قوله {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} وفي السجدة {منها أعيدوا فيها} لأن المراد بالغم الكرب والأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه متنفسا وما قبله من الآيات يقتضي ذلك وهو {قطعت لهم ثياب من نار} إلى قوله {من حديد} فمن كان في ثياب من نار وفوق رأسه حميم يذوب من حره أحشاء بطنه حتى يذوب ظاهر جلده وعليه موكلون يضربونه بمقامع من حديد كيف يجد سرورا أو يجد متنفسا من تلك الكرب التي عليه وليس في السجدة من هذا ذكر وإنما قبلها {فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}
مسألة: قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث)وقال في الشعراء: (من ذكر من الرحمن) ؟ .
جوابه: لما تقدم هنا: (اقترب للناس حسابهم) وذكر إعراضهم وغفلتهم وهو وعيد وتخويف فناسب ذكر الرب المالك ليوم القيامة المتوفى ذلك الحساب. وفى الشعراء: تقدم (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) لكن لم يفعل ذلك لعموم رحمته للمؤمنين والكافرين لم يشأ ذلك، ويقوى ذلك تكرير قوله تعالى في السورة: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) .
مسألة: قوله تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن) وفى الأنعام والأنبياء (من ربهم) و (فسيأتيهم) و (فسوف يأتيهم) ؟
تقدم ذلك في الأنعام. وأيضا: فتقدم قوله تعالى هنا: (لعلك باخع نفسك) ناسب فسيأتيهم، أي: لا تقتل نفسك فسيأتيهم أنباء ذلك
قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها) ؟ . وفى السجدة (أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) ؟
جوابه: لما تقدم تفاصيل أنواع العذاب ناسب قوله: (من غم) أي من الغموم المذكورة وهي ثبات أهل النار، وصب الحميم في رؤوسهم إلى آخره. ولم يذكر في السجدة سوى (مأواهم النار) فناسب سقوط (من غم) واقتصر على (منها) ولذلك وصف أنواع نعيم الجنة لمقابلة ذكر أنواع عذاب النار واقتصر فى السجدة فيه كما يقتصر فيها على مقابله.
قوله {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم} وفي الشعراء {فقد كذبوا فسيأتيهم} لأن سورة الأنعام متقدمة فقيد التكذيب بقوله {بالحق لما جاءهم} ثم قال {فسوف يأتيهم} على التمام وذكر في الشعراء {فقد كذبوا} مطلقا لأن تقييده في هذه السورة يدل عليه ثم اقتصر على السين هنا بدل سوف ليتفق اللفظان فيه على الاختصار
قوله {وذوقوا} وفي السجدة {وقيل لهم ذوقوا} القول ههنا مضمر وخص بالإضمار لطول الكلام بوصف العذاب وخصت السجدة بالإظهار موافقة للقول قبله في مواضع منها {أم يقولون افتراه} {وقالوا أئذا ضللنا} و {قل يتوفاكم} و {حق القول} وليس في الحج شيء منه..
ـ مسألة: قوله تعالى: (فسوف يأتيهم أنباء) وفى الشعراء: (فسيأتيهم) ؟ .
جوابه: مع قصد التنويع في الفصاحة، فإن المراد بآية الأنعام الدلالة على نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الآيات والمعجزات. والمراد بالحق القرآن، ولكن لم يصرح به، وفى الشعراء صرح بالقرآن بقوله: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن) فعلم أن المراد بالحق: القرآن، فناسب: (فسيأتيهم) تعظيما لشأن القرآن، لأن السين أقرب من سوف.
قوله {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها} وفي السجدة {ثم أعرض عنها} لأن الفاء للتعقيب وثم للتراخي وما في هذه السورة في الأحياء من الكفار إذ ذكروا فأعرضوا عقيب ما ذكروا ونسوا ذنوبهم وهم بعد متوقع منهم أن يؤمنوا وما في السجدة في الأموات من الكفار بدليل قوله {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم} أي ذكروا مرة بعد أخرى وزمانا بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم .