تفسير و تدارس

٤٢١ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٢٢ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٢٣ التعليق علي تفسير القرطبي سورة الإسراء الوقفة كاملة
٤٢٤ التعليق علي تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٢٥ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٢٦ التعليق على تفسير القرطبى الوقفة كاملة
٤٢٧ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٢٨ التعليق على تفسير القرطبى سورة المؤمنون الوقفة كاملة
٤٢٩ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٠ التعليق على تفسير اضواء البيان للشنقيطى الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٤٢١ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم. أمر ربنا سيدنا محمدًا أن يقول ذلك فقال له: قل أعوذ. وقد تقول: ولماذا أمره بقول ذلك ولم يقل: (أعوذ) من دون (قل)؟ إن الله يريد من الإنسان أن يعلن صراحة عن ضعفه وحاجته إلى ربه ليعينه ويخلصه مما يحذر، وألًا يكتفي بشعوره بالحاجة إلى ذلك، مطلوب منه أن يعلن التجاءه إلى ربه واعتصامه به، وأنه يلوذ به لأنه أضعف من أن يرد ما يحذره ويخشاه؛ لأن ما يخشاه كثير وقوي، ظاهر وخفي، وقد ينال منه متى يشاء إن لم يلتجئ إلى ربه الذي يعينه ويأخذ بيده ويدفع عنه الشر. وهذا الإعلان عن حاجته إلى ربه ضروري من نواح عدة، منها: أن فيه قتلًا للكبر والعجب والغرور الكاذب والشعور بالاستغناء، وهذا سبب الطغيان، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] فإن قسمًا من الناس يمنعهم الكبر والغرور من طلب الإعانة وهو أحوج شيء إليها. ثم إن هذا الإعلان من أسباب الطاعة وعدم المعصية، فإن الذي يلتجئ إلى شخص ما يطيعه في العادة ولا يعصيه، فإن الإنسان مطيع لمن يستنجد به ويستنصر به ولا يخرج عليه. ثم إن هذه الاستعاذة مما يلين القلوب ويجعلها خاشعة لله رب العالمين، خصوصًا إذا صحب هذه الاستعاذة شعور بشدة الحاجة إلى غياث المستغيثين يأوي إلى ركنه الشديد. وقد علمنا ربنا أن نستعيذ به من عموم الشرور وخفيها وظاهرها فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200- فصلت: 36]. وعلمنا نبينا أن نستعيذ بربنا من عموم ما نخاف ونحذر، ومن شر ما نعلم ما لا نعلم، فقد كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ويعلمنا أن نقول إذا خشينا أمرًا: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكان سيتعيذ بالله منه، وبرضاه من غضبه، وبمعافاته من عقوبته، وكان يعوذ الأطفال بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامّة. فالاستعاذة بالله مسنونة تفصح عن الالتجاء إلى الله والاعتصام به. والإفصاح عن الاستعاذة بالقول في اللسان نظير الإفصاح بالذكر والتسبيح والتحميد، كلاهما مطلوب مأمور به لا نكتفي من ذلك بما نشعر به في القلوب ونحس به في الوجدان، بل لا بد من مواطأة اللسان للقلب، وذلك أعلى الذكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42]، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف: 205]. وقال  مخبرًا عن ربه أنه قال: (أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه) فذكر ربنا والالتجاء إليه والاعتصام به مطلوب على كل حال. وقد تقول: ولم قال ههنا: (أعوذ) ولم يقل: (إني أعوذ) كما قال في مواطن أخرى؟ فقد قال في سورة (غافر) غلى لسان سيدنا موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، وقال في سورة الدخان على لسنا سيدنا موسى أيضًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20]، وقال على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47]، وقال على لسان مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] وقال على لسان امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. كل ذلك على التأكيد بـ (إن). في حين قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، وقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وكذلك ما ورد في المعوذتين فإنه لم يؤكد ذلك بـ (إن). وعلة ذلك - والله أعلم – أن الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، فإذا كان المحذور شديدًا والمخوف متمكنًا متسلطاً، وكان يتهدده هو على الخصوص، أكد الاستعاذة فقال: (إني أعوذ) وإلا قال: (أعوذ). ففي آية غافر مثلًا أكد الاستعاذة بـ (إن)؛ لأن فرعون هدد سيدنا موسى بالقتل، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]. وكذلك في سورة الدخان، فإنه هددوه بالرجم فاستعاذ من ذلك قائلًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 20 - 21]، أي إن لم تصدقوا بي فاتركوني، فكان الأمر يتهدده هو على الخصوص، وكان المخوف متمكنًا متسلطاً عاتيًا، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} مؤكدًا ذلك بـ (إن). وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام، فقد احتجت عن قومها لتغتسل وإذا ببشر سوي أمامها، وقد ظنت ما يظن النساء في مثل هذا الموقف، وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها، وعاذت أشد ما تكون الاستعاذة فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} فأكدت ذلك بـ (إن). ثم انظر كيف أنها استعاذت بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها من مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة. وفيها أيضًا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أن تستعيذ بالرحمن. هذا إضافة إلى أن جو السورة تشيع فيه الرحمة من أولها إلى آخرها (1)، فقد بدأت بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2]، وكان في أواخرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]. وأما قوله على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} فإنه قاله تعقيبًا على قوله تعالى له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] فلما وعظه بـ {إِنِّي أَعِظُكَ} استعاذ به قوله: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} فهي استعاذة مؤكدة بمقابل الوعظ المؤكد. هذا علاوة على أن الأمر كان يعني سيدنا نوحًا على وجه الخصوص، فإن الابن الذي غرق ابنه وهو أبوه. وأما ما ورد على لسان امرأة عمران وهو قوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها نذرت أن يكون ما في بطنها خالصًا لله خادمًا للكنيسة (2). راجية أن يكون ما في بطنها ذكرًا فوضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فإنه من الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من الخدمة في دور العبادة والقيام بأمرها، فقد تكون فيها وحيدة والرجال يغشونها، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان، وبقائها وحدها في مكان يغشاه الرجال، وقد يكوم خاليًا أحيانًا، فاستعاذت لها استعاذة مؤكدة فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ثم انظر إلى إلحاقها الذرية بالاستعاذة في هذا المقام، فإنها إلماح إلى ما يخشى عليها منه، وهذا من أخطر مواطن الخشية على النساء، وقد قال : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التوكيد بـ (إن) يشيع في هذا السياق، قال تعالى على لسانها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ... إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أما ما لكم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر وليس بهذه الدرجة من التهديد فلا يؤكد بإن، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، فليس ذلك موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإن. وأنت تحس الفرق بين هذا الموطن وقوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أو المواطن الأخرى. ومثل ذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . وكذلك ما ورد في المعوذتين فلا يحتاج ذلك إلى توكيد. ثم إن ذلك لا يتهدده هو على وجه الخصوص. ونظير هذا في التوكيد وعدمه قوله تعالى: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالتوكيد بـ (إن)، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} من دون توكيد. فقد ورد على لسان آدم قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] من دون توكيد بـ (إن)، وورد على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]، وورد مثل ذلك على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] بالتأكيد بـ (إن) وذلك على مقدار ظلم النفس. فإن موسى قال ذلك بعد قتل القبطي حين وكزة فقضى عليه، والقتل معصية كبيرة، وهي أكبر من معصية آدم، وهي متعلقة بحق العباد فأكد الظلم بإن فقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس، قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فأكدت الظلم بإن وتابت عن ذلك بالدخول في الإسلام قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ولم تقل (فاغفر لي) كما قال موسى؛ لأنه ليس مع الشرك مغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ولا سبيل لها إلا الدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله. أما موسى فإنه طلب المغفرة؛ لأن هذه معصية تمحى بالتوبة والاستغفار، لأنه ليس من القتل العمد، فإنه لم يكن قاصدًا لقتله، وهذا ما يتدارك بالتوبة والاستغفار. فاتضح أت التأكيد بإن على قدر المعصية، كما كان التأكد بها على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. (الفلق): هو الفجر، وقيل: هو الصبح، وقيل: هو الخلق كله. وحقيقة الفلق: الشق. وهو أصل معاني هذه اللفظة، وكل معانيها الأخرى تعود إلية. جاء في (لسان العرب): "الفلق: الشق ... والفلق: الخلق. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، وقال بعضهم: وفالق في معنى (خالق). وكذلك فلق الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. وانفلق المكان به: انشق ... وفلق الله الفجر: أبداه وأوضحه، وقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال الزجاج: جائز أن يكون معناه: خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: شاق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق. والفلق، بالتحريك: ما انفلق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكل راجع إلى معنى الشق ... ويقال: الفلق: الخلق كله، والفلق: بيان الحق بعد إشكال ... وفي الحديث: أنه كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، هو بالتحريك: ضوؤه وإنارته" (3). وجاء في (الكشاف) :"الفلق والفرق: الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: (هو أبين من فلق الصبح) ... وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك" (4). وجاء في (التفسير القيم): "واعلم أن الخلق كله فلق ... والله عز وجل فالق الإصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات ... ويسمى الصبح المنصدع عن الظلمة: فلقًا وفرقًا ... ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقًا" (5). ومن ذلك يتبين أن أشهر معاني الفلق: 1- الصبح، وهو أشهر معنى له، وخص به عرفًا (6). 2- جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. 3- بيان الحق بعد إشكال. 4- الفلق: هو كل ما فُلِق، أي شق، فهو اسم مفعول كالقصص والهمل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام:95]، و{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وهو أصل المعاني الأخرى. وتخصيص الفلق بالذكر له أسباب ودواع منها: إن الفلق - وهو الصبح - مشعر بتبدد ظلمة الليل وزوال همومه ومخاوفه، ومشعر بمجيء الفرج. ولذا نسمع الشكوى من الليل وترقب المهموم للصبح، فإن المريض والمهموم والخائف يستطيل الليل ويتمنى ذهابه ومجيء الصبح، قال الشاعر: وصدر أرح الليل عازب همه تداعى عليه الهم من كل جانب وقال الآخر: وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه دف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال الآخر: أزيد في الليل ليل أم سال بالصبح سيل فذكر الفلق ههنا أنسب شيء، خصوصًا وأنه ذكر الغاسق إذا وقب بعده. وقيل: إنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور، والنوم أخو الموت، والصبح كالبعث والنشور، وقيل غير ذلك. جاء في (تفسير البيضاوي): "وتحصيصه (يعني الفلق) لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه" (7). وجاء في (التفسير القيم): "الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها" (8). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أن تخصيص الفلق في التعوذ لوجوه منها: "الأول أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج. فكما أن الإنسان في الليل يكون منظر لطلوع الصبح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة. الثالث: أن الصبح كالبشرى، فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ... السادس: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور" (9). واختار لفظ (الفلق) على الصبح لأكثر من سبب، ذلك أن لفظ الفلق مشعر بالتغير والحركة؛ لأن معناه انشقاق ضوء الصبح عن ظلمة الليل، وأن الانفلاق والفلق يدل على التغير والحركة، ومنه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} بخلاف كلمة (الصبح) فإنها لا تفيد ذاك، وإنما تفيد تعيين الوقت، فتشعر كلمة الفلق بتغير الأحوال، وتبدل نور الصبح بظلمة الليل، وزوال الهموم، والسعة بعد الضيق، ولا تفيد كلمة الصبح هذا التغير والتبدل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن لفظة (الفلق) أعم من لفظ الصبح، وأن لها أكثر من معنى، ويمكن أن تكون معانيه مرادة كلها، فلفظ (الفلق) يفيد توسعًا في المعنى، بخلاف كلمة الصبح، فاختيار لفظ (الفلق) أولى. واختيار لفظ (رب) وإضافته إلى الفلق أنسب شيء ههنا، فالرب معناه المالك والمربي والسيد والقيم والمعلم والمرشد، فالاستعاذة برب المخلوقات ومالكها والقائم على أمرها من شرور ما يصدر عنها أنسب شيء في إعاذة المستعيذ به، فهو وحده القادر على كفها وكف شرورها، فإنه يأمرها فتطيع أمره. ثم إن المربي يحفظ من هو في رعايته ويرعاه ويدفع عنه السوء ويحميه من الشرور، والمربي من معاني (الرب). فاختيار لفظ (الرب) مناسب من جهتين: من جهة المستعاذ به، فإنه مربيه والقائم على حفظه ورعايته، ولذا كثر لفظ (الرب) مع الاستعاذة لما فيه من معنى التربية والحفظ والقيام بالأمر. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنين: 97 - 98]، وقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. جاء في (تفسير البيضاوي) "ولفظ (الرب) ههنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعادة من المضار تربية" (10). وذكر غير لفظ (الرب) مع الاستعاذة له أسبابه ودواعيه، فإن ذلك بحسب ما يقتضيه المقام والسياق، كما ذكرنا في استعاذة مريم عليها السلام، فالاستعاذة برب المخلوقات من شرورها أنسب من اختيار أي لفظ أو اسم آخر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 29 إلى ص 40. (1) انظر التعبير القرآني 294 – 296. (2) انظر فتح القدير 1/303. (3) لسان العرب (فلق) 12/184. (4) الكشاف 3/368. (5) التفسير القيم 562. (6) انظر روح المعاني 30/279. (7) تفسير البيضاوي 814. (8) التفسير القيم 561. (9) التفسير الكبير 32/191 – 192، وانظر روح المعاني 30/279 – 280. (10) أنوار التنزيل 814. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم. أمر ربنا سيدنا محمدًا أن يقول ذلك فقال له: قل أعوذ. وقد تقول: ولماذا أمره بقول ذلك ولم يقل: (أعوذ) من دون (قل)؟ إن الله يريد من الإنسان أن يعلن صراحة عن ضعفه وحاجته إلى ربه ليعينه ويخلصه مما يحذر، وألًا يكتفي بشعوره بالحاجة إلى ذلك، مطلوب منه أن يعلن التجاءه إلى ربه واعتصامه به، وأنه يلوذ به لأنه أضعف من أن يرد ما يحذره ويخشاه؛ لأن ما يخشاه كثير وقوي، ظاهر وخفي، وقد ينال منه متى يشاء إن لم يلتجئ إلى ربه الذي يعينه ويأخذ بيده ويدفع عنه الشر. وهذا الإعلان عن حاجته إلى ربه ضروري من نواح عدة، منها: أن فيه قتلًا للكبر والعجب والغرور الكاذب والشعور بالاستغناء، وهذا سبب الطغيان، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] فإن قسمًا من الناس يمنعهم الكبر والغرور من طلب الإعانة وهو أحوج شيء إليها. ثم إن هذا الإعلان من أسباب الطاعة وعدم المعصية، فإن الذي يلتجئ إلى شخص ما يطيعه في العادة ولا يعصيه، فإن الإنسان مطيع لمن يستنجد به ويستنصر به ولا يخرج عليه. ثم إن هذه الاستعاذة مما يلين القلوب ويجعلها خاشعة لله رب العالمين، خصوصًا إذا صحب هذه الاستعاذة شعور بشدة الحاجة إلى غياث المستغيثين يأوي إلى ركنه الشديد. وقد علمنا ربنا أن نستعيذ به من عموم الشرور وخفيها وظاهرها فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200- فصلت: 36]. وعلمنا نبينا أن نستعيذ بربنا من عموم ما نخاف ونحذر، ومن شر ما نعلم ما لا نعلم، فقد كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ويعلمنا أن نقول إذا خشينا أمرًا: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكان سيتعيذ بالله منه، وبرضاه من غضبه، وبمعافاته من عقوبته، وكان يعوذ الأطفال بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامّة. فالاستعاذة بالله مسنونة تفصح عن الالتجاء إلى الله والاعتصام به. والإفصاح عن الاستعاذة بالقول في اللسان نظير الإفصاح بالذكر والتسبيح والتحميد، كلاهما مطلوب مأمور به لا نكتفي من ذلك بما نشعر به في القلوب ونحس به في الوجدان، بل لا بد من مواطأة اللسان للقلب، وذلك أعلى الذكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42]، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف: 205]. وقال  مخبرًا عن ربه أنه قال: (أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه) فذكر ربنا والالتجاء إليه والاعتصام به مطلوب على كل حال. وقد تقول: ولم قال ههنا: (أعوذ) ولم يقل: (إني أعوذ) كما قال في مواطن أخرى؟ فقد قال في سورة (غافر) غلى لسان سيدنا موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، وقال في سورة الدخان على لسنا سيدنا موسى أيضًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20]، وقال على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47]، وقال على لسان مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] وقال على لسان امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. كل ذلك على التأكيد بـ (إن). في حين قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، وقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وكذلك ما ورد في المعوذتين فإنه لم يؤكد ذلك بـ (إن). وعلة ذلك - والله أعلم – أن الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، فإذا كان المحذور شديدًا والمخوف متمكنًا متسلطاً، وكان يتهدده هو على الخصوص، أكد الاستعاذة فقال: (إني أعوذ) وإلا قال: (أعوذ). ففي آية غافر مثلًا أكد الاستعاذة بـ (إن)؛ لأن فرعون هدد سيدنا موسى بالقتل، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]. وكذلك في سورة الدخان، فإنه هددوه بالرجم فاستعاذ من ذلك قائلًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 20 - 21]، أي إن لم تصدقوا بي فاتركوني، فكان الأمر يتهدده هو على الخصوص، وكان المخوف متمكنًا متسلطاً عاتيًا، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} مؤكدًا ذلك بـ (إن). وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام، فقد احتجت عن قومها لتغتسل وإذا ببشر سوي أمامها، وقد ظنت ما يظن النساء في مثل هذا الموقف، وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها، وعاذت أشد ما تكون الاستعاذة فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} فأكدت ذلك بـ (إن). ثم انظر كيف أنها استعاذت بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها من مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة. وفيها أيضًا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أن تستعيذ بالرحمن. هذا إضافة إلى أن جو السورة تشيع فيه الرحمة من أولها إلى آخرها (1)، فقد بدأت بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2]، وكان في أواخرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]. وأما قوله على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} فإنه قاله تعقيبًا على قوله تعالى له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] فلما وعظه بـ {إِنِّي أَعِظُكَ} استعاذ به قوله: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} فهي استعاذة مؤكدة بمقابل الوعظ المؤكد. هذا علاوة على أن الأمر كان يعني سيدنا نوحًا على وجه الخصوص، فإن الابن الذي غرق ابنه وهو أبوه. وأما ما ورد على لسان امرأة عمران وهو قوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها نذرت أن يكون ما في بطنها خالصًا لله خادمًا للكنيسة (2). راجية أن يكون ما في بطنها ذكرًا فوضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فإنه من الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من الخدمة في دور العبادة والقيام بأمرها، فقد تكون فيها وحيدة والرجال يغشونها، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان، وبقائها وحدها في مكان يغشاه الرجال، وقد يكوم خاليًا أحيانًا، فاستعاذت لها استعاذة مؤكدة فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ثم انظر إلى إلحاقها الذرية بالاستعاذة في هذا المقام، فإنها إلماح إلى ما يخشى عليها منه، وهذا من أخطر مواطن الخشية على النساء، وقد قال : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التوكيد بـ (إن) يشيع في هذا السياق، قال تعالى على لسانها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ... إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أما ما لكم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر وليس بهذه الدرجة من التهديد فلا يؤكد بإن، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، فليس ذلك موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإن. وأنت تحس الفرق بين هذا الموطن وقوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أو المواطن الأخرى. ومثل ذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . وكذلك ما ورد في المعوذتين فلا يحتاج ذلك إلى توكيد. ثم إن ذلك لا يتهدده هو على وجه الخصوص. ونظير هذا في التوكيد وعدمه قوله تعالى: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالتوكيد بـ (إن)، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} من دون توكيد. فقد ورد على لسان آدم قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] من دون توكيد بـ (إن)، وورد على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]، وورد مثل ذلك على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] بالتأكيد بـ (إن) وذلك على مقدار ظلم النفس. فإن موسى قال ذلك بعد قتل القبطي حين وكزة فقضى عليه، والقتل معصية كبيرة، وهي أكبر من معصية آدم، وهي متعلقة بحق العباد فأكد الظلم بإن فقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس، قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فأكدت الظلم بإن وتابت عن ذلك بالدخول في الإسلام قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ولم تقل (فاغفر لي) كما قال موسى؛ لأنه ليس مع الشرك مغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ولا سبيل لها إلا الدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله. أما موسى فإنه طلب المغفرة؛ لأن هذه معصية تمحى بالتوبة والاستغفار، لأنه ليس من القتل العمد، فإنه لم يكن قاصدًا لقتله، وهذا ما يتدارك بالتوبة والاستغفار. فاتضح أت التأكيد بإن على قدر المعصية، كما كان التأكد بها على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. (الفلق): هو الفجر، وقيل: هو الصبح، وقيل: هو الخلق كله. وحقيقة الفلق: الشق. وهو أصل معاني هذه اللفظة، وكل معانيها الأخرى تعود إلية. جاء في (لسان العرب): "الفلق: الشق ... والفلق: الخلق. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، وقال بعضهم: وفالق في معنى (خالق). وكذلك فلق الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. وانفلق المكان به: انشق ... وفلق الله الفجر: أبداه وأوضحه، وقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال الزجاج: جائز أن يكون معناه: خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: شاق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق. والفلق، بالتحريك: ما انفلق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكل راجع إلى معنى الشق ... ويقال: الفلق: الخلق كله، والفلق: بيان الحق بعد إشكال ... وفي الحديث: أنه كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، هو بالتحريك: ضوؤه وإنارته" (3). وجاء في (الكشاف) :"الفلق والفرق: الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: (هو أبين من فلق الصبح) ... وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك" (4). وجاء في (التفسير القيم): "واعلم أن الخلق كله فلق ... والله عز وجل فالق الإصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات ... ويسمى الصبح المنصدع عن الظلمة: فلقًا وفرقًا ... ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقًا" (5). ومن ذلك يتبين أن أشهر معاني الفلق: 1- الصبح، وهو أشهر معنى له، وخص به عرفًا (6). 2- جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. 3- بيان الحق بعد إشكال. 4- الفلق: هو كل ما فُلِق، أي شق، فهو اسم مفعول كالقصص والهمل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام:95]، و{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وهو أصل المعاني الأخرى. وتخصيص الفلق بالذكر له أسباب ودواع منها: إن الفلق - وهو الصبح - مشعر بتبدد ظلمة الليل وزوال همومه ومخاوفه، ومشعر بمجيء الفرج. ولذا نسمع الشكوى من الليل وترقب المهموم للصبح، فإن المريض والمهموم والخائف يستطيل الليل ويتمنى ذهابه ومجيء الصبح، قال الشاعر: وصدر أرح الليل عازب همه تداعى عليه الهم من كل جانب وقال الآخر: وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه دف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال الآخر: أزيد في الليل ليل أم سال بالصبح سيل فذكر الفلق ههنا أنسب شيء، خصوصًا وأنه ذكر الغاسق إذا وقب بعده. وقيل: إنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور، والنوم أخو الموت، والصبح كالبعث والنشور، وقيل غير ذلك. جاء في (تفسير البيضاوي): "وتحصيصه (يعني الفلق) لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه" (7). وجاء في (التفسير القيم): "الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها" (8). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أن تخصيص الفلق في التعوذ لوجوه منها: "الأول أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج. فكما أن الإنسان في الليل يكون منظر لطلوع الصبح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة. الثالث: أن الصبح كالبشرى، فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ... السادس: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور" (9). واختار لفظ (الفلق) على الصبح لأكثر من سبب، ذلك أن لفظ الفلق مشعر بالتغير والحركة؛ لأن معناه انشقاق ضوء الصبح عن ظلمة الليل، وأن الانفلاق والفلق يدل على التغير والحركة، ومنه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} بخلاف كلمة (الصبح) فإنها لا تفيد ذاك، وإنما تفيد تعيين الوقت، فتشعر كلمة الفلق بتغير الأحوال، وتبدل نور الصبح بظلمة الليل، وزوال الهموم، والسعة بعد الضيق، ولا تفيد كلمة الصبح هذا التغير والتبدل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن لفظة (الفلق) أعم من لفظ الصبح، وأن لها أكثر من معنى، ويمكن أن تكون معانيه مرادة كلها، فلفظ (الفلق) يفيد توسعًا في المعنى، بخلاف كلمة الصبح، فاختيار لفظ (الفلق) أولى. واختيار لفظ (رب) وإضافته إلى الفلق أنسب شيء ههنا، فالرب معناه المالك والمربي والسيد والقيم والمعلم والمرشد، فالاستعاذة برب المخلوقات ومالكها والقائم على أمرها من شرور ما يصدر عنها أنسب شيء في إعاذة المستعيذ به، فهو وحده القادر على كفها وكف شرورها، فإنه يأمرها فتطيع أمره. ثم إن المربي يحفظ من هو في رعايته ويرعاه ويدفع عنه السوء ويحميه من الشرور، والمربي من معاني (الرب). فاختيار لفظ (الرب) مناسب من جهتين: من جهة المستعاذ به، فإنه مربيه والقائم على حفظه ورعايته، ولذا كثر لفظ (الرب) مع الاستعاذة لما فيه من معنى التربية والحفظ والقيام بالأمر. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنين: 97 - 98]، وقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. جاء في (تفسير البيضاوي) "ولفظ (الرب) ههنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعادة من المضار تربية" (10). وذكر غير لفظ (الرب) مع الاستعاذة له أسبابه ودواعيه، فإن ذلك بحسب ما يقتضيه المقام والسياق، كما ذكرنا في استعاذة مريم عليها السلام، فالاستعاذة برب المخلوقات من شرورها أنسب من اختيار أي لفظ أو اسم آخر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 29 إلى ص 40. (1) انظر التعبير القرآني 294 – 296. (2) انظر فتح القدير 1/303. (3) لسان العرب (فلق) 12/184. (4) الكشاف 3/368. (5) التفسير القيم 562. (6) انظر روح المعاني 30/279. (7) تفسير البيضاوي 814. (8) التفسير القيم 561. (9) التفسير الكبير 32/191 – 192، وانظر روح المعاني 30/279 – 280. (10) أنوار التنزيل 814. الوقفة كاملة
٤٢٢ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم. أمر ربنا سيدنا محمدًا أن يقول ذلك فقال له: قل أعوذ. وقد تقول: ولماذا أمره بقول ذلك ولم يقل: (أعوذ) من دون (قل)؟ إن الله يريد من الإنسان أن يعلن صراحة عن ضعفه وحاجته إلى ربه ليعينه ويخلصه مما يحذر، وألًا يكتفي بشعوره بالحاجة إلى ذلك، مطلوب منه أن يعلن التجاءه إلى ربه واعتصامه به، وأنه يلوذ به لأنه أضعف من أن يرد ما يحذره ويخشاه؛ لأن ما يخشاه كثير وقوي، ظاهر وخفي، وقد ينال منه متى يشاء إن لم يلتجئ إلى ربه الذي يعينه ويأخذ بيده ويدفع عنه الشر. وهذا الإعلان عن حاجته إلى ربه ضروري من نواح عدة، منها: أن فيه قتلًا للكبر والعجب والغرور الكاذب والشعور بالاستغناء، وهذا سبب الطغيان، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] فإن قسمًا من الناس يمنعهم الكبر والغرور من طلب الإعانة وهو أحوج شيء إليها. ثم إن هذا الإعلان من أسباب الطاعة وعدم المعصية، فإن الذي يلتجئ إلى شخص ما يطيعه في العادة ولا يعصيه، فإن الإنسان مطيع لمن يستنجد به ويستنصر به ولا يخرج عليه. ثم إن هذه الاستعاذة مما يلين القلوب ويجعلها خاشعة لله رب العالمين، خصوصًا إذا صحب هذه الاستعاذة شعور بشدة الحاجة إلى غياث المستغيثين يأوي إلى ركنه الشديد. وقد علمنا ربنا أن نستعيذ به من عموم الشرور وخفيها وظاهرها فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200- فصلت: 36]. وعلمنا نبينا أن نستعيذ بربنا من عموم ما نخاف ونحذر، ومن شر ما نعلم ما لا نعلم، فقد كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ويعلمنا أن نقول إذا خشينا أمرًا: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكان سيتعيذ بالله منه، وبرضاه من غضبه، وبمعافاته من عقوبته، وكان يعوذ الأطفال بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامّة. فالاستعاذة بالله مسنونة تفصح عن الالتجاء إلى الله والاعتصام به. والإفصاح عن الاستعاذة بالقول في اللسان نظير الإفصاح بالذكر والتسبيح والتحميد، كلاهما مطلوب مأمور به لا نكتفي من ذلك بما نشعر به في القلوب ونحس به في الوجدان، بل لا بد من مواطأة اللسان للقلب، وذلك أعلى الذكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42]، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف: 205]. وقال  مخبرًا عن ربه أنه قال: (أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه) فذكر ربنا والالتجاء إليه والاعتصام به مطلوب على كل حال. وقد تقول: ولم قال ههنا: (أعوذ) ولم يقل: (إني أعوذ) كما قال في مواطن أخرى؟ فقد قال في سورة (غافر) غلى لسان سيدنا موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، وقال في سورة الدخان على لسنا سيدنا موسى أيضًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20]، وقال على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47]، وقال على لسان مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] وقال على لسان امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. كل ذلك على التأكيد بـ (إن). في حين قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، وقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وكذلك ما ورد في المعوذتين فإنه لم يؤكد ذلك بـ (إن). وعلة ذلك - والله أعلم – أن الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، فإذا كان المحذور شديدًا والمخوف متمكنًا متسلطاً، وكان يتهدده هو على الخصوص، أكد الاستعاذة فقال: (إني أعوذ) وإلا قال: (أعوذ). ففي آية غافر مثلًا أكد الاستعاذة بـ (إن)؛ لأن فرعون هدد سيدنا موسى بالقتل، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]. وكذلك في سورة الدخان، فإنه هددوه بالرجم فاستعاذ من ذلك قائلًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 20 - 21]، أي إن لم تصدقوا بي فاتركوني، فكان الأمر يتهدده هو على الخصوص، وكان المخوف متمكنًا متسلطاً عاتيًا، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} مؤكدًا ذلك بـ (إن). وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام، فقد احتجت عن قومها لتغتسل وإذا ببشر سوي أمامها، وقد ظنت ما يظن النساء في مثل هذا الموقف، وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها، وعاذت أشد ما تكون الاستعاذة فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} فأكدت ذلك بـ (إن). ثم انظر كيف أنها استعاذت بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها من مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة. وفيها أيضًا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أن تستعيذ بالرحمن. هذا إضافة إلى أن جو السورة تشيع فيه الرحمة من أولها إلى آخرها (1)، فقد بدأت بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2]، وكان في أواخرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]. وأما قوله على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} فإنه قاله تعقيبًا على قوله تعالى له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] فلما وعظه بـ {إِنِّي أَعِظُكَ} استعاذ به قوله: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} فهي استعاذة مؤكدة بمقابل الوعظ المؤكد. هذا علاوة على أن الأمر كان يعني سيدنا نوحًا على وجه الخصوص، فإن الابن الذي غرق ابنه وهو أبوه. وأما ما ورد على لسان امرأة عمران وهو قوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها نذرت أن يكون ما في بطنها خالصًا لله خادمًا للكنيسة (2). راجية أن يكون ما في بطنها ذكرًا فوضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فإنه من الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من الخدمة في دور العبادة والقيام بأمرها، فقد تكون فيها وحيدة والرجال يغشونها، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان، وبقائها وحدها في مكان يغشاه الرجال، وقد يكوم خاليًا أحيانًا، فاستعاذت لها استعاذة مؤكدة فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ثم انظر إلى إلحاقها الذرية بالاستعاذة في هذا المقام، فإنها إلماح إلى ما يخشى عليها منه، وهذا من أخطر مواطن الخشية على النساء، وقد قال : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التوكيد بـ (إن) يشيع في هذا السياق، قال تعالى على لسانها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ... إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أما ما لكم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر وليس بهذه الدرجة من التهديد فلا يؤكد بإن، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، فليس ذلك موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإن. وأنت تحس الفرق بين هذا الموطن وقوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أو المواطن الأخرى. ومثل ذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . وكذلك ما ورد في المعوذتين فلا يحتاج ذلك إلى توكيد. ثم إن ذلك لا يتهدده هو على وجه الخصوص. ونظير هذا في التوكيد وعدمه قوله تعالى: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالتوكيد بـ (إن)، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} من دون توكيد. فقد ورد على لسان آدم قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] من دون توكيد بـ (إن)، وورد على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]، وورد مثل ذلك على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] بالتأكيد بـ (إن) وذلك على مقدار ظلم النفس. فإن موسى قال ذلك بعد قتل القبطي حين وكزة فقضى عليه، والقتل معصية كبيرة، وهي أكبر من معصية آدم، وهي متعلقة بحق العباد فأكد الظلم بإن فقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس، قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فأكدت الظلم بإن وتابت عن ذلك بالدخول في الإسلام قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ولم تقل (فاغفر لي) كما قال موسى؛ لأنه ليس مع الشرك مغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ولا سبيل لها إلا الدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله. أما موسى فإنه طلب المغفرة؛ لأن هذه معصية تمحى بالتوبة والاستغفار، لأنه ليس من القتل العمد، فإنه لم يكن قاصدًا لقتله، وهذا ما يتدارك بالتوبة والاستغفار. فاتضح أت التأكيد بإن على قدر المعصية، كما كان التأكد بها على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. (الفلق): هو الفجر، وقيل: هو الصبح، وقيل: هو الخلق كله. وحقيقة الفلق: الشق. وهو أصل معاني هذه اللفظة، وكل معانيها الأخرى تعود إلية. جاء في (لسان العرب): "الفلق: الشق ... والفلق: الخلق. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، وقال بعضهم: وفالق في معنى (خالق). وكذلك فلق الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. وانفلق المكان به: انشق ... وفلق الله الفجر: أبداه وأوضحه، وقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال الزجاج: جائز أن يكون معناه: خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: شاق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق. والفلق، بالتحريك: ما انفلق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكل راجع إلى معنى الشق ... ويقال: الفلق: الخلق كله، والفلق: بيان الحق بعد إشكال ... وفي الحديث: أنه كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، هو بالتحريك: ضوؤه وإنارته" (3). وجاء في (الكشاف) :"الفلق والفرق: الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: (هو أبين من فلق الصبح) ... وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك" (4). وجاء في (التفسير القيم): "واعلم أن الخلق كله فلق ... والله عز وجل فالق الإصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات ... ويسمى الصبح المنصدع عن الظلمة: فلقًا وفرقًا ... ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقًا" (5). ومن ذلك يتبين أن أشهر معاني الفلق: 1- الصبح، وهو أشهر معنى له، وخص به عرفًا (6). 2- جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. 3- بيان الحق بعد إشكال. 