؤال محدد، سواء في إطار البرامج والحلقات، أو في الحياة عموماً، والسؤال هو: "من هو مثلك الأعلى؟"، وغالباً تكون الإجابة: فنان أو لاعب كرة، والفتيات كذلك، تكون القدوة ممثلة أو مغنية، إلا من رحم ربي، وهم الصفوة التربوية الناجية من براثن الإعلام بفضل خبرة الآباء وإخلاصهم لله عزوجل.
وعليه فإن دور كل صاحب رسالة مصلح -سواء إعلامي أو مربٍ خطير- هو ترجيح الكفة نحو صلاح الشباب والفتيات، خصوصاً مع ضخامة تمويل الفساد وبريق الفاسدين وآرائهم التي ينبهر بها الشباب.
الوقفة كاملة
|
| ١٤٦٦ |
نصيحتي لجميع الرجال والنساء عدم استماع الأغاني، فالأغاني خطرها عظيم، وقد بلي الناس بها في الإذاعات والتلفاز وفي أشياء كثيرة كالأشرطة، وهذا من البلاء، فالواجب على أهل الإسلام من الرجال والنساء أن يحذروا شرها، وأن يعتاضوا عنها بسماع ما ينفعهم من كلام الله ، ومن كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن كلام أهل العلم الموفقين في أحاديثهم الدينية وندواتهم ومقالاتهم، كل ذلك ينفعهم في الدنيا والآخرة.
أما الأغاني فشرها عظيم، وربما سببت للمؤمن انحرافًا عن دينه والمؤمنة كذلك، وربما أنبتت النفاق في القلب، ومن ذلك كراهة الخير وحب الشر؛ لأن النفاق كراهة الخير وحب الشر وإظهار الإسلام وإبطان سواه، فالنفاق خطره عظيم، فالأغاني تدعو إليه، فإن من اعتادها ربما كره سماع القرآن وسماع النصائح والأحاديث النافعة وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وربما جرته إلى حب الفحش والفساد وارتياد الفواحش والرغبة فيها والتحدث مع أهلها والميل إليهم.
فالواجب على أهل الإيمان من الرجال والنساء الحذر من شرها، يقول الله في كتابه العظيم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7].
يقول علماء التفسير: إن لهو الحديث هو الغناء، ويلحق بها كل صوت منكر كالمزامير وآلات الملاهي، هكذا قال أكثر علماء التفسير رحمة الله عليهم.
وقال عبدالله بن مسعود : (هو والله الغناء) وكان يقسم على ذلك ويقول: (إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) يعني الزرع، ومعنى ذلك: أنه يسبب للإنسان كراهة الخير وحب الشر، وكراهة سماع الذكر والقرآن ونحو ذلك، وحب الأغاني والملاهي وأشباه ذلك، وهذا نوع من النفاق؛ لأن المنافق يتظاهر بالإسلام وكراهة الباطل، يتظاهر أنه مؤمن وهو في الباطن ليس كذلك، يتظاهر بحب القرآن وهو في الباطن ليس كذلك، فالأغاني تدعو إلى ذلك، تدعو إلى كراهة سماع القرآن والاستماع له، وتدعو إلى كراهة سماع الذكر والدعوة إلى الله، وتدعو أهلها إلى خلاف ذلك، وإلى حب المجون، وحب الباطل، وحب الكلام السيئ، وحب الكلام بالفحش والفسوق ونحو ذلك مما يسببه الغناء، ومما يجر إلى انحراف القلوب ومحبتها لما حرم الله وكراهتها لما شرع الله سبحانه وتعالى، وهذا واضح لكل من جرب ذلك، فإن من جرب ذلك وعرف ذلك يعلم هذا، وهكذا الذين عرفوا أصحاب الغناء وعرفوا أحوالهم، وما يظهر عليهم من الانحراف والفساد بسبب حبهم للغناء وما فيه من شر عظيم وفساد كبير لمن اعتاد ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله[1].
الوقفة كاملة
|
| ١٤٦٧ |
أما بعد:
عباد الله: ماذا يريد منا ربنا؟ وماذا يريد منا عُبَّادِ الشهوات, وأربابِ النزوات؟
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً).
هذه الآيةُ الجليلة، تكشفُ عن حقيقةِ ما يريدهُ اللهُ للناس من التوبةِ والاستقامةِ والنجاة، وحقيقةِ ما يريدهُ الشهوانيون من الانحرافِ والفسقِ والضلال, إنهم يريدون أنْ ينطلقَ جنونُ الشهوة بلا حواجزَ أو عقبات، انطلاقةً لا يقرُ معها قلبٌ, ولا تهدأ معها نفسٌ ولا يطمئنُ معها بيتٌ، ولا يسلمُ معها عرضٌ, ولا تقومُ معها أسرةٌ، ولا تبقى معها فضيلة.
وحتى أكون صريحاً جداً معكم أقول: إن كلُ هذا الفساد هو ما تريدُه بعض الأقلامُ عبر الصحفِ والمجلات, وما تريدُه الأفلامُ الهابطة عبر أشرطةِ الفيديو, وأخيراً عبر قنواتِ البثِّ الفضائي، والتي أخذتْ تغزو مجتمعاتِ المسلمين على حينِ غفلةٍ من أهلها، لتزيدَ البلاءَ بلاءً، والقلوبَ خواءً.
ليس بغريب أن يستغلها الأعداءُ الذين قال اللهُ فيهم: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ), ولكنَّ الغريبَ المؤسف، أنْ يستجيبَ أبناءُ المسلمين لمخططات أولئك المجرمين، فينشئوا القنوات الهابطة بأموالهم.. ويحملوا أوزار المشاهدين فوق أوزارهم.. (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون).
والغريب المؤسف الآخر، أن يعكف قوم على هذه القنوات المجرمة، ويعرضوا أنفسهم وأهاليَهم لفتنٍ كقطعِ الليلِ المظلم تجعل الحلم حيراناً.
ويا لله العجب! كيف يأمنُ مسلمٌ على عرضِ أولادهِ وبناته، وقد أحضرَ لهم بيده ما يُهيِّج شهواتِهم, ويثيرُ نزواتِهم, ويدفعهُم -شاءَ أم أبى- إلى تلبيةِ الشهوةِ، وإطفاء النزوةِ في حلالٍ أو حرام.
ماذا ننتظر من برامج وأفلام، تشجع الرذيلة، وتهدم الفضيلة، وتنظرُ إلى الفتاةِ العفيفة نظرةَ إشفاقٍ ورحمة, يُذهبُ بها إلى المصحاتِ النفسية، لحلِ عُقَدِها؟!
ماذا سيقدمُ لنا البثُ الفضائيُ الأمريكي والفرنسي غيرَ أفلامِ الجنسِ الصاخبة, مسبوقةً بعبارةٍ سخيفةٍ تافهة, مضمونها هذه الأفلامُ للبالغينَ فقط؟! يا لقبحهم وفجورهم , هل سينسحبُ الأطفالُ الصغارُ بسلام، حين يقرءونَ تلك العبارة.. وكيف يسوغ للبالغين مشاهدةُ تلك المشاهدِ القذرة, بموجبِ فتوى التلفاز الأمريكي، أو المذهب الفرنسي؟
ماذا سيقدمُ لنا البثُ الفضائيُ الأجنبي غيرَ أفلامِ العنفِ والجريمة، وتجارةِ الخمورِ والمخدرات, ومشاهد الأجساد العارية, واللقطات الفاضحة؟!
أمَّا البثُ الفضائي العربي، فلا يقلُ شراً عن سابقه, ولا يتوارى خجلاً من سالفهِ, بل إنَّنا لا نعدو الحقيقة إذا اعتبرنَا هذا النوعَ من البث أشدَّ خطراً, وأعظمَ ضرراً، بسببِ عاملِ اللغةِ المشترك, وتقاربِ الثقافات.
دعونا من مسلسلاتِ الحبِّ والغرام بقذارتِها من عشراتِ السنين, فهي أشهرُ من أن تذكر، لكنَّنا نُشيرُ على عجلٍ إلى ما يحاولُ المجرمون فرضَه, وإقناعَ الناس به من المفاهيمِ المنكوسةِ، والسلوكياتِ الماجنة، في قالبٍ من الخداعِ والمكرِ العظيم.
فعلى سبيل المثال: لا مانعَ لدى القائمينَ على تلكَ الأفلام الماجنةِ والتمثيلياتِ الهابطة , أن يدخلَ على المرأة رجلٌ أجنبيٌ عنها, وأن يخلوَ بها الساعاتِ الطوال.
وربما يجد أحدُ الممثلين زوجَته في الفيلم مع رجلٍ أجنبيٍ في بيتهِ لوحدها, فيستشيطُ غضباً, ويمتلأُ حنقاً, لا لأنَّ الرجلَ خلا بزوجتهِ، فتلكَ قضيةٌ عادية, ولكنَّه غضب، لأنَّه يكرَهُ هذا الرجلَ بالذاتِ ولا يحبه.
تأمل رحمك الله، من خلال هذا المشهدِ كيف تمكنَ المخرج من إيصالِ الفكرةِ التي يريد إلى ذهنِ المشاهد وعقلهِ الباطن, دون أن يَشعرَ المشاهدُ المخدوع بشيءٍ من ذلك , فلا بأسَ عندهم بخلوةِ الذكورِ بالإناث, ولا مانعَ من استضافةِ المرأةِ للرجلِ الأجنبيِ في بيتها، حتى ولو كانت المسافةُ الفاصلةُ بينهما وبين غرفةِ النوم بضعة أمتار.. وأما قضيةُ الحجاب فهي عندهم جزء من التقاليد البالية, أو هو على الأقل غطاءُ الرأس وللعجائزِ فقط.
وربما تشاهد في بعض المسلسلاتُ الممثل يدخلُ المنزل فتسارع الأمُ العجوز إلى تغطيةِ رأسها، أما البنتُ الشابة ذاتُ العشرينَ عاماً فتظل سافرةَ الوجه، حاسرةَ الرأس، تتغنج بضحكاتِها, وتتشدقُ بعباراتها, فأيُ مفهومٍ يحاولون فرضَه وتعميمه من خلالِ هذه المسلسلات؟!
الإجابة لا تحتاج إلى مزيد ذكاء.
ولا تزال القنواتُ العربيةُ الفضائية، تُمطرنا أربعاً وعشرين ساعةً، طوالَ العامِ، ببرامجَ الرذيلةِ والمجون، ومسلسلاتِ الخنا والفحش، وأغاني العُهرِ والفساد.. مكمِّلةً بذلك الدورُ الذي ابتدأتهُ القنواتُ الأرضية، لعُقودٍ طويلةٍ من الزمن بمشاركة المسرحُ والإذاعات، والمجلةُ والرواية!!
حتى كانت ثالثةَ الأثافي، وقاصمةَ الظهرِ، ذلك البرنامجُ الدياثيُّ الماجن " ستار أكاديمي " الذي عرُض في السابق عدة مرات، ويعاد هذه الأيام للمرة الرابعة.
برنامجٌ دياثة بثياب عربية وللأسف، يجتمعُ فيه شرذمةٌ من الفساق والفاسقات، في بيتٍ واحدٍ، وتحت سقفٍ واحد، ويُصورُونَ على الهواءِ مباشرةً، ويطالعُهم ملايينَ المفتونين والفارغين، ممن يرتدَّون إلى أسفلَ سافلين، بعد أن رفعهُم الإسلامُ لأعلى عليين، وصورَهُم ربَهُم في أحسن تقويم.
