آية (100) :
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)) العرض يكون لما فيه رغبة وتفضيل. فأنت تعرض على الإنسان أمراً يستهويه فتقول عرضت عليه مالاً أو هدية. ولكنك لا تقول عرضت عليه طرداً أو عذاباً. ولكن البيان الإلهي جعل جهنم تُعرض على الكافرين وقد سيقوا إليها. وهذا العرض لجهنم فيه ما فيه من التهكم والاستخفاف بالكافرين. فما إن يطرق السمع كلمة (وَعَرَضْنَا) حتى تتشوق النفس لمعرفة المعروض. فيأتي قوله تعالى (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ) وفي هذا كبت وازدراء وتحقير لمن تعرض عليه جهنم بلظاها.
آية (101) :
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي (101)) هل كانت الأعين في غطاء حقيقي ففقدت بريق بصرها؟ هذا وصف لما يلزم من تصرفاتهم فقد كانوا ينظرون فلا يعتبرون. وتعرض عليهم الآيات الكونية فلا يؤمنون. فأصبحوا أشبه بمن كانت عيناه في غطاء وحجاب.
آية (103):
* ما اللمسة البيانية في إختيار كلمة الأخسرين في قوله تعالى في سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103})؟ وما الفرق بين الخاسرون والأخسرون؟(د.فاضل السامرائى)
ورد في القرآن الكريم استخدام كلمتي الخاسرون كما جاء في سورة النحل والأخسرون كما جاء في سورة هود والنمل وآية سورة الكهف. وفي اللغة الأخسر هو أكثر خسراناً من الخاسر.
فى آية سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً {104}). نلاحظ استخدام كلمة (ضلّ) مع كلمة (سعيهم) ولم يقل ضل عملهم لأن السعي هو العدو أو المشي الشديد دون العدو، وقال في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يُحسن صنعا ولم يقل يعمل صالحاً، والإحسان هو الإتقان في العمل وليس العمل العادي. في اللغة لدينا: فعل وعمل وصنع. أما الفعل فقد تقال للجماد (نقول هذا فعل الرياح) وقد يكون للعاقل وغيره والعمل ليس بالضرورة صنعاً فقد يعمل الإنسان بدون صنع وأغلب ما يكون للعاقل وقلّما يُستعمل للحيوان، أما الصنع فهو أدقّ وهو من الصَّنعة وهو دقة العمل واتقان العمل كما في قوله تعالى (صُنع الله الذي أتقن كل شيء) والصنع لا تستعمل إلا للعاقل الذي يقصد العمل باتقان وإحسان.
إذن آية سورة الكهف جاء فيها سعي وإحسان وصُنع ومُضِلّ فكيف لا يكون الأخسر؟ لذا استوجب أن يؤتى بكلمة الأخسرين أعمالاً ومن الملاحظ أنه في القرآن كله لم يُنسب جهة الخُسران للعمل إلا في هذه الآية. ففي القرآن يستعمل كلمة الأخسرين ولم ترد الأخسرين أعمالاً إلا في هذه الآية لأنها الآية الوحيدة التي وقعت في سياق الأعمال من أولها إلى آخرها (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات).
والأخسرين إسم تفضيل أي أنه هناك اشتراك في الخُسران، يوجد خاسرون كُثُر سواء الكفرة والفَسَقة والظّلَمة بعضهم خاسر وبعضهم أخسر من بعض أي التفضيل فيما بين الخاسرين أنفسهم.
*ما الفرق بين النبأ والخبر؟(د.فاضل السامرائى)
النبأ أهم من الخبر وأعظم منه وفيه فائدة مهمة (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) النمل) وفي القرآن النبأ أهم من الخبر (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) ص). والنبأ في اللغة هو الظهور وقد استعمل القرآن الكريم كلمة خبر مفردة في موطنين في قصة موسى (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) القصص) (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) النمل) وهناك فرق بين الخبر والنبأ العظيم. وفي أخبار الماضين والرسل استعمل القرآن نبأ (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) .
الصيغة الفعلية للنبأ (أنبأ) أقوى أيضاً منها للخبر (أخبر) (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الكهف).
ونرى في سورة الزلزلة قوله تعالى (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4)) استعمال أخبارها مناسب للسورة لأنه تعالى ذكر الزلزلة في السورة ويوم القيامة سيكون هناك أحداثاً أعظم من الزلزلة فالزلزلة تحدث كل يوم ونشاهدها أمامنا.
