تفسير و تدارس

٣٦٣١ خواطر الشيخ الشعراوى سورة المائده الوقفة كاملة
٣٦٣٢ برنامج تأملات قرآنية الوقفة كاملة
٣٦٣٣ برنامج تأملات قرانية الوقفة كاملة
٣٦٣٤ خواطر الشيخ محمد الشعراوى - سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٣٥ خواطر الشيخ محمد الشعراوى - سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٣٦ خواطر الشيخ محمد الشعراوى - سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٣٧ برنامج تأملات قرانية الوقفة كاملة
٣٦٣٨ خواطر الشيخ محمد الشعراوى- سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٣٩ خواطر الشيخ محمد الشعراوى- سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٤٠ برنامج تأملات قرانية الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣٦٣١ إن هذه السورة مرتبطة بخواتيم السورة التي قبلها وهي سورة (طه) من أكثر من وجه منها: 1- أنه قال في خواتيم سورة طه: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} وقال في أول سورة الأنبياء: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} وممل قيل في الأجل المسمى المذكور في آية طه أنه يوم القيامة (1) وهو موعد الحساب. 2- قال سبحانه في خواتيم سورة طه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)} أي أتتك آياتنا فأعرضت عنها. وقال سبحانه في أول سورة الأنبياء: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } فكلتا الآيتين في المعرضين عن آيات ربهم. 3- قال في أواخر سورة طه: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} وقال في أول سورة الأنبياء: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) } وقال فبها أيضًا: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ (5) } فأمره في طه أن يصبر على ما قالوه في الأنبياء. 4- وقال في أواخر طه: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)} وقال في أول الأنبياء: {فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)} فكلتا الآيتين في طلب آية. جاء في (البحر المحيط): "مناسبة هذه السورة لما قبلها أنه لما ذكر: {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا} [طه: 135] قال مشركو قريش: محمد يهددنا بالمعاد والجزاء على الأعمال، وليس يصح، وإن يصح ففيه بعد فأنزل الله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 5 إلى ص 6. (1) انظر روح المعاني 16/280. (2) البحر المحيط 6/295 وانظر كتابنا (التناسب بين السورة في المفتتح والخواتيم) 116. الوقفة كاملة
٣٦٣٢ {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) } يحتمل أن يكون أصل التعبير (اقترب حساب الناس) ثم (اقترب الحساب للناس) بذكر اللام التي تفيد الاختصاص والاستحقاق. ثم قدم الجار والمجرور للاهتمام والتهويل وهو المهم فقال: (اقترب للناس الحساب)، ثم أضيف (الحساب) إليهم ليكون مختصًا بهم، وفيه تهديد أكبر فقال: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} ثم {اقْتَرَبَ} يفيد المبالغة في القرب، فإن (افتعل) أدل على المبالغة من (فُعَل)، والأصل (قرب). وقيل: إن اللام متعلقة بـ (اقترب)، واللام بمعنى (إلى) أو معنى (من)، والمعنى (اقترب من الناس حسابهم) أو (اقترب إلى الناس حسابهم). وقد ذكر هذين الاحتمالين صاحب (الكشاف) فقال: "هذه اللام لا تخلو من أن تكون صلة لـ (اقترب)، أو تأكيدًا لإضافة الحساب إليهم، كقولك: (أزف للحي رحيلهم)، الأصل: أزف رحيل الحي، ثم أزف للحي الرحيل، ثم أزف للحي رحيلهم... ومنه قوله: (لا أبالك) لأن اللام مؤكدة لمعنى الإضافة... والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك. ونحوه: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} [الأنبياء: 97] (1). ومنع قسم من النحاة أن يكون (للناس) متعلقًا بالحساب؛ لأن (الحساب) مصدر ولا يتقدم معموله عليه. جاء في (البحر المحيط): "و(للناس) متعلق بـ اقترب... وأما جعله اللام تأكيدًا لإضافة الحساب إليهم مع تقدم اللام ودخولها على الاسم الظاهر فلا نعلم أحدًا يقول ذلك، وأيضًا فيحتاج إلى ما يتعلق به، ولا يمكن تعليقها بـ (حسابهم) لأنه مصدر موصول ولا يتقدم معموله عليه" (2). وذهب بعضهم إلى إجازة ذلك، جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وأنا لا أرى منعًا من تقدم معموله عليه إذا كان ظرفاً أو شبهه نحو قولك: (اللهم ارزقني من عدوك البراءة وإليك الفرار)، قال تعالى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} [النور: ٢]، وقال: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [الصافات: ۱۰۲]... ومثله في كلامهم