آية (١٠٢) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
* في تذييل الآية الكريمة نجد أنفسنا أمام نهي عن فعل: لا تمت! وهو ليس لك فيه اختيار، لكن إذا قيل لك: لا تمت إلا وأنت مسلم، فهي في قدرة الإنسان وباستطاعته، لأن الإسلام يكون باختياره. صحيح أنك لا تعرف متى يقع عليك الموت لكنك تحتاط بأن تظل مسلما حتى يصادفك الموت في أي لحظة وأنت مسلم.
آية (١٠٣) : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
* صوّر اجتماعهم على دين الله كاستمساك جماعة بحبل أُلقي إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط ليرتقوا به إلى القمم. فما أعظم هذه الاستعارة التمثيلية البليغة التي جُعلت الآية فيه على أقوى وجه لتمام البلاغة لكثرة ما فيها من المعاني.
* جاء بالحال المؤكِّدة (جَمِيعًا) للتشديد على الالتزام بهذا الأمر، فأكد على الجمع الكامل وعلى سبيل العموم والاستغراق كأنه فرض عين على الجميع فلا يُعفى أحد من المسؤولية أن لا نتفرق وأن نعتصم بحبل الله، فالفرد قد يهدم أمّة كما أنه قد يبني أمة.
* الفرق بين تَفَرَّقُوا و تَتَفَرَّقُوا: الحذف في عموم القرآن يكون للدلالة على أن الحدث أقلّ أو في مقام الإيجاز:
- هنا في الآية نلاحظ أن الكلام عن أمة واحدة للمسلمين والحذف له سببان هنا الأول لأن الأمة المحمدية أصغر، ونهانا عن التفرّق مهما كان قليلاً فقال تفرقوا، أما في قوله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... (١٣) الشورى) فالكلام لكل البشر وذكر كل الأنبياء من زمن نوح إلى قيام الساعة فقال تتفرقوا.
- كذلك فالحدث محدد في الأولى قال (تَفَرَّقُوا) والحدث ممتد في الثانية فقال (تَتَفَرَّقُوا).
- الآية الثانية أشد تحذيراً للأمة الإسلامية فلم يكتف بـ(شَرَعَ لَكُمْ) بل زاد (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) شرعه لنا في الوصية العامة لنوح وخصّ بالذي أوحينا إليك ثم خصّ الأمة الإسلامية في الآية الأولى.
* (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) تدبر هذا التمثيل الرائع لهذه النعمة التي حظيت بها الأمة. ألا ترى كيف استطاع هذا القول أن يقرِّب لك المعقول باستعارة المحسوس إليه. فالنار حقيقة وتصويرها بحفرة تمثيل وتصوير لكنك ما كنت لتتخيل شناعة هذا الموقف وحال إنقاذك منها دون هذه الصورة الرائعة فما أكمل بيان الله عز وجل!
آية (١١٠) : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
* جاء لفظ (كُنْتُمْ) بصيغة الماضي أي هذا وجودكم هذه كينونتكم، (كان) لا تشير الى الماضي دائماً ولكن بحسب موقعها قد تشير الى معنى الاستمرار (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) يعني هذا شأنه سبحانه وتعالى أنه غفورً رحيم.
* الأمّة في اللغة لها أكثر من معنى:
- من معانيها الجماعة من الناس الذي هم على فكر أو على إعتقاد واحد، فالآية لا تعني العِرق العربي وإنما أمة الإسلام فبدخولكم هذا الدين ومن دخل معكم تكونون أمة.
- ومن معانيها الرجل المتفرد في علمه، في خلقه، لما يكون منفرداً في شيء يقولون فلان أمة يعني كأن الأمة اجتمعت فيه بكل عقولها بكل أذهانها.
- من معاني الأمة الرجل المُتّبَع. وكِلا المعنيين الأخيرين يصلح على إبراهيم الرجل الذي لا نظير له والإمام المتّبع (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا).
* (أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) مبني للمجهول ما قال خرجت لأن الله سبحانه وتعالى أخرج هذه الأمة الإسلامية إخراجاً على نمط معيّن كما يريد ولم تخرج من تلقاء نفسها وليست برسالة كما تخرج الحشائش ولكنها أُخرجت وفق منهج معين معدّ واختيار دقيق.
* المعروف هو ما تعارف عليه الناس واتفقوا عليه بشرط أن لا يصطدم بشرع أي لا يحلّ حراماً أو يحرّم حلالاً، أما المنكر فهو ما استنكره الناس كالكذب والغش والغدر والاعتداء على الآخرين والخوض في الأعراض والخيانة وغيرها.
