آية (٤٠) :
* إن زكريا - وهو الطالب - يصيبه التعجب من الاستجابة فيتساءل (أَنَّىا يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) :
إن بلوغ الكبر ليس دليلا على أنه عاجز عن الإنجاب إن لم يكن عاقرا، ولكن المرأة هي العنصر المهم، فإن كانت عاقرا، فذلك قمة العجز في الأسباب، ولو أن زكريا قال فقط (وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) لكان أمرا غير مستحب بالنسبة لزوجته أن ينسب لنفسه الصلاحية ولها العيب، ولكنه أدب النبوة.
* الفرق بين (وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) و (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) :
سيدنا زكريا دعا ربه (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) فجاءته البشارة (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴿٣٩﴾) ، فقال (وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) ساعة ما بشر بيحيى قال كيف وأنا امرأتي عاقر، متى تحققت البشارة؟ صار الحمل بعد زمن، وعندما حملت قال (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) ، فهما وقتان مختلفان.
آية (٤١) :
* الحكمة في طلب زكريا عليه السلام أن يجعل الله تعالى له آية :
- قد يكون لاطمئنان القلب كما قال سيدنا إبراهيم (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي).
- لكي يتلقى النعمة بالشكر قبل حصول الآية ما أراد أن ينتظر إلى حين مجيء الغلام وإنما أراد أن يسبق هذا بالشكر.
- استعجال السرور أيضاً يريد أن يرى التأييد مباشرة حتى تدخل السرور على قلبه.
آية (٤٢) : (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ)
* فائدة التكرار (اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ) :
- هما اصطفاءان:
الاصطفاء الأول اصطفاك يعنى اختارك ولطف بك وخصّك بالكرامات بوجود الرزق عندك وميّزك وطهرك من الأدناس والأقذار وما إلى ذلك بالإيمان عن الكفر.
الاصطفاء الثانى هو هبة عيسى من غير أبّ جعلهما آية للعالمين، وتكلمه فى المهد قطع الألسنة وألزمهم بالحجة.
- والتوكيد محتمل أيضاً وهو موجود فى اللغة مثل (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ).
* إن الله تعالى قد مهّد لمريم تمهيداً مناسباً للحدث الذي سيأتي بعد ذلك وقدم لها إيناسات (إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (وَاصْطَفَاكِ عَلَىا نِسَآءِ الْعَالَمِينَ) فهو حدث يتعلق بعرضها وعفافها، حتى تتأكد أن هذه المسألة ليس فيها ما يخدش الكرامة.
* (عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ) هذا خروج للرجال عن دائرة هذا الاصطفاء، فهي الوحيدة التي ستلد دون ذكر، وهذه مسألة لن يشاركها فيها أحد.
آية (٤٣) : (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)
* دلالة ترتيب القنوت والسجود والركوع :
الآية متدرجة من الكثرة إلى القلة، اقنتي عموم العبادة في الأصل، واسجدي أقل من القنوت، واركعي أقل لأن السجود أكثر من الركوع ولكل ركعة سجدتان وهناك سجود ليس في الصلاة كسجود السهو والتلاوة والشكر فالسجود أكثر.
* تدرج من الكثرة إلى القلة مع أنه في آية أخرى عكس (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) :
حسب السياق ففي الآية قال (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) والراكعين مذكّر وصلاة المرأة في المسجد مع الرجال لها فضل، ولكن صلاتها في بيتها أكثر وأفضل، فقدّم ما هو أفضل (وَاسْجُدِي).
* إن المخاطَب بهذا الأمر هو مريم ولكن لم تخاطبها الملائكة بقولهم: واركعي مع الراكعات وفي ذلك إشارة واضحة إلى فضل السيدة مريم بالإذن لها بالصلاة مع الجماعة وهذه خصوصية لها من بين نساء بني إسرائيل إظهاراً لمعنى ارتفاعها عن النساء.
آية (٤٥) : (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)
* عيسى في القرآن الكريم كله نجد أنه يُذكر على إحدى هذه الصيغ:
لقبه: المسيح ويدخل فيها المسيح عيسى ابن مريم و المسيح ابن مريم، وحيث ورد المسيح في كل السور لم يكن في سياق ذكر الرسالة وإيتاء البيّنات أبدأً ولم ترد في التكليف وإنما تأتي في مقام الثناء أو تصحيح العقيدة. فاللقب في العربية يأتي للمدح أو الذم والمسيح معناها المبارك.
كُنيته: ابن مريم ، ولم تأتي مطلقاً بالتكليف.
إسمه: عيسى ، وعيسى ابن مريم، وفي كل أشكالها هي لفظ عام يأتي للتكليف والنداء والثناء ولا نجد في القرآن كله آتيناه البينات إلا مع لفظ (عيسى) (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) والتكليف جاء فقط باسمه وليس لقبه ولا كُنيته.
آية (٤٧) : (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
*الفرق بين استخدام الفعل يفعل ويخلق:
قال تعالى في الآية (٤٠) (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)) وفي الآية (٤٧) (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أن يفعل أيسر من أن يخلق، والإيجاد من أبوين أسهل من الإيجاد من أم بلا أبّ، فجعل تعالى (يَفْعَلُ) مع الأمر الأيسر وهو الإيجاد من أبوين، وجعل (يَخْلُقُ) مع الأصعب وهو الإيجاد من أم بلا أبّ.
آية (٤٩) : (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
* الخلق يأتي بمعنيين في القرآن الكريم:
- أولهما الخلق بمعنى التصرف والإيجاد المطلق وهذا لله تعالى فقط والايجاد من عدم هو فعل الله تعالى فقط كما خلق تعالى آدم وخلق الماء والروح والتراب وكل الموجودات في الكون.
- وثانيهما الخلق بمعنى التصرف والإيجاد المقيّد بمعنى التصوير، وهذا للبشر لأنه يخلق من موجودات في الكون وخلق البشر هو عبارة عن تصوره لشيء ثم يخلق هذا الشيء من خامات موجودة فعلاً.
والفرق بين خلق الله تعالى المطلق وخلق البشر المقيّد هو:
أن الله تعالى يخلق من عدم أما البشر فيخلق من خامات موجودة في الكون.
أن خلق الله تعالى يتكاثر أما خلق الانسان فليس له قدرة على التكاثر بنفسه. الاستنساخ لا يعتبر خلقاً وإنما هي خلية تتكاثر والله تعالى هو الذي أعطى هذه الخلية القدرة على التكاثر وليس البشر.
خلق الله تعالى له القدرة على النمو وله عمر محدد وأجل مسمى أما خلق البشر فلا.
* خلق عيسى هيئة الطير ولم يخلق طيراً وهذه الهيئة صارت طيراً بإذن الله في المرحلة الثانية (فيكون طيراً بإذن الله) سميّ طيراً لما نفخت فيه الروح بإذن الله تعالى.
* عيسى ما أحيا الموتى من عند نفسه لكن هذه معجزة من الله تعالى، فالله سبحانه لا يجعل العصي أفاعي لكنه جعلها أفعى معجزة لموسى ولذلك قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام (بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (بِإِذْنِ اللّهِ) ما قال من عندي وهي علامة على صدق نبوته، فالله سبحانه وتعالى يعطّل قوانينه لأجل الأنبياء؛ فالنار تحرق هذا قانون لكن عطّل القانون لإبراهيم.
* الفرق بين قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) وقوله (بِإِذْنِي) في سورة المائدة :
- في سورة آل عمران الكلام (حكاية حال ماضية) كان على لسان سيدنا عيسى عليه السلام (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) ما هذه الآية (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ..) يتكلم عن نفسه فقال (فأنفخ).
فى آية سورة المائدة الكلام من الله سبحانه وتعالى إلى عيسى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ .. وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي..(١١٠)) الكلام من الله عز وجل فقال (تخلق) (فَتَنْفُخُ فِيهَا).
- إذا فهم أحدهم من آية آل عمران (بإذن الله) أن عيسى هو الله كما يقولون افتراء فليعد إلى سورة المائدة التي فيها الكلام موجه من الله تعالى إلى عيسى (بإذني) لأن الله تعالى يعلم أن هناك من سيدّعي ألوهية عيسى فقطع عليهم تعالى خط من زعم الألوهية حتى يفهم الناس أن الذي يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى هو الله تعالى وليس عيسى فالقرآن يدعم بعضه بعضاً.
* تكررت (وَإِذْ) في آية المائدة ولم تذكر في آل عمران لأنه في المائدة تعداد لنِعم الله سبحانه وتعالى على عيسى عليه السلام، أما في آل عمران كان نوع من بيان حال عيسى وهو يتكلم وليس تعداداً للنعم.
*(وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ) خصّ الله تعالى معجزة عيسى عليه السلام بشفاء هذه الأمراض لأنك لو عدت إلى التوراة لوجدت اهتماماً بالغاً في أحكام الأبرص الذي أطال في بيانها بعدما وصفه الوحي لموسى عليه السلام وكيف يمكن علاجه فجاءت هذه المعجزة فائدة لهم في دينهم ودنياهم ودليلاً آخر على فقه عيسى عليه السلام بالتوراة وأحكامها.
* أربعة مدلولات لفظية تنزّه الله تعالى وتثبت صفاته وتنفي ألوهية عيسى عليه السلام كما يدّعيها البعض :
اولاً: قوله (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) كونه رسول يقتضي مرسِلاً أي لا بد أن يكون هناك من أرسله وهو الله تعالى، وكل المعجزات التي تؤيد صدق الرسالة لا بد أن تكون ممن أرسله وليس من نفسه.
ثانياً: قوله تعالى (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) الآية هي المعجزة والعلامة والبرهان فالذي جاء به عيسى هو آية من الله تعالى لذا قال (مِّن رَّبِّكُمْ) واختيار لفظ من ربكم ليستثير الإيمان فيهم ونوازع اليقين.
ثالثاً: قوله (بِإِذْنِ اللَّهِ ) نقلت الفعل من دائرة الامكان بالنسبة لعيسى إلى دائرة القدرة والاستطاعة لله تعالى.
رابعاً: تكرار قوله (بِإِذْنِ اللَّهِ) تنسب الفعل إلى الله تعالى وأن المعجزات كانت من قبله تعالى وليس من قِبل عيسى.