ملحوظة: في نشرات الأخبار التي تقدمها الإذاعات إن كان الخبر عظيماً يجب أن يقال نشرة الأنباء وإن كان خبراً عادياً يقال نشرة الأخبار.
*من هم الأخسرين أعمالاً في سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103))؟(د.حسام النعيمى)
الآية ينبغي أن ينظر إليها في سياقها وإلا لو اقتطعنا الآية من سياقها يبقى في الذهن معنى مختلف .
ننظر في تمام الآيات من هم الأخسرين أعمالاً؟ الذي يظنون أنهم يحسنون صنعاً ويعتقدون أنهم على صواب. ونكمل الآيات (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)) هل المسلم كفر بآيات ربه ولقائه؟ لا يقف عندها ويقول إني أحسب أني أحسن صنعاً أخشى أن هذا القول يشملني، كلا القول لا يشمل المسلم (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ) قال أولئك أي أبعدهم (الذين كفروا بآيات ربهم) كفروا بلقاء الله (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)) المسلم لا يهزأ بآيات الله ولا برسل الله عز وجل. فإذن يجب أن ينظر في سياق الآيات حتى يكون مطمئناً إلى مكانه فالمسلم عزيز عند الله سبحانه وتعالى، الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويعمل بمقتضاهما يكون مطمئن القلب إلى رحمة الله سبحانه وتعالى.
القراءة في المغرب وهم يحسِبون (حسب يحسِب) يظن أو يعدّ كلاهما من الحساب أو الحسبان. يقال حسَب التوقيت وحسْب التوقيت كلاهما وارد والفتح أولى (حسَب التوقيت) والسكون وارد وهو لغة.
*انظر آية (78).↑↑↑
*(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) الكهف) لقد سمعت أن الأخسرين أعمالاً تشمل المصلين ولكن الذين لا يزكون أو المصلين والمزكين لكن الذين لا يقدمون صدقات فأرجو أن نعرف ماذا تشمل هذه الآية الكريمة؟ (د.فاضل السامرائى)
لو استمرت الأخت السائلة بالقراءة (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)) هذه الآية تبين من هؤلاء؟ إذن هم كفار كفروا بآيات ربهم ولقائه وليسوا من المسلمين.
آية (104) :
* ما الفرق بين يفعلون ويعملون؟ هل هي بمعنى واحد أو هناك اختلاف؟(د. فاضل السامرائي)
أثير هذا السؤال أكثر من مرة. الفعل عام سواء كان بإجادة أو بغير إجادة، بعلم أو غير علم، بقصد أو بغير قصد من الإنسان أو الحيوان أو الجماد أو أي شيء آخر، هذا الفعل عام. العمل في الغالب يكون من الحيوان ويكون بقصد، الفعل لا، قد يكون فعل الرياح، فعل الماء، المجنون يفعل ما يشاء الفعل عام والعمل أخص والصنع أخص منهما لأن فيه إجادة وصناعة (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (88) النمل)، يصنع الفلك يعني يحسنها حتى لا يدخل الماء فيها (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ (38) هود) (أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) الكهف) (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) طه) (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) طه) ولذلك في اللغة الرجل الحاذق يقولون عنه الصَنَع، رجلٌ صَنَع يعني الحاذق المجيد والمرأة صناع.
آية (105) :
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)) لم قال ربنا (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) ولم يقل "فخسروا أعمالهم"؟ لو عدنا إلى المعنى الأعجمي لكلمة (فَحَبِطَتْ) لرأينا أن الحبوط هو انتفاخ بطن الدابة حين تأكل نوعاً سامّاً من الكلأ ثم تلقى حتفها. وهذا اللفظ (فَحَبِطَتْ) أنسب شيء لوصف الأعمال. فإنها تنتفخ وأصحابها يظنونها صالحة ناجحة رابحة ثم تنتهي إلى البوار.
آية (110):
*ما دلالة كلمة (ليعمل) في قوله تعالى في سورة الكهف (من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) وهل هي جواب الشرط؟ (د.فاضل السامرائى)
قال تعالى في سورة الكهف (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً {110}). كلمة (ليعمل) في آية سورة الكهف هي جواب الشرط.