وبينما كنت أعد هذه الخطبة بالأمس، وقفت على خبرين، ينبيانك عن شيء من أحوال الأمة.
الخبر الأول: ما ستقوم به إحدى الجهات في المغرب العربي من إقامة ستار أكاديمي آخر.. لكنه يحترم خصوصية المشاركين، ويفصل بين الذكور والإناث في الإقامة،وستمنع المشاركات من لبس التنورة القصيرة، أوالملابس الكاشفة عن الصدر.. وكأن ما سوى هذا مباح لا بأس فيه.
ويذكر أنه وقع الاختيار على 14 مرشحاً من أحد عشر ألف مشارك ومشاركة تقدموا للاختبارات التي أقيمت في كل من تونس والمغرب والجزائر وفرنسا.. وأن المشاركين والمشاركات سيخضعون على مدى ثلاثة أشهر ونصف لدراسة الرقص والتعبير المسرحي.
أما الخبر الثاني: فإنه في هذا الوقت العصيب، الذي يجري في الدم المسلم الطاهر في فلسطين وفي العراق، لم أكن أعلم أن فتاة عراقية تشارك في البرنامج الخبيث، حتى طالعت خبراً سخيفاً بالأمس، يقول: إن العراقيين لم تشغلهم همومهم ومشاهد القتل والاحتلال عن التصويت لمرشحتهم فلانة.
سبحان الله.. ماذا يريد هؤلاء بالأمة، وهم الذين خدروا شبابها، وأفسدوا بناتها بهذه البرامج الماجنة؟
وأي أمة ستطرد المحتل، وتستعيد أمجادها، وأبناؤها وبناتها قصارى همهم التصويت لفلان الماجن، أو لفلانة العاهرة.
ولسنا نعجبُ في الواقعِ من جرأةِ القائمين والمشاركين، في هذا البرنامج الخسيس الخليع، فلستُ أشكُ بأنَّهم حُفنةً من أعداء الدين، وفي أحسنِ أحوالهم شرذمةٌ من الإباحيين الشهوانيين، الحاقدين على أخلاقِ الأمةِ وشبابها، المتاجرين بقيمها ومبادئها العليا.. لكنَّ العجبُ لا ينقضي من أُسرٍ مسلمةٍ، ذاتَ شرفٍ وسُمعة، يأذنونَ لقنواتٍ إباحيةٍ كهذه، بالدخولِ إلى منازلهم، ويتحلقُ حولَ عُروضها الماجنةِ، ذواتُ الخدور، وشبابُ الأمةِ المجبولِ على الدين والعفة.
ولسنا نرى كبيرَ فرقٍ بين من علمَ مقاصدَ وأهدافَ هذا البرنامجُ وأمثاله، من برامجِ الخنا والفاحشة، ثمَّ أصّر على مطالعةِ أهلهِ وأولاده وبناته لهذه الفواحشِ، وبين من قامَ بإنشاءِ محطةَ البثِّ نفسها، ونفَّذَ البرنامجَ وموّله، حتى أطلَّ بوجههِ القبيحِ، وسوءَتهِ المشبوّهة.
نسأل الله أن يهدي ضالنا.. ويكفينا شر شرارنا.. ونعوذ به أن يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إنه جواد كريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله
عباد الله: لماذا نحذر من القنوات الفضائية؟ وما الذي أحدثته هذه القنوات في مجتمعاتنا؟
في سنواتٍ محدودةٍ, أثمرتْ هذه القنواتُ المشؤومةُ ثمراتِها المرة، وتجرع بعضُ أولئكَ المبتلينَ بها ما جنتهُ أيديهم, فهذا مراهقٌ تثورُ شهوته فلا يجدُ في البيتِ غيرَ أخته, فيفجرُ بها ويرتكبُ ما حرمَ الله، وتلك فتاة صغيرة تذهبُ بها أمُها إلى المستشفى, فإذا التقاريرُ المخبرية تبشرُ الأمَّ بأنَّ طفلتَها حاملٌ من الزنا؟!
وذلك غلامٌ يتعلمُ شربَ الخمر من الأفلامِ، وآخر يدمن المخدرات، وهناك عشرات القَصَص المرة, التي يشيبُ من هولها الولدان.
أيها المسلمون: وقد يعترفُ بعضُ المبتلينَ بهذه القنوات بخطورتِها وشدةِ تأثيرِها, لكنَّهم يتمسكونَ بحججٍ واهية, كأن يحتجُ بعضهم بأنَّه قد وضَعَ الطبقَ الفضائي لمتابعةِ الأخبارِ العالمية, ومشاهدةِ الأحداثِ الدولية, ولنا أن نتساءل هل توازي هذه المنفعةُ المغمورةُ – إن اعتبرناها منفعة –بحرَ المفاسدِ الَّلامتناهية؟! و السيل الجارف من الأفلامِ والبرامج المدمرة؟! بل إن بعض القنوات الإخبارية لا تخلو من المفاسد العظيمة.
ثم إذا كان هدفُك متابعةَ الأخبار، هل تحكمت في الجهاز من حيث الضبط والتشفير للقنوات الأخرى، أم أنك تركت الحبل على الغارب؟.