4- الفلق: هو كل ما فُلِق، أي شق، فهو اسم مفعول كالقصص والهمل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام:95]، و{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وهو أصل المعاني الأخرى. وتخصيص الفلق بالذكر له أسباب ودواع منها: إن الفلق - وهو الصبح - مشعر بتبدد ظلمة الليل وزوال همومه ومخاوفه، ومشعر بمجيء الفرج. ولذا نسمع الشكوى من الليل وترقب المهموم للصبح، فإن المريض والمهموم والخائف يستطيل الليل ويتمنى ذهابه ومجيء الصبح، قال الشاعر: وصدر أرح الليل عازب همه تداعى عليه الهم من كل جانب وقال الآخر: وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه دف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال الآخر: أزيد في الليل ليل أم سال بالصبح سيل فذكر الفلق ههنا أنسب شيء، خصوصًا وأنه ذكر الغاسق إذا وقب بعده. وقيل: إنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور، والنوم أخو الموت، والصبح كالبعث والنشور، وقيل غير ذلك. جاء في (تفسير البيضاوي): "وتحصيصه (يعني الفلق) لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه" (7). وجاء في (التفسير القيم): "الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها" (8). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أن تخصيص الفلق في التعوذ لوجوه منها: "الأول أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج. فكما أن الإنسان في الليل يكون منظر لطلوع الصبح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة. الثالث: أن الصبح كالبشرى، فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ... السادس: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور" (9). واختار لفظ (الفلق) على الصبح لأكثر من سبب، ذلك أن لفظ الفلق مشعر بالتغير والحركة؛ لأن معناه انشقاق ضوء الصبح عن ظلمة الليل، وأن الانفلاق والفلق يدل على التغير والحركة، ومنه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} بخلاف كلمة (الصبح) فإنها لا تفيد ذاك، وإنما تفيد تعيين الوقت، فتشعر كلمة الفلق بتغير الأحوال، وتبدل نور الصبح بظلمة الليل، وزوال الهموم، والسعة بعد الضيق، ولا تفيد كلمة الصبح هذا التغير والتبدل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن لفظة (الفلق) أعم من لفظ الصبح، وأن لها أكثر من معنى، ويمكن أن تكون معانيه مرادة كلها، فلفظ (الفلق) يفيد توسعًا في المعنى، بخلاف كلمة الصبح، فاختيار لفظ (الفلق) أولى. واختيار لفظ (رب) وإضافته إلى الفلق أنسب شيء ههنا، فالرب معناه المالك والمربي والسيد والقيم والمعلم والمرشد، فالاستعاذة برب المخلوقات ومالكها والقائم على أمرها من شرور ما يصدر عنها أنسب شيء في إعاذة المستعيذ به، فهو وحده القادر على كفها وكف شرورها، فإنه يأمرها فتطيع أمره. ثم إن المربي يحفظ من هو في رعايته ويرعاه ويدفع عنه السوء ويحميه من الشرور، والمربي من معاني (الرب). فاختيار لفظ (الرب) مناسب من جهتين: من جهة المستعاذ به، فإنه مربيه والقائم على حفظه ورعايته، ولذا كثر لفظ (الرب) مع الاستعاذة لما فيه من معنى التربية والحفظ والقيام بالأمر. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنين: 97 - 98]، وقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. جاء في (تفسير البيضاوي) "ولفظ (الرب) ههنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعادة من المضار تربية" (10). وذكر غير لفظ (الرب) مع الاستعاذة له أسبابه ودواعيه، فإن ذلك بحسب ما يقتضيه المقام والسياق، كما ذكرنا في استعاذة مريم عليها السلام، فالاستعاذة برب المخلوقات من شرورها أنسب من اختيار أي لفظ أو اسم آخر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 29 إلى ص 40. (1) انظر التعبير القرآني 294 – 296. (2) انظر فتح القدير 1/303. (3) لسان العرب (فلق) 12/184. (4) الكشاف 3/368. (5) التفسير القيم 562. (6) انظر روح المعاني 30/279. (7) تفسير البيضاوي 814. (8) التفسير القيم 561. (9) التفسير الكبير 32/191 – 192، وانظر روح المعاني 30/279 – 280. (10) أنوار التنزيل 814. الوقفة كاملة
٤٢٣ ِمنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) } وورد في القرآن استعمال ألفاظ الجن والجنة والجان، وورد في مقابل ذلك الإنس والناس والإنسان. فالجن استعمل في مقابل الإنس، وهما الأصلان لهذين الجنسين من المخلوقات، وورد استعمال (الجنة) في مقابل (الناس)، والناس هم مجموعة قليلة أو كثيرة من الإنس أو أفراد منهم، وقد يطلق الناس على الجميع. والجنة هم مجموعة من الجن أو أفراد منهم، و (الجان) ما يقابل (الإنسان)، وهو يطلق على الواحد الفرد منهم أو الجنس، وقد يقال للجمع أيضًا، فتقول للواحد من البشر: (هذا إنسان)، ويقال للجنس أيضًا نحو قولك: (خلق الإنسان من طين). ويقال للواحد من الجن (جان)، ويقال للجنس أيضًا، كقولك: (خلق الجان من نار)، وربما أطلق على الجمع أيضًا فيقال (هؤلاء جان). وعلى هذا يكون الفرق بين الإنسان والجان أن الإنسان يطلق على الواحد وعلى الجنس ولا يطلق على الجمع. أما (الجان) فيطلق على الواحد والجنس والجمع أيضًا. ويدل على ذلك استعمال القرآن لهذه الألفاظ، فيستعمل الجن والإنس للثقلين، وكثيرًا ما يستعمل الإنس لما يقابل الجن، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، وقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: 128]. ويستعمل (الجنة) لما يقابل الناس، قال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119، السجدة: 13]، وقال في سورة الناس: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 5 - 6]، فاستعمل (الجنة) لما يقابل (الناس). والإنس غير الناس، فالناس مجموعة من الإنس كما ذكرت، ولذا لا يصلح أحيانُا وضع أحدهما مكان الآخر، فقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ} [البقرة: 13] لا يصلح أن يقال مكانه: (آمنوا كما آمن الإنس). ونحوه قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، وقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]، فلا يقال في نحو ذلك: (الذين قال لهم الإنس إن الإنس قد جمعوا لكم فاخشوهم). ونحوه قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ} [الأنفال: 26] فلا يقال فيه: (تخافون أن يتخطفكم الإنس) وإنما يصلح أن يقال ذلك للجن. وأنت تقول: ( هذا شخص من الإنس، وهذا رجل من الإنس) ولا تقول (هذا شخص من الناس) ولا (هذا رجل من الناس) للمعنى نفسه، فأنت في العبارة الأولى تبين جنسه، بخلاف الثانية. وإنما يكون المعنى في الثانية (هذا واحد من الناس) وليس قصدك بيان جنسه. أما الإنسان فهو ما يقابل الجان، ويستعمل للفرد الواحد وللجنس، قال تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13]، فلا يقال مكان ذلك: (كل إنس) ولا (كل الناس)، فالمقصود هنا كل فرد من الناس: وقال: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى} [النازعات: 35] والمقصود: كل إنسان. وقد يستعمل للجنس أيضًا، قال تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7]، وقال: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1]، وقال: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]. وكذلك (الجان) قد يستعمل للواحد والجنس، وهو ما يقابل الإنسان، وربما يستعمل للجمع أيضًا، قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 14 - 15]، وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 26 - 27] فأنت ترى أنه أعاد الضمير على الجان مفردًا. وقال: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل: 10] قيل: إن معنى الجان ههنا الحية السريعة، وقد تكون بمعنى الجنب أيضًا. فالجان هو الواحد أو الجنس ويقابله الإنسان، وقد تستعمل (الجان) أيضًا للجمع فتقول: (هذا جان)للواحد، و(هؤلاء جان) للجمع. وذل قد يستعمل القرآن (الجان) لما يقابل (الإنس) أحيانًا وذلك في أحد معنييه وهو الجنس أو للجمع، وذلك نحو قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 56]، وقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39]. أما الجني فهو الواحد من الجن، وقد يستعمل للمنسوب إلى الجن أيضًا، ويقابله الإنسي، فالفرق بين الجني والجان أن ألجني يكون للواحد من الجن ولكل ما هو منسوب إلى الجن، فتقول: (هذا جني) للواحد الجن، كما تقول: (هذا عمل جني، وصنعة جنية) أي منسوبة إلى الجن، كما تقول: (هذا رومي) وتعتني به شخصًا من الروم، وتقول: (هذا رومي) للمنسوب إلى الروم، نحو: هذا لسان رومي ونسج رومي. ونحوه الإنسي والإنسان، فالإنسي قد يكون للواحد من الإنس، ومنه قوله تعالى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26]، وقد يكون لما هو منسوب إلى الإنس فتقول: هذه صنعة إنسية لا جنية، وعمل إنسي لا جني، والله أعلم. وقد تقول: ولم قدم الجنة على الناس؟ والجواب: أن لهذا التقديم عدة أسباب: منها أنه الجنة هم المعتدون على الناس، وأنهم الأصل في الوسوسة، حتى أن الوسواس من أسماء الشيطان، وقد تكون وسوسة الإنسي للأنسي بسبب وسوسة الشيطان ودفعه. وقد تقول: ولم إذن قدم في آية أخرى شياطين الإنس على شياطين الجن فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]؟ والجواب: أن المقام في الأنعام يقتضي تقديم شياطين الإنس على شياطين الجن، ذلك أن سياق الآيات في كفرة الإنس ومشركيهم، لا في الجن والشياطين (انظر الآيات 106 -116). وقد جاء في الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} والعداوة للأنبياء ومحاربتهم ظاهرة في الإنس، فعداوة الأنبياء أظهر في الإنس منها في الجن. ثم قال: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} والافتراء على الله ظاهر لنا في الإنس، فناسب تقديم شياطين الإنس على الجن والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 69 إلى ص 73. الوقفة كاملة
٤٢٤ تبدأ السورة بقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وهو أمر للرسول بأن يعلن هذا الأمر، فقال له: (قل) ولم يقل: (هو الله أحد) على طريقة الإخبار المجرد، وعلى سبيل الاعتقاد الشخصي الذي إن شاء أسره وإن شاء ذكره، بل طلب منه إعلان هذه العقيدة وتبليغها، وذلك لأهمية هذا الأمر، وذلك أن أكثر الناس ضلوا عن الحقائق الكبرى التي جمعتها هذه السورة القصيرة في مفرداتها، الجليلة في معانيها. وطلب الإعلان عما في هذه السورة يدل على أهمية ما جاء فيها وما تضمنته من أصول اعتقادية. {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) } المشهور أن (هو) ضمير الشأن خبره الجملة بعده (1) وهي {اللَّهُ أَحَدٌ}، ومعلوم أن ضمير الشأن يؤتى به في مواطن التفخيم والتعظيم، فدل ذلك على جلالة ما بعده وفخامته، جاء في (روح المعاني): "المشهور أن (هو) ضمير الشأن، ومحله الرفع على الابتداء، خبره الجملة بعده ... والسر في تصديرها به التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها، مع ما فيها من زيادة التحقيق والتقرير، فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقبًا لما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن" (2). {أَحَدٌ} كلمة تأتي على ضربين: الأول: أن يراد بها عموم العقلاء ومن يصح خطابه، فتلزم الإفراد والتذكير، وتقع بعد النفي والاستفهام والشرط وفي غير الموجب عمومًا. وهي تقع على المفرد والمثنى والجمع، المذكر والمؤنث نحو (ما في الدار أحد) أي ما فيها شخص عاقل، وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} [التوبة: 6]، وقال: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] فاستعملها للجمع. وقال: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32] فأوقعها على المؤنث. وهمزة (أحد) هذه أصلية عند أكثر أهل اللغة. والضرب الآخر: من ضربي كلمة (أحد) أنها تكون بمعني (واحد) وأجمعوا على أن همزتها منقلبة عن واو وأصلها (وحد)، غير أن هناك فرقًا بين (وحد) و (أحد) في المعنى والاستعمال. فـ (وَحَد) تستعمل للعاقل وغيره، فتقول: (رجل وَحَد) أي لا يعرف أصله، وتقول: درهم وَحَد، ووحش وَحَد. أما (أحد) فلا تستعمل إلا للعقلاء، فإذا استعملتها في الإثبات من غير أضافة ولا تبيين بمن فهي خاصة بالله تعالى، فلا يقال: رجل أحد. جاء في (روح المعاني): "(أحد) المستعمل في الإثبات على ثلاثة أوجه: الأول: أن يضم إلى العشرات نحو أحد عشر وأحد وعشرون. والثاني: أن يستعمل مضافًا أو مضافًا إليه بمعنى الأول، كما في قوله تعالى: {أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف: 41] وقولهم: يوم الأحد، أي يوم الأول. والثالث: أن يستعمل مطلقًا وصفًا، وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى. وهو وإن كان أصله (وحدًا) إلا أن (وحدًا) يستعمل في غيره سبحانه" (3). وجاء في (لسان العرب): "أحد: في أسماء الله تعالى (الأحد) وهو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر ... وقولهم: (ما في الدار أحد) فهو اسم لمن يصلح أن يخاطب، يستوي فيه الواحد والجمع، والمؤنث والمذكر" (4). وجاء فيه أيضًا: "وأما اسم الله عز وجل (أحد) فإنه لا يوصف شيء بالأحدية غيره، لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحد، كما يقال: رجل وحدً أي فرد: لأن (أحدًا) صفة من صفات الله عز وجل التي استخلصها لنفسه ولا يشركه فيها شيء" (5). وقد تقول: ولم لم يستعمل (واحدًا) ههنا؟ الجواب أن ذلك لعدة أمور منها: 1- أن كلمة (أحد) خاصة بمن يعقل ومن يصح خطابه على العموم ولا تستعمل لغير العاقل، أما كلمة (واحد) فتستعمل للعاقل وغيره، فتقول: (كتاب واحد وقلم واحد)، فإذا سألك سائل (هل رأيت أحدًا في الدار؟) فإن لم يكن فيها إنسان قلت: لا. وإن كان فيها إنسان قلت: نعم، ولا يصح أن تقول: (نعم) إن لم يكن فيها إلا دابة كالثور والبعير وعموم ما لا يعقل. جاء في (ملاك التأويل): "وأما الفرق من جهة المعنى فأن واحدًا يقع على كل مفرد بما هو مفرد كان مما ينصف بالعقل والعلم أو لا يتصف، تقول: رجل واحد وحجر واحد وجمل واحد. وهذا خلاف حكم (أحد) فإنه لا يقع إلا لأولي العلم والعقل من الملائكة والإنس والجن" (6). فاستعمل هنا (أحدًا) ولم يستعمل (واحدًا) للدلالة على أنه (حي عالم واحد) فجمعت كلمة (أحد) هذه المعاني كلها. واستعمالها هنا أنسب من كلمة (واحد) ذلك أن بعدها {اللَّهُ الصَّمَدُ} أي المقصود في الحوائج. ولا بد أن يكون المقصود في الحوائج عالمًا بمن يقصده. ثم قال بعده: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وهذه من خواص الأحياء، فكلمة (أحد) أنسب ههنا من كل وجه. وقد تقول: ولكن القرآن استعمل كلمة (واحد) لله تعالى.