* دلالة تقديم وتأخير (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) في آيات سورة آل عمران:
- قدّم ما هو الأهم في هذا المقام للتنويه بفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأخر الكلام عن الإيمان دليلاً على أن إيمانهم ثابت محقق من قبل وتأخير ما هو أقوى في الرتبة لا يضعف من أهميته وإنما يزيد من أهمية ما سبقه.
- الخطاب في هذه الآية ١١٠ هو للمسلمين ونحن آخر الأمم من حيث الترتيب الزمني فجاء الإيمان بالله آخراً لأن هناك من سبقونا بالايمان من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أما في الآية (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)) فالخطاب لأهل الكتاب الذين أسلموا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي زمن أنبيائهم موسى وعيسى عليهما السلام لذا جاء قوله تعالى يؤمنون بالله أولاً في الترتيب ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* فى سورة الحديد قال تعالى (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) وفي آل عمران استخدم إسم التفضيل (وَأَكْثَرُهُمُ) :
كثير على وزن فعيل وهي صفة مشبهة، أكثر إسم تفضيل يعبّر بـه إذا كان السياق في تعداد أسوأ الصفات والإطالة في ذكرها. فى سورة الحديد قال سبحانه (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا .. وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)) فالكلام عن أهل الكتاب قليل ومابعده ليس له علاقة بهم.
أما في آل عمران فالآيات من (٦٥- ٧٨) ومن (٩٨- ١١٥) آيات كثيرة أفاض فيها في ذكر أهل الكتاب فقال (أكثر).
* عبّر تعالى بكلمة (الْفَاسِقُونَ) وليس الكافرون مع أن مؤمن عكسها كافر، وفاسق عكس طائع وهو الخارج من منهج الله تعالى وهو أسوأ أنواع الكفار (.. فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ .. (٥٠) الكهف)، والآية تتحدث عن أهل الكتاب الذين كفروا وهم يعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق من قبل أن يُبعث ويعرفون صفاته في كتبهم التي حرّفوها وكفروا به بعد البعثة، فكان من الأنسب استخدام لفظ الفاسقين بدل الكافرين.
آية (١١١) : (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ)
* الفرق بين الضرر والأذى:
- الأذى هو الحدث الذي يؤلم ساعة وقوعه ثم ينتهي، أما الضرر فهو أذى يؤلم وقت وقوعه، وتكون له آثار من بعد ذلك، فعندما يصفع الإنسان إنسانا آخر فالصفعة البسيطة تؤلم لكن ألمها يذهب مباشرة، لكن إذا كانت قوية وتسببت في كدمات وتورم فهذا هو الضرر.
- قد يكون الأذى بالكلمة كاستهزاء الفاسق بالمؤمن، هذه الكلمة ليس لها ضرر في ذات المؤمن ولكنها تؤذي سمعه.
الحق سبحانه يطمئن المؤمنين على أن أهل الكفر لن يضروا المؤمنين إلا الأذى بالاستهزاء أو الغمز واللمز ، وهذا أقصى ما في استطاعتهم، وليس لهذا الأذى أثر.
* استخدام الفعل المضارع في الآية (يُقَاتِلُوكُمْ ) (يُوَلُّوكُمُ) تفيد الاستمرار لأن القتال ضد الدين مستمر.
* (يُقَاتِلُوكُمْ) فعل شرط مجزوم بحذف النون و (يُوَلُّوكُمُ) أصلها يولونكم وهي جواب شرط مجزوم أيضاً، وعندما يأتي العطف بعد ذلك، فالعادة أن يكون العطف بالجزم!! لكن الحق يعطف بالرفع فيأتي قوله: (ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ). إنها كسرة إِعْرَابِيّة تجعل الذهن العربي يلتفت إلى أن هناك أمرا جللًا، لأن المتكلم هو الله سبحانه. كيف جاءت " النون "؟
هنا نقف وقفة فَلننطق الآية ككلام البشر: إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصروا. وهذا القول يكون تأريخا لمعركة واحدة، لكن عندما يقاتل المؤمنون أهل الكفر والفسق من بعد ذلك ما الذي سوف يحدث ؟ الإجابة هي: (ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) إن هذا القول الحكيم قضية ثابتة منفصلة، حكم من الله على أهل الفسق بأنهم لا يُنصرون أبدًا سواء أقاتلوا أم لم يقاتلوا، وليست معطوفة على الشرط، فعلة عدم النصر ليست القتال، ولكنها الكفر.