عباد الله: إننا ندعو الجميعَ إلى التوبةِ من مطالعةِ هذه الفضائياتِ المُدمرة، وهذه البرامجُ على وجهِ الخصوصِ، وإلاَّ فليتربصَ الجميعُ بعقوبةٍ لا تُبقي ولا تذر، (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
وعلى من ولاهُ اللهُ أمراً من أمورِ المسلمين، أن يقومَ بدورهِ المُمكن، وواجبهِ المشروع، في كفِّ هذا البلاءِ عمن يستطيعُ ممن استرعاهُ الله أمره، ولنكن على ذكرٍ، بأنَّ اللهَ تعالى يغارُ، وغيرتُه أن يأتي المؤمنُ ما حرمَ اللهُ عليه.
علينا -معاشرَ المسلمين- أن نتقي الله عز وجل، وإذا أردنا أن نحفظِ مجتمعاتِنا من الزنا والشذوذ، والجرائم والمخدرات، فلنقضِ على أسبابِها وبواعثِها, وإن من أعظم أسبابِها تلك المجلاتُ والأفلامُ, والخمور.
اللهم صل على محمد...
الوقفة كاملة
|
| ١٤٦٨ |
جميعنا نعلم أنّ اليهود قد عادَوا النبيّ محمّدا- صلّى الله عليه وسلّم- وحاربوا دعوته، ونعلم أيضا أنّهم كادوا لأمّته من بعده؛ فقُتل الخلفاء الرّاشدون بسعيهم ووقيعتهم، ونشبت الفتنة بين بعض الصّحابة بسبب كيد اليهود ومكرهم، ونعلم أيضا أنّ اليهود ظلّوا يكيدون للخلافة الإسلاميّة حتى أمكنهم إسقاطها أواخر الربع الأوّل من القرن العشرين، ونعلم أيضا أنّهم استغلّوا ضعف الأمّة واحتلّوا الأرض المباركة وجعلوها مركزا لمؤامراتهم على أمّة الإسلام.. لكن، هل هذا كلّ ما فعله اليهود ويفعلونه بنا وبأمّتنا؟
كثير بيننا الآن يرون أنّ خصومتنا مع اليهود هي فقط لأنّهم يحتلّون أرض فلسطين، لكنّ الحقيقة أنّ خصومتنا معهم خصومة دينية، لأنّهم عادوا نبيّنا، وتآمروا ولا يزالون يتآمرون على ديننا وأمّتنا؛ وكما أنّهم كانوا وراء معظم النّكبات التي حلّت بالأمّة إلى غاية سقوط الخلافة واحتلال فلسطين، فهم لا يزالون يقفون خلف معظم الرزايا التي تحلّ بهذه الأمّة؛ فهم مَن سعى في تقسيم الأمّة إلى دويلات ونصّبوا عليها قادة من أصحاب الهمم المتدنية وورّطوهم في قضايا فساد ومواقف غير أخلاقية ليبتزّوهم ويضغطوا عليهم لتنفيذ مخطّطاتهم في دول المسلمين.. اليهود هم من يقف وراء هذا الإعلام الذي ابتليت به أمّة الإسلام في هذا الزّمان؛ إعلامٌ يبثّ الشّهوات والشّبهات، ويغرس الوهن في قلوب المسلمين ويجعل المآكل والمشارب والملابس وموادّ التّجميل والمراكب غاية همّهم.. إعلام يربّي أبناء الأمّة تربية القطط والفئران والخراف والنّعاج، ويخوّف المسلمين من قوة الأعداء وعدّتهم وعتادهم ويزرع في قلوبهم الجبن والخور.. إعلام يحارب الفضيلة ومحاسن الأخلاق وينشر الرّذيلة ومساوئ الأخلاق.. إعلام يهدم بنيان الأسر ويغري الزّوجات بمناكفة ومنابذة الأزواج، والبنات بالخروج عن سلطة الآباء.
إنّه لأمر مؤسف حقا أن تقرّ أعين اليهود، ليس باحتلال فلسطين العزيزة فحسب، وإنّما بالسيطرة على قلوبنا وعقولنا وعلى اهتماماتنا، عن طريق الإعلام الذي تمكّنوا من ناصيته وامتطوا صهوته وأخذوا لجامه.. اليهود الآن يُسيطرون سيطرة مباشرة على شركات الإنتاج السينمائي التي تصنع الأفلام في أمريكا وتصدّرها إلى العالم، مثل شركة فوكس وغولدين ومترو ووارنر وبرامونت، والأهمّ من هذا أنّهم يسيطرون على “هوليوود” التي تحظى منتجاتها من الأفلام بإعجاب قطاع عريض من شباب المسلمين. ربّما يقول قائل: ما لنا وما لهوليوود وفوكس وغولدين وأخواتها؟ المعضلة أنّ إعلامنا العربيّ الإمّعة الذي يتحكّم فيه العلمانيون والمترفون من أصحاب الملايير، ينهل ممّا تصدّره هذه الشّركات أو ينسج على منوالها، غير مراع لدين الأمّة ولا لخصوصياتها. وإذا كان اليهود يسيطرون مباشرة على كبريات شركات الإنتاج السينمائيّ في العالم، فهم يسيطرون بطريقة غير مباشرة على العديد من القنوات العربية المعروفة بنشر الميوعة والانحلال على شاكلة قنوات “MBC” و”روتانا” التي يمتلكها قوم ألقوا حبال الودّ لليهود واحترفوا صناعتهم.
وكما يسيطر اليهود على الإنتاج السينمائي، فهم يسيطرون أيضا على الإعلام الذي يقدّم الأخبار والمعلومات؛ فكُبرى الصحف والقنوات التي تؤثر في الرأي العامّ الأمريكي وتؤثر في قرارات المسؤولين والسياسيين هناك، هي قنوات يهودية، وعنها يأخذ الإعلام العربيّ ومنها يغرف، وكمثال على ذلك، فقناة العربيّة المعروفة بتوجّهاتها العلمانية، تستقي أخبارها وموادّها الإخبارية من القنوات الأمريكيّة وتنسج برامجها على منوال البرامج التي تبثها نظيراتها NBC وCBC وABC.
