| ٥١١ |
{فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)}
قال: إنهم لا يستطيعون التوصية، ولم يقل: (فلا يوصون) لأن نفي الاستطاعة أبلغ.
فأنت تقول: (هو لا يوصي) أي لا يفعل ذلك مع استطاعته عليها، فنفي التوصية لا ينفي الاستطاعة، ونفي الاستطاعة ينفي التوصية. فقولك: (هو لا يستطيع التوصية) أي لا يقدر عليها مع إرادته ذلك.
ونكر التوصية لأنه أراد العموم، فهم لا يستطيعون أن يوصوا أية توصية مهما كانت. ولو قال: (لا يستطيعون التوصية) لاحتمل أنهم لا يستطيعون التوصية المطلوبة أو الكاملة أو المعهودة، فتنكيرها أفاد العموم.
{وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إن الإنسان يتمنى أن يموت بين أهله، وهؤلاء لا يستطيعون أن يبلغوا أهلهم بشيء، ولا أن يعودوا إليهم، فحرموا من الأمنيتين العزيزتين كلتيهما.
ثم إنه قدم الفعل (يستطيعون) على المفعول به (التوصية) وأخر الفعل يرجعون) عن الجار والمجرور ولم يجعلهما على نسق واحد، فلم يقل: (فلا يستطيعون توصية ولا يرجعون إلى أهلهم).
ولم يقل: (فلا توصية يستطيعون ولا إلى أهلهم يرجعون) ذلك أن ما قاله ربنا أعدل الكلام في هذا المقام.
فإنه لو قال: (فلا توصية يستطيعون) فقدم المفعول على الفعل لكان نفي الاستطاعة خاصًّا بالتوصية وقد يستطيعون غيرها، كما تقول: (ما شعرًا قلت) أي قلت غيره، فإنك نفيت الشعر وأثبت غيره. ونحوه أن تقول: (ما زيدًا أكرمت) أي أكرمت غيره.
أما هنا فنفى التوصية ولم يثبت غيرها فكان النفي أعم وأشمل.
وقوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} نفى الرجوع إلى الأهل وأثبت الرجوع إلى غيرهم وهو الله، أي لا يرجعون إليهم بل إلينا. ولو قال: (ولا يرجعون إلى أهلهم) لنفي الرجوع إلى أهلهم ولم يثبت الرجوع إليه وهو غير مراد، ولكنه أراد إثبات الرجوع إليه سبحانه.
وهذا التقديم نظير التقديم في قوله تعالى في السورة: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}، ونظير التقديم في آخر السورة: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
هذا إضافة إلى ما تقتضيه خواتم الآية من هذا التقديم والتأخير.
جاء في (التفسير الكبير) في هذه الآية: "فيه أمور مبينة للشدة، (أحدها) عدم الاستطاعة، فإن قول القائل: فلان في هذه الحال لا يوصي، دون قوله: لا يستطيع التوصية، لأن من يوصي قد يستطيعها.
(الثاني) التوصية وهي بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل، فقال لا يستطيعون كلمة، فكيف فعلا يحتاج إلى زمان طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟.
(الثالث) اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات، فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس.
(الرابع) التنكير في التوصية للتعميم، أي لا يقدر على توصية ما، ولو كانت بكلمة يسيرة، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.
(الخامس) قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} بيان لشدة الحاجة إلى التوصية؛ لأن من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها.
وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلابد له من التوصية، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة.
وفي قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهاليهم، وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية.
وثانيهما: أنهم إلى أهلهم لا يرجعون، يعني أنهم يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا.
ومن يسافر سفرا ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية" (۱).
وجاء في (روح المعاني): "{وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إذا كانوا في خارج أبوابهم بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا ويرجعون إلى الله عز وجل لا إلى غيره سبحانه" (2).
إن هذه الصيحة تأخذ الجميع، من كان في بيته وبين أهله ومن كان خارج بيته وليس بين أهله، فذكر الحالة الأشد وهي من كان بعيدا عن أهله وبيته. وناسب ذلك قوله: {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في معاملاتهم وأموالهم.
وهذا يشير إلى أنهم ليسوا مع أهلهم ولا في بيوتهم بل هم منشغلون بأمور الدنيا وصخبها، فناسب ذلك ما ذكر.
ثم إنه بدأ بالأقرب وهو التوصية، فهذا أقرب إلى الشخص، وذلك أن يوصي من حوله، ثم الأبعد وهو الرجوع إلى الأهل.
(1) التفسير الكبير 26/87.
(2) روح المعاني 23/31.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 238 إلى ص 241.
الوقفة كاملة
|
| ٥١٢ |
قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} يعني النفخة الثانية التي تبعث الموتى من قبورهم، أما النفخة الأولى فقد عبر عنها بالصيحة في قوله: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} والنفخة في الصور صيحة غير أنه عبر عنها بالنفخة مرة وبالصيحة مرة.
وقد عبر عن الأمرين في سورة الزمر بالنفخة فقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} {الزمر: 68}.
وقد ذكرنا أنه عبر عن ذلك في (يس) بالصيحة لأنهم في حال اختصام وصخب، فذكر الصيحة التي تقطع الصخب والضجيج. وليس نحو ذلك في الزمر.
فذكر أنه نفخ في الصور النفخة الثانية فإذا هم يخرجون من أجداثهم يسرعون إلى ربهم، ومعنى (ينسلون): يسرعون.
وقد تقول: ولكنه قال في الزمر: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، أليس في ذلك اختلاف؟.
فنقول: ليس ثمة اختلاف وإنما هو تصوير مشهد يقتضيه السياق، وإيضاح ذلك:
١- أن قوله: (قيام) لا يناقض المشي، فالماشي قد يكون قائمًا وقد يكون غير قائم، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الملك: ۲۲}، وقال: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} {النور: 45}.
۲ - وحتى لو كانت الحالتان تختلف إحداهما عن الأخرى فقد ذكر إحدى الحالتين في موطن والأخرى في موطن آخر، كما تقول: (درسته تلميذًا صغيرًا فإذا هو طالب في الكلية) و(درسته تلميذًا صغيرًا فإذا هو أستاذ في الجامعة) و(درسته تلميذًا صغيرًا فإذا هو وزير للتربية) ولا ينافي أحدها الآخر.
3 - إن قوله: (من الأجداث) يشير إلى مكان بدء الانطلاق، فلا ينافي ذلك أن يكون قبل الانطلاق واقفًا أو جالسًا، كما تقول: (انطلق المتسابقون من المدرسة إلى المستشفى) فأنت ذكرت بدء الانطلاق ولم تذكر ما قبله، ولا يناقض ذلك أي وضع كانوا عليه.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}: "أي نفخ فيه مرة أخرى، كما قال تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} وفيه مسائل:
(المسألة الأولى) قال تعالى في موضع آخر: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، وقال ههنا: {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} والقيام غير النسلان، وقوله في الموضعين (فإذا هم) يقتضي أن يكونا معًا، نقول:
الجواب عنه من وجهين:
(أحدهما): أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي القائم، ولا ينافي النظر.
(وثانيهما): أن السرعة مجيء الأمور، كأن الكل في زمان واحد كقول القائل:
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا
كجلمود صخرٍ حطَّه السيل من عَلِ" (۱)
وجاء في (روح المعاني): "ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} لجواز اجتماع القيام والنظر والمشي، أو لتقارب زمان القيام ناظرين وزمان الإسراع في المشي" (۲).
أما اختيار كل تعبير فذلك لمناسبة السياق الذي ورد فيه.
فقد قال في الزمر {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} ذلك أنه ذكر الصعقة في النفخة الأولى فقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} والصعقة تعني الغشية، وتعني الموت، فذكر في النفخة الثانية ما ينافي الغشية والموت فقال: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}.
وقال في (يس): إنهم إلى ربهم ينسلون؛ ذلك لأنهم كانوا في النفخة الأولى ينسلون إلى الدنيا ويختصمون فيها وهم مجتمعون لشؤونها، فقد قال: {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} والاختصام لا يكون إلا مع الاجتماع، فذكر في النفخة الثانية أنهم ينسلون إلى ربهم ويجتمعون للخصومة عنده، فناسب كل تعبير مكانه.
لقد قال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} فعبر عن الحدث المستقبل بالفعل الماضي للدلالة على أنه محقق الوقوع بمنزلة ما مضى من الأحداث.