*د.حسام النعيمى:
يجب ألا يضيق صدر الداعية المسلم مما يجابهه،. والمسلم مكلف. كلنا نقول نحن من أتباع محمد والرسول بشر فإذن دعوة الناس لطاعة الله سبحانه وتعالى واجب من واجباتنا. (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110).
* ما الفرق بين (عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) و (عَمِلَ صَالِحًا)؟ (د.فاضل السامرائى)
لما يكون السياق في العمل يقول عملاً صالحاً كما في آخر سورة الكهف أيضاً (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110)) لأنه تكلم عن الأشخاص الذين يعملون أعمالاً سيئة ويكون السياق في الأعمال (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)) والسورة أصلاً بدأت بالعمل (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)).في عموم القرآن إذا كان السياق في العمل يقول (عملاً صالحاً). أما فى قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) البقرة) ليست في سياق الأعمال.
*في سورة الكهف (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)) ما دلالة الباء؟ (د.فاضل السامرائى)
(في) معناها اشتراك في أمر في مسألة من المسائل، في بيع في تجارة (وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ (111) الإسراء) يشتركون في أمر من الأمور (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ (40) فاطر) يعني يشتركون فيها. الباء يعني يجعل له شريكاً نحن نشترك في عبادة الله لكن لا نشرك بالله لا نجعل له شريكاً (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) أي أشرك به جعل له نداً أشرك معه شريكاً. لا يجوز أن نقول لا يشرك في عبادة ربه أحداً، كيف أشترك في عبادة ربنا؟ إذن نشرك على كل من يعبد الله سبحانه وتعالى أما العبادة فتحددها بأن ننزل شخصاً آخر منزلة الله نجعل له شريكاًً والعياذ بالله. رغب فيه رغب عنه، رغب فيه بمعنى أحبه ورغب عنه بمعنى كره. (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) طه) إجعله شريكاً لي في هذا الأمر. هناك فرق بين الأمرين.
****تناسب فواتح سورة الكهف مع خواتيمها ****
أولها (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)) إذن هو ذكر أمرين الإنذار والتبشير، نلاحظ آخر السورة ذكر الأمرين الإنذار والتبشير (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)) هذا إنذار،( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)) هذا تبشير، إذن في أول السورة وآخرها إنذار وتنشير. لو وضعت هذه الآيات بعد الآيات الأولى لكان هنالك تناسب فيما بينها. يا أيها الناس الذي لا يؤمن جزاؤه جهنم وذكر صفات جهنم والذين يؤمنون لهم الجنة وذكر صفات أهل الجنة (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) لأن الإنسان بطبيعته يملّ من المشهد إذا تكرر ومن المقام إذا طال يريد غيره يعني الإنسان إذا رأى مكاناً جميلاً ويروقه مدة ثم يملّ ويذهب إلى مكان آخر ليبدله وهنا قال (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) كأن الإنذار بجنهم وما فيها والتبشير بالجنة وما فيها لا يملون منها مطلقاً ولا يريدون التحول عنها (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) معناه إما لأن المشاهد متغيرة والأشياء تتجدد أو النفوس تتغير أو كلاهما (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)، لينذر بأساً شديداً بالنار ويبشر المؤمنون بالجنة التي لا يبغون عنها حولا.
*****تناسب خواتيم الكهف مع فواتح مريم*****
في خواتيم الكهف قال (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)) وما فعله مع زكريا عندما طلب زكريا من ربه أن يهب له غلاماً (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)) أليس هذا من كلمات ربي؟ الكلمات يعني القدرة. كلمات ربي يعني قدرته لا تنتهي. الكلمات يعني علمه وقدرته سبحانه. ما فعله مع مريم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)) وهو سمى عيسى كلمة فقال (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (45) آل عمران) (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) آل عمران) هذه من كلمات الله. قال في بداية مريم (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)) وسورة الكهف كلها في الرحمات رحم المساكين أصحاب السفينة بأن أنجاهم ورحم الأبوين المؤمنين بإبدال خير من ابنهما ورحم الغلامين بحفظ الكنز ورحم القوم الضعفاء من يأجوج ومأجوج ورحم الفتية أصحاب الكهف عندما حفظهم، سورة الكهف كلها رحمات فهذه في رحمة عباد الله وسورة مريم بدايتها في رحمة عبد من عباد الله (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)).