فنقول: نعم إنه استعملها لما يقابل الاثنين والثلاثة وعموم التعدد فقلب: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73]، فكان استعمال كل لفظة في مكانها أنسب. 2- إن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل في الواحد، ذلك أن كلمة (أحد) يدخل فيها معنى الواحد، فعندما تقول: (الله أحد) دل على أنه واحد، ودل على أمور أخرى مع الوحدانية كالحياة والعلم، وأما الأحد فلا يدخل في الواحد؛ لأن كلمة (أحد) تدل على كلمة واحد وعلى صفات أخرى معها، فكان استعمال (أحد) أنسب ههنا. 3- "إنك إذا قلت: (فلان لا يقاومه واحد) جاز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان. بخلاف الأحد، فإنك لو قلت: (فلان لا يقاومه أحد) لا يجوز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان" (7). 4- إن (أحد) صفة مشبهة على وزن (فَعَل) مثل بَطَل وحَسَن، أما (واحد) فعلى زنة اسم الفاعل من (وَحَد).والصفة المشبهة أثبت من اسم الفاعل، فأحد أثبت من (واحد) وأدوم، فالواحد قد تزول وحدانيته إذا كان له نظير، فتقول: كنت واحدًا فصرنا اثنين، وكان واحدًا فصاروا جمعًا، وقد يبقى على وحدانيته إذا لم يكن له نظير.أما (أحد) فهي تدل على الثبات والدوام، ووحدانيته لا تتغير ولا تزول، فجاء بالصيغة الدالة على دوام الأحدية وعدم تغيرها، وهذا مناسب لقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}.وقد جمع ربنا سبحانه لنفسه الوحدانية المطلقة على كل حال، فسمى نفسه واحدً وأحدُا، كما سماها عالمًا وعلميًا، وغافرًا وغفورًا. فحالته على كل حال هي الوحدانية، وهي لا تزول على أي حال من الأحوال.قال تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]، وقال: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، وغير أنه يختار الواحد في مقام والأحد في مقام آخر، وكل هو مناسب لموضعه. 5- إن كلمة (أحد) الواقعة في الإثبات خاصة بالله تعالى، وهي تفيد الوحدانية في الذات والصفات، فهو متفرد في ذاته ومتفرد في صفاته لا يشركه فيها غيره، أما الواحد فهي خاصة بالذات، جاء في (البحر المحيط): "وأحد بمعنى واحد، أي فرد من جميع الجهات الوحدانية، أي في ذاته وصفاته لا يتجزأ، وهمزة أحد بدل من واو" (8).وجاء في (تفسير البيضاوي): "أحد: يدل على مجامع صفات الجلال، كما دل (الله) على جميع صفات الكمال" (9).فهي تدل على الوحدانية في الذات والتنزيه في الصفات، فصفاته صفات كمال لا يشركه فيها أحد، فأثبت له كلمة (أحد) الوحدانية في الذات والصفات، ونفت عنه الشرك في الذات والصفات، وهي هنا أنسب من كلمة (واحد) لأن المقام مقام توحيد وتنزيه لله.فاتضح أن كلمة (أحد) لها دلالتان: أنه واحد وهي تفيد التوحيد، وأنه لا نظير له في صفاته، وهي تفيد التنزيه. 6- أن كلمة (أحد) أقدم كلمة (واحد) في الاستعمال وأسبق وجودًا منها في اللغات السامية كما تدل الأبحاث الحديثة، وقد كانت تستعمل بمعنى الواحد، وقد استعملت بمعنى الأول أيضًا في بعض اللغات. جاء في (التطور النحوي) "فأحد سامية الأصل وواحد مشتقة منها" (10). ويقال للواحد المذكر في العربيات الجنوبية (أحد)، وللمؤنث (أحدت) (11)، وفي اللحيانية (أحد) للواحد والمذكر، و(إحدى) للواحدة (12). وفي لغة النبط (حد) بمعنى "أحد، وبمعنى الأول والواحد" (13).فلفظة (أحد) أقدم من لفظة (واحد)، فاستعملها للدلالة على أن الله قديم لم يلد ولم يولد وليس قبله شيء، فناسب بين قدم اللفظة والمقام.وقد فسر الضمير (هو) باسمه العلم مخبرًا عنه بالأحدية فقال: {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ولم يستعمل اسمًا آخر مما يحتمل المشاركة في الصفة فأراد أن يصفح عن ذاته العلية باسمه الذي لا يشركه فيه أحد غيره. فلم يقل: (هو الرحمن أحد) أو هو الرزاق أو الحي او العالم أو ما إلى ذلك، ولو قال ذلك لم ينص ذلك على أن المقصود به الله، فجاء بما يزيل كل وهم ولبس وخاطره شرك. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 75 إلى ص 81. (1) انظر الكشاف 3/367. (2) روح المعاني 30/269. (3) روح المعاني 30/272. (4) لسان العرب 4/36. (5) لسان العرب 4/464. (6) ملاك التأويل 2/961. (7) التفسير الكبير 32/178، وانظر تفسير فتح القدير 5/502. (8) البحر المحيط 8/528. (9) أنوار التنزيل 814. (10) التطور النحوي 79. (11) تاريخ العرب قبل الإسلام 7/115. (12) تاريخ العرب قبل الإسلام 7/169. (13) تاريخ العرب قبل الإسلام 7/365. الوقفة كاملة
٤٢٥ ذكر أن سبب نزول هذه السورة أنه لما مات القاسم بن رسول الله، ثم مات عبد الله، قال أعداؤه: قد انقطع نسله فهو أبتر، ذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات الذكور من أولاد الرجل قالوا: قد بير فلان، فأنزل الله {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (1). ولا يعنينا القائل من هو، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم. ومن لطائف هذه السورة أنها كالمقابلة للسورة المتقدمة، أعني سورة (الماعون) "وذلك لأن السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأربعة أمور:(أولها) البخل، وهو المراد من قوله: {يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الثاني) ترك الصلاة، وهو المراد من قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . (الثالث) المراءاة في الصلاة، وهو المراد من قوله: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} (والرابع) المنع من الزكاة، وهو المراد من قوله: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعًا: فذكر في مقابلة البخل قوله {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أي إنا أعطيناك الكثير، فأعط أنت الكثير ولا تبخل. وذكر في مقابلة {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} قوله: (فصل) أي دم على الصلاة. وذكر في مقابلة {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} قوله: (لربك)، أي ائت بالصلاة لرضا ربك لا لمراءاة الناس. وذكر في مقابلة {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} قوله: (وانحر) وأراد به التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة" (2). وفي مقابل التكذيب بالدين الوارد في السورة المتقدمة وهو قوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} ذكر قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ذلك أن من أشهر معاني الكوثر أو أشهر معنى له أنه نهر في الجنة كما ورد في الحديث الصحيح، وهذا يقتضي الإيمان بيوم الدين. جاء في (روح المعاني): "ولم يذكروا مقابل التكذيب بالدين، وقال الشهاب الخفاجي: إن الكوثر بمعنى الخير الكثير الشامل للأخروي، يقابل ذلك لما فيه من إثباته ضمنًا، وكذا إذا كان بمعنى النهر والحوض، والأمر على تفسيره بالإسلام وتفسير الدين به أيضًا في غاية الظهور" (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 97 إلى ص 99. (1) انظر فتح القدير 5/489 – 491، روح المعاني 30/248. (2) التفسير الكبير 32/117، وانظر البحر المحيط 8/519، الإتقان 2/112. (3) روح المعاني 30/246. {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) } إن هذه الآية كأنها إنجاز ما وعد الله به رسوله في سورة الضحى، وهو قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}، فقد وعده في سورة الضحى أن يعيطه ربه في المستقبل، فكأنه أنجز في هذه السورة ما وعده به، قال هناك: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5]، وقال هنا: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} والتوكيد بـ(إن) في مقابل التوكيد باللام في قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ}. لقد أسند الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه فقال: (أعطيناك) وجعله مسندًا إلى الضمير المتقدم المؤكد بإن (إنا). وبناء الفعل على الاسم المتقدم كثيرًا ما يفيد الاختصاص. وقد يفيد الاهتمام دون الاختصاص وذلك كقوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] فهو لم يقصر السماع عليهم، كقولك: (إن محمدًا نجح) فهو لا يفيد اختصاص النجاح به. والاختصاص نحو قوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [النجم: 45] وهذا يفيد الأمرين معًا، فهو يفيد الاختصاص والاهتمام معًا، وقد أكد ذلك بإن فقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: نحن أعطيناك. إن إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المفيد للتعظيم وتوكيده يفيد أنه لا يستطيع أحد أن ينزع هذا العطاء منه و هو الله الذي اختصه بهذا العطاء الكثير ؟! ثم إن العطاء الكثير جدًا يقتضي التوكيد دون العطاء القليل، جاء في (روح المعاني): "وبنى الفعل على المبتدأ للتأكيد والتقوى، وجوز أن يكون للتخصيص ... وفي تأكيد الجملة بـ (إن) ما لا يخفى من الاعتناء بشأن الخبر" (1). {أَعْطَيْنَاكَ} قال: (أعطيناك)، ولم يقل: (آتيناك)، وهناك فرق بين الإعطاء والإيتاء. إن كلمتين (أعطى) و(آتى) متقاربتان لفظًا ومعنى، فإن أصل (آتى): (أأتى) بهمزتين، ثم أبدلت الهمزة الساكنة ألفًا لسبب صرفي معلوم. فالهمزة الساكنة تقابل العين، والتاء تقابل الطاء، فالفرق بين (أأتى) و(أعطى) من الناحية الصوتية ليس كبيرًا، فإن الهمزة تقابل العين، وكلاهما من حروف الحلق، غير أن الهمزة أقوى من العين (2) كما يقول النحاة. والتاء والطاء وأختهما الدال من مخرج واحد وهو طرف اللسان وأصول الثنايا (3). غير أن التاء حرف مهموس والطاء حرف مجهور، والطاء أعلى الثلاثة صوتًا (4). إن من صفات الحرف المهموس أنه يتهيأ لك أن تنطق به ويسع منك خفيًا وظاهرًا، أما الحرف المجهور فإنه لا بد أن تجهر به، ولا يتهيأ النطق به إلا كذلك (5). إن استعمال الفعلين في العربية موافق لبنائهما الصوتي. فأنه لما كانت الهمزة أقوى من العين استعمل الفعل (آتى) لما هو أقوى وأوسع، كإيتاء المال والملك والحكمة والآيات الدالة على صدق الأنبياء وغير ذلك، وذلك نحو قوله تعالى: {وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54]، وقوله: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101]. ولما كانت التاء حرفًا مهموسًا وهو يسمع مجهورًا وخفيًا استعمل لما هو ظاهر ولما هو خفي، فمن الظاء إيتاء المال كقوله تعالى: {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177]، ومن الخفي إيتاء الحكمة والرشد والرحمة، قال تعالى: {آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} [الكهف: 65]. في حين أنه لما كانت الطاء حرفًا مجهورًا أعلى وأظهر من التاء استعمل الفعل لما هو ظاهر، ويكاد أن يكون مختصًا بالأموال. ويمكن أن نقول أيضًا: إن الفعل (أعطى) أظهر من النطق من (آتى)، فكان استعماله في الأمور الظاهرة أكثر و أظهر، فكان بناء الكلمة الصوتي موافقًا للمعنى الذي استعملت له إلى حد كبير. والآن بعد أن بينا الفرق بينهما من الناحية الصوتية وأثر ذلك في المعنى بصورة موجزة نبيين الفرق بينهما في الاستعمال. إن (الإيتاء) – كما بينا – أوسع استعمالًا من (الإعطاء)، فهو يستعمل في الأشياء المادية والمعنوية، ويستعمل غالبًا في الأمور العظيمة ولما لا يحسن فيه استعمال الإعطاء. أما الإعطاء فهو يستعمل غالبًا لما يفيد التمليك، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [الأنبياء: 51]، وقال: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} طه: 99]، وقال: {رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ} [الأحزاب: 68]، وقال: {فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} [الأعراف: 38] وأنت ترى أنه لا يقال في نحو ذلك: (أعطى) وما تصرف منه. ونحو ذلك قوله تعالى: {آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96]، وقوله: {آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96] فإنه لا يحسن أن يقال: (أعطوني زبر الحديد) فإن الإعطاء هنا يفيد التمليك دون (آتوني). ونحوه قوله تعالى: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]، فإنه لا يحسن أن يقال: (أعطينا ثمود الناقة). ونحوه قوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] فإنه ليس بمعنى (ما أعطاكم). والإيتاء قد يكون للأمور المادية أيضًا كما ذكرنا، وذلك كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، وقوله: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] وقوله: {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ} [النور: 33]. ويكون الإيتاء غالبًا للأمور العظيمة، كقوله تعالى: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 251]، وقوله: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99]، وقوله: {وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54]، وربما استعمل للقليل أيضًا كقوله تعالى: {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} [النساء: 53]. أما الإعطاء فيكون للأمور المادية غالبًا، وهو ما غلب في الاستعمال القرآني، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل: 