ثم قال (فإذا) فجاء بالفاء مع (إذا) الفجائية، ذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، أي يخرجون فجأة من دون تراخ أو مهلة من الوقت، ففي عقب النفخة مباشرة من دون تلبث يخرجون من الأجداث ينسلون إلى ربهم. ولم يأت بثم مع إذا الفجائية كما في قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} {الروم: 20}، ذلك لأن (ثم) تفيد التراخي في الزمن، فبين أنه في عقب النفخة مباشرة يخرج الموتى من مراقدهم.
وقال: {مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} فقدم (من الأجداث) وهو مبدأ النسلان، ثم ذكر بعده (إلى ربهم) وهو انتهاء الغاية، فقدم بدء الغاية وذكر النهاية بعده، وهو التعبير الطبيعي، وهو كما تقول: (انطلق من المكان الفلاني إلى السوق).
وقدم الجارين والمجرورين على الفعل للاهتمام والقصر، فإنه أعجب شيء أن يخرج الميت من قبره مسرعا إلى غاية مرسومة له، فكيف تخرج هذه العظام النخرة والتراب المختلط مما هب ودب مسرعة تعدو إلى غايتها.
وقد ذكر أن إسراعهم إنما هو إلى ربهم الذي هو مالك أمرهم وسيدهم لا إلى جهة أخرى، فهم ينسلون إلى ربهم حصرًا.
واختيار لفظ (الرب) أنسب شيء ههنا، ذلك أن الخارجين من الأجداث قسمان:
قسم أطاع ربه وسيده فهو ذاهب إلى ربه الذي أطاعه وهو الأرحم به، ذلك أنه هو الذي أنعم عليه في الدنيا وغذاه بالنعم، فهو أرحم به الآن وأكرم، وهو يلتجئ إليه كما يلتجئ العبد إلى سيده والضعيف إلى متولي أمره.
وقسم عصى ربه الذي غذاه بالنعم وأساء إلى من أحسن إليه فهو يعاد إلى ربه الذي أحسن إليه وقابله بالإساءة، وشر الإساءة أن تسيء إلى من أحسن إليك، فهي شر إعادة وأسوأ رجعة. فكان ذكر الرب أنسب شيء ههنا.
جاء في (التفسير الكبير): "الموضع موضع ذكر الهيبة، وتقديم ذكر الكافر ولفظ الرب يدل على الرحمة، فلو قال بدل الرب المضاف إليهم لفظًا دالًا على الهيبة هل يكون أليق أم لا؟.
قلنا: هذا اللفظ أحسن ما يكون ؛ لأن من أساء واضطر إلى التوجه إلى من أحسن إليه يكون ذلك أشد ألمًا وأكثر ندمًا من غيره" (3).
وجاء في (روح المعاني): "وذكر الرب للإشارة إلى إسراعهم بعد الإساءة إلى من أحسن إليهم حين اضطروا إليه" (4).
وهذا الإسراع إلى ربهم لا اختيار لهم فيه وإنما هم أحضروا إليه إحضارًا، يدل على ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}.
جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: (محضرون) دل على أن كونهم (ينسلون) إجباري لا اختياري" (5).
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه ذكر في هذه الآية جهة الرجوع التي لم يذكرها في الآية السابقة، فقد قال في الآية السابقة: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وقد ذكرنا أن قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} يعني أنهم يرجعون إلى غير أهلهم. وهنا عين الجهة التي يرجعون إليها فقال: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} أي يرجعون إلى ربهم حصرًا.
ومن هنا يتبين أن هذه الآية ارتبطت بالآية السابقة من جهتين:
الجهة الأولى: أن قوله في الآية السابقة: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} لا يدل على أن تلك الصيحة أماتتهم تصريحًا، ذلك أنه قد يحال بين الحي والتوصية وبينه وبين الرجوع إلى أهله، فلا يستطيع توصية ولا يرجع إلى أهله، وذلك حال كثير من المساجين، فلما قال: (من الأجداث) علم من هذه الآية أنهم ماتوا.
والجهة الأخرى: أنه ذكر جهة الرجوع، فإنه لما قال: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} ذكر في هذه الآية أنهم إلى ربهم ينسلون. فكان في هذه الآية توضيح ما حدث لهم وتعيين جهة الرجوع.
فقوله: {مِنَ الْأَجْدَاثِ} مقابل قوله: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ......}.
وقوله: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} مقابل قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}.
وتقديم الجار والمجرور في قوله: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} نظير التقديم في قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}.
إن هذه الآية نظير قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} فإنها بينت الآية قبلها وهي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. ففي كلتا الآيتين أعني قوله: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لم يصرح بما حصل، وإنما أشار إلى ذلك في الآية بعدها.
وهو تناظر بديع.
(1) التفسير الكبير 26/88.
(2) روح المعاني 23/32.
(3) التفسير الكبير 26/88.
(4) روح المعاني 23/32.
(5) التفسير الكبير 26/90.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 241 إلى ص 247.
الوقفة كاملة
|
| ٥١٣ |
{ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا …. (52)}
قال: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا} ولم يقل: (يقولون يا ويلنا) ذلك أنه لو قال: (يقولون) لكان الفعل حالًا للنسلان أي (ينسلون قائلين يا ويلنا)، كما نقول: (هو يقبل يبكي) و(يُدبر يسرع) فيكون القول عند النسلان، في حين أن القول قبل النسلان، فإنما قالوا ذلك في ابتداء بعثهم من القبور (1).
جاء في (التفسير الكبير): "لو قال قائل: لو قال الله تعالى: (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا) كان أليق.
نقول: معاذ الله، وذلك لأن قوله: {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاء ويؤلفها ويحييها ويحركها... فلو قال: (يقولون) لكان ذلك مثل الحال لينسلون أي ينسلون قائلين يا ويلنا، وليس كذلك، فإن قولهم: (يا ويلنا) قبل أن ينسلوا" (2).
{يَا وَيْلَنَا}
الويل هو الحزن والعذاب والهلاك، ومعنى (يا ويلنا) أنهم ينادون هلاكهم وعذابهم، أي احضر يا عذابنا و يا هلاكنا فهذا أوانك، كما يقول الناس: (يا مصيبتي) و(يا خراب بيتي) أي احضر فهذا وقتك وأوانك، قال تعالى في أصحاب النار: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} {الفرقان: 13 - ۱4}، أي قالوا: يا ويلاه، يا ثبوراه.
جاء في (لسان العرب): "الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه يا حزني و يا هلاكي و يا عذابي: احضر فهذا وقتك وأوانك، فكأنه نادي الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع" (3).
وقد تقول: ولم قال: (يا ويلنا) ولم يقل: (يا ويلتنا) بالتاء؟
والجواب: أن الويل هو ما ذكرناه أي العذاب والحزن، أما الويلة فهي الفضيحة. ويؤتى بها في مواطن الفضيحة وذلك نحو قوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} {الكهف: 49}.
فقالوا: (يا ويلتنا) أي يا للفضيحة وهي فضيحة نشر الأعمال، فإن قسما من الأعمال كان يتستر منها فاعلها، فهو يفعلها في السر فإذا بالكتاب قد فضحها كلها.
ولو تتبعنا مواطن استعمال الويلة بالتاء في القرآن الكريم لوجدناها كلها في مواطن الفضيحة، بخلاف مواطن الويل.
قال تعالى: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} {هود: 72}.
فقالت: (يا ويلتا) ذلك أن العجوز المسنة التي تلد وبعلها شيخ تشعر بأن ولادتها في مثل هذه السن فضيحة تخجل منها، ولذا قال تعالى في موطن آخر: {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} {الذاريات: 29}.
وقال في ابن آدم الذي قتل أخاه ولم يعلم ماذا يفعل به ولا كيف يتخلص من الجثة وقد أعيته الحيلة {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} {المائدة: 31}.
وهو موطن عجز فاضح، إذ كان أقل تفكيرًا وحيلة من الغراب.
وقال: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} {الفرقان: 27 - 29}.
وهذا موطن افتضاح في ضعف الشخصية وعجزها، فإن صاحبه استطاع أن يخدعه ويضله ويلغي تفكيره ويعبث بعقله وذلك دليل نقص وعجز.
ولم يرد الويل في مثل هذه المواطن.
قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} {الأنبياء: 12 – 15}.
وقال: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} {الأنبياء: 46}.
وقال: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} {الأنبياء: 97}.
وقال: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} {يس: 52}.
وقال: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} {الصافات: 19 – 20}.