* قد يظن إنسان أن القول كان يفترض أن يتأتى على نحو مغاير هو (يولوكم الأدبار فلا ينصرون) لأن الذي يأتي بعد الـفاء يعطي أنهم لا ينتصرون عليكم في بداية عهدكم، وهذا ما تفيده الفاء لأنها للترتيب والتعقيب المباشر بدون تراخ. لكن الحق أورد حرف ثم وهو يفيد التراخي، وهذا يعني أنهم لا ينتصرون عليكم أيها المؤمنون حتى لو استعدوا بعد فترة لمعركة يَرُدُّن بها على توليهم الأدبار. إنه حكم تأبيدي مستمر من الحق بأن أهل الفسق لن ينتصروا على أهل الإيمان، ولم بعد انتهاء المعركة القائمة الآن بينهم، إنها هزيمة بحكم نهائي.
* (ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) أشد وقعا مما لو جاء (لاَ ينتصرون) لأن من الممكن ألاّ ينتصر أهل الكفر بذواتهم، ولكن الإيضاح يؤكد أنهم لا ينتصرون لا بذواتهم، ولا يُنصرون بغيرهم أيضًا.
آية (١١٢) : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ)
* (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ .. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) لم يقل ربنا سبحانه أصابتهم فقد شبّه الله تعالى الذلة والمسكنة بالقبة التي أحاطت أهلها من كل جانب وأظلتهم فلازموها ولم يغادروها فكانت بيتهم الذي لا يحولون عنه .
* في سورة البقرة (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ..(٦١)) في آن واحد، بينما في آل عمران هناك تفريق في الزمن ضربت الذلة أولاً ثم بعد فترة طويلة ضربت المسكنة :
في سورة البقرة: ما من قوم آذوا نبيهم كما آذى بنو إسرائيل أنبياءهم بدءًا من موسى عليه السلام؛ فلما أنزل الله عليهم المن والسلوى قالوا نريد حشائش الأرض، ولما اتخذوا العجل إلهاً قال لهم الله تعالى اقتلوا أنفسكم ومع هذا لا يتوبون لشدة عنادهم، حينئذ انتقم الله منهم فقال (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) في آن واحد الذلة الهزائم في الحرب فما دخلوا حرباً مع العماليق إلا هزموا وسرق منهم التابوت، أما المسكنة بين الناس فاليهودي دائماً يبدي نفسه أمام الآخرين أنه مسكين ومظلوم إلى يوم القيامة.
في آل عمران هذا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) أولاً فقد انهزموا في كل الحروب التي خاضها اليهود ضد المسلمين خيبر وبني قريظة وبني المصطلق وبني قينقاع، فأذلهم الله عز وجل لشدة مكرهم وتآمرهم ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وعدهم أنهم سوف يصابون بالمسكنة في المستقبل وما إن انتهى العهد الراشدي إلى يومنا هذا وهم في العالم كله يشعرون بالمسكنة إضافة إلى الذلة.
* الفرق من الناحية البيانية بين قوله (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) وقوله (وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) :
في سورة البقرة (..وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (٦١)) وفي آل عمران (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ.. (٢١)) و(..وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (١١٢)) .
النبيين والأنبياء :
من حيث اللغة الأنبياء أكثر من النبيين من حيث العدد، الأنبياء جمع تكسير من جموع الكثرة، والنبيين جمع مذكر سالم وهو من جموع القلة، عندما يذكر معاصي بني إسرائيل يذكر الأنبياء .
(بغير حق) و(بغير الحق) :
استعمال كلمة (الْحَقِّ) معرّفة تعني أي بغير الحق الذي يدعو إلى القتل فهناك أمور يستحق بها القتل، أما استعمال (بغير حق) نكرة فهي تعني لا حق أصلاً يدعو إلى القتل ولا إلى غيره، فإذا أراد تعالى أن يبيّن لنا العدوان يذكر (بغير حق)، فعندما يقول يقتلون الأنبياء بغير حق هذا أعظم وأكبر جرماً من يقتلون النبيين بغير الحق لأن الأنبياء أعم وأشمل والنبيين أقل وحق نكرة أي من دون أي داعي، هذا من حيث اللغة .
لما ننظر في السياق لاحقاً نلاحظ مقام الذم والكلام على بني إسرائيل في قوله يقتلون الأنبياء بغير حق أكثر وأعظم من يقتلون النبيين بغير الحق في سياق تكريمهم في سورة البقرة .
آية (١١٧) : (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
* كلمة ريح في القرآن الكريم تستعمل للشّر، أما كلمة الرياح فهي تستعمل للخير كالرياح المبشّرات.
* قوله (ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ) ليس جزءاً من الصورة فلو لم يكن من الكلام لكان المعنى تاماً لا لبس فيه لكنه صار إدماجاً في التمثيل ليُكسبه تفظيعاً وتشويهاً ولينفي ما يمكن أن يتحصل للسامع من الشفقة والرحمة على حال أصحاب الحرث الهالك.