لقد قرّت أعين اليهود وأوليائهم من العلمانيين أيضا لما يرونه من انتشار متزايد للتبرّج في بلدان المسلمين، حين أصبحت الأزياء التي تصمّمها دور الأزياء اليهوديّة تدخل إلى محلات المسلمين ويجري الترويج لها على أنّها موضة العصر وعنوان التحضّر والتقدّم والذّوق الرّفيع، وتنفد من المحلات في وقت قياسيّ.. لقد خطّط اليهود لإخراج نساء وبنات المسلمين عرايا وتحالفوا مع الشّيطان، فكان لهم ما أرادوا وأصبحت كثير من النّساء والفتيات يلبسن ما تلبسه النّساء والفتيات في المدن الأوروبية.
قرّت أعين اليهود أيضا بسيطرتهم على الفنّ، الذي جعلوه وسيلة لنشر الرّذيلة والانحلال، ومجّدوا المغنّين الماجنين ووجّهوا إليهم الأضواء وأنفقوا الأموال وشجّعوا شركات الإنتاج على ترويج أغانيهم الهابطة لتصل إلى كلّ البيوت، وشجّعوا المسؤولين على تكريم هؤلاء المغنّين وتقديمهم على أنّهم رواد الفنّ وأيقوناته! يقول “هنري فورد” في كتابه “اليهودي العالمي”: “يستغرب النّاس كثيرًا من أين تأتي هذه الموجات المتعاقبة من النفايات والقاذورات الموسيقية التي غزت البيوت الكريمة، التي جعلت شبَّان هذا الجيل يقلِّدون ما يقوم به المعتوهون من حماقات؛ فالموسيقى الشعبية الرخيصة هي احتكار لليهود، وليست موسيقى الجاز إلا اختراعًا يهوديًّا، وليست هذه الحركات المثيرة بما فيها من قذارة التي تتَّسق مع النغمات التي تبعث الغرائز إلا من عمل اليهود؛ فأحاديث القردة، وعويل الغابات، وشخير الخنازير، واللمسات التي تشبه عمليات الحب بين العجول كلها تتستَّر تحت ستار بعض الألحان الموسيقية المحمومة، وتدخل إلى البيوت التي لو لم تكن متنكِّرة في هذه الصورة الموسيقية لما سمحت بدخولها، ولقابلتها بمشاعر من الفزع” ا.هـ..
لقد خطّط اليهود ووصلوا إلى هدفهم في إدخال الغناء الهابط إلى البيوت.. ألسنا الآن نسمع أغاني الحبّ والغرام والعشق والهيام تصدح في البيوت وتجلجل في حفلات الأعراس، بعد أن كانت كلمة “الحبّ” كلمة يستحي الإنسان من أن ينطق بها أمام والديه وإخوته. أصبحت الأغاني السّاقطة التي تتحدّث عن هذا الحبّ وعن العلاقات المحرّمة مقبولة في البيوت وفي حفلات الأعراس والله المستعان.
اليهود لم ولن يكونوا في حاجة إلى الظهور بشخوصهم وأسمائهم في وسائل الإعلام، وليسوا في حاجة إلى ظهور رهبانهم ليفسدوا لنا ديننا ودنيانا، فهم يفعلون كلّ ذلك عن طريق وكلائهم وعملائهم في بلاد المسلمين، عن طريق العلمانيين الذين ينفّذون مخطّطات اليهود ويُعملون في الأمّة بروتوكولات التّلمود، فينشرون الميوعة والانحلال وينفّرون من الطّهر والعفاف، ويحلّون الروايات التافهة والساقطة والأدب السّافل محلّ كلّ علم نافع، ويوجّهون الإعلام ليكرّس الفكر العلمانيّ الذي يجعل المسلمين يحصرون الدّين في المساجد وزوايا البيوت بعيدا عن الواقع.
لقد آن لنا أن نتنبّه ونعي ونرعوي، ونراجع حساباتنا.. إنّها الخسارة التي ما بعدها خسارة أن نرضى بخسارة معركتنا مع اليهود، ونرضى لأنفسنا بأن نكون بين أيديهم كالدّمى، يوجّهون تفكيرنا واهتماماتنا ويرتّبون أولوياتنا ويتحكّمون فيما نلبسه وما نقوله!.. فالعودة العودة إلى ديننا قبل أن نرد موردا نندم فيه ساعة لا ينفع النّدم.. يوم يتبرّأ منّا اليهود والعلمانيون.. ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُون)).
الوقفة كاملة
|
| ١٤٦٩ |
السؤال
مما لا شك فيه أن القنوات الفضائية وما تعرضه من عادات وتقاليد تخالف ديننا الإسلام محرمة شرعاً , ولكن فضيلة الشيخ سمعت أن مشاهدة المسلسلات المدبلجة هي أشد حرمة من غيرها ، وأنها تبطل الصلاة 40 يوماً , أرجو من فضيلتكم إفادتنا بما أنكم بعد الله وبعد الرسول عليه الصلاة والسلام أعلم به منا , وجزاكم الله خيراً وجعله في موازين حسناتكم .
الجواب
ذات صلة
الحمد لله.
أولاً:
لا فرق من حيث الحكم بين المسلسلات العربية ، وبين تلك المدبلجة ، وما يوجد من مخالفات في منكرات في الأولى : فإنه يوجد في الثانية ، وبعض المسلسلات العربية تفوق تلك المدبلجة بالفساد والسوء ، وإنما التنافس بينها في أيهما أكثر إفساداً للمسلمين ، وارتكاباً للمعاصي والمنكرات .