وقال: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} {القلم: 30 - 31}.
جاء في (لسان العرب): "الويل: حلول الشر، والويلة: الفضيحة والبلية. وقيل هو تفجع، وإذا قال القائل: واويلتاه، فإنما يعني وافضيحتاه، وكذلك تفسير قوله تعالى: {يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ} {الكهف: 49}" (4).
و(المرقد) يحتمل المكان ويحتمل المصدر أي الرقاد، وهو بهذا المعنى أي بمعنى الرقاد تكون ضجعة القبر كالنوم بالنسبة إلى اليقظة، فيكون البعث يقظة والرقاد في القبر كالنوم.
وقال: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ولم يقل: (من بعثنا من أجداثنا) ليشمل المعنيين: المكان والمصدر. فهم قد بعثوا من الأجداث وبعثوا من رقدة الموت.
جاء في (الكشاف): "عن مجاهد للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قالوا: من بعثنا" (5).
وجاء في (البحر المحيط): "المرقد استعارة عن مضجع الميت، واحتمل أن يكون مصدرًا، أي: من رقادنا، وهو أجود، أو يكون مكانًا فيكون المفرد فيه يراد به الجمع، أي من مراقدنا.
وما روي عن أبي بن كعب ومجاهد وقتادة من أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر فقالوا: هو غير صحيح الإسناد، وقيل: قالوا: (من مرقدنا) لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم" (6).
(1) روح المعاني 23/32.
(2) التفسير الكبير 26/89.
(3) لسان العرب (ويل) 14/265.
(4) لسان العرب (ويل) 14/265.
(5) الكشاف 2/560.
(6) البحر المحيط 7/341، روح المعاني 23/32.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 247 إلى ص 251.
* * *
{هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)}
من المحتمل أن يكون هذا كلام الملائكة جوابًا عن سؤالهم، ويحتمل أن يكون هذا كلام المؤمنين، أو أن يكون كلام الكافرين (1)، فإنهم يعلمون أن المؤمنين كانوا يذكرون اليوم الآخر ويؤمنون به، فذكر ما علموه عن ذلك، وقد حذف القائل ليعم جميع الاحتمالات ويشمل كل من يصح منه القول.
فإن قيل: إن قول الكفار: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} سؤال عن الذي بعثهم، وقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} ليس جوابًا عنه فكيف يصح ذلك؟ والجواب: أن قول الكفار: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ليس سؤالًا حقيقيًا عن الذي بعثهم، وإنما هو سؤال تحسر وابتئاس وندم، يدل على ذلك
قولهم: (يا ويلنا) فهم يعلمون على وجه اليقين أن الله هو بعثهم للحساب ولذا قالوا: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}
فكان الجواب بما هو الأولى وهو تذكيرهم بالوعد الذي كان يوعدونه في الدنيا وما ذكرته الرسل وتقريعهم على ما فرط منهم ، ومع ذلك هو يتضمن الجواب عن الباعث وذلك قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} أي أن الرحمن هو الذي بعثكم.
وهو نظير قولنا لرجل يقول متحسرًا مبتئسًا: كيف وصلت إلى هذه الحال؟
فنقول له: هذا بسوء عملك .
وهو ليس جوابًا عن سؤاله، فإن سؤاله عن الحال والكيفية، والجواب كان عن السبب، فهو في الحقيقة جواب عن سؤال (بأي شيء حصل؟) أو: لم حصل هذا؟
فعدل إلى ما هو الأولى بالجواب.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} سؤال عن الباعث فكيف طابقه ذلك جوابًا؟
قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم بالبعث وأنبأكم به الرسل، إلا أنه جيء به على طريقة سيئت بها قلوبهم ونعيت إليهم أحوالهم وذكروا كفرهم وتكذيبهم وأخبروا بوقوع ما أنذروا به، وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع، وهو الذي وعده الله في كتبه المنزلة على ألسنة رسله الصادقين" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "إن قلنا: (هذا) إشارة إلى المرقد أو إلى البعث فجواب الاستفهام بقولهم: (من بعثنا) أين يكون؟
نقول: لما كان غرضهم من قولهم: (من بعثنا) حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه، حصل الجواب بقوله: هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيهًا. كما أن الخائف إذا قال لغيره: ماذا تقول أيقتلني فلان؟
فله أن يقول: (لا تخف) ويسكت لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه و به يحصل الجواب" (3).
وجاء في (روح المعاني): "وكان الظاهر أن يجابوا بالفاعل لأنه الذي سألوا عنه بأن يقال الرحمن أو الله بعثكم، لكن عدل إلى ما ذكر تذكيرًا لكفرهم وتقريعًا لهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى الفاعل. وذكر غير واحد أنه من الأسلوب الحكيم على أن المعني: لا تسألوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن، وإنما الذي يهمكم أن تسألوا ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع. وفيه من تقريعهم ما فيه" (4).
و(ما) في قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا أي هذا الذي وعده الرحمن. ويحتمل أن تكون مصدرية أي هذا وعد الرحمن.
أما الواو فتحتمل العطف على الجملة وتحتمل الحالية، أي وقد صدق المرسلون فيما أخبروا به. وجوزوا أيضًا أن تكون الواو عاطفة على الصلة، فإن كانت (ما) مصدرية كان التقدير: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين.
وإن كانت اسمًا موصولًا كان المعنى: هذا الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: إذا جعلت (ما) مصدرية كان المعنى: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله: {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} إذا جعلتها موصولة؟
قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون، بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال. ومنه: صدقني سن بكره" (5).
وهذه الآية نظير قوله في سورة الأحزاب: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} {الأحزاب: 22}.
إن هذه الآية بمقابل قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {يس: 48}.
فهذا القول في الآخرة يقابل قولهم في الدنيا.
فقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} {يس: 52} بمقابل قولهم في الدنيا: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ}.
وقوله: {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} بمقابل قولهم: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
والسخرية والاستهزاء بقولهم: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ....} يقابله الندم والحسرة بقولهم: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}.
وقوله: {وَيَقُولُونَ} في الدنيا يقابل قوله: (قالوا) في الآخرة.
ثم إن اختيار لفظ (المرسلون) هو المناسب لما تردد في السورة من ذكر المرسلين.
ثم لننظر من ناحية أخرى أن ثمة سؤالين قد ذكرا وهما:
السؤال الأول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟
والسؤال الآخر: من بعثنا من مرقدنا؟
وأن قوله تعالى: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} جواب عن السؤالين معًا.
فقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} جواب من جهة عن السؤال الأول، فقد سألوا: متى هذا الوعد؟
فقال: هذا هو.
وجواب عن السؤال الآخر من جهة أخرى، فقد تضمن ذكر الباعث الذي بعثهم من المرقد وهو الرحمن.
ثم إن هذه الآية مرتبطة أيضًا بقول أصحاب القرية: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}.
فقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} رد على قولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} فوعد الرحمن إنما يكون فيما أنزل.
وقوله: {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} رد على قولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}.
وهي مرتبطة أيضًا بقوله تعالى في أول السورة: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} {يس: 11 – 12}.
فقد وعد الرحمن على لسان رسوله أن من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب له مغفرة وأجر كريم، ثم قال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا}.
وقال ههنا: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}.
فإنه أحيا الموتى وبعثهم من مرقدهم وصدق رسوله فيما بلغ.
هذا إضافة إلى أنه تردد ذكر الرحمن في الآيتين.
ثم لننظر من ناحية تعبيرية وهي أن كلمة (الوعد) في قوله: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} مصدر بمعنى اسم المفعول، أي الموعود به.
جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} أي متى يقع الموعود به" (6). وقد فسر بيوم القيامة وبالعذاب (7).
فالمصدر الصريح في الآية بمعنى الذات.
وقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} إجابة عن المصدر وعن الذات. فإن كانت (ما) اسمًا موصولًا فهي بمعنى الذات فتكون إجابة عن الوعد الذي هو بمعنى الذات.
وإن كانت (ما) مصدرية فقد أجاب بالمصدر المؤول وهو إجابة عن المصدر الذي هو الوعد. فجاء في (ما) ولم يأت بـ (الذي) ليشمل المعنيين معًا.
ثم إنه جمع قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} بين الوعد والصدق، كما في قوله تعالى: {وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} {الأحقاف: 16}.