تم بحمد الله وفضله جمع وترتيب هذه اللمسات البيانية في سورة الكهف للدكتور فاضل صالح السامرائي والدكتور حسام النعيمى زادهما الله علما ونفع بهما الاسلام والمسلمين وجزاهما عنا خير الجزاء وإضافة بعض اللمسات للدكتور أحمد الكبيسى والدكتور عمر عبد الكافى وقام بنشرها موقع إسلاميات جزاهم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء .. فما كان من فضلٍ فمن الله وما كان من خطأٍ أوسهوٍ فمن نفسى ومن الشيطان.
أسأل الله تعالى ان يتقبل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفعنا بهذا العلم فى الدنيا والآخرة ويلهمنا تدبر آيات كتابه العزيز على النحو الذى يرضيه وأسألكم دعوة صالحة بظهر الغيب عسى الله أن يرزقنا حسن الخاتمة ويرزقنا صحبة نبيه الكريم فى الفردوس الأعلى وأن يغفر لنا وللمسلمين جميعاً يوم يقوم الأشهاد ولله الحمد والمنة.
*ما دلالة الحروف المقطعة في أوائل بعض السور في القرآن الكريم؟
القدماء انتبهوا أن السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة بُنيت على ذلك الحرف فمثلاً سورة ق تتكرر فيها الكلمات التي فيها حرف القاف مثل (قول، رقيب، القرآن، تنقص، ألقينا، باسقات، الخلق) وكذلك سورة ص تكثر فيها الكلمات التي فيها حرف الصاد مثل (مناص، اصبروا، أصحاب، صيحة، فصل، الخصم) حتى أنهم جعلوا إحصائية في (ألر) وقالوا أنها تكررت فيها الكلمات التي فيها (ألر) 220 كلمة هذا قول القدامى. العلماء جمعوا الأحرف المقطعة وقالوا عندما نجمعها نجد أنها (14) حرفاً تمثّل نصف حروف المعجم وجاءت في 29 سورة وهي عدد حروف المعجم نصف الأحرف المجهورة ونصف الأحرف الشديدة ونصف المطبقة ونصف المنقوطة ونصف الخالية من النقط ونصف المستقرة ونصف المنفتحة ونصف المهموسة ونصف المستعلية و نصف المقلقلة و نصف الرخوة وهكذا لكن هم خاضوا في هذا للنظر فيه. هذه الأحرف المفرّغة من المعنى رُكبت تركيباً خاصاً فصارت آيات مبينة موضحة وهي موضع الإعجاز وموضع التحدي للعرب الفصحاء. هم يقيناً أدركوا هذا المعنى وإلا لكانوا سألوا عنه.
وقسم قال أنها تشتمل على أنصاف الأحرف مثلاً كل سورة بدأت بـ (ألم) تذكر بدء الخلق (حرف الألف) ووسط الخلق (حرف اللام) ونهاية الخلق (حرف الميم). وقسم قالوا أن كل السور التي تبدأ بحرف (ط) تبدأ بقصة موسى أولاً. وهناك من جعل منها معادلة رياضية فقال أن كل سورة فيها (ألم) نسبة الحروف ألف إلى لام تساوي نسبة الحروف لام إلى ميم.
وقسم يجمع الحروف في جمل وقسم أجروها على الطوائف فجعلوا من الأحرف الأربعة عشر جملاً متعددة وقسم جعلها رموزاً لأمور ستقع مثلما قالوا في (حم عسق) في تفسير ابن كثير اشارة الى امور في احد من آل بيت الرسول وقسم كانوا يجمعون على حساب الجمل فيجعلون الألف واحد.
ألم هي حروف متقطعة وليست كلمات وإن كان قسم من القدامى حاولوا أن يجمعوا هذه الأحرف ويستخرجوا منها جملاً ولاحظت أن كل طائفة تضع جملة تنصر بها طائفتها وقسم يقول لو جمعت الأحرف تحصل على جملة "نص حكيم قاطع له سر". سألتمونيها، اليوم تنساه، وقسم يقول يا أوس هل نمت؟ الوسمي هتّان (أي المطر ينزل)، هويت السُمان، تُجمع منها عبارات، يجمعون من الأحرف بصور مختلفة كل واحدة لها معنى.
سؤال: هل كانت العرب تتكلم في لغتها العربية بالأحرف المقطعة؟ كلا ويقولون هذا لشد انتباههم لأنه غير مألوف في كلامهم، هم يسمون الأحرف.
