عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ﴿٣﴾    [آل عمران   آية:٣]
آية (٣) : (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) * يلاحظ أنه عندما يبدأ بالكتاب يتردد في السورة ذكر الكتاب أكثر مما يتردد ذكر القرآن، والعكس صحيح، وإذا اجتمع القرآن والكتاب فيكونان يترددا في السورة بشكل متساو تقريباً ، هنا بدأ السورة بالكتاب (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) وورد الكتاب ٣٣ مرة في السورة ولم ترد كلمة القرآن ولا مرة في السورة كلها. * (بَيْنَ يَدَيْهِ) فيه استعارة لفظية تعظيماً لقدر القرآن فكأنه جعل القرآن أمام الكتب السابقة جميعها وجعلها في شرفه وضيافته ألا تجد نفسك تقول إذا أردت تعظيم شخص ما "جلس الناس بين يدي فلان"؟ * عبّر السياق القرآني عن نزول الكتب السماوية بالفعلين: (نزّل) لما ذكر القرآن و(أنزل) لما ذكر التوراة والانجيل، عندما استخدم الله تعالى فعل (نزّل) بالتضعيف هذا يشعر بالقوة والشدة زيادة عن الفعل أنزل وهذه الشدة تؤذن بقوة نزول القرآن في كيفيته وكمّيته وذلك تعظيماً لقدر القرآن وشأنه.
  • ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ﴿٤﴾    [آل عمران   آية:٤]
آية (٤) : (مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) * ختام الآية (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) أي لا يُغلب على أمره، وانتقامه لن يستطيع أحد أن يرده، ومادام القرآن فرقاناً فلابد أن يفرق بين حق وباطل، والحق له جنوده المؤمنون، والباطل له جنوده الكافرون الذين تكلم عنهم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) والعذاب إيلام ويختلف قُوّة وضعفا، فإذا كان العذاب صادراً من قوة القوي وهو الله، فلابد أنه لا يطاق..
  • ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴿٥﴾    [آل عمران   آية:٥]
آية (٥) : (إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) * تقديم الأرض لأنه في الآية السابقة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ) هؤلاء يسكنون في الأرض، وفي الآية التالية (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء) يتكلم عن الناس فقدم الأرض.
  • ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٧﴾    [آل عمران   آية:٧]
آية (٧) : (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) * قال الحق (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) ولم يقل: هن أمهات الكتاب فليس كل واحدة منهن أُمّا للكتاب ، ولكن مجموعها هو الأم، كما قال الحق (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً (٥٠)المؤمنون)، لم يقل آيتان؛ لأن عيسى عليه السلام لم يوجد كآية إلا بميلاده من أمه دون أب ، وأم عيسى لم تكن آية إلا بميلاده ، إذن فهما معاً يكونان الآية، وكذلك (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ). * أمّ الشيء أصله لأن الأم هي الوالدة وهي أصل المولود ولكن لم يقل ربنا تعالى هُنّ أصل الكتاب أو أساسه، ففي هذا التعبير القرآني (هنّ أم الكتاب) تصوير عميق لآيات القرآن وهو أسمى معنى فقد جعلها الله تعالى كلاماً لا يمكن فصله فلا يمكنك أن نتصور آيات الله جميعها بمعزل عن الآيات المحكمات كما لا يمكن لذي عقل أن يتصور مولوداً دون والدة. * ما الفرق بين الاجتهاد والتأويل والتفسير؟ الاجتهاد هو بذل الجهد والوسع في الوصول إلى الحكم الصحيح عن طريق القياس بردّه إلى الكتاب والسُنّة في أمر مشابه للمسألة ولا يرده إلى رأيه مباشرة، فمثلاً يقيس حكم المخدرات على حكم الخمر. التأويل هو نقل ظاهر اللفظ إلى دلالة أخرى لسبب من الأسباب. سورة النصر مثلاً تأويلها عند ابن عباس أنها نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمر غير مصرّح به في الآية وإنما ينقله إلى معنى آخر لسبب من الأسباب فلا بد أن تكون لها قرينة تفهم منها ولا يمكن لأي كان أن يأوّل كيف يشاء، فهذا له ضوابط يعرفها أهل العلم. التفسير كشف المراد عن اللفظ والمفردات، كآية غير واضحة تشرحها وتفسرها. * (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ولم يقل العلماء فالرسوخ هو الثبات والتمكن في المكان، تقول رسخت القدم أي لا تزلّ وجبلٌ راسخ أي لا يتزحزح والراسخ في العلم هو الذي تمكن من علم كتاب الله وقامت عنده الأدلة بحيث لا تزحزحه الشُبَه.
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴿١٠﴾    [آل عمران   آية:١٠]
آية (١٠) : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) * أتى بالضمير (هُمْ) بين المبتدأ والخبر للتأكيد وقصر العذاب عليهم. * (وَقُودُ النَّارِ) شمل شدة العذاب مع شدة الإهانة للكافرين فقد صوّرهم في صورة الحطب والخشب الذي تُسعّر به النار ليسلبهم كل خصائص الإنسان ومميزاته.
  • ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١١﴾    [آل عمران   آية:١١]
آية (١١) : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) * خصص ذكر فرعون هنا دون غيره من أمثال عاد وثمود لكي يناسب ثقافة المخاطَب هنا وهم اليهود والنصارى لأنهم أعلم وألصق بأخبار فرعون كما أن العرب أعلم وألصق بأخبار عاد وثمود. * لم يقل فأخذناهم بذنوبهم: في جميع القرآن ليس هنالك موطن مطلقاً يذكر ربنا نفسه بضمير الجمع إلا ويكون قبله أو بعده ضمير يدل على الإفراد، (بِآيَاتِنَا) جمع، (فَأَخَذَهُمُ) أظهر الإفراد هنا للدلالة على الوحدانية. * الفرق بين الآية (١١) من آل عمران والآية (٥٢) من سورة الأنفال: - في آل عمران قال تعالى (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وفي الأنفال (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)) أكّد بـ (إنّ) وأضاف كلمة (قوي) لأن الكفر أعمّ وأشدّ من التكذيب فالتكذيب حالة من حالات الكفر فأكّد قوته وشدّد عقابه ولو قال شديد العقاب في الآية الثانية لا تدل على أنه قوي فقد يكون شديد العقاب ولكن غير قوي. - ذكر في آل عمران حالة جزئية (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا (١٠)) ذكر أمرين الأموال والأولاد، ولكن عدم الإغناء ليس بهذا فقط، هناك الأتباع (فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ (٢١) إبراهيم) ، الآلهة (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ (١٠١) هود) ، السلطان (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ (٢٩) الحاقة) ، الشفعاء (لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا (٢٦) النجم). إذن ذكر حالة جزئية فلما ذكر حالة جزئية ذكر حالة جزئية من الكفر وهي التكذيب، أما في الأنفال فذكر حالة عامة (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)) فجاء بالكفر وهو الأعمّ.
  • ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴿١٤﴾    [آل عمران   آية:١٤]
آية (١٤) : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) * (زُيِّنَ لِلنَّاسِ) ربنا في القرآن لا يسند العيب لنفسه أبداً وإنما ينسب له سبحانه الخير وإن كان الكل من عنده عزّ وجلّ. * نلحظ أن هذه الآية التي تعدّد أنواع الزينة جاءت بعد الآية التي تتحدث عن الجهاد في سبيل الله، ليرشدنا إلى أن المؤمن لا يصح أن يضحى بشهوته الحقيقية وهي إدراك الشهادة في سبيل الله أو النصر على العدو بسبب الشهوات الزائلة. * لم يقل زُيّن للرجال حب الشهوات من النساء فكلمة الناس تضم الجنسين الرجال والنساء، الناس جميعاً وليست خاصة بالرجال، ولكن النساء ألا يحبون القناطير المقنطرة؟! لما ذكر البنين دخلت النساء في الآية تلميحاً لمعاشرة الرجال وليس تصريحاً ما قال زين للنساء حب الشهوات من الرجال حتى لا يخدش حياءهن لأنه لا يحسن أن يذكر أن يحب النساء الرجال ، لأن الرجال يسعون في ذلك وينفقون في ذلك، فعمم لكن دخل حب النساء للرجال تلميحاً بذكر البنين. * تقديم الأولاد على الأموال يكون في مواطن الحُبّ، وفي حبّ الشهوات يقدّم النساء على باقي الشهوات، أما فى مواطن الإلهاء كقوله (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (٩)المنافقون) قدّم الأموال للتحذير لأن الإلتهاء بالمال يكون أكثر. * القناطير المقنطرة تدل على المال المضاعف والكثرة وتضفي تصويراً لشره ونهم الإنسان للمال الذي لا يكتفي بالدراهم التي تسد حاجته بل يسعى إلى تكديس المال إرواءً لحبه له ولو كان ربنا يريد مجرد الميل إلى المال لعبّر باللفظ الصريح. * (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فبعد الإطناب السابق في ذكر الشهوات الدنيوية وأمور البذخ والنعيم تأتي كلمة المتاع المؤذنة بالقِلّة وهو ما يُستمتع به مدة ثم يزول ليبين قيمة الحياة الدنيا الحقيقية لينتزع تعلق القلوب بها.
  • ﴿الم ﴿١﴾    [البقرة   آية:١]
  • ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾    [البقرة   آية:٢]
*ما الفرق بين دلالة كلمة الكتاب والقرآن؟ وما دلالة إستخدام ذلك الكتاب في الآية (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) ولم تأت هذا الكتاب أو هذا القرآن أو ذلك القرآن؟ كلمة قرآن هي في الأصل في اللغة مصدر الفعل قرأ مثل غفران وعدوان. (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ {18} القيامة) ثم استعملت علماً للكتاب الذي أُنزل على الرسول  (القرآن). أما الكتاب فهي من الكتابة وأحياناً يسمى كتاباً لأن الكتاب متعلق بالخط، وأحياناً يطلق عليه الكتاب وإن لم يُخطّ (أنزل الكتاب) لم يُنزّل مكتوباً وإنما أُنزل مقروءاً ولكنه كان مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل أن ينزّل على رسول الله . هذا من ناحية اللغة أما من ناحية الإستعمال فيلاحظ أنه يستعمل عندما يبدأ بالكتاب يكون يتردد في السورة ذكر الكتاب أكثر بكثير مما يتردد ذكر القرآن أو قد لا تذكر كلمة القرآن مطلقاً في السورة. أما عندما يبدأ بالقرآن يتردد في السورة ذكر كلمة القرآن أكثر من الكتاب أو قد لا يرد ذكر الكتاب مطلقاً في السورة وإذا اجتمع القرآن والكتاب فيكونان يترددا في السورة بشكل متساو تقريباً ونأخذ بعض الأمثلة: في سورة البقرة بدأ بالكتاب (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2}) وذكر الكتاب في السورة 47 مرة والقرآن مرة واحدة في آية الصيام (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ). في سورة آل عمران بدأ السورة بالكتاب (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ {3}) وورد الكتاب 33 مرة في السورة ولم ترد كلمة القرآن ولا مرة في السورة كلها. في سورة طه:بدأ السورة بالقرآن(مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى{2}) وورد القرآن فيها 3مرات والكتاب مرة واحدة. في سورة ق بدأ بالقرآن (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ {1}) وورد 3 مرات في السورة بينما ورد الكتاب مرة واحدة. في سورة ص تساوى ذكر القرآن والكتاب. في سورة الحجر بدأ (الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ {1}) ورد ذكر القرآن 3 مرات والكتاب مرتين. في سورة النمل بدأ (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ {1}) ورد ذكر القرآن 3 مرات والكتاب أربع مرات.
  • ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿١٥﴾    [آل عمران   آية:١٥]
آية (١٥) : (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) * حين تسمع كلمة (أَؤُنَبِّئُكُمْ) فما نسمعه بعدها هو خبر هائل لا يقال إلا في الأحداث العظام، فلا يقول أحد لآخر: سأنبئك بأنك ستأكل كذا في الغداء، ولكن يقال: أنا أنبئك بأنك نلت جائزة كبرى. * جاءت الآية بعد ذكر ما زيّن للناس من الدنيا ويقارن بينها وبين الآخرة ونلاحظ أن الحق سبحانه ذكر هنا أمرين: الأمر الأول: الجنات في الآخرة جاهزة لا تتطلب من المؤمن حركة أو تعباً (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) ونقارن بينها وبين الحرث في الدنيا (وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). والأمر الآخر: هو الأزواج المطهرة من كل عيب يعيب نساء الدنيا، ونقارن بينها وبين النساء في الدنيا (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ). أليس هذا تصعيداً للخير؟
  • ﴿الم ﴿١﴾    [البقرة   آية:١]
  • ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾    [البقرة   آية:٢]
الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم يمكن أن يقال هو الكتاب ويمكن أن يقال هو القرآن ويمكن أن يقال هو الفرقان ويمكن أن يقال هو الذِكر لكن أسماء الإشارة عندما تُستعمل تستعمل لغايتها فإسم الإشارة في الأصل هو (ذا) لوحدها لكن يدخله الهاء للتنبيه كأنما يقدم عليه شيئاً ينبّه فقال (هذا). وأحياناً تدخل عليه الكاف التي تشير إلى البُعد فيقول (ذاك) وقد تدخل عليه اللام التي تشير إلى البُعد المُفرِط (ذلك) للبعيد جداً علماؤنا يقولون هذا نوع من تشريف للكتاب بأنه لم يُشر إليه بإشارة القريب وإنما أراد أن يعظّمه. وقسم قال إذا أشار إلى الكتاب الذي في اللوح المحفوظ قال (ذلك) معناه الكتاب الذي في اللوح المحفوظ والذي لا يمسه إلا المطهّرون من الملائكة. فقد أشار إليه بهذا لأنه لما أراد ما بين أيدي الناس فيشير إليه إشارة القريب كقوله تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) هو بين أيديهم. القرآن والكتاب واحد وهو الآيات التي أنزلها الله عز وجل على محمد  لكن لما يقول الكتاب كأنه إشارة إلى هذا المدوّن وهو نفسه المقروء. هو كان مسطّراً في اللوح المحفوظ ثم نزل مقروءاً ثم قرأه الرسول  ثم سُطِّر. هذه في مسألة (ذلك الكتاب) لأن الإشارة إلى الكتاب الذي في اللوح المحفوظ ويراد إدراك الرسم، الكتابة فجاءت كلمة (الكتاب) وكان يمكن في غير القرآن أن يقال (ذلك القرآن) لكن لأن الكلام جاء على أنه في تكوينه ليس فيه شك، في ماهيّته هو خالٍ من الشك الذاتي يعني هو غير قابل لأن يُشكّ فيه بذاته قال (لا ريب فيه) انصرف الذهن إلى الكتاب الذي في اللوح المحفوظ (ذلك الكتاب لا ريب فيه). والريب أدنى درجات الشك والشك أقوى من الريب والريب كأنه أول درجات الشك. هذا الكتاب بذاته يخلو من أي ذرة من ذرات الشك فإذن هو يخلو من الريب.
إظهار النتائج من 3091 إلى 3100 من إجمالي 12325 نتيجة.