وأما اختيار لفظ (الرحمن) فله أكثر من سبب:
منها: أنه إذا كان هذا قول المؤمنين فإنهم آثروا اسم الرحمن؛ لأن هذا وقت رحمته التامة بهم فإنه يدخلهم في رحمته كما قال تعالى: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {آل عمران: 107}.
وإذا كان قول الكافرين فإنهم آثروا اسم الرحمن طمعًا في رحمته.
جاء في (روح المعاني): "في إيثارهم اسم الرحمن قيل: إشارة إلى زيادة التقريع من حيث إن الوعد بالبعث من آثار الرحمة، وهم لم يلقوا له بالًا ولم يلتفتوا إليه وكذبوا به ولم يستعدوا لما يقتضيه. وقيل: آثره المجيبون من المؤمنين لما أن الرحمة قد غمرتهم فهي نصب أعينهم...
وقال ابن زيد: هذا الجواب من قبل الكفار على أنهم أجابوا أنفسهم، حيث تذكروا ما سمعوه من المرسلين عليهم السلام أو أجاب بعضهم بعضًا. وآثروا اسم الرحمن طمعًا في أن يرحمهم، وهيهات ليس لكافر نصيب يومئذ من رحمته عز وجل" (7).
هذا مع أنه من الملاحظ في القرآن الكريم أن اسم الرحمن كثيرًا ما يذكر في مشاهد الآخرة وهذا منها.
قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} {مريم: 61}.
وقال: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} {طه: 108}.
وقال: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} {طه: 109}.
وقال: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} {يس: 52}.
وقال: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} {النبأ: 37}.
وقال: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} {النبأ: 38}.
وقال: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ} {مريم: 69}.
وقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} {مريم: 85}.
وقال: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} {مريم: 87}.
وقال: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} {مريم: 93}.
وقال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} {الفرقان: 26}.
هذا إضافة إلى أنه تردد اسم الرحمن في السورة أربع مرات وأن جو الرحمة شائع فيها.
قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} {يس: 11}.
وقال:{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ }{يس: 15}.
وقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} {يس: 23}.
وقال: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} {يس: 52}.
وقال: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} {يس: 5}.
وقال: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} {يس: 58}.
وقال: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} {يس:44}.
وقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} {يس: 45}.
وقد تقول: لقد أسند الفعل (وعد) إلى (الله) في مواطن من القرآن الكريم وذلك كقوله تعالى {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} {النساء: 95}.
وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} {المائدة: 9}.
وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَ} {التوبة: 68}.
وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} {التوبة: 72}.
وهنا أسند الفعل (وعد) إلى الرحمن فما الفرق؟
فنقول: إن كل سورة أسند فيها الفعل الماضي (وعد) إلى (الله) لم يذكر فيها اسم (الرحمن) وإن كانت طويلة كسورة النساء والمائدة والتوبة وغيرها من السور، وذلك في عشر سور من القرآن الكريم.
وكل سورة أسند فيها الفعل (وعد) إلى (الرحمن) تكرر اسم الرحمن في السورة، وذلك في سورتي مريم و(يس). أما سورة مريم فقد تكرر فيها اسم الرحمن إحدى عشرة مرة، وأما سورة (يس) فقد تكرر فيها اسم الرحمن أربع مرات. فناسب هذا الاختيار من كل وجه.
وقد تقول: وهل ثمة فرق بين ما أسند الوعد فيه إلى الله، وما أسند إلى الرحمن؟
فنقول: إن ما أسند فيه الوعد إلى الله مخصص بالمؤمنين أو بالكافرين فيقول مثلا: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ} أو {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} فهو وعد خاص.
أما ما أسند فيه الوعد إلى الرحمن فهو وعد عام يشمل عموم العباد وذلك تحقيقًا للرحمة التي يحققها اسم الرحمن، قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} {مريم: 61}. فقد ذكر أنه وعد عباده على الإطلاق مع أن المقصود بعباده هؤلاء من تاب وآمن وعمل صالحًا كما في الآية السابقة، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} {مريم: 60 – 61}.
وقال في سورة (يس): {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}
فأطلق الوعد ولم يذكر الموعود من الخلق أهم المؤمنون أم الكافرون، فهو وعد عام على الإطلاق فلم يذكر مفعولاً لوعد، أما إسناده إلى الله فهو مخصص دائمًا وذلك في اثني عشر موضعًا من القرآن الكريم، فاتضح الفرق بينهما.
وسبحان قائل هذا الكلام.
(1) ينظر الكشاف 2/560.
(2) الكشاف 2/590.
(3) التفسير الكبير 26/90.
(4) روح المعاني 23/33.
(5) الكشاف 2/590.
(6) التفسير الكبير 26/86.
(7) البحر المحيط 7/340.
(8) روح المعاني 23/32.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 251 إلى ص 260.
الوقفة كاملة
|
| ٥١٤ |
{إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)}
أي ما كانت النفخة المذكورة في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} إلا صيحة واحدة (1) فإذا هم مجموعون محضرون لدى رب العزة.
وجاء بالفاء و(إذا) للدلالة على مفاجأة الجمع والإحضار بعد الموت والبلى وسرعته، فإن (إذا) تفيد المفاجأة، والفاء تدل على الحدوث بلا تراخ، واجتماعهما يدل على المفاجأة والسرعة.
ومعنى (جميع) مجموعون، أي فإذا هم مجموعون.
وقد تقول: ولم قال: (جميع) ولم يقل: (مجموعون) كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم؟ فقد قال في سورة الواقعة: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} {الواقعة: 49 – 50}.
وقال: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} {هود: 103}.
والجواب: أن (جميع) تأتي بمعنيين - كما ذكرنا في آية سابقة - إما أن تكون بمعنى مفعول أي مجموعون، وإما أن تكون بمعنى مجتمعين وذلك نحو قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} {القمر: 44}، وقوله: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} {الشعراء: 56} أي مجتمعون.
فجاء بـ (محضرون) ليدل على أنهم مجموعون لا مجتمعون، أي لم يجتمعوا باختيارهم. وأما (مجموعون) فهو يدل تنصيصًا على اسم المفعول، أي جمعوا جمعًا، ولذا لم يحتج إلى نحو (محضرون).
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن (جميع) على زنة (فعيل) وهي بمعنى (مفعول) كما اتضح، وهذه الصيغة لا تقال إلا لما وقع فعلاً (2)، ولا تقال لما سيقع، أما صيغة (مفعول) فتقال لما وقع ولما لم يقع. فأنت لا تقول: (قتيل) إلا لمن قتل، ولا تقول: (طريد) إلا لمن طرد. أما مقتول ومطرود فيقال لمن قتل ولمن سيقتل، أي أن صيغة (مفعول) تحتمل الحال والاستقبال، بخلاف فعيل.
وفي آية (يس) تحدث عن أحداث القيامة بصيغة ما وقع، فجاء بالصيغة التي تدل على الوقوع.
أما آيتا الواقعة وهود فإنهما في سياق المستقبل فجاء بهما على مفعول. قال تعالى في الواقعة: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ} {الواقعة: 49}، فقد أمر الرسول أن يبلغهم بقوله: (قل) وهذا يدل على أن الكلام في الدنيا، وسياق الآيات واضح في ذلك.
وقال في هود: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} {هود: 103 – 105}.
فقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ} يدل على أنهم في الدنيا.
وكذلك قوله: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ}، وقوله: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} فكل ذلك يدل على أن الكلام على المستقبل.
فاتضح الفرق.
ويدل (لدينا) على الحضور والقرب، وهو أخص من (عندنا)، فإن (عند) قد تكون للحاضر والغائب. فأنت تقول: (عندي مال) وإن كان غائبًا، ولا تقول (لدي) إلا إذا كان حاضرًا قريبًا (3).
وتقديم (لدينا) يدل على القصر، أي محضرون لدينا لا لدى غيرنا كما مر بيان ذلك.
(1) ينظر التفسير الكبير 26/90، فتح القدير 4/363.
(2) كتاب سيبويه 2/213، أدب الكاتب 228، المخصص 16/156.
(3) ينظر الهمع 1/202، شرح ابن يعيش 4/100، شرح الرضي على الكافية 2/128.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 260 إلى ص 262.
الوقفة كاملة
|
| ٥١٥ |
{فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)}
فاليوم، أي يوم القيامة الذي يحضر فيه الجميع للحساب لا تظلم نفس شيئًا.
نكر النفس ليشمل كل نفس برة كانت أو فاجرة (1)، فالتنكير أفاد العموم، ونفى الظلم على الإطلاق، فليس في ذلك اليوم من ظلم، كما قال تعالى: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} {غافر: 17}.