5 - 6]، وقال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة: 29]، وقال: {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58]، وقال: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} [النجم: 34] فاتضح أن الإيتاء يكون بمعنى الإعطاء، وقد يكون لما لا يحسن فيه الإعطاء. والفرق الآخر بين الإيتاء والإعطاء: أن الإعطاء يوجب التمليك دون الإيتاء (6)، فإنك إذا أعطيت أحدًا شيئًا فقد ملكته إياه دون الإيتاء، فإنه قد لا يكون تمليكًا وذلك كقوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7]، وقوله: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]. وقد يشمل الإيتاء النزع دون العطاء، قال تعالى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } [آل عمران: 26]. ولما كان العطاء تمليكًا فهو يجب الاختصاص، أي أن لصاحبه أن يتصرف فيه كما يشاء، فله أن يعطي منه ما يشاء أو يمسكه، ولذا لما دعا سليمان قائلًا: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] قال له تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39]، ولم يقل: (هذا إيتاؤنا) فأطلق له التصرف فيه، في حين لا يصح فيما آتاه الله من الكتاب والعلم أن يمسكه وإنما عليه أت يعلمه ويبينه، وقد سمى الله ذلك إيتاء لا إعطاء، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]، وقال: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: 99] وقد حذر الله من كتم شيئًا من ذلك بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]. جاء في (تفسير الرازي): "الإعطاء يستعمل في القليل والكثير، قال الله تعالى: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} [النجم: 34]، أما الإيتاء فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم، قال الله تعالى: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 251] {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ: 10]" (7). وجاء فيه أيضًا: "فإن قيل: أليس قال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}؟ قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن الإعطاء يوجب التمليك، والملك سبب الاختصاص، والدليل عليه أنه لما قال سليمان: {وَهَبْ لِي مُلْكًا} فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ} ... أما الإيتاء فإنه لا يفيد الملك، فلهذا قال في القرآن: {أَتَيْنَاكَ} فإنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئًا منه. الثاني: أن الشركة في القرآن شركة علوم ولا عيب فيها، أما الشركة في النهر فهي شركة في الأعيان وهي عيب" (8). وجاء في (روح المعاني): "وفي إسناد الإعطاء إليه دون الإيتاء إشارة إلى أن ذلك إيتاء على جهة التمليك، فإن الإعطاء دونه كثيرًا ما يستعمل في ذلك، ومنه قوله تعالى لسليمان عليه السلام: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ} بعد قوله: {وَهَبْ لِي مُلْكًا} ... الإيتاء لا يستعمل إلا في الشيء العظيم كقوله تعالى: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ}، والإعطاء يستعمل في القليل والكثير كما قال الله تعالى: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} (9). يتبين مما مر: 1- أن الإيتاء أوسع استعمالًا من الإعطاء، وهو يستعمل في الشيء العظيم، أما الإعطاء فإنه يستعمل في القليل والكثير. 2- أنه قد يستعمل فيما لا يحسن فيه الإعطاء. 3- أن الإعطاء يوجب التمليك دون الإيتاء. 4- أن الإيتاء قد يشمله النزع بخلاف الإعطاء فإنه تمليك. 5- لما كان الإعطاء تمليكًا كان سببًا للاختصاص، أي لصاحبه أن يتصرف فيه كما يشاء من إعطاء أو إمساك. لقد قال: {أَعْطَيْنَاكَ} دون (آتيناك)، ذلك أن ربنا أراد أن يلمك نبيه الكوثر فقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}. ولو قال: (آتيناك) لاحتمل أن يفهم أن ذلك إيتاء آية لا إيتاء تمليك، كما قال تعالى: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]، وقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87]، وقال: {آَتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم: 30]. والتمليك – كما هو معلوم – يفيد التخصيص، أي أنه ملك مختص بصاحبه ويتصرف فيه كما يشاء، بخلاف الإيتاء فإنه في الغالب لا يفيد الاختصاص. ويفيد أنه لا يشمله النزع، بخلاف الإيتاء فإنه قد يشمله النزع كما قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف: 175]، وكما قال في قارون {وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص: 76] ثم نزعها منه وخسف به وبداره الأرض، فالإعطاء ههنا أدل على التكريم من الإيتاء. وقال: {أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: (سنعطيك)، إشارة إلى تحقق الوقوع وأن ذلك لا محالة. وقيل :إنه يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلًا في الماضي، وقيل: هو إشارة إلى تعظيم الإعطاء (10). ويجوز أن ذلك إشارة إلى ما بدأ به من الإعطاء، وأنه مستمر لا ينقطع إلى الآخرة. وقال: {أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع؛ لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية غير معللة بذلك الوصف، فلما قال: {أَعْطَيْنَاكَ} علم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلًا، بل هي محض الاختيار والمشيئة، كما قال: {نَحْنُ قَسَمْنَا} {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} " (11). {الْكَوْثَرَ} فَوْعَل: من الكثرة، وهو وصف يفيد المبالغة والإفراط فيها، "والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثرًا" (12). وقد فسر الكوثر تفسيرات كثيرة أهمها: 1- أنه نهر في الجنة، وقد صح ذلك عن رسول الله  2- أنه حوض في الجنة. 3- أولاده. 4- علماء أمته. 5- النبوة 6- القرآن وفضائله لا تحصى. 7- الإسلام. 8- كثرة الإتباع والأشياع. 9- الفضائل الكثيرة الني فيه. 10- رفعة الذكر. 11- العلم. 12- الخلق الحسن. 13- المقام المحمود الذي هو الشفاعة. 14- هذه السورة. 15- "إن المراد بالكوثر جمع نعم الله على محمد عليه السلام، وهو المنقول عن ابن عباس؛ لأن لفظ الكوثر يتناول الكثرة الكثيرة، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي، فوجب حملها على الكل. وروي أن سعيد بن حبير لما روى هذا القول عن ابن عباس قال له بعضهم: إن أناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي لأعطاه الله إياه" (13). جاء في (لسان العرب): "رجل كوثر: كثير العطاء والخير، والكوثر: السيد الكثير الخير ... وفي حديث مجاهد: أعطيت الكوثر وهو نهر في الجنة. وهو فوعل من الكثيرة، والواو زائدة، ومعناه: الخير الكثير" (14). يتضح مما مر: أن الكوثر يكون صفة للمبالغة نحو قولهم: (رجل كوثر) أي كثير العطاء والخير، ويكون ذاتًا موصوفة بكثرة الخير، كما ورد في اللسان (الكوثر: السيد الكثير الخير)، وعلى هذا يكون الكوثر صفة وموصوفًا. إن الذي يترجح عندنا أن الكوثر يعني جميع نعم الله على رسوله في الدنيا و الآخرة، وأن كل ما ذكر في تفسيره هو من الكوثر الذي أعطاه ربه إياه كما قال ابن عباس، ونهر الجنة الموعود به  هو الكوثر، وهو من الكوثر الذي وعده به. وقال: (الكوثر) ولم يقل: (الكثير) ذلك أن (الكوثر) يكون صفة تدل على الخير الكثير، ويكون ذاتًا موصوفة بالخير الكثير، بخلاف (الكثير) فإنها تفيد الكثرة فقط غير محددة بشيء فكلمة (الكوثر) تعني شيئين: 1- الكثرة. 2- الخير. فهي تعني الخير الكثير وليس الكثير فقط، وذلك يقال: (هو رجل كوثر) وتسكت، ولا يقال: (رجل كثير) وتسكت حتى تتم ذلك بقولك: هو كثير الخير أو كثير العطاء ونحو ذلك، وتقول: (أقبل الكوثر) أي السيد الكثير الحير، ولا تقول: (أقبل الكثير). ومن معانيه: النهر الموعود به، فيقال: (هو الكوثر) ولا يقال: (هو الكثير)، فالكوثر على هذا وصف اسم، وكلاهما يدل على الخير والكثرة، فالوصف معناه كثير العطاء والخير، والموصوف معناه: السيد الكثير الخير، وعلى هذا فالكوثر أولى من الكثير. ويقال: (الكثير) لهذا المعنى أيضًا على وزن (فَيْعَل) كصيرف وصيقل، غير أنه قال: (الكوثر) ولم يقل: (الكَثْيَر) لأن الواو أقوى من الياء فأعطى الأقوى لقوة الوصف والله أعلم. وقد حذف موصوفه ليفيد إطلاق الخير وعمومه فلا يفيد بشيء، فلم بقل: (مالًا كوثرًا)، ولا (ماء كوثرًا)، ولا (ذرية كوثرًا)، ولا غير ذلك. وفيه من المبالغة ما لا يخفى. حاء في (روح المعاني) "وفي حذف موصوفه ما لا يخفي من المبالغة" (15). ومن هذا يتضح أن الكوثر هو الخير المطلق والكثير الممتد من الدنيا إلى الآخرة، وهذا العطاء الواسع به حاجة إلى التوكيد فأكدة بـ (إن). وبه حاجة أيضًا إلى تعظيم معطيه، فجاء بضمير التعظيم وهو (نا) فقال: (إنا)، فأنت ترى أن المناسب هو ما ذكره من التوكيد ومن ضمير التعظم، جاء في (الكشاف): "الكوثر: فَوْعَل من الكثيرة وهو المفرط الكثرة، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر ... وقيل: (الكوثر) نهر في الجنة ... وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير ... والمعنى: أعطيتَ ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك، ومعطي ذلك كله أنا إله العالمين، فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان: إصابة أشرف بإعطائه وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغمًا لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفًا لهم في النحر للأوثان" (16). فانظر إلى ما في هذا التعبير من وجوه فنية: 1- توكيده بإن. 2- إسناد الفعل إلى ضمير العظمة (أعطينا). 3- جعله خبرًا للضمير المتقدم لغرض التوكيد والاختصاص. 4- استعمال (أعطينا) دون (آتينا). 5- تعديه الإعطاء إلى ضمير الخطاب دون وصف آخر كالرسول والمطيع ونحوه. 6- استعمال الكوثر دون الكثير. وقد جمع في هذه اللفظة وصف الخير وكل شيء موصوف بالخير. 7- حذف الموصوف للإطلاق. 8- اجتماع أعظم مكرمتين: المعطي العظيم وهو رب العالمين والعطاء العظيم وهو الكوثر، وكل منهما تكريم ما بعده تكريم، فكيف إذا اجتمعا؟ ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 99 إلى ص 110. (1) روح المعاني 30/246. (2) الخصائص 2/146. (3) شرح الرضي على الشافية 3/250. (4) انظر الخصائص 2/158. (5) شرح الرضي على الشافية 3/258. (6) التفسير الكبير 32/123، روح المعاني 30/246. (7) التفسير الكبير 32/123. (8) التفسير الكبير 32/123. (9) روح المعاني 30/246. (10) انظر روح المعاني 30/246، التفسير الكبير 32/122. (11) التفسير الكبير 32/122. (12) فتح القدير 5/489. (13) التفسير الكبير 32/124 – 128. (14) لسان العرب (كثر) 6/148. (15) روح المعاني 30/246. (16) الكشاف 3/362. الوقفة كاملة
٤٢٦ {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} جمع لهم هاتين النعمتين وذكرهم بهما لعظيم المنة بهما، ذلك أن مكة بوادٍ غير ذي زرع، وأهلها عرضة للجوع فأطعمهم وأمنهم من خوف، والناس يتخطفون من حولهم، وذلك ببركة دعاء إبراهيم عليه السلام، فقد دعا لهم بالرزق فقال: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 126] ودعا لهم بالأمن فقال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا} [البقرة: 126]. جاء في (البحر المحيط): "كانوا قطانًا ببلد غير ذي زرع عرضة للجوع والخوف لولا لطف الله تعالى بهم، وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57]. وآمنهم من خوف فضلهم على العرب بكونهم يأمنون حيثما حلوا، فيقال: هؤلاء قطان بيت الله فلا يتعرض إليهم أحد وغيرهم خائفون" (1). وجاء في (روح المعاني) عن ابن عباس" أنه قال: أطعمهم من جوع بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} وآمنهم من خوف حيث قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا} (2). وقال: (أطعمهم) ولم يقل: (أشبعهم) لأن الشبع قد يورث ما لا يحمد عقباه من بطنة وتخمة ونحوها، أما الإطعام فيزيل الجوع، وخير الطعام ما يسد الجوعة. جاء في (التفسير الكبير) للرازي: "ما الفائدة في قوله: {مِنْ جُوعٍ} الجواب فيه فوائد: أحدها: التنبيه على أن أمر الجوع شديد، ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى: 28] ... وثانيها: تذكيرهم الحالة الأولى الرديئة المؤلمة وهي الجوع حتى يعرفوا قدر النعمة الحاضرة. وثالثها: التنبيه على أن خير الطعام ما سد الجوعة؛ لأنه لم يقل (وأشبعهم) لأن الطعام يزيل الجوع، أما الإشباع فإنه يورث البطنة" (3). وقد تقول: ولِمَ لَمْ يكتف بقوله: (وأطعمهم) إذا كان الإطعام أفضل من الشبع؟ والجواب: أن من الإطعام ما لا يسد الجوعة ولا تسد به الحاجة فلا تتم به النعمة، ولذا قال: {أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} أي أبعد الله عنهم الجوع بالإطعام، فكانت النعمة بذلك أتم وأكمل. ونكر الجوع والخوف لإطلاقهما، فيشمل كل جوع وخوف. ولو عرّفهما لاحتمل أن يكون ذلك للعهد فيشمل إطعامًا من جوع معين وإيمانًا من خوف معين، كأن يكون الخوف من أصحاب الفيل مثلاً، فنكر ذلك لإطلاق الجوع والخوف ويعممهما. وقيل: إن التنكير فيهما للشدة والتعظيم، أي أطعمهم من جوع أي جوع، وخوف أي خوف. جاء في (الكشاف): "التنكير في جوع وخوف لشدتهما، يعني: أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف الخطف في بلدهم ومسايرهم" (4). وجاء في (التفسير الكبير): "لم قال: (من جوع) (من خوف) على سبيل التنكير؟ الجواب: المراد من التنكير التعظيم" (5). قد تقول: ولم قدم الجوع على الخوف؟ والجواب أن ذلك لوجوه منها: 1- أن الجوع أشد من الخوف وأمره أعظم، فإن الجوع إذا استمر أهلك الإنسان والأحياء، بخلاف الخوف فإنه قد يستمر ولا يؤدي إلى الهلكة، فإن من الناس من يبقى خائفًا متخفيًا أعوامًا، فقدم ما هو أهم وأولى. ٢- إن الرحلتين كانتا لغرض الميرة والاتجار، وكان الأمن سببًا في نجاحهما واستمرارهما. فالإطعام من الجوع كان هو الغرض من الرحلتين، أما الأمن فكان من أسباب نجاحهما، فقدم الغرض الأساسي من رحلتي الشتاء والصيف. 3- إن حاجة قريش إلى الطعام شديدة؛ وذلك لأنهم في بلد ليس بذي زرع، فقدم ما محتاجون إليه على جهة الضرورة، أما مسألة الخوف فإنها عامة في الجزيرة، فقد كان يغير بعضهم على بعض. 4- إن تقديم الجوع على الخوف مناسب لتقديم الشتاء على الصيف في قوله تعالى: {إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} ذلك أن الإنسان أحوج إلى الطعام في الشتاء منه في الصيف، ولذا نرى كثيرًا من الناس يدخرون قوتهم للشتاء لشحة الطعام فيه. فقدم الإطعام من الجوع مناسبة لتقديم الشتاء. وجعل الأمن من الخوف بإزاء الصيف، ذلك أن الصيف تسهل فيه الإغارة والكمون في أي مكان، بخلاف الشتاء الذي يصعب فيه المبيت والتخفي في الخلاء. هذا علاوة على أن الوحوش والهوام تكنّ في الشتاء، بخلاف الصيف، فدواعي الإخافة في الصيف أكثر منها في الشتاء، ولذا جعل الأمن من الخوف بإزاء الصيف، فناسب كل تعبير موضعه. 5- وقد تقول: ولكنه قدم الخوف على الجوع في موطن آخر من القرآن الكريم فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} [البقرة: 155] فلم فعل ذلك إذا كان الجوع أشد وأهم؟ فنقول: التقديم إنما يكون بحسب ما يقتضيه السياق والمقام، وقد اقتضى كل مقام التعبير الذي هو فيه. وإيضاح ذلك أنه ورد اجتماع الجوع والخوف في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم هذا أحدها. والموطن الآخر قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]. والموطن الثالث قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]. فقدم الخوف على الجوع في آية البقرة، وقدم الجوع على الخوف في آية النحل، بحسب ما يقتضيه السياق والمقام في كل موطن. أما آية البقرة فقد تقدم فيها الخوف على الجوع؛ وذلك لأنها وقعت في سياق القتل ووقوع المصائب، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٤ - 156]، فناسب ذلك تقديم الخوف على الجوع. وأما آية النحل ففي سياق الأطعمة، فقد جاء بعدها: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ....} [النحل: 114 - 115] فناسب تقديم الجوع على الخوف. ثم إن تقديم الجوع أنسب ههنا من ناحية أخرى، وذلك مراعاة للإذاقة في قوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ}، فإن الجوع إنما يكون بسبب قلة الطعام أو فقده، والطعام مما يذاق على الحقيقة، فحسن تقديم الجوع من هذه الناحية أيضًا. جاء في (روح المعاني): "وتقديم الجوع الناشئ من فقدن الرزق على الخوف المترتب على زوال الأمن المقدم فيما تقدم على إتيان الرزق لكونه أنسب بالإذاقة أو لمراعاة المقارنة بين ذلك وبين إتيان الرزق" (6). وقد تقول: ولكنه قدم الأمن على الرزق في صدر الآية فقال: {كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}، فنقول: إن هذا التقديم هو المناسب هنا، فإنه قال: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} وهذا يقتضي تأمين السبل والطرق الموصلة إليها، فإنه لو لم يكن الأمن موجودًا لم يأتها الرزق من كل مكان، فإنه يجب تأمين السبل الموصلة إليها، وأن تكون هي آمنة مطمئنة ليتم مجيء الرزق إليها، فكان تقديم الأمن هنا أنسب لأنه سبب الإتيان بالرزق إليها. هذا من ناحية، ناحية أخرى أن آية البقرة إنما هي في ابتلاء المؤمنين واختبارهم، وليست هي من باب العقوبات. بخلاف آية النحل فإنها في عقوبات الكافرين، ومعلوم أن الجوع أشد من الخوف في العقوبات، فقدم ما هو أشد والله أعلم، فكان كل تعبير في مكانه المناسب. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 138 إلى ص 143. (1) البحر المحيط 8/515. (2) روح المعاني 30/241. (3) التفسير الكبير 32/109. (4) الكشاف 3/360. (5) التفسير الكبير 32/110. (6) روح المعاني 14/243. الوقفة كاملة
٤٢٧ {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16)} قوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا .....} مرتبط بقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} ذلك لأن هذا من الهداية الإرشاد. جاء في (روح المعاني): {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} قيل: متفرع على كون الهدى عليه سبحانه، أي فهديتكم بالإنذار وبالغت في هدايتكم" (1)، ومرتبط بقوله: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى} كما ذكرنا. وظاهر أنه أنذرهم ولم يبشرهم، ولذا كان الكلام عليها وعلى من يصلاها ومن ينجو منها. ولم يذكر الجنة؛ لأن ذلك ليس من الإنذار وإنما هو من التبشير. فلما قصر تبليغه على الإنذار قصر الكلام على النار وعلى صفات صاليها والناجي منها. لقد نكر النار ووصفها بقوله: {تَلَظَّى} وهذا يحتمل أنه أنذرهم النار على وجه العموم، ويحتمل أنه أنذرهم: نارًّا مخصوصة أعدت للأشقى دون غيره. فإن النار دركات، وبعض العذاب أشد من بعض، فالأشقى على هذا يصلى نارًّا قد لا يصلاها غيره ممن هو دونه في الشقاء، كما قال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} [الأعلى: 10 – 12]. فإن كانت نارًّا خاصة بالأشقى لا يصلاها غيره فالقصر واضح، فإنه لا يصلاها غيره، وإن كان يراد بها. عموم النار فقد أثير في ذلك سؤال وهو: إن عموم النار يصلاها الأشقى وغيره ممن دونه في الشقاء، ويصلاها العصاة من المسلمين، فكيف قصر ذلك على الأشقى فقال: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} والجواب عن ذلك من أوجه: منها: أن المقصود أن يصلاها صليًا تامًّا لازمًّا على جهة الخلود، وهذا خاص بالكافر الكامل في الشقاء (2). ومنها: أن النار يطلق بهذا التنكير على عموم النار بكل أقسامها وأحوالها، وجميع ما أعد فيها من أهون أحوال العذاب إلى أشده، فكل ذلك داخل في قوله: {نَارًا تَلَظَّى}، يصلاها الشقي والأشقى، وتشمل الدرك الأسفل والأعلى، أعاذنا الله منها جميعها، فيصح أن يقال بهذا العموم {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} باعتبار قسم منها، وأن يقال: (يصلاها عموم الأشقياء) باعتبار العموم . ومنها: أن النار بكل أصنافها وعلى اختلاف دركاتها وأحوالها وأهوالها لا يصلاها إلا الأشقى، فإن الذي يصلى النار هو أشقى الخلق، إذ ليس بعدها شقاء، فالذي يعذب أهون العذاب هو الأشقى، فكيف بمن يصلى أشد العذاب؟ إن أهون النار وليس فيها هين أعد للأشقى فكيف أشدها؟ إن من يعذب أهون العذاب يرى أن ليس أحد من أهل النار أشد عذابًا منه. فقد جاء في (صحيح مسلم) أن رسول الله  قال: "إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما: دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا" فعلى هذا المعنى لا يصلى النار إلا الأشقى، إذ إن أقلهم شقاء هو الأشقى فكيف بأشقاهم؟ أعاذنا الله منها. والراجح فيما يبدو لي أنه يشير إلى نار خاصة أعدت للأشقى الذي كذب وتولى، والله أعلم. وقد تقول: ولم نكر النار وجعلها عامة ولم يعرفها ليدل على أنها نار خاصة بالأشقى؟ والجواب عن ذلك من أوجه: منها: أنه نكر النار وجعلها عامة ووصفها بأنها تلظى - وكل جهنم كذلك، نارٌ تلظّى - ليعلمنا أن النار بكل أقسامها وأحوالها وصفاتها تستحق الإنذار وأن على الناس أن يحذروها، ولو عرّفها لظن ظان أن التحذير واقع على تلك النار دون غيرها، في حين أنه أنذرنا النار على العموم، فكان التنكير أنسب. ووصفها بأنها {تَلَظَّى} وكل جهنم نار تلظى ولكنها دركات، فوصفها بوصف عام لتشمل نار الأشقى وغيره، فيتحقق الإنذار على العموم وعلى الأشقى خاصة. ومثلهـا أن تقول: (نار حامية) فإن كل جهنم نار حامية، ولكن بعضها أشد من بعض، فالشقي يصلى نارًّا حامية، والأشقى يصلى نارًّا حامية، والعصاة يصلون نارًّا حامية. ونحوه أن تقول: (نار ذات لهب) فلا ينفي أن يكون ذلك للشقي والأشقى وعصاة المسلمين، فهناك نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى، ونار تلظى يصلاها غير الأشقى. ومن جهة أخرى أنه لو عرفها وخصصها لكان قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} خاصًّا بتلك النار دون غيرها، فقد يذوق غيرها، ولكنه جعلها عامة، فدل تنكيرها على أن الأتقى يتجنب النار على العموم بكل أحوالها، فكان التنكير أنسب من كل ناحية. لقد ذكر للأشقى صفتين وهما التكذيب والتولي فقال: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}. ومعنى {كَذَّبَ} كذّب بكل مفردات الإيمان ومقتضياته، ومعنى {وَتَوَلَّى} أدبر عن الطاعات وابتعد عنها وانشغل بالمعاصي، فقوله: {كَذَّبَ} مقابل {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}، وقوله: {وَتَوَلَّى} مقابل {أَعْطَى وَاتَّقَى}، وقوله: {كَذَّبَ وَتَوَلَّى } توكيد لقوله: {بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}، فالبخل والاستغناء من التولّي، والتولّي أعم لأنه يشملهما ويشمل غيرهما. والتكذيب أعم من التكذيب بالحسنى، لأن التكذيب يشمل التكذيب بالحسنى وغيره من التكذيب بغير الحسنى، وهو عاقبة الكفار. ولما كان الوصف أعم وأشمل كانت العاقبة أسوأ، فقد قال في الآية الأولى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}، وذكر في هذه الآية أنه الأشقى وأنه يصلى نارًّا تلظى لا يصلاها غيره فقال: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}، وهذه العقوبة أسوأ وأعظم. ولما كان التكذيب عامًّا غير مخصوص بشيء، والتولي عامًّا غير مخصوص بشيء، استحق أن يكون ذلك هو الأشقى. وهذا وجه آخر لتنكير النار وعمومها وعدم تخصيصها، فإنه أطلق صفة الأشقى في التكذيب والتولي فناسب الإطلاق ههنا. وقال: {فَأَنْذَرْتُكُمْ} ولم يقل: (فأنذركم) بالمضارع، كما قال: {إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [الأنبياء: 45] ذلك لأنه أنذرهم بأمر واحد أخبرهم به وهي النار. أما قوله: {أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} فلأن الوحي مستمر والإنذار لم ينته ما دام الوحي يتنزل، فجاء به مضارعًا. ونحوه من التعبير بالماضي قوله: {فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]، وقوله: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} [النبأ: 40] فإن الإنذار فيهما تم واكتمل، وهما نظير قوله: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى}. ومن الملاحظ أنه لم يؤكد الإنذار في هذه السورة، في حين أكده في سورة النبأ فقال: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} بتوكيد الإنذار بإن، ذلك أن الإنذار في سورة الليل لم يرد إلا في هذه الآيات {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}. أما في سورة النبأ فقد اتسع الإنذار وتكرر، ذلك أنه بدأ بقوله: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} وهو إنذار مؤكد بالتكرار، ثم أعاد الإنذار بقوله: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: 21 -30]. ثم كرر الإنذار في آخر السورة بقوله: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا}، فكان الإنذار في أول السورة ووسطها وآخرها، فناسب ذلك التوكيد في سورة النبأ دون سورة الليل. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 190 إلى ص 194. (1) روح المعاني 30/150. (2) انظر فتح القدير 5/440 – 441. الوقفة كاملة
٤٢٨ {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4)} أكد الإعتاد بإن؛ ذلك لأنه عاقبة ما تقدمه من الهداية، والهداية مؤكدة، فالعاقبة مؤكدة أيضًا. وقد تقول: ولم قال: (أعتدنا) ولم يقل: (أعددنا)؟ وما الفرق بين الإعتاد والإعداد؟ والجواب: أن (أعتد) قريب من (أعد) في المعنى، غير أن في (أعتد) قربًا وحضورًا، ولا يشترط في (أعد) الحضور. قال تعالى: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق: 23] أي حاضر عندي قريب، وقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] أي هيئوا، وليس معناه أحضروا، وقال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46] أي هيأوا، ولم يقل (أعتدوا) لأنه لا يريد الإحضار. جاء في (لسان العرب): "وشيء عتيد: مُعَدّ حاضر، وعتد الشيءُ عتادة فهو عتيد حاضر" (1). وجاء في (التفسير الكبير): "الإعتاد هو إعداد الشيء حتى يكون عتيدًا حاضرًا متى احتيج إليه كقوله تعالى: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}" (2). ويدلك على ذلك الاستعمال القرآني، قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء : 18] فقال: (أعتدنا) لما كان هؤلاء من الموتى وهم كفار أو حضر أحدهم الموت وقد قرب العذاب منهم وأحضر فاستعمل (أعتدنا). في حين قال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]. فقال: (أعدّ) وذلك لأن هؤلاء لا يزالون يتقلبون في حياتهم الدنيا . وقال: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفرقان : 37]. فإنه لما ذكر أنه أغرقهم وجعلهم آية قال: (أعتدنا) لأن عذابهم حاضر وهم ذائقوه. أما الجواب عن الاستعمال في هذه الآية فإنه لما ذكر جزاء أهل الجنة بصيغة الوقوع لا بصيغة أنه سيقع، وأن ما عندهم مُعَدّ حاضر، ناسب أن يقول في أهل النار كذلك. فقد ذكر أن الأبرار يشربون من كأس، وذكر أنه وقاهم شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا، فقد ذكر شأنهم وأحوالهم بالأفعال الماضية، فناسب أن يقول في أهل النار: (أعتدنا) للحضور والقرب. بخلاف ما ورد في آخر السورة، فإنه لما ذكر أنه تعالى يدخل من يشاء في رحمته على الاستقبال ناسب أن يقول: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ} (أعتد). وهناك ملاحظة أخرى، وهي أنه لم يرد في القرآن استعمال (أعدّ) مسندًا إلى الضمير (نا)، فإنه لم يقل: (أعددنا)، كما لم يرد (أعتد) مسندًا إلى الله تعالى إلا بضمير التعظيم، أي (أعتدنا). فإنه ورد (أعتدنا) والضمير يعود على الله، ولم يرد (أعددنا)، فكان هذا هو المناسب لما ورد في الاستعمال القرآني على العموم. ثم إنه قال: {أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} جمع الكافر، ولم يقل: (أعتدنا للكفر) جمع الكفور، وكان المظنون أنه لما قال: {وَإِمَّا كَفُورًا} أن يجمعه فيقول: (إنا أعتدنا للكفر) فما سبب ذلك؟ والجواب: أنه ذكر (الكافرين) ليشمل من بالغ في الكفر ومن لم يبالغ فيه. ولو قال: (للكُفًر) لظن ظان أن ذلك يتناول المبالغ في الكفر دون من لم يبالغ، ولظن أن هذا خاص بالكفور دون الكافر، فلما ذكر عاقبة الكافر شمل ذلك الكفور من باب أولى، وأنه سيلقى من العذاب أكبر مما ذكر، فإنه كما بالغ في الكفر يبالغ له في العذاب، فإذا كان هذا عذاب الكافر فما بالك بعذاب الكفور، وماذا أعتد له يا ترى؟ وقد ذكر العذاب بقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} فذكر السلاسل والأغلال والسعير، وذلك أنه لما أطلق له الحرية والاختيار في الدنيا فقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} وهداه السبيل ليسلك فيها فلم يسلكها قيده في الآخرة ولم يتركه لمشيئته واختياره كما كان في الدنيا. لقد قيده بالسلاسل وهي تقيد حركة الأرجل، وبالأغلال وهي تقيد حركة الأيدي والأعناق، قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} [يس: 8]، وقال: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [المائدة: ٦٤] فالأغلال توضع في الأيدي وفي الأعناق، وبذلك قيد حركته على كل حال، فلم يترك له فرصة أو حالًا للحركة والاختيار بمقابل حريته واختياره في الدنيا. إن هذا ما اختاره هو والسبيل التي آثرها، والله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 221 إلى ص 224. (1) لسان العرب (عتد) 4/269. (2) التفسير الكبير 30/240. الوقفة كاملة
٤٢٩ {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)} لما ذكر أمر الفاكهة وأنها مذللة لهم يتناولونها كيفما شاءوا ذكر بعدها التنعم بالشراب، فذكر أنه يطاف عليهم به، وأنه مذلل لهم أيضًا لا يبذلون جهدًا للوصول إليه بل يطاف عليهم به، فقدم ذكر المطعوم وتلاه بذكر المشروب، وهذا شأن القرآن الكريم، فإنه يقدم الأكل على الشرب حيث اجتمعا، قال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24]، وقال: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} [البقرة: 60]، وقال: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79]. ومعنى {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ}: "أنها مخلوقة من فضة، وهي مع بياض الفضة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفتها. فإن قلت: ما معنى (كان)؟ قلت: هو من (يكون) في قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} أي تكونت قوارير بتكوين الله تفخيمًا لتلك الخلقة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين. ومنه (كان) في قوله: {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا}" (1). ومعنى {قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} أنها جاءت على مقدار حاجتهم فلا يزيد عليها ولا ينقص عنها، فلا تقول: ليته لم يفضل أو ليته كان أكثر . جاء في (البحر المحيط): "ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في أنفسهم على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدروها. وقيل: الضمير للطائفين بها، يدل عليه قوله: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ} على أنهم قدروا شرابها على قدر الريّ، وهو ألذ الشراب، لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها ولا يعجز" (2). وقد تقول: ولم ذكر هنا أن الآنية من فضة وأن أكوابها قوارير من فضة، في حين ذكر في مكان آخر أنه يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب؟ فنقول: إن كل موضع يقتضي ما ذكر فيه، وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى في سورة الإنسان: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} وقال في سورة الزخرف: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} [الزخرف: 67 – 73]. ومن النظر في آيات النصين يتبين ما يأتي: 1- أنه ذكر في آيات الزخرف أن هؤلاء متقون. ۲- وأضافهم إلى نفسه فقال: (يا عباد). 3- أنه طمأنهم من الخوف والحزن فقال مخاطبًا لهم: {لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}. في حين قال في سورة الإنسان: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ} بصيغة الغائب، والخطاب بالطمأنة أعلى من الإخبار بصيغة الغيبة. 4- ذكر أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام {الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ}، وهذا يعني التصديق بالقلب والطاعة والانقياد لله بالعمل، ويدخل في هذا ما ورد في سورة الإنسان: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا .....} فإن هذا جزء من صفات المتقين الذين آمنوا بآيات الله وكانوا مسلمين. فما ذكره في الزخرف أعم وأشمل مما ذكره في سورة الإنسان. 5- ذكر في سورة الزخرف أنه سبحانه ناداهم مخاطبًا لهم بقوله: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ}. في حين ذكر ذلك بصورة الغائب في سورة الإنسان فقال: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} والتكريم بالخطاب أعلى من الإخبار بالغيبة. ٦- ذكر في آيات الزخرف أنه أدخلهم الجنة هم وأزواجهم زيادة في الإكرام والنعيم فقال: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}. ٧- ثم قال في سورة الزخرف: (تحبرون)، وقال في سورة الإنسان: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا}، ومعنى الحبور: السرور والحسن والبهاء والجمال والنضارة والنعمة وأثرها والإكرام المبالغ فيه وسعة العيش. جاء في (لسان العرب): "الحَبْر والسَّبْر والحِبْر والسِّبْر كل ذلك الحسن والبهاء ... وقيل: هو الجمال والبهاء وأثر النعمة ... حبرني هذا الأمر حبرًا، أي سرني ... وأحبرني الأمر: سرّني ... وفي التنزيل العزيز {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} أي يُسرون، وقال الليث: يحبرون: ينعمون ويكرمون ... وقال الأزهـري: الحبـرة في اللغة: النعمة التامة ... الحَبرة بالفتح: النعمة وسعة العيش ... وقال الزجاج في قوله تعالى: {أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} معناه تكرمون إكرامًا يبالغ فيه" (3). وجاء في (الكشاف): "{تُحْبَرُونَ} تسرون سرورا يظهر حباره، أي أثره على وجوهكم، كقوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} ... والحبرة: المبالغة فيما وصف بجميل" (4). فشمل ذلك ما في سورة الإنسان وزيادة. ٨- قال في سورة الزخرف إن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ۹- وإنهم فيها خالدون. ۱۰- وذكر أن لهم فيها فاكهة كثيرة. فكان ما ذكره في سورة الزخرف أعلى، فناسب ذلك ذكر الصحاف من الذهب والأكواب، وناسب في سورة الإنسان ذكر الآنية من الفضة وأن الأكواب قوارير من فضة، وإن كانت فضة الجنة لا تشبه ها فضة الدنيا، إذ ليس في الدنيا قوارير من فضة. وهناك أمر آخر حسن ذكر الذهب في آيات الزخرف وهو أن جو السورة شاع فيه ذكر الذهب والزينة والتنعم به. فقد قال في سورة الزخرف: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 33 – 35]. فإذا كان ذلك في الدنيا وهو أن يجعل لبيوت الكفرة سُقُفًا من فضة ومعارج عليها يظهرون، ويجعل لهم زخرفًا، والزخرف هو الزينة والذهب (5)، فلا يناسب أن يكون النعيم في الآخرة أقل من ذلك. ومن الظاهر أن سُقُف الفضة والمعارج أدل على النعيم من صحاف الفضة. ثم إنه لما قال في ختام هذه الآيات: {وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} ثم ذكر جزاءهم في الآخرة فقال: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} ناسب أن يكون جزاء المتقين في الأخرة أعلى بكثير مما كان سيعطيه للكافرين في الدنيا. وجاء في السورة أيضًا أن فرعون استكبر في نفسه وقال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} واستخف بموسى قائلًا: {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ} فلا يناسب أن يذكر أن صحاف الجنة من فضة، فناسب ذكر الصحاف من الذهب في الزخرف من كل وجه . والأظهر - والله أعلم - أنه يطاف عليهم أحيانًا بآنية من ذهب وأحيانًا بآنية من الفضة العجيبة، وقد يجمع بينهما زيادة في الإكرام والنعيم، غير أنه ذكر كل نوع فيما يناسبه من المقام. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 244 إلى ص 248. (1) الكشاف 3/298، وانظر البحر المحيط 8/397. (2) البحر المحيط 8/397. (3) لسان العرب (حبر) 5/229. (4) الكشاف 3/102، وانظر البحر المحيط 8/26. (5) انظر لسان العرب (زخرف) 11/32، البحر المحيط 8/15، الكشاف 3/96. الوقفة كاملة
٤٣٠ {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) } قال بعد ذكر تنزيله القرآن: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} فأمره بالصبر، مما يدل على أن التنزيل العزيز يستدعي الصبر لما فيه من قول ثقيل وتكاليف وتبليغ، فحامل التنزيل ينبغي أن يصبر عليه. والحكم قد يكون بمعنى الحكمة، فهو إذن يطلب منه الصبر لما تقتضيه حكمة الله سبحانه من الصبر حتى يأذن الله بالنصر. وقد يكون الحكم بمعنى القضاء، ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41]، وقوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57] فيكون المعنى: اصبر لما حكمه الله وقضاه. والمعنى يحتملهما معًا، وهما مطلوبان، فإن الله أمر بالصبر على حكم الله وقضائه لحكمة وضعها وأرادها. فيكون المعنى: اصبر لحكمة ربك وحكمه وأمره. جاء في (الكشاف): "فاصبر لحكم ربك الصادر عن الحكمة وتعليقه الأمور بالمصالح وتأخيره نصرتك على أعدائك من أهل مكة، ولا تطع منهم أحدًا قلة صبر منك على أذاهم، وضجرًا من تأخر الظفر" (1). {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا} ظانًا أن ذلك يوصلك إلى مقصودك أو يقربك منه. والآثم: هو الذي يرتكب الإثم ويفعله المقدم على المعاصي. والكفور: هو المبالغ في الكفر، وهو نقيض الإيمان، أو هو الجاحد للنعمة من الكفران مقابل الشكر كما مَرَّ إيضاح ذلك. فالآثم هو الذي يفعل الإثم، والإثم قد يكون من أفعال الجارحة أو من أعمال القلب، ككتم العلم وكتم الشهادة والحسد والاعتقاد الباطل ونحو ذلك، قال تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120]. والكفور قد يكون اعتقادًا باطلاً في القلب، أو جحدًا للنعمة باللسان، وكلاهما إثم، ولذا كان كل كفور آثمًا وليس كل آثم كفورًا، فرب مرتكب للإثم غير كافر ولا جاحد للنعمة. جاء في (الكشاف): "معناه: ولا تطع منهم راكبًا لما هو إثم داعيًا لك إليه أو فاعلاً لما هو كفر داعيًا لك إليه ... فإن قلت: معنى (أو) ولا تطع أحدهما، فلا جيء بالواو ليكون نهيًا عن طاعتهما جمعيًا؟ قلت: لو قيل: (ولا تطعهما) جاز أن يطيع أحدهما. وإذا قيل: لا تطع أحدهما علم أن الناهي عن طاعة أحدهما، عن طاعتهما جميعًا أنهى" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "ما الفرق بين الآثم والكفور؟ الجواب: الآثم: هو المقدم على المعاصي، أما ليس كل آثم كفورًا. وإنما قلنا: إن الآثم عام في المعاصي كلها لأنه تعالى قال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} فسمى الشرك إثمًا، وقال: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ}، وقال: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}، وقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} فدلت هذه الآيات على أن هذا الإثم شامل لكل المعاصي ... إن الآثم عام والكفور خاص" (3). وقال: (آثمًا) ولم يقل: (أثيمًا) لأنه أراد أن ينهى عن إطاعة مرتكب الإثم في كل أحواله، سواء بالغ في ارتكاب الآثام أم لم يبالغ. ولو قال: (ولا تطع منهم أثيمًا) لربكا أفهم أنه نهى عن إطاعة المبالغ في المعاصي دون من لم يبالغ، وهذا غير مراد. وقد تقول: ولم قال إذن في سورة القلم: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} [القلم: 10 – 12] ولم يقل (آثم)؟ والجواب: أن كل تعبير وقع في مكانه المناسب من أكثر من وجه: منها: أن في سورة القلم جاء بأوصاف المبالغة فقال: حلاّف، همّاز، مشّاء، منّاع، فناسب ذلك المبالغة في الإثم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الذي يفعل كل ذلك هو أثيم وليس آثمًا فقط. ومن ناحية ثالثة أن المبالغة في كل وصف منها يكون صاحبها أثيمًا فكيف إذا بالغ فيها كلها؟ فالهماز أثيم، والعتلّ أثيم، والزنيم وهو المعروف بالشر الظلوم أثيم، فكيف إذا جمعها كلها؟ فناسب كل تعبير مكانه. وقد تقول: ولم قال: {أَوْ كَفُورًا} فبالغ، ولم يقل: (أو كافرًا)؟ وجواب ذلك ذكرناه في قوله تعالى: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} فإنه قال: {أَوْ كَفُورًا} ليشمل الكافر في قلبه وجاحد النعمة، وهو المقابل للشاكر. ولو قال: (أو كافرًا) لشمل واحدًا منهما. وهو المناسب أيضًا لما ورد في أول السورة {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 259 إلى ص 262. (1) الكشاف 3/300. (2) الكشاف 3/300. (3) التفسير الكبير 30/258. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 421 إلى 430 من إجمالي 1052 نتيجة.