ولعلَّ من ذهب إلى أن مشاهدة هذه المسلسلات أشد حرمة إنما نظر إلى ما تواطأت هذه المسلسلات على نشره ، من تبرج سافر ، وقصص غرامية ملتهبة ، وقبلات فاضحة ، وخيانة للأزواج والزوجات ، ومع ما في حلقاتها من طول قد تصل في بعض الأحيان إلى ( 300 ) حلقة !! : إلا أنك قد تجد المفتونين بها من الذكور والإناث يحرصون على متابعتها ، ويعرفون أوقات عرضها وإعادتها ، ولم يكتفِ أساطين الفساد في الأرض بالمسلسلات المكسيكية والإسبانية والفرنسية حتى أضافوا إليها التركية ، وفتنوا بها الذكور والإناث ، فالويل لهم إن لم يتوبوا ويكفوا عن نشر الفواحش والمنكرات في البلاد وبين العباد ، قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) النور/ 19 .
سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله - :
ما حكم مشاهدة المسلسلات التي تذاع بالتلفزيون ؟ .
فأجاب:
على المسلم أن يحفظ وقته فيما يفيده وينفعه في دنياه وآخرته ؛ لأنه مسؤول عن هذا الوقت الذي يقضيه بماذا استغله ، قال تعالى : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ) فاطر/ 37 ، وفي الحديث : أن المرء ( يسأل عن عُمُره فيما أفناه ) .
ومشاهدة المسلسلات : ضياع للوقت ، فلا ينبغي للمسلم الانشغال بها ، وإذا كانت المسلسلات تشتمل على منكرات : فمشاهدتها حرام ، وذلك مثل النساء السافرات ، والمتبرجات ، ومثل الموسيقى ، والأغاني ، ومثل المسلسلات التي تحمل أفكاراً فاسدة ، تخل بالدين والأخلاق ، ومثل المسلسلات التي تشتمل على مشاهد ماجنة تفسد الأخلاق ؛ فهذه الأنواع من المسلسلات لا تجوز مشاهدتها .
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " ( 3 / 346 ، السؤال رقم 516 ) .
وقال – حفظه الله - :
مشاهدة المسلسلات والأفلام الأجنبية فيها خطورة شديدة على العقيدة ، والأخلاق ؛ لأنها لا تخضع للرقابة ، والذين يقومون بإعدادها لا يتقيدون بأحكام الإسلام ، ولا شك أنها إذا اشتملت على مواد فاسدة : فإنها تؤثر فيمن يشاهدها سواءً ، فعليك باجتنابها ، والحذر منها ، ولا تُدخلها بيتك .
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " ( 5 / 61 ، السؤال رقم 90 ) .
ومن يمكِّن أهله – وخاصة بناته – من مشاهدة تلك المسلسلات والأفلام فإنما هو غاش لرعيته ، آثم في تصرفه ، وهو يوشك أن يرى أثر تلك المشاهدات حسرة ، وندامة ، وخسارة ، فهل هو بعينه يرى ابنه متعلقاً بتلك الممثلة الجميلة ، يحتفظ بصورتها ، ويعلقها ، وها هو يرى ابنته متعلقة بذلك الممثل الوسيم ، وتعلق صورته في غرفتها ، وهل يظن الأب الغافل أن الأمر ينتهي عند التعلق القلبي والتعليق للصور ؟ إن الأمر له عواقبه الخطيرة ، لو كانوا يعقلون .
وهناك خطبة جمعة حول تلك المسلسلات للشيخ سلطان العويد بعنوان (المسلسلات المدبلجة) :
ثانياً:
أما الزعم بأن مشاهدة تلك المسلسلات المدبلجة يبطل الصلاة أربعين يوماً : فهو من الكذب على شرع الله ، ومثل هذه الأحكام لا تصدر إلا بوحي من رب العالمين ، وقد سبق في جواب السؤال رقم : ( 21227 ) أن نقل بعض السائلين عن أحد الجهلة أنه أوجب كفارة صيام أربعين يوماً على متابعة تلك المسلسلات ! وليس يعني هذا التهوين من شأنها ، فقد تكون آثام تلك المسلسلات أعظم بكثير مما زعموه ، ولكنَّ الشأن هنا هو في نسبة تلك الكفارات لشرع الله تعالى من غير دليل .
فعلى الآباء والأمهات أن يقوا أنفسهم أولاً نار الله تعالى ، وأن يتقوا الله تعالى فيما جعله الله تعالى أمانة في أعناقهم ، وليحذروا من تمكين الفساد في بيوتهم ، سماعاً ، ومشاهدة ، وقد يسَّر الله تعالى بدائل كثيرة مباحة في تلك القنوات التي تبث الخير ، وتنشر الفضيلة ، وتقوي الإيمان ، وتزرع الحياء ، وتغرس العفاف ، مع ما فيها من برامج ترفيهية للأطفال مباحة ، وأخرى تثقيفية للكبار ، وهي إن لم تكن موجودة ليس لهم حجة في تمكين تلك القنوات الفاسدة في بيوتهم ، فكيف وقد وجدت ؟! .
والله الموفق
الوقفة كاملة
|
| ١٤٧٠ |

اختر المقالات مكتبة الفتاوى المكتبة الصوتية المكتبة المرئية المكتبة النصية الكل
جديد الموقع
الأحكام الشرعية للرؤى وضوابط تعبيرها – خطبة الجمعة 18-8-1444هـ
القنوات الفضائية وأثرها على المسلمين (1)
الأثنين 9 شوال 1441ﻫ 1-6-2020م
شارك على :
782 مشاهدة
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، قيوم السماوات والأراضين، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وناصر المستضعفين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله قدوة الخلق في كل خُلقٍ كريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد :
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أنكم ملاقوه، فمن أطاعه فاز بالحسنى، ومن عصاه باء بالخسران المبين. [وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ](البقرة).