و(شيئًا) يحتمل معنيين:
يحتمل المصدرية، أي لا تظلمون شيئًا من الظلم وإن قل.
ويحتمل المفعول به، أي لا تظلمون شيئًا من الأشياء (2).
وهذان المعنيان مرادان معًا، فلا تظلم نفس شيئًا من الظلم، ولا شيئًا من الأشياء، ولذا أطلق كلمة (شيء) ولم يقيدها.
(1) ينظر روح المعاني 23/33.
(2) ينظر روح المعاني 23/33 – 34.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 263 إلى ص 263.
* * *
{وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
بعدما نفى الظلم عن الجميع التفت إلى المخاطبين فقال: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} خطاب للكافرين، ذلك أن المؤمن يجزي أضعاف ما كان يعمل، أما الكافر فلا يجزى إلا ما كان يعمل.
وقيل: بل إن الخطاب عام؛ لأن المقصود به الجنس، بمعنى أن الجزاء من جنس العمل إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فلا يجزى العمل السيء بالجزاء الحسن، ولا العمل الحسن بالسيء.
جاء في (التفسير الكبير): "فقوله: {لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ} ليأمن المؤمن.
{وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} لييأس المجرم الكافر.
وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله: (ولا تجزون)، وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله: (لا تظلم) ولم يقل: (ولا تظلمون أيها المؤمنون)؟
نقول لأن قوله: {لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} يفيد العموم، وهو كذلك فإنها لا تظلم أبدًا.
(ولا تجزون) مختص بالكافر، فإن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصًا بالمؤمن وعدلًا عامًا، وفيه بشارة.
(المسألة الثانية): ما المقتضي لذكر فاء التعقيب؟
نقول لما قال: (محضرون) مجموعون، والجمع للفصل والحساب، فكأنه تعالى قال: إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل، فلا ظلم عند الجميع للعدل، فصار عدم الظلم مترتبًا على الإحضار للعدل، ولهذا يقول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم، أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.
(المسألة الثالثة): لا يجزون عين ما كانوا يعملون، بل يجزون بما كانوا يعملون أو على ما كانوا، وقوله: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يدل على أن الجزاء بعين العمل. لا يقال: (جزى) يتعدى بنفسه وبالباء، يقال: جزيته خيرًا وجزيته بخير؛ لأن ذلك ليس من هذا، لأنك إذا قلت: (جزيته بخير) لا يكون الخير مفعولك، بل تكون الباء للمقابلة والسببية، كأنك تقول: جزيته جزاء بسبب ما فعل.
فنقول: الجواب عنه من وجهين:
(أحدهما) أن يكون ذلك إشارة على وجه المبالغة إلى عدم الزيادة، وذلك لأن الشيء لا يزيد على عينه، فنقول قوله تعالى: (يجزون بما كانوا يعملون) في المساواة كأنه عين ما عملوا، يقال: فلان يجاوبني حرفًا بحرف. أي لا يترك شيئًا، وهذا يوجب اليأس العظيم.
(الثاني) هو أن (ما) غير راجع إلى الخصوص وإنما هي للجنس، تقديره: ولا تجزون إلا جنس العمل، أي: إن كان حسنة فحسنة، وإن كانت سيئة فسيئة، فتجزون ما تعملون من السيئة والحسنة، وهذا كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} {الشورى: 40}" (1)
وجاء في (روح المعاني): "واستظهر أبو حيان أن الخطاب يعم المؤمنين بأن يكون الكلام إخبارًا من الله تعالى عما لأهل المحشر على العموم كما يشير إليه تنكير (نفس) واختاره السكاكي.
وقيل: عليه يأباه الحصر؛ لأنه تعالى يوفي المؤمنين أجورهم ويزيدهم من فضله أضعافًا مضاعفة. ورد بأن المعنى أن الصالح لا ينقص ثوابه، والطالح لا يزاد عقابه؛ لأن الحكمة تأبى ما هو على صورة الظلم، أما زيادة الثواب ونقص العقاب فليس كذلك.
أو المراد بقوله تعالى: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أنكم لا تجزون إلا من جنس عملكم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر" (2).
والتحقيق في الأمر أنه يعبر عن نحو ذلك بتعبيرين: (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)، (ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) وكل له معنى.
فالتعبير الأول يحتمل معنيين:
المعنى الأول: هو أنكم تجزون بمقدار ما كنتم تعملون، أي لا يزيد الجزاء عن العمل ولا ينقص.
والمعنى الآخر: هو أنكم تجزون من جنس عملكم إن كان عملكم خيرًا فالجزاء خير، وإن كان شرًا فالجزاء شر، كقوله : "الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر".
وأما التعبير الثاني وهو قولنا: (ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) فالباء فيه تفيد السبب، ولا يقتضي أن يكون الجزاء بمقدار العمل، بل ربما زاد عليه، ففي قولك: (عاقبتك بفعلتك) قد تكون العقوبة شديدة وهي أكبر مما تقتضيه الفعلة.
وتقول (أكرمتك بحسن إجابتك أو بحسن تصرفك) فقد يكون الإكرام أكبر بكثير من عمله، فلا يقتضي ذلك مساواة الجزاء للعمل، بل قد يكون مساويًا له، وقد يكون غير مساو له.
ولم يرد في القرآن الكريم: (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) ونحوه من التعبيرات في خطاب المؤمنين البتة، وإنما ورد ذلك في خطاب الكافرين أو الخطاب لعموم الخلق.
فأما في خطاب الكافرين فتكون العبارة بمعنييها معًا، وهو أنه لا يجزون إلا بمقدار ما كانوا يعملون ومن جنس ما كانوا يعملون.
وأما في خطاب عموم الخلق فالراجح أنه يعني الجنس؛ أي: إنما تجزون من جنس عملكم، بدليل استثناء المؤمنين من المعنى الأول، فإن جزاءهم أكبر من عملهم.
أما الجزاء بالباء فيكون للمؤمنين والكافرين، قال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} {النجم: 31}.
فكلاهما جعل جزاءه بالباء، لكنه قال في الكافرين إنه يجزيهم بما عملوا، وأما المؤمنون فذكر أنه يجزيهم بالحسنى وليس بما عملوا.
وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الأعراف: 147}.
وقال: {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {سبأ: 33}.
وقال: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الأعراف: 180}.
وقال: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {النمل: 90}.
وقال: {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الصافات: 38 – 39}.
وقال: {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الطور: 16}.
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {التحريم: 7}.
فأنت ترى أن الخطاب كله للكافرين.
وقال نحو ذلك في عموم الخلق
فقد قال تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} {إبراهيم: 51}.
وقال: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الجاثية: 28}.
أما في المؤمنين فقد ذكر أنه يوفيهم أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ولم يقل إنه يجزيهم ما كانوا يعملون.
قال تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {التوبة: 121}.
وقال: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} {النور: 38}.
وهذه بشارة عظيمة، وقد أخبرنا ربنا أن الذي يعمل السيئة لا يجزي إلا مثلها، أما الحسنة فتجزي بعشر أمثالها، أو تجزي بخير منها. قال تعالى: { مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} {غافر: 40}، وقال: {فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {القصص: 84}.
وقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} {الأنعام: 160}.
وقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ} {النمل: 89}. وأما التعبير بالباء فيرد للمؤمنين والكافرين كما ذكرنا.
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {النحل: 97}.
وقال: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الزمر: 35}.
فهذا في المؤمنين.
وقال في الكافرين:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} {الأنعام: 120}.
وقال: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} {الأنعام: 157}.
فاتضح الفرق بين التعبيرين.
ونعود إلى آية (يس) وهي قوله: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فقد ذكرنا أنه التفت إلى المخاطبين بعدما ذكر العموم، ولم يقل: (فاليوم لا تظلم نفس شيئًا ولا تجزى إلا ما كانت تعمل) وذلك أن الظلم منفي عن أن يوقع بكل نفس على جهة العموم فلا تظلم نفس شيئًا. ولو قال: (ولا تجزي إلا ما كانت تعمل) لاحتمل أن يكون المعنى أنه لا تجزي أي نفس إلا بمقدار ما كانت تعمل، وهذا المعنى غير صحيح ولا مراد، إذ قد تجزي نفس بأضعاف ما كانت تعمل، وهي نفوس المؤمنين على العموم، فالتفت إلى المخاطبين ليخبرهم بما أخبر ويحذرهم من مغبة أعمالهم.