القول الفصل فيها أنها حروف لها سر من قبل الله تعالى لا نعلمه وقسم قالوا هي من المتشابه الذي لا نعلمه. قد يكون هذا الرأي ولكن هذه الملاحظات جديرة بالانتباه أيضاً.
أيضاً انتبه القدامى أن هذه التي تبدأ بهذه الأحرف يكون التعبير فيها طابع هذه الأحرف يعني التي تبدأ بالصاد تكثر فيها الكلمات الصادية يعني هي تعطيك بداية فنية لما يكثر من الأحرف في هذه السورة. مثل سورة ق ترددت فيها الكلمات التي فيها قاف (ق والقرآن المجيد، إذ يتلقى المتلقيان، قعيد، سائق، تشقق)، في ص ذكر الخصومات، الخصم، يختصمون، مناص، صيحة، اصبروا، صيحة، إصبر، الكلمات فيها صاد. ثم استدلوا إلى الإحصاء قالوا ضربوا مثالاً في سورة يونس تبدأ بـ ألر وفي هذه السورة تكررت الكلمات التي فيها راء كثيراً وأقرب السور إليها سورة النمل والنحل وهي أطول منها لكنها لم تتردد الراء فيها كما في يونس ففيها (فيها 220 راء) هكذا أحصوا. ثم الملاحظة أن كل السور التي تبدأ بالطاء (طه، طس، طسم) كلها تبدأ بقصة موسى أولاً، كلها بلا استثناء. يبدو كما يقولون أن اللمسة البيانية إذا كان أنه هذه تشير إلى أن الحروف المذكورة أولاً تطبع طابع السورة فيكون من باب السمة التعبيرية. قد تكون سمة تعبيرية. ليس هذا فقط ولكن قبل سنوات أخرج دكتور مهندس أخرج كتاباً عن المناهج الرياضية في التعبير القرآني عملها على الكمبيوتر وهو يقول أنه لاحظ أن الأحرف المذكورة في بداية السور تتناسب في السور تناسباً طبيعياً فالتي تبدأ بـ (ألم) يكون الألف أكثر تكراراً في السورة ثم اللام ثم الميم وليس هذا فقط وإنما نسبة الألف إلى اللام مثل نسبة اللام إلى الميم، هذه معادلة رياضية حتى أنني ناقشته وسألته هل راجعت الصحف وطبقتها عليه فقال نعم طبقتها على الصحف لكنه وجد القرآن متفرداً بها.
والذي عليه الكثيرين أن هذه من دلائل الإعجاز بمعنى أن هذا القرآن المبين الواضح مكوّن من هذه الأصوات غير المبينة في ذاتها. وأن القرآن جاء بكلام معجز من جنس كلامهم فاتوا بمثله إن استطعتم. والسلف كانوا يوكلون معاني هذه الأحرف لله تعالى
*لماذا لم يلتزم نفس الأحرف المقطعة في كل السور؟وهل هناك مناسبة بين تلك الأحرف والآية التي تليها؟
إلى الآن بقدر بحثنا لا توجد مناسبة ظاهرة لكن هناك مناسبة اختيار ما بعدها بالنظر إليها سأذكرها: هذه المناسبة وجدت أنها من الجانب الصوتي تنطبق على جميع ما ورد ذكره من كلمة كتاب وكلمة قرآن. أنه حيثما اختار كلمة الكتاب تكون الأحرف المقطعة كذا بمقاطعها الصوتية
الأحرف المقطعة جاءت في 29 موضعاً في القرآن الكريم والذي توصلنا إليه ما يأتي:
القاعدة: أنه إذا كانت الحروف المقطعة أكثر من مقطعين فعند ذلك يأتي معها الكتاب لأن الكتابة ثقيلة. وإذا كانت الحروف المقطعة من مقطعين يأتي معها القرآن بإستثناء إذا كان المقطع الثاني مقطعاً ثقيلاً. مثلاً (حم) الحاء مقطع والميم مقطع ثقيل لأنه مديد (ميم، حركة طويلة، ميم: قاعدتان وقمة طويلة) وهو من مقاطع الوقف. فالميم ثقيل لأنه يبدأ بصوت وينتهي بالصوت نفسه وبينهما هذه الحركة الطويلة والعرب تستثقل ذلك ولذلك جعلوه في الوقف.
(الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) أكثر من مقطعين، جاء بعدها كلمة الكتاب.
أما في سورة (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) طه)، (ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1))، (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) ما قال الكتاب
رسم هذه الحروف رسم توقيفي أي على ما رسمه صحابة رسول الله لأنه لم يكن يعرف الرسم.
هذه الأحرف جميعاً حيثما وردت تشير إلى أصوات متناسقة ليس بينها تنافر، غير متنافرة يعني كأن القرآن يقول لهم هذه الأصوات هكذا ينبغي أن لا يكون فيها نوع من التنافر. (ألم) الألف من أقصى الحلق من الوترين، اللام مخرجها الذي هو فويق مفارز الثنايا والرباعية والناب والضاحك اللام مخرجه منتشر ويميل، والميم بانضمام الضفتين. (كهيعص) في لفظ واحد ولذلك لما جاء عندنا في موضع حرفان من مخرج واحد مع ما فيهما من اختلاف جعل كل واحد في آية فقال (حم) آية،و (عسق) آية. لأن الحاء والعين من مخرج واحد لا يكونان في لفظ واحد مع أن بين الحاء والعين فروقاً. من الصفات في مسألة الشدة والرخاوة: الحاء رخوة معناه يجري به الصوت والعين متوسط. نحن عندنا الصفات من حيث الشدة والرخاوة: أصوات شديدة وأصوات رخوة وأصوات متوسطة كأنها تبدأ شديدة وتنتهي رخوة أو ظاهرها الشدة لكن يجري بها الصوت من غير مخرجها مثل الميم أوالنون. وشيء آخر الحاء مهموس والعين مجهور يعني مع وجود هذا الإختلاف جُعِل كل واحد في آية لا يكونا في بناء واحد. فإذن نوعية الصوت أيضاً منتقاة.
بعض الحروف المقطعة عُدّت آيات وبعضها ما عُدّ آية. (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) ألم آية،. أرقام الآيات توقيفي على ما فعله الصحابة. هم ما وضعوا أرقاماً وإنما وضعوا فجوات ثم بعد ذلك وضعت الأرقام.
بدأت سورة البقرة بقوله تعالى: { الم }.. وهذه الحروف حروف مقطعة ومعنى مقطعة أن كل حرف ينطق بمفرده. لأن الحروف لها أسماء ولها مسميات.. فالناس حين يتكلمون ينطقون بمسمى الحرف وليس باسمه.. فعندما تقول كتب تنطق بمسميات الحروف. فإذا أردت أن تنطق بأسمائها. تقول كاف وتاء وباء.. ولا يمكن أن ينطق بأسماء الحروف إلا من تعلم ودرس، أما ذلك الذي لم يتعلم فقد ينطق بمسميات الحروف ولكنه لا ينطق بأسمائها، ولعل هذه أول ما يلفتنا. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولذلك لم يكن يعرف شيئا عن أسماء الحروف. فإذا جاء ونطق بأسماء الحروف يكون هذا إعجازاً من الله سبحانه وتعالى.. بأن هذا القرآن موحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم.. ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم درس وتعلم لكان شيئا عاديا أن ينطق بأسماء الحروف. ولكن تعالَ إلى أي أمي لم يتعلم.. إنه يستطيع أن ينطق بمسميات الحروف.. يقول الكتاب وكوب وغير ذلك.. فإذا طلبت منه أن ينطق بأسماء الحروف فإنه لا يستطيع أن يقول لك. إن كلمة كتاب مكونة من الكاف والتاء والألف والباء.. وتكون هذه الحروف دالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه. وأن هذا القرآن موحى به من الله سبحانه وتعالى.