عباد الله: إن من المؤسف المحزن أن يعيش المسلمون الآن في وسط دوامة أمواج عاتية من مفسدات الدين والأخلاق، وما ذاك إلا بسبب تسلط أهل الباطل على أهل الإسلام، وبسبب ضعف الإيمان في قلوب المسلمين، وبسبب انفتاح الدنيا على الناس، وإدخال أسباب الشر في البيوت وسائر أماكن حياة الناس.
وإن مما يعيشه المسلمون في هذه الأيام حرباً ضروساً لا تقوم على القتال بالطائرات، أو القاذفات، أو الصواريخ، أو البنادق، أو سائر مقومات القتال، إنما تقوم على حرب شعواء تنال العقيدة، والأخلاق، وسائر المعاملات، وهذا لم يتأتَّى إلا لما فرَّط المسلمون في دينهم، وفتحوا أبواب الشر على مصراعيها يستقبلونها عن طريق أجهزة صُنعت خصيصاً من أجل أن تصل لكل بيت، وإن أعداء الملة والدين نجحوا نجاحاً كبيراً في إيصال ما يريدون للمسلمين عبر القنوات الفضائية التي يربو عددها على الآلاف، وعبر شبكات الإنترنت وغيرها من الوسائل الهدامة التي تنشر الشر وتعين أهله، وتحارب الخير وأهله
لذا وجب علينا جميعاً الوقوف أمام هذا المد الجارف الذي لا يترك صغيراً ولا كبيراً إلا أثَّر عليه وجرفه حيث يشاء، وأينما يريد.
عباد الله: إن القنوات الفضائية، والتي استعملت استعمالاً يغلب عليه
المخالفة لدين الله تعالى تعظم المشكلة أمامها حينما نقف أمام هذا الكمٍّ الهائل من البرامج والأخبار والقيم والأخلاقيات والسلوكيات التي تُعرض على المسلمين كموج عات كاد أن يقتلع قارب النجاة لولا بقية مما نستمسك به من ثوابتِ الدين، وتوجيهِ العلماء العاملين الصادقين.
فالقنوات الفضائية التي تُقدّم من خلالها البرامجُ المتعددةُ؛ العلميةُ والعمليةُ، الجديةُ والهزليةُ، التربويةُ والتعليميةُ، السياسيةُ والاقتصاديةُ وصل الحال بها أن تبث من خلالها ما تريد من خلال بث مباشر على الهواء، فاطلع عليها غالب المسلمين، ووصل أثرِها إلى العقول والأفكار، وتمكنت من الدخولِ إلى المساكن والبيوتِ، تحمل نتنها وسمومها، وتبث مجونها، وتنشر رذائلها وحقاراتِها وفجورهِا في مشاهدِ زورٍ، ومدارسِ خنا وفجور، تطبع في نفوس النساء والشباب محبةِ العشقِ والفسادِ والخمورِ، بل إنها بمثابة الشَّرَك وحبائل الصيد تقتنص القلوب الضعيفة وتصطاد النفوس الغافلة، فتفسد عقائدها، وتحرف أخلاقها وتوقعها في الافتتان والانحراف عن دين الله.
ولا أشد من الفتنة التي تغزو الناس في عقر دورهم ووسط بيوتهم محمومة مسمومة محملة بالشر والفساد. فتأثر بذلك هذا النشء الطاهر وتلطخ بسوء نتنها الكبير والصغير، بل وأصبحت هذه القنوات الفضائية هي المعلمة والموجهة والغارسة لكثير من القيم النشاز المخالفة لصحيح القيم الفاضلة بل وأصبحت هي المصدر الرئيسي للمعرفة والتلقي في ظل غياب الدور المؤثر لجهات الإصلاح في مواجهة مثل هذه القنوات ذات المنهج التراكمي في التغيير والممنهج على نزع الفضائل وتسطيح المجتمع وهتك سواتر الأدب في حياة الشعوب المسلمة.
عباد الله: هذا الهدر الأخلاقي من سيتصدى له؟ وكيف لأصوات المصلحين أن تقف في وجه هذا السواد القاتم والكالح الذي يضج فيه عالمنا.. فتراكمت الأخطاء وأصبح لها المنافحون عنها؟!
هل هذا هو الزمان الذي يحق للمرء فيه أن يغلقَ عليه بيتَه ويغلقَ عنه منافذَ
العالم كله ليأمن على نفسه من الفتنة والأذى..؟ كما قال صلى الله عليه وسلم (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)(رواه البخاري).
عباد الله: إن هذا الخطر المحدق بالجميع قد بدا أثره بين الناس في مجتمعنا المحافظ، حتى رأينا بأعيننا ما يعانيه شبابنا وبناتنا من الاقتداء بأهل الغرب والشرق في كل صغيرة وكبيرة، وأصبحت القنوات الإباحية وقنوات السحر والشعوذة، وقنوات التنصير، وقنوات القمار، وقنوات المجون والشذوذ، وقنوات اللهو والعبث، وغيرها كثير تؤثر سلباً على الجميع حتى تأثر بها بعض الصالحين. نعم حتى بعض الصالحين، وكيف لا وهي أشد على القلوب من ضرب بالسيوف، لأن هذه المؤثرات تخاطب النفس البشرية بكل ما تهواه وتريده، فترغب لها الشر والفساد، وتعلقها بشهوات الدنيا الفانية.
ولقد وقفت على وقائع أشخاص تحولوا من الصلاح إلى الفساد وهجروا ما حفظوا من القرآن وما كان معهم من العلم بسبب كثرة مشاهدتهم لتلك القنوات، ومعلوم أن كثرة الإمساس تقلل الإحساس.
إن خطر القنوات الفضائية من أشد أخطار هذا الزمان الذي نعيشه، فهي تبث سموماً في صورة حسنة حتى يستسيغها الناس ويقبلون عليها، ويتأثرون بها، وأنتم ترون حال كثير من المسلمين عندما يقفون مشدوهين بما يرونه من الإباحية والمحاربة لكل فضيلة حتى بزغ نفر من بني جلدتنا يفتخرون بهذه الخبائث ويشجعونها ويدَّعون أنها من سبل التحرر من الماضي.
نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الغي بعد الرشاد.
عباد الله: إن أعداء الله تعالى في كل حدب وصوب يوجهون كل ما يملكون من وسائل دعائية مصورة ومسموعة ومقروءة عن طريق صرف المليارات من الدولارات لجلب المسلمين إلى محبتهم وتعظيمهم والاقتداء بهم، [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ](الأنفال)، وهذا هو المشاهد الآن، وهذا هو المطابق لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم . قيل يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال فَمَنْ؟)(متفق عليه).
عباد الله: إن أثر القنوات الفضائية في الانفلات العقائدي والأخلاقي في غالب الأفلام والمسلسلات والبرامج المستوردة لم يعد يخفى على أحد، كما لم تعد
حُجَّة تجنب المشاهد الإباحية مقنعة لكل من بقيت لديه مُسكة من عقل، فالإباحية لا تُنقل اليوم بشكلها السافر، بل من خلال أفلام وحلقات كاملة تُبث على مدار الساعة ويدور محورها الرئيس حول العلاقات الجنسية التي تجري بكل سهولة خارج إطار الزواج، وهو ما يسمى عند المسلمين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من المشاهدين بالزنا، والذي يُعد من أكبر الكبائر في الإسلام كما لا يخفى على أحد.
هذا فضلا عن تشجيع الشباب والفتيات على التمرد وخرق الثوابت الإسلامية والأعراف الاجتماعية، والمشكلة أن ذلك لا يتم من خلال حوار حضاري يناقش مفاهيم الشباب وقناعاتهم، بل عبر السرد المستمر للقصص المثيرة للعواطف والغرائز تحت شعار الانفتاح تجاه الآخر والحرية الفردية!
بل ووصل الحال في بعض القنوات إلى خرق ثوابت الدين والأمن والوطن والوحدة في تشجيع سافر للإنفلات وتهجم على العلماء والحكام، وذلك كله عمل مأجور ويخدم جهات مشبوهة حاقدة على بلادنا، أقضت مضجعها ما ننعم به من أمن ورغد عيش وتلاحم بين القيادة والشعب.
عباد الله: إن الأثر الكبير والخطير لهذه البرامج التي يتم بثها على مدى أربع وعشرين ساعة لا يقتصر على بعض المشاهد غير المهذبة، بل في الثقافة التي يتشبع بها والتي تحمل في كل ثانية من ثواني البث رسائل مؤدلجة تترسخ في ذهن المشاهد العربي المسلم، والذي غالباً ما يكون في سن الشباب أو الطفولة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ](البقرة).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم فاستغفروا الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً، أمــــــا بــعــــد:
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن أعداء الملة يريدون لنا الهلاك والدمار، وما تلك المظاهر السيئة التي بدأت تظهر في أوساط المسلمين إلا بسبب ضعف الإيمان والتأثر بقنوات شياطين الإنس والجان. قال تعالى وتقدس[وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً](الكهف).
لذا فنحن نحتاج لوقفة قوية لكي نصلح ما أوقعنا أنفسنا فيه، ونخرج من دوامة التعاسة والشقاء إلى سعادة الدارين، وأنتم تعلمون ما كان عليه آباءنا وأجدادنا فقد كانوا يعيشون حياة إيمانية كريمة طيبة، يتقلبون فيها بين قيام الليل وصيام النهار، وتلاوة القرآن ونشر الخير بين الناس، أما الآن فالعكس هو الصحيح، لقد أصبح الناس يسهرون على المعاصي والمنكرات، وينامون غالب أوقات النهار معتمدين في ذلك على العمالة التي بين أيديهم في تيسير أعمالهم، وأيضاً استغناء البعض عن كتاب الله العظيم بتوافه الأمور عن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والتي يكون غالبها كذباً وبهتانا وزورا، وترويجاً للشر والسحر والمجون.
عباد الله: انظروا كيف كان سلفنا الصالح ــ رضوان الله عليهم ــ يغارون على أعراضهم، ويحرصون على بيوتهم، فهذا الصحابي الجليل سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه يقول:(لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرَّم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن)(متفق عليه)، فكيف لو رأى سعد بن عبادة وغيره من الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ أحوالنا في إدخال الرجل أبواب الشر على أهله، فيفسد عليهم دينهم وأخلاقهم وسلوكهم، ويجلس الرجل مع زوجته وأولاده ذكوراً وإناثاً يشاهدون ويسمعون المنكرات ولا يتأثر ولا يغار ـ فإنا لله وإنا إليه راجعون ـ.
عباد الله: يجب على الجميع التعاون على الخير ونشره، وصد الفساد والوقوف أمام أهله، والحرص على أهلينا وأولادنا من دخول النار والعياذ بالله، وهذه وصية الله لكم لكي تنتبهوا، قال تعالى[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ](التحريم).
عباد الله: ولنا وقفة أخرى في جمعة قادمة ـ إن شاء الله تعالى ـ حول آثار القنوات الفضائية على المجتمع المسلم عقائدياً، وأخلاقياً، وسلوكياً.. وكيفية الوقوف أمامها، وسبل العلاج منها.
أسأل الله تعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يجنبا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أدم علينا نعمة الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين. اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحب وترضى، ويسر لهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
الوقفة كاملة
|