برنامج لمسات بيانية
آية (3):
*(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ (3) المائدة) وفي آية أخرى (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ (173) البقرة) ما دلالة التقديم والتأخير لـ (به)؟
*د.فاضل السامرائى:
قال تعالى في البقرة (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ (173) وفي المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ (3). لو لاحظنا السياق في المائدة الكلام على التحليل والتحريم ومن بيده ذلك، رفض أي جهة تحلل وتحرم غير الله قال تعالى (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) المائدة) ليس لكم أن تُحِلّوا والذي يُحِلّ هو الله تعالى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ (2) المائدة) الذي يُحِلّ هو ربنا سبحانه وتعالى، (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ (4) المائدة) إذن هو سبحانه يجعل التحليل والتحريم بيده حصراً السياق ليس هنالك أي جهة تقوم بذلك ولذلك قدم (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ (3) المائدة) أُهِلّ يعني رُفِع الصوت بذبحه، أُهِلّ يعني هذا باسم الله والله أكبر، هذا لفلان، هذا لفلان. إذن هنا قدم (لغير الله) لأن ربنا هو الجهة الأولى والأخيرة التي بيدها التحليل والتحريم. أما في البقرة المقام هو فيما رزق الله تعالى عباده من الطيبات وليس فيها تحليل وتحريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً (168)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173)) (كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) هذا طعام، (كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً) هذا طعام، (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ) هذه الذبيحة، (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ) يعني ما رُفِع الصوت بذبحه فقدم (به) لأن هذا طعام متناسب مع الطعام ومتناسب مع طيبات ما رزقهم. إذن في التحريم قال (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) قدّم (لغير الله) ولما كان السياق في الأطعمة قدّم الطعام ما أُهل به (ما أهل به) يعني الذبيحة، التقديم (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) في سورة المائدة الجهة هي التي تُحلل وتُحرم، وفي المائدة قال (وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ (4)) قدّم (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) لأنه لا يسمح أن يكون غير الله هو الذي يحلل ويحرم، هذا في آية المائدة لأن الكلام في التحليل والتحريم، هو سبحانه هو الذي يحلل ويحرم. هذا الكلام في البقرة في الطعام فقال (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ) (به) يعني البهيمة، بذبحه. لكن مسألة الذبح هنا أو هنا متعلقة بالله تعالى أو بغير الله سبحانه وتعالى لكن التقديم والتأخير هل هي في سياق التحليل والتحريم أو في سياق الطعام.
برنامج لمسات بيانية
* لماذا الإختلاف في التعبير في قصة ابراهيم في سورة الصافات (ماذا تعبدون) وفي سورة الشعراء (ما تعبدون)؟ (د.فاضل السامرائى)
في الأولى استعمال (ماذا) أقوى لأن ابراهيم لم يكن ينتظر جواباً من قومه فجاءت الآية بعدها (فما ظنكم برب العالمين)، أما في الشعراء فالسياق سياق حوار فجاء الرد (قالوا نعبد أصناماً). إذن (من ذا) و(ماذا) أقوى من (من) و(ما).
* قصة سيدنا إبراهيم في سورتي الأنبياء والصافات متشابهة من ناحية الاستهزاء والتقريع بالكفار واضح وهناك مواجهة وتكسير الأصنام لكن السؤال (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) الصافات) وفي الأنبياء (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) ما الفرق بين ما وماذا؟ وماذا قال تحديداً؟ (د.فاضل السامرائى)
كلاهما. (ماذا) عبارة عن (ما) مع (ذا) لكن كل واحدة قالها في موطن. (ماذا) هي (ما) مع (ذا)، (ماذا) قد تكون كلها إسم استفهام أو قد يكون (ما) بمعنى الذي و(ذا) إسم إشارة بمعنى ما الذي تعبدون؟ قد تكون (ما) إسم استفهام و(ماذا) إسم استفهام،
*أصلها (ماذا) يعني ما هذا؟
قد تأتي وليس دائماً بالضرورة، ماذا التواني؟ ما هذا التواني؟ ماذا القعود؟ ما هذا القعود؟. ماذا تعبدون؟ ما الذي تعبدون؟ هي تأتي حسب السياق. (ماذا) كلها إسم استفهام واحد وقد تأتي بمعنى ما الذي. (ماذا) بناؤها أقوى في الإستفهام، أطول في البناء من (ما).
الآن تغير المبنى. إذن كيف استعملها؟
في (ماذا) فيها مبالغة في الاستفهام أقوى. قال في الشعراء (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71)) في الصافات قال (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)) في الشعراء هي محاجة وحِجاج بينهما (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) - (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71)) في باب سؤال وجواب، حِجاج، قال (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)) أجابوا (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74)) إذن هو الآن في مقام كلام وردّ. في الصافات ليس في هذا وإنما في باب الهجوم بقوة قال مباشرة (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)) ما أعطاهم فرصة للكلام. حتى النتيجة ما الذي حصل؟ في الشعراء قال (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٧﴾)، في الصافات تحطيم الأصنام وتحريقه بالنار (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91)) (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)) هذا فيه قوة متحمس للمسألة. إذن هما موقفان موقف حِجاج هذا أول مرة حجاج بينه وبين قومه وذاك موقف آخر عندما برم بقومه وضاق بهم قال كلاماً شديداً عليهم. إذن هو قال الاثنين لأنهما موقفان مختلفان مرة قال (ما تعبدون) ومرة (ماذا تعبدون) وكل واحدة وضعها في سياقها من حيث القوة ومن حيث المبالغة.
برنامج لمسات بيانية
آية (63-64) :
* القرآن ربما يستخدم ألفاظاً ربما تكون متقاربة في الدلالة مثل جاء وأتى ويجمع بينهما في آية واحدة في سورة الحجر (قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64)) جئناك وأتيناك، ما اللمسة البيانية في النقلة بين جئناك وآتيناك؟(د.فاضل السامرائي)
ذكرنا مرة في الفرق بين جاء وأتى كلام في المفردات، قسم من أهل اللغة وعلوم القرآن أن المجيء فيه مشقة والإيتاء فيه سهولة ويسر. الآن نأتي إلى السؤال (قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) الحجر) قسم من المفسرين والنحاة ذهب أن هذا من باب التوكيد اللفظي بما يرادفه بالمعنى مثل (وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) فاطر) غرابيب هي السود، غربيب يعني أسود، غرابيب سود يعني سود سود، غرابيب سود وسود هو تأكيد. (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) نوح) السبل هي الفجاج. لكن يبقى فيها نظر ويبقى الأصل الاختيار لماذا هنا قال جئناك ولو كان التأكيد بالمرادف يبقى لماذا اختار هنا جئناك وهنا آتيناك؟ كما ذكرنا عدة مرات أتيناك أيسر وجاءك أصعب. كيف وضعها بموجب هذه القاعدة؟
(قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) الحجر) جئناك يعني بالعذاب الذي كانوا يشكون به (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) العنكبوت). إذن (جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ) جاؤوا بالعذاب فلما كان العذاب شديداً قال (جئناك) فيه قوة. (وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ (65) الحجر) هذا نجاة، النزول استعمل جئناك وفي النجاة استعمل آتيناك (فأسر بأهلك). هذه القاعدة البيانية، يستعمل جاء وأتى بتعبير جميل دقيق جداً.