ونجد في فواتح السور التي تبدأ بأسماء الحروف. تنطق الحروف بأسمائها وتجد الكلمة نفسها في آية أخرى تنطق بمسمياتها. فألم في أول سورة البقرة نطقتها بأسماء الحروف ألف لام ميم. بينما تنطقها بمسميات الحروف في شرح السورة في قوله تعالى:{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }[الشرح: 1] وفي سورة الفيل في قوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ }[الفيل: 1] ما الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ينطق { الم } في سورة البقرة بأسماء الحروف.. وينطقها في سورتي الشرح والفيل بمسميات الحروف. لابد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سمعها من الله كما نقلها جبريل عليه السلام إليه هكذا. إذن فالقرآن أصله السماع لا يجوز أن تقرأه إلا بعد أن تسمعه. لتعرف أن هذه تُقرأ ألف لام ميم والثانية تقرأ ألم.. مع أن الكتابة واحدة في الاثنين.. ولذلك لابد أن تستمع إلى فقيه يقرأ القرآن قبل أن تتلوه.. والذي يتعب الناس أنهم لم يجلسوا إلى فقيه ولا استمعوا إلى قارئ.. ثم بعد ذلك يريدون أن يقرأوا القرآن كأي كتاب. نقول لا.. القرآن له تميز خاص.. إنه ليس كأي كتاب تقرؤه. لأنه مرة يأتي باسم الحرف. ومرة يأتي بمسميات الحرف. وأنت لا يمكن أن تعرف هذا إلا إذا استمعت لقارئ يقرأ القرآن.
والقرآن مبني على الوصل دائما وليس على الوقف، فإذا قرأت في آخر سورة يونس مثلا:{ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ }[109] لا تجد النون عليها سكون بل تجد عليها فتحة، موصولة بقول الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم. ولو كانت غير موصولة لوجدت عليها سكونا.
اذن فكل آيات القرآن الكريم مبنية على الوصل.. ما عدا فواتح السور المكونة من حروف فهي مبنية على الوقف.. فلا تقرأ في أول سورة البقرة: ( الم ) والميم عليها ضمة. بل تقرأ ألفا عليها سكون ولاما عليها سكون وميما عليها سكون. اذن كل حرف منفرد بوقف. مع أن الوقف لا يوجد في ختام السور ولا في القرآن الكريم كله.
وهناك سور في القرآن الكريم بدأت بحرف واحد مثل قوله تعالى:{ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ }[ص: 1]{ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ }[القلم: 1] ونلاحظ أن الحرف ليس آية مستقلة. بينما " ألم " في سورة البقرة آية مستقلة. و: " حم ". و: " عسق " آية مستقلة مع أنها كلها حروف مقطعة. وهناك سور تبدأ بآية من خمسة حروف مثل " كهيعص " في سورة مريم.. وهناك سور تبدأ بأربعة حروف. مثل " المص " في سورة " الأعراف ". وهناك سور تبدأ بأربعة حروف وهي ليست آية مستقلة مثل " ألمر " في سورة " الرعد " متصلة بما بعدها.. بينما تجد سورة تبدأ بحرفين هما آية مستقلة مثل: " يس " في سورة يس. و " حم " في سورة غافر وفصلت.. و: " طس " في سورة النمل. وكلها ليست موصلة بالآية التي بعدها.. وهذا يدلنا على أن الحروف في فواتح السور لا تسير على قاعدة محددة.
" ألم " مكونة من ثلاث حروف تجدها في ست سور مستقلة.. فهي آية في البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم والسجدة ولقمان. و " الر " ثلاثة حروف ولكنها ليست آية مستقلة. بل جزء من الآية في أربع سور هي: يونس ويوسف وهود وإبراهيم.. و: " المص " من أربعة حروف وهي آية مستقلة في سورة " الأعراف " و " المر " أربعة حروف، ولكنها ليست آية مستقلة في سورة الرعد إذن فالمسألة ليست قانونا يعمم، ولكنها خصوصية في كل حرف من الحروف.
وإذا سألت ما هو معنى هذه الحروف؟.. نقول إن السؤال في أصله خطأ.. لأن الحرف لا يسأل عن معناه في اللغة إلا إن كان حرف معنى.. والحروف نوعان: حرف مَبْنَى وحرف معنى. حرف المبنى لا معنى له إلا للدلالة على الصوت فقط.
أما حروف المعاني فهي مثل في.. ومن.. وعلى.. (في) تدل على الظرفية.. و(مِنْ) تدل على الابتداء و(إلى) تدل على الانتهاء.. و(على) تدل على الاستعلاء.. هذه كلها حروف معنى.