فقوله تعالى: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} قد يكون مقصودًا به الكفار خصوصًا، ولهذا المعنى ما يرجحه، ذلك أن الآية وقعت في سياق الكلام على الكفار وذلك ابتداء من قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} إلى هذه الآية.
ويرجح ذلك أيضًا قوله بعد البعث: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} فيكون هذا التعبير مقصودًا بمعنييه، أي أنكم لا تجزون إلا بمقدار ما كنتم تعملون ومن جنسه.
وقد يكون مرادًا به العموم، فيكون المقصود به أنكم لا تجزون إلا من جنس أعمالكم.
فكان الالتفات في نحو هذا أولى.
وقد تقول: لقد قدم نفي الظلم على الجزاء في هذه الآية.
وفي آية أخرى قدم الجزاء على نفي الظلم فقال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} {غافر: 17}.
فما السبب؟
فنقول: إن جو سورة (يس) وسياق الآيات فيها إنما هو في العلاقات بين أفراد المجتمع وظلمهم لبعضهم، فقد ذكر قبل هذه الآيات ظلم أصحاب القرية للمرسلين، وقتلهم الرجل الصالح ظلمًا، وذكر ظلم الموسرين للفقراء بأن منعوهم حقهم، ثم ذكر أن الصيحة تأخذهم وهم يختصمون فيما بينهم.
فقدم نفي الظلم الذي يقع بين العباد على العمل الذي هو عام، ويدخل فيه الظلم وغيره.
وأما في غافر فلم يرد ما يتعلق بعلاقة الفرد بالمجتمع وتظالمهم فيما بينهم، بل الكلام فيها على العقيدة. وليس في السورة موطن واحد ذكر فيه ظلم العبد للعبد، حتى أنه في الآية الخامسة وهي قوله: { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ}لم يذكر الأخذ وإنما ذكر الهم بالأخذ.
فناسب تقديم الجزاء على نفي الظلم، والله أعلم.
(1) التفسير الكبير 26/90 – 91.
(2) روح المعاني 23/34 وينظر البحر المحيط 7/341.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 263 إلى ص 270.
الوقفة كاملة
|
| ٥١٦ |
{إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}
* * *
يصح أن يكون هذا الكلام من جملة ما يقال للكفار، وهو تتمة للكلام السابق، فقد قيل لهم: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
ثم ذكر لهم عن أصحاب الجنة فقال: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} وذلك زيادة لحسرتهم بأن يروا ما أعد لهم من أنواع العذاب ويخبروا بنعيم أهل الجنة.
كما يصح أن يكون هذا استئناف كلام جديد وإخبارا عاما لنا عن أصحاب الجنة ونعيمهم لنقتدي بسيرتهم.
فهو على تقدير كونه خطابًا للكافرين يوم القيامة يكون تنديمًا لهم وزيادة في حسرتهم.
وعلى تقدير كونه إخبارًا لنا عن نعيمهم في ذلك اليوم يكون باعثًا لنا لنكون منهم.
وقد صيغ هذه الصيغة الاحتمالية لتحتمل الأمرين، فهو من ناحية تنديم للكافرين يوم القيامة، وهو من ناحية أخرى حث لأهل الدنيا، فجمع بين الأمرين. ولو خاطب أصحاب الجنة قائلاً: (يا أصحاب الجنة إنكم اليوم في شغل فاكهون ...) كما خاطب الكافرين بقوله: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}لم يجمع هاتين الفائدتين.
جاء في (روح المعاني): «قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} على تقدير كون الخطاب السابق خاصًا بالكفرة من جملة ما سيقال لهم يومئذ زيادة لحسرتهم وندامتهم، فإن الإخبار بحسن حال أعدائهم إثر بيان سوء حالهم مما يزيدهم مساءة على مساءة، وفي حكاية ذلك مزجرة لهؤلاء الكفرة عما هم عليه ومدعاة إلى الاقتداء بسيرة المؤمنين.
وعلى تقدير كونه عامًا ابتداء كلام وإخبار لنا بما يكون في يوم القيامة إذا صار كل إلى ما أعد لهم من الثواب والعقاب" (1).
لقد أخبر عن أصحاب الجنة بأنهم في شغل، والشغل هو الأمر الذي يشغل المرء عما سواه فلا يلتفت إلى غيره إما لكونه موجبًا للمسرة أو للمساءة. ولما قال: (فاكهون) علم بأنهم مشغولون بالنعيم فلا يعنيهم أمر أهل النار، ولا أهوال يوم القيامة، ولا غير ذلك من الأمور.
ونكر الشغل ليدل على أن هذا الشغل ليس مما نعهد من الشغل ولا مما نعرف وإنما هو شغل آخر، يكفي أن يقال: إنهم فاكهون فيه. ولا يحسن التعريف ههنا؛ لأن الشغل المذكور غير معلوم ولا معروف، فأنت إذا سألت شخصًا: أين أبوك؟ فقال لك: هو في الشغل، دل ذلك على أنه في الشغل المعهود الذي يشغله كل يوم أو مما يشغله في العادة.
فإن قال لك: هو في شغل، علمت أنه ليس في شغله المعهود، وإنما هو شغل آخر طرأ له ولا تعلم أهو شغل في خير أم في مساءة، فقال تعالى: إنهم فاكهون في شغلهم.
جاء في (التفسير الكبير): "قوله: (في شغل) يحتمل وجوها:
(أحدها): في شغل عن هول اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب، فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب، وقوله: (فاكهون) يكون متممًا البيان سلامتهم، فالله لو قال: (في شغل) جاز أن يقال هم في شغل عظيم من التفكر في اليوم وأهواله، فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع في ماله يقول: أنا مشغول عن هذا بأهم منه. فقال: (فاكهون) أي شغلوا عنه باللذة والسرور، لا بالويل والثبور.
و(ثانيها): أن يكون ذلك بيانًا لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء، بل يكون معناه: هم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق، بل هو ملذ محبوب" (2).
وجاء في (روح المعاني): "والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه من شؤونه لكونه أهم عنده من الكل، إما لإيجابه كمال المسرة أو كمال المساءة، والمراد ههنا هو الأول، وتنكيره للتعظيم، كأنه شغل لا يدرك كنهه، والمراد به ما هم فيه من النعيم الذي شغلهم عن كل ما يخطر بالبال... وأفرد الشغل باعتبار أنه نعيم، وهو واحد بهذا الاعتبار" (3).
إن هذا التعبير يحتمل أن يكون قد أخبر عن أصحاب الجنة بخبرين وهما: أنهم في شغل وأنهم فاكهون، فيكون (في شغل) خبرًا أول و(فاكهون) خبرًا ثانيًا على النحو الآتي:
إن أصحاب الجنة (في شغل)، (فاكهون).
كما يحتمل أن يكون الخبر هو (فاكهون) و(في شغل) متعلقًا به، أي أنهم فاكهون في الشغل. أي:
أن أصحاب الجنة (فاكهون في الشغل) أي متمتعون بالشغل.
وبهذا جمع عدة معان وهي: أنهم في شغل، وأنهم فاكهون على العموم، سواء كان ذلك في الشغل أم في غيره، وأنهم فاكهون في الشغل.
إنه يصح في العربية أن يقال: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهين) فيكون الخبر في شغل)، و(فاكهين) حالًا من الجار والمجرور، غير أن ما قاله أولى؛ ذلك لأنه لو قالها بالنصب لكان المعنى أنهم فاكهون عند شغلهم فيكون التمتع في الشغل، أما في غيره فهو مسكوت عنه، فقد يكونون فاكهين أو غير فاكهين.
فجاء به مرفوعًا ليعم ذلك كل الأحوال والأوقات.
جاء في (روح المعاني): "والجار مع مجروره متعلق بمحذوف وقع خبرًا لان، و(فاكهون) خبر ثان لها، وجوز أن يكون هو الخبر و(في شغل) متعلق به أو حال من ضميره...
والتعبير عن حالهم هذه بالجملة الاسمية قبل تحققها لتنزيل المترقب المتوقع منزلة الواقع للإيذان بغاية سرعة تحققها ووقوعها، وفيه على تقدير خصوص الخطاب زيادة المساءة المخاطبين" (4).
ومعنى (فاكهون): متنعمون متمتعون متلذذون بما يحصل لهم (5). يقال: (تفكهت بالشيء) أي تمتعت به (6).
