قوله {إنا إلى ربنا منقلبون}
وفي الشعراء {لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون} بزيادة {لا ضير} لأن هذه السورة اختصرت فيها هذه القصة وأشبعت في الشعراء وذكر فيها أول أحوال موسى مع فرعون إلى آخرها فبدأ بقوله {ألم نربك فينا وليدا} وختم بقوله {ثم أغرقنا الآخرين} فلهذا وقع فيها زوائد لم تقع في الأعراف وطه فتأمل وتدبر تعرف إعجاز القرآن
قوله {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} وفي الشعراء {إلى ربنا منقلبون} لأن ما في هذه السورة عام لمن ركب سفينة أو دابة وقيل معناه إلى ربنا لمنقلبون على مركب آخر وهو الجنازة فحسن إدخال اللام على الخبر للعموم وما في الشعراء كلام السحرة حين آمنوا ولم يكن فيه عموم
مسألة: قوله تعالى: (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) . وفى الشعراء: (لا ضير) الآية بزيادة (لا ضير)
. جوابه: لما كان الوعيد في الشعراء أشد ناسب مقابلتهم له بعدم التأثر به فى مقابلة ما يرجونه عند الله تعالى
مسألة: قوله تعالى: (وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) وفى الشعراء: (إنا إلى ربنا منقلبون) بحذف اللام؟ .
جوابه: أن هذا المحكى إرشاد من الله تعالى لعبيده أن يقولوه في كل زمان، فناسب التوكيد باللام حثا عليه. وآية الشعراء: أخبر عن قوم مخصوصين مضوا فلم يكن للتأكيد معنى
مسألة: قوله تعالى: (وأنا أول المسلمين) . وقال في يونس عن نوح: (من المسلمين) . وفى موسى: (أول المؤمنين) ؟ . .
جوابه: أن المراد أول المسلمين من أهل مكة شرفها الله تعالى، لأنه أول المسلمين منهم، ولم يكن نوح أول من أسلم في زمانه، ومثله قول سحرة فرعون: (أن كنا أول المؤمنين) يريد أولهم من قوم فرعون و آله . وأما قول موسى (وأنا أول المؤمنين) أراد أول المصدقين بامتناع الرؤية في الدنيا " ولم يرد الإيمان الذي هو: الدين.
مسألة: قوله تعالى: وكنوز ومقام كريم (58) وفى الدخان: (وزروع) .
جوابه: أن كلا الأمرين تركوه، لأن مصر ذات زروع، والكنوز، قيل: ما كانوا يدخرونه من الأموال، وقيل: هي كنوز في جبل المقطم، وفيه نظر. والله أعلم.
مسألة: قوله تعالى: (كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) وفى الدخان: (وأورثناها قوما آخرين (28) .
جوابه: أنه حيث قال: بنى إسرائيل " فلعله لما سكنوها بعد مدة طويلة من غرق فرعون، وذلك لما تهود ملك مصر، وقيل: إن الضمير في ": أورثناها " راجع إلى النعم المذكورة، أي: أورثهم إياها في الشام لا في مصر. وحيث قال: (قوما آخرين) فهم قوم ملكوا مصر بعد فرعون وقومه. هذا هو الجواب الظاهر، فإنه لم ينقل قط أنهم بعد غرق فرعون رجعوا إلى مصر بل دخلوا في التيه، ثم دخلوا الأرض المقدسة. وقيل: إنه لما بسط ذكر القصة هنا وسمى موسى وهارون عليهما السلام ناسب تعيين بنى إسرائيل وتسميتهم في وراثة مصر. ولما اختصر القصة في الدخان ولم يسم موسى عليه السلام فيها بل قال تعالى: (جاءهم رسول مبين (13) فأتى باسمه مبهما، ناسب ذلك الإتيان بذكر بنى إسرائيل مبهما بقوله تعالى: (قوما آخرين) وهذا على رأى من يجعل الضمير "لجنات " مصر وزروعها وكنوزها، وفيه نظر كما تقدم (1)
مسألة: قوله تعالى: (كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) وقال هنا: وأورثناها قوما آخرين (28)) وقالت في الشعراء: (وأورثناها بني إسرائيل (59) .
جوابه: مع حسن التنويع في الخطاب أن (كنوزا) أبلغ فيما فات على فرعون، فناسب بسط ذكره أولا وملكه وتسلطه ذكر " الكنوز " وهي الأموال المجموعة. وهنا في الدخان: قصتهم مختصرة فناسب ذكر الزروع. وأما "بنى إسرائيل هناك و" قوما آخرين " في الدخان: فلأنه، لما تقدم ذكر بنى إسرائيل ونعمة الله عليهم بغرق عدوهم ونجاتهم منه: ناسب ذكر نعمته عليهم بعودتهم إلى مصر، ولكن بعد مئين من السنين حين تهود ملك مصر، وامتحن الأحبار بالتوراة. والعجب كل العجب من عدة من المفسرين يذكرون هنا أن بنى إسرائيل عادوا إلى مصر بعد غرق فرعون، وهو غفلة عما دل عليه القرآن والأخبار والتواريخ من انتقالهم إلى الشام بعد تجاوز البحر، وأمر التيه، وموت هارون وموسى عليهما السلام في التيه والمختام أن الضمير في " أورثناها ": للنعم والجنات بالشام.