وإذا كانت الحروف في أوائل السور في القرآن الكريم قد خرجت عن قاعدة الوصل لأنها مبنية على السكون لابد أن يكون لذلك حكمة.. أولا لنعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حَسَنَةٌ والحَسَنَةُ بعَشْر أمْثَالها، لا أقولُ ألم حرف ولكن ألفٌ حرْفٌ ولاَمٌ حرف ومِيمٌ حرف "
ولذلك ذكرت في القرآن كحروف استقلالية لنعرف ونحن نتعبد بتلاوة القرآن الكريم أننا نأخذ حسنة على كل حرف. فإذا قرأنا بسم الله الرحمن الرحيم. يكون لنا بالباء حسنة وبالسين حسنة وبالميم حسنة فيكون لنا ثلاثة حسنات بكلمة واحدة من القرآن الكريم. والحسنة بعشر أمثالها. وحينما نقرأ " ألم " ونحن لا نفهم معناها نعرف أن ثواب القرآن على كل حرف نقرؤه سواء فهمناه أم لم نفهمه.. وقد يضع الله سبحانه وتعالى من أسراره في هذه الحروف التي لا نفهمها ثوابا وأجرا لا نعرفه.
ويريدنا بقراءتها أن نحصل على هذا الأجر..
والقرآن الكريم ليس إعجازا في البلاغة فقط. ولكنه يحوي إعجازا في كل ما يمكن للعقل البشري أن يحوم حوله. فكل مفكر متدبر في كلام الله يجد إعجازا في القرآن الكريم. فالذي درس البلاغة رأى الإعجاز البلاغي، والذي تعلم الطب وجد إعجازا طبيا في القرآن الكريم. وعالم النباتات رأى إعجازا في آيات القرآن الكريم، وكذلك عالم الفلك..
وإذا أراد انسان منا أن يعرف معنى هذه الحروف فلا نأخذها على قدر بشريتنا.. ولكن نأخذها على قدر مراد الله فيها.. وقدراتنا تتفاوت وأفهامنا قاصرة. فكل منا يملك مِفْتاحاً من مفاتيح الفهم كل على قدر علمه.. هذا مفتاح بسيط يفتح مرة واحدة وآخر يدور مرتين.. وآخر يدور ثلاث مرات وهكذا.. ولكن من عنده العلم يملك كل المفاتيح، أو يملك المفتاح الذي يفتح كل الأبواب..
ونحن لا يجب أن نجهد أذهاننا لفهم هذه الحروف. فحياة البشر تقتضي منا في بعض الأحيان أن نضع كلمات لا معنى لها بالنسبة لغيرنا.. وإذن كانت تمثل أشياء ضرورية بالنسبة لنا. تماما ككلمة السر التي تستخدمها الجيوش لا معنى لها إذا سمعتها. ولكن بالنسبة لمن وضعها يكون ثمنها الحياة أو الموت.. فخذ كلمات الله التي تفهمها بمعانيها.. وخذ الحروف التي لا تفهمها بمرادات الله فيها. فالله سبحانه وتعالى شاء أن يبقى معناها في الغيب عنده. والقرآن الكريم لا يؤخذ على نسق واحد حتى نتنبه ونحن نتلوه أو نكتبه.
من خواتيم سورة البقرة (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ.. (٢٨٤)) وفي بداية آل عمران (إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (٥)) كأنها جزء منها.
في آل عمران (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء (٦)) هذا في بداية الأمر والخِلقة يتصرف كيف يشاء، وقال في البقرة (فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)) ذكر ما يشاء في التصوير وذكر ما يشاء في الخاتمة بمشيئته سبحانه.
في نهاية البقرة ذكر من آمن بالله والملائكة والكتب والرسل (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ (٢٨٥)) وذكر في أول آل عمران الكتب (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٣)) والمنزَل عليهم هم الرسل إذن من آمن بهذه آمن بتلك.
قال في خاتمة البقرة (أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)) وفي بداية آل عمران (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (٤)) (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)) وكأنها استجابة لدعائهم، ثم ذكر في أوائل آل عمران نصر المسلمين في معركة بدر (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا (١٣)) فكأنها استجابة للدعاء الذي دعوا به ، قال للرسول صلى الله عليه وسلم قل لهم ستغلبون، إذن استجابة بالقول وبالفعل.
في آل عمران (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (٧)) إلى أن يقول (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ) أنتم ليس في طاقتكم معرفة المتشابه، والله لا يكلفكم هذا الأمر؛ قال في البقرة (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (٢٨٦))من حيث العمل، وتلك في آل عمران في الاعتقاد والتفسير والتأويل الذي ليس في وسعك لا يكلفك ربك به، والله أعلم !.