وقد قدم (في شغل) على (فاكهون) للاهتمام وذلك لبيان أنهم في الشغل فاكهون، إذ من المعتاد أن يتفكه الإنسان في الراحة من الشغل لا في الشغل، فذكر أنهم في شغل فاكهون، إذ إن هذا الشغل ليس كالأشغال الأخرى التي ترهق المرء وتضنيه.
هذا في الشغل فكيف في غيره مما يتفكه فيه الإنسان؟!
(1) روح المعاني 23/34.
(2) التفسير الكبير 26/91.
(3) روح المعاني 23/34.
(4) روح المعاني 23/34.
(5) الكشاف 2/591.
(6) لسان العرب (فكه) 17/420.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 270 إلى ص 274.
الوقفة كاملة
|
| ٥١٧ |
{وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} {يس: 59 – 62}.
* * *
{وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ}
أي انفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة، ونحوه قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} {الروم: 14}، وقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} {الروم: 43}،
وقوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} {يونس: 28} (1).
وورود هذه الآية بعد قوله: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} من ألطف المناسبات، ذلك أن السلام إنما يكون عند خلو المكان من المجرمين، فإن كان فيه مجرمون فلا سلام، فمازهم من فريق المؤمنين ومكانهم فعمهم السلام.
وقيل: إن معنى قوله: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} انفردوا بعضكم عن بعض، فيكون لكل كافر بيت من نار يكون فيه لا يرى ولا يرُى (2).
جاء في (التفسير الكبير): "(امتازوا) بعضكم عن بعض، على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان الذي أشار إليه بقوله تعالى: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ} فأهل النار يكون لهم العذاب الأليم وعذاب الفرقة أيضًا، ولا عذاب فوق الفرقة" (3).
قال في (روح المعاني): "ولعل هذا بعد زمان من أول دخولهم، فلا ينافي عتاب بعضهم بعضًا الوارد في آيات أخر كقوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} {غافر: 47}" (4).
ويبدو إن صح هذا القول أن التمايز أول ما يكون بينهم وبين المؤمنين، ثم يكون بينهم فيما بعد، والله أعلم.
(1) ينظر الكشاف 2/591، تفسير ابن كثير 3/576.
(2) ينظر الكشاف 2/591، روح المعاني 23/39.
(3) التفسير الكبير 26/95.
(4) روح المعاني 23/39.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 284 إلى ص 285.
الوقفة كاملة
|
| ٥١٨ |
{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60)}
بعد أن خاطب المجرمين وأمرهم بالانفراد عن المؤمنين خاطب عموم بني آدم وذكرهم بما عهد إليهم من ترك عبادة الشيطان وأمرهم بعبادة الله وحده؛ لأن عاقبة المجرمين تلك إنما كانت بسبب عبادة الشيطان وعدم طاعة الله.
ومعنى (ألم أعهد) - كما يقول المفسرون - ألم أوص، والعهد: الوصية، وعهد إليه إذا وصاه (1).
والحقيقة أن ثمة اختلافًا بين العهد والوصية، فإن العهد أقوى من الوصية، ذلك أن العهد يكون بمعنى الموثق واليمين يحلف بها الرجل (2).
والفرق بين الذي يعهد والذي يوصي أن العاهد هو صاحب الشأن، أما الموصي فقد لا يكون صاحب الشأن، فقد يقول لك صديقك: أوصيك بفلان خيرًا، وأوصيك ألا تشارك فلانًا في تجارة، وأوصيك باستشارة فلان وأخذ نصيحته. فهذه وصية من باب النصح وليس الموصي صاحب الشأن، بخلاف ما لو قال: أعهد إليك أمر فلان، أي أنزعه من عهدتي إلى عهدتك، فتكون أنت مسؤولًا عنه.
ومعنى عهد إليه: كلفه وحمله الأمر وجعله مسؤولا عنه. وليست (وصى) كذلك. فالعاهد هو صاحب الشأن الذي بيده الأمر.
ومن هذا يتضح أن العهد أقوى من الوصية.
ولم يسند فعل العهد في القرآن الكريم إلى غير الله تعالى، بخلاف فعل الوصية فإنه أسند إلى الله وإلى غيره، قال تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} {البقرة: 125}.
وقال: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} {طه: 115}.
وقال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ} {يس: 60}.
وقال: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} {آل عمران: 183}.
في حين قال: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ}{البقرة: 132}.
وقال: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} {النساء: 12}.
وقال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} {النساء: 131}.
وقد أسند هذا العهد إلى نفسه - شأن غيره من أفعال العهد - الأهمية هذا الأمر وليحملوه محمل الجد والطاعة والعمل به على أتم حال. فلم يبن الفعل للمجهول ولم يسنده إلى الرسل، فلم يقل: (ألم يعهد إليكم) أو (ألم يعهد إليكم رسلي) ذلك أن هذا الأمر إنما هو غاية ما خلق له الثقلان، فإنهم لم يخلقوا إلا لعبادته سبحانه، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} {الذاريات: 56}.
وعهده إليهم إنما جاء على ألسنة الرسل بما أنزله عليهم سبحانه (3).ونداؤهم ببني آدم إشارة إلى عداوة الشيطان لأبيهم آدم وإخراجه من الجنة، وذلك ليذكروا ويأخذوا حذرهم. ونظير ذلك أن تذكر شخصًا أوقع شخص آخر بأبيه مصيبة فادحة عمدًا من شدة بغضه له، ثم جاء يشارك ابنه في مال فينصحه ناصح محذرًا فيقول له: يا ابن فلان، تذكيرًا له وتحذيرًا.
جاء في (روح المعاني): "والنداء بوصف البنوة لآدم كالتمهيد لهذا التعليل والتأكيد لعدم جريهم على مقتضى العلم، فهم والمنكرون سواء" (4).
(1) ينظر الكشاف 2/59، التفسير الكبير 26/96.
(2) لسان العرب (عهد) 4/305.
(3) ينظر التفسير الكبير 26/96، روح المعاني 23/40، الكشاف 2/591.
(4) روح المعاني 23/40.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 286 إلى ص 288.
* * *
{أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}
أي لا تطيعوه فيما يوسوس به إليكم ويزينه في قلوبكم (1).
وعبر عن ذلك بالعبادة لا بالطاعة لأن العبادة ليست مجرد الطاعة، فأنت قد تطيع شخصًا ولا تعبده كطاعة أولي الأمر وطاعة الوالدين وغيرهم. ثم إن الطاعة قد تكون عن طريق الإكراه، فقد يكرهك من ينفذ أمره على الطاعة ويحملك عليها، وهذه لا تسمى عبادة، وإنما العبادة تعني الطاعة مع الخضوع والاستسلام والانقياد للأمر والتذلل (2).
جاء في (روح المعاني): "والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة عبادته عز وجل" (3).
وعبادة الشيطان لا تختص بالسجود له أو ذكره على سبيل التعظيم أو إقامة الشعائر له، وإنما تكون بتنفيذ مقاصده ومراده واتباع خطواته، فكل ذلك عبادة له، وكل عبادة لغير الله إنما هي عبادة للشيطان، ولذلك سمي الله سبحانه عبادة الأصنام عبادة للشيطان، قال تعالى مخبرًا عن سيدنا إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)... يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} {مريم: 42 – 44}.
فقال له أبوه: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} {مريم: 46}.
فجعل عبادة الأصنام عبادة للشيطان، يدل على ذلك قوله: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ}، ورد أبيه عليه {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ}.
(1) ينظر الكشاف 2/591، التفسير الكبير 26/96.
(2) ينظر لسان العرب (عبد) 4/260 – 263.
(3) روح المعاني 23/40.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 288 إلى ص 289.
* * *
{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}
تعليل للنهي، فإن ذلك يوجب الابتعاد منه لا عبادته واتباعه.
ومعنى (مبين) ظاهر العداوة مظهر لها، فإن معنى (أبان) ظهر وأظهر. تقول: (أبان الرجل) أي بان أمره وظهر، و(أبان الرجل) أظهر أمره وبينه. فإن الشيطان ظاهر العداوة ومظهر لها، فكيف يعبده الناس؟!.
إن العدو قسمان:
- قسم مظهر لعداوته مبين لها.
وقسم مخف لها غير مبين.
وإن العداوة قسمان:
۔ عداوة ظاهرة بينة وإن أراد صاحبها إخفاءها.
- وعداوة خفية.
وإن الشيطان عدو ظاهر العداوة ليس في عداوته خفاء، وإنه مظهر لها غير مخفيها. وقد أظهر هذه العداوة وذكرها لربه صراحة: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} {الأعراف: 16 – 17}.
وقال: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} {النساء: 119}.
فكيف يعبد من دون الله مع كل ذلك؟
وقد قدم الجار والمجرور (لكم) فقال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ولم يقل: (إنه عدو مبين لكم) وذلك لغرض الاختصاص، فهو عدو لنا خاصة، وكل همه أن يضلنا ويبعدنا عن طاعة ربنا فيدخلنا النار.
ولو قال: (إنه عدو مبين لكم) لكان المعنى أن الإبانة لنا، أما العداوة فليست لنا نصًّا بل ربما كانت لنا أو لغيرنا.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 289 إلى ص 290.
الوقفة كاملة
|
| ٥١٩ |
{وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)}
أي ما نهيتكم عنه من عبادة الشيطان وأمركم بعبادتي إنما هو صراط مستقيم لا صراط أقوم منه، وكل طريق آخر هو غير مستقيم. وتنكير الصراط لا يعني أن ثمة طرقًا أخرى مستقيمة. ولا يعني أنه أحد الطرق المستقيمة بل المقصود وصفه بالاستقامة. فقد ينكر الشيء وهو واحد ولا شيء معه كقوله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}، وقوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} {فصلت: 43}، إذ المقصود وصف الرب بالرحمة ووصف المنزل بأنه حكيم حميد.
وكذلك ههنا فإن المقصود وصف الطريق بالاستقامة، فالاستقامة هي المطلوبة على كل حال.
جاء في (روح المعاني): "وفيه أن المطلوب الاستقامة والأمر دائر معها وقليلها كثير" (1).
وقيل: إن التنكير للمبالغة والتعظيم (2).
جاء في (الكشاف): "{هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} يريد: صراط بليغ في بابه، بليغ في استقامته، جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه.
ويجوز أن يراد: هذا بعض الصرط المستقيمة توبيخًا لهم عن العدول عنه، والتفادي عن سلوكه، كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج الذي يؤدي إلى الضلالة والتهلكة. كأنه قيل: أقل أحوال الطريق الذي هو أقوم الطرق أن يعتقد فيه كما يعتقد في الطريق الذي لا يضل السالك، كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ الذي ليس بعده: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار، توبيخًا له على الإعراض عن نصائحه" (3).
وذكر الصراط إشارة إلى أن الإنسان سالك مجتاز، ولذا كانت به حاجة إلى الطريق المستقيم يسير عليه في الحياة الدنيا ويجتاز منه إلى الآخرة مفضيًا إلى دار السعادة.
فالإنسان لابد له من الصراط المستقيم يسير على وفقه في الحياة لئلا يضل ويشقى ويفضي به إلى جنان النعيم عند الرحمن الرحيم
جاء في (التفسير الكبير): "وفي ضمن قوله تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ} إشارة إلى أن الإنسان مجتاز، لأنه لو كان في دار إقامة فقوله (هذا صراط مستقيم) لا يكون له معنى، لأن المقيم يقول: وماذا أفعل بالطريق وأنا من المقيمين؟" (4).
وقدم النهي عن عبادة الشيطان على الأمر بعبادته سبحانه لأكثر من سبب:
منها: أن عبادة الشيطان تفسد عبادة الله، فإن عبادة الله إذا داخلتها عبادة الشيطان فسدت وحبط العمل. فعبادة الله مع عبادة الشيطان شرك لا تنجي صاحبها من النار ولا تدخله الجنة.
إن عبادة الشيطان مع عبادة الله تضر، وعبادة الله مع عبادة الشيطان لا تنفع. وعلى أية حال فعبادة الشيطان تقود إلى النار حتى لو اقترنت بعبادة الله، فنهى عما يوقع الفرد في النار ولا ينفع معه عمل.
ومن عبادة الشيطان عبادة الأصنام سواء كانوا حجرًا أم بشرًا، فإن عبادة الأصنام إذا اقترنت بعبادة الله أفسدتها وقادت صاحبها إلى النار.
ومنها: أن ترك عبادة الشيطان من باب دفع الضرر، وأن عبادة الله من باب جلب المنفعة ودفع الضرر. غير أنها لا تنفع ولا تدفع إلا إذا تركت عبادة الشيطان، فعبادة الله لا تؤتي ثمرتها إلا بترك عبادة الشيطان، فالنهي عن عبادة الشيطان مقدم لتؤدي عبادة الله غايتها وتؤتي أكلها.
ومنها: أن تنفيذ النواهي أيسر من تنفيذ الأوامر، فإن الإنسان يستطيع أن يكف نفسه عن أشياء كثيرة، لكنه قد لا يستطيع القيام بأعمال كثيرة. فالكف عن المحارم أيسر من القيام بالطاعات، ولذا قال له : "ما أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا عنه» أو كما قال.
فالإنسان يستطيع أن يترك العبادات ولكنه يثقل عليه فعلها.
فبدأ بما هو أيسر عليه.
ومنها: أنك إذا وجدت إنسانًا ضالاً عن الطريق فإنك لابد أن توقفه عن المضي فيه أولا ثم تعيده إلى الطريق المستقيم، وعبادة الشيطان ضلال فلا بد من تركها أولًا ليخلو القلب إلى الله.
ومنها: أنه وجد أكثر بني آدم يعبدون الشيطان، كما قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} {الأنعام: 116}، فنهاهم عما هم فيه لتستقيم عبادتهم لله وتصح، وذلك نحو أن تجد شخصًا ساقطًا في مستنقع أو راكسًا في الوحل فلابد أن تخرجه مما هو فيه أولًا ثم تقوم بتنظيفه بعد ذلك.
وقيل أيضًا: إن "تقديم النهي على الأمر لما أن حق التخلية التقدم على التحلية.
قيل: وليتصل به قوله تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} بناء على أن الإشارة إلى عبادته تعالى لأنه المعروف في الصراط المستقيم" (5).
(1) روح المعاني 23/41.
(2) روح المعاني 23/40.
(3) الكشاف 2/592.
(4) التفسير الكبير 26/99.
(5) روح المعاني 23/40.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 290 إلى ص 293.
الوقفة كاملة
|
| ٥٢٠ |
{هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63)}
بعد أن ذكر الذين أضلهم الشيطان ذكر مآلهم وحالهم، فقد وقفهم على شفير جهنم وقرعهم قائلاً: انظروا هذه جهنم التي كنتم توعدون فكذبتم بها واتبعتم الشيطان فاصلوها وقاسوا حرها.
جاء في (روح المعاني): "قوله تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} استئناف يخاطبون به بعد تمام التوبيخ والتقريع والإلزام والتبكيت عند إشرافهم على شفير جهنم، أي هذه التي ترونها جهنم التي لم تزالوا توعدون بدخولها على ألسنة الرسل عليهم السلام، والمبلغين عنهم بمقابلة عبادة الشيطان" (1).
لقد قال: {هَذِهِ جَهَنَّمُ} ولم يقل: (تلك) للدلالة على أنها قريبة منهم مرئية، وفي هذا من التبكيت والتقريع والتخويف ما فيه.
وقال: (جهنم) باسمها العلم، ولم يقل: (هذه النار) كما قال في سورة الطور، فإنه قال فيها: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} {الطور: 14}، ذلك أنه قال في الطور قبل هذه الآية: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} {الطور: 13}، فذكر النار، فناسب أن يقول: {هَذِهِ النَّارُ} دون آية (يس).
وقال: {الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} ولم يقل: (التي وعدتم) للدلالة على استمرار الوعد وتطاوله، ولو قال: (وعدتم) لم يفد الاستمرار.
وبنى الفعل (توعدون) للمجهول ولم يذكر الواعد للدلالة على أن الواعدين كثر، وأنهم جهات متعددة وهم رسل الله والمبلغون عنهم.
وقال: (توعدون) في (يس)، و(تكذبون) في الطور، لمناسبة كل تعبير سياقه الذي ورد فيه، فإنه تردد في سورة (يس) الوعد، فقد قال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، وقال: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}، وقال: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}، فناسب قوله: {كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}.
وقال: (تكذبون) في الطور لما سبق هذه الآية قوله: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} {الطور: 11}، فناسب قوله: (تكذبون) في الطور، و(توعدون) في (يس).
(1) روح المعاني 23/41، وانظر التفسير الكبير 26/100.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 296 إلى ص 297.
الوقفة كاملة
|