كثير، وتقدير الفعل في مثله تكلف (3). ونحوه قوله: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [الكهف: 108]، وقولهم: (اللهم اجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا)، وجعل الظرف متعلقًا بمحذوف حالاً من المصدر تكلف (4). إن تقديم الجار والمجرور (للناس) احتمل معنيين: الأول: أنه بمعنى اقترب من الناس أو إليهم فيكون متعلقًا بالفعل (اقترب). وعليه الأكثرون. والمعنى الآخر: أن يكون متعلقًا بالحساب، أي اقترب الحساب للناس، أي حساب الناس. كما أجازه جماعة من النحاة. فأفاد التقديم المعنيين واحتملهما، بخلاف ما لو أخر الجار والمجرور فقال: (اقترب الحساب للناس). ثـم إن تقـديـم (للنـاس) سـوغ ذكـر الضميـر فـي الحساب فقـال: (حسابهم)، ولو أخر الجار والمجرور فقال: (اقترب حساب الناس) أو: الحساب للناس لم يكن للضمير موضع. فذكر في التعبير: الناس مع ضميرهم، وهذا يفيد ضربًا من التأكيد. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب تهويل وتفخيم، فكأن الحساب يحث السير والسعي للوصول إليهم، فهو استعارة تمثيلية، فكأن الحساب شخص مغير معجل الإغارة للوصول إلى الناس. جاء في (تفسير أبي السعود): "وفي إسناد الاقتراب المنبئ عن التوجه نحوهم إلى الحساب مع إمكان العكس بأن يعتبر التوجه والإعراض من جهتهم نحوه من تفخيم شأنه وتهويل أمره ما لا يخفى لما فيه من تصويره بصورة شيء مقبل عليهم لا يزال يطلبهم ويصيبهم لا محالة" (5). وجاء في (التحرير والتنوير): "الاقتراب مبالغة في القرب... وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب استعارة تمثيلية، شبه حال إظلال الحساب لهم بحالة شخص يسعى ليقرب من ديار ناس. ففيه تشبيه هيئة الحساب المعقولة بهيئة محسوسة وهي هيئة المغير والمعجل في الإغارة على القوم يلح في السير تكلفًا للقرب من ديارهم وهـم غافلون عن تطلب الحساب إياهم كما يكون قوم غازين معرضين عن اقتراب العدو منهم" (6). {لِلنَّاسِ} قيل: إن المقصود بالناس مشركو مكة، وقيل: المشركون مطلقًا وقيل: هو عام في منكري البعث (7)، وقيل: إن المراد بالناس العموم (8). والذي يبدو أن المقصود بالناس كل من اتصف بالغفلة والإعراض. وإطلاق لفظ الناس على هؤلاء من باب المجاز المرسل والعلاقة الكلية، فقد ذكر الكل وأراد قسمًا منهم. جاء في (الكشاف): "وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين" (9). {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} وصفهم بالغفلة والإعراض، وقيل: إن هذين الوصفين ظاهرهما التنافي، فإن الغافل غير المعرض، فإن المعرض عن الشيء إنما يكون إذا كان ذاكرًا له. وقيل: إنهما وصفان باعتبار حالين مختلفين، فإنهم غافلون فإذا ذكرتهم أعرضوا. جاء في (الكشاف): "وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم... وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا" (10). وجاء في (البحر المحيط): "وأخبر عنهم بخبرين ظاهرهما التنافي لأن الغفلة عن الشيء والإعراض عنه متنافيان، لكن يجمع بينهما باختلاف حالين. أخبر عنهم أولًا أنهم لا يتفكرون في عاقبة أمرهم بل هم غافلون عما يؤول إليه أمرهم. ثم أخبر عنهم ثانيًا أنهم إذا نبهوا من سنة الغفلة وذكروا بما يؤول إليه أمر المحسن والمسيء أعرضوا عنه ولم يبالوا بذلك" (11). وقال: (في غفلة) بذكر (في) الظرفية، ولم يقل: (غافلون)، للدلالة على أنهم ساقطون في الغفلة وأن الغفلة محيطة بهم من كل الجهات وهم مغمورون فيها. جاء في (التحرير والتنوير): "ودلت (في) على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم، أي وهم غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها" (12). ولم يرد نحو هذا التعبير في القرآن الكريم إلا في اليوم الآخر. قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [مريم: 39] وقال: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: ۹۷]. وقال: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: ۲۲]. وآية الأنبياء هذه. وذلك أشد الغفلة. وجاء بالإعراض بالصيغة الاسمية فقال: {مُعْرِضُونَ } للدلالة على الثبات والدوام. والوصف بالإعراض الثابت الدائم مناسب لهذه الغفلة العظيمة الغامرة. وفي الآية مبالغات عديدة منها: أنه قال: {اقْتَرَبَ } ولم يقل: (قرب) وهو مبالغة في القرب. وقال: (للناس) فأطلق الكل على الجزء وهم المشركون أو المتصفون بـ هذين الوصفين وهو مبالغة. وقدم الجار والمجرور للاهتمام والتهويل، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه أفاد التوسع في المعنى، فقد يحتمل أن يكون {لِلنَّاسِ} متعلقًا بـ {اقْتَرَبَ }، ويحتمل أن يكون متعلقًا بالحساب، فأفاد معنيين وهو توسع في المعنى. وأضاف الحساب إلى الناس فقال: {حِسَابُهُمْ} تهويلاً وإنذارًا شديدًا، ولم يقل: (اقترب للناس الحساب). وقال: {فِي غَفْلَةٍ} ولم يقل: (غافلون) للدلالة على تمكن الغفلة منهم وأنهم ساقطون فيها كالساقط في اللجة. وقال: {مُعْرِضُونَ} بالاسم للدلالة على الثبات والدوام. وجمع بين الغفلة والإعراض. فهم في غفلة فإذا ذكروا أعرضوا. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 7 إلى ص 12. (1) الكشاف ۲/۳۲۰. (۲) البحر المحيط 6 / ٢٩٥ - ٢٩٦. (۳) شرح الرضي على الكافية 3/406. (٤) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ۲/۲۲. (5) تفسير أبي السعود ٣/٦٨٢. (6) التحرير والتنوير ۱۷/8 – 9. (7) انظر الكشاف ۲/۳۲۰، البحر المحيط 295. (8) فتح القدير 3/٣٨٤. (9) الكشاف ۲/۳۲۰. (10) الكشاف ۲/۳۲۰. (11) البحر المحيط 6/٢٩٦. (12) التحرير والتنوير ۱۷/۱۰. الوقفة كاملة
٣٦٣٣ إن سورتي الفلق والناس جمعتا الاستعادة من جميع الشرور الظاهرة والخفية، فإن سورة الفلق تضمنت الاستعاذة من شرور القوى المنظورة والخفية مما لا يملك الإنسان دفعه ولا حيلة فيه، فهي استعاذة من الشر الواقع عليه من غيره. وأما سورة الناس فهي استعاذة من ظلم الإنسان لنفسه ولغيره، وهو الشر الذي توسوس به نفسه، فهو الشر الصادر من الداخل. فالشر في سورة الفلق مما لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه؛ لأنه ليس من كبسه وهو غير محاسب عليه. وأما الشر في سورة الناس فهو مما يدخل تحت التكليف ومتعلق به النهي، وهو مما يحاسب عليه المرء. جاء في (التفسير القيم): "الشر الذي يصب العبد لا يخلو من قسمين: إما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه، ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرين وأدومهما وأشدهما اتصالًا بصاحبه. وإما شر واقع به من غيره، وذلك الغير إما مكلف أو غير مكلف، والمكلف إما نظيره وهو الإنسان، أو ليس نظيره وهو الجني. وغير المكلف مثل الهوام وذوات الحمة و غيرها. فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه، وأدله على المراد، وأعمه استعاذ منه فيهما" (1). وجاء فيه أيضًا أن سروة الناس "مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي كلها، وهو الشر الداخل في الإنسان، الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة. فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو ظلم الغير له بالسحر والحسد، وهو شر من خارج. وسورة الناس تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه، وهو شر داخل. فالشر الأول لا يدخل تحت التكليف، ولا يطلب منه الكف عنه؛ لأنه ليس من كبسه. والشر الثاني في سورة الناس يدخل تحت التكليف ويتعلق به النهي، فهذا شر المعايب، والأول شر المصائب. والشر كله يرجع إلى العيوب والمصائب ولا ثالث لهما" (2). فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من شرور إذا وقعت على المسلم المحتسب دخلت في صحيفة حسناته؛ لأنها من المصائب الواقعة عليه، وهو يؤجر عليها حتى الشوكة يشاكها. وسورة الناس تضمنت الاستعاذة مما يدخل في صحيفة سيئاته، فجمعت هاتان السورتان كمال الاستعاذة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 27 إلى ص 28. (1) التفسير القيم 543 – 544. (2) التفسير القيم 599 – 600. الوقفة كاملة
٣٦٣٤ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم. أمر ربنا سيدنا محمدًا أن يقول ذلك فقال له: قل أعوذ. وقد تقول: ولماذا أمره بقول ذلك ولم يقل: (أعوذ) من دون (قل)؟ إن الله يريد من الإنسان أن يعلن صراحة عن ضعفه وحاجته إلى ربه ليعينه ويخلصه مما يحذر، وألًا يكتفي بشعوره بالحاجة إلى ذلك، مطلوب منه أن يعلن التجاءه إلى ربه واعتصامه به، وأنه يلوذ به لأنه أضعف من أن يرد ما يحذره ويخشاه؛ لأن ما يخشاه كثير وقوي، ظاهر وخفي، وقد ينال منه متى يشاء إن لم يلتجئ إلى ربه الذي يعينه ويأخذ بيده ويدفع عنه الشر. وهذا الإعلان عن حاجته إلى ربه ضروري من نواح عدة، منها: أن فيه قتلًا للكبر والعجب والغرور الكاذب والشعور بالاستغناء، وهذا سبب الطغيان، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] فإن قسمًا من الناس يمنعهم الكبر والغرور من طلب الإعانة وهو أحوج شيء إليها. ثم إن هذا الإعلان من أسباب الطاعة وعدم المعصية، فإن الذي يلتجئ إلى شخص ما يطيعه في العادة ولا يعصيه، فإن الإنسان مطيع لمن يستنجد به ويستنصر به ولا يخرج عليه. ثم إن هذه الاستعاذة مما يلين القلوب ويجعلها خاشعة لله رب العالمين، خصوصًا إذا صحب هذه الاستعاذة شعور بشدة الحاجة إلى غياث المستغيثين يأوي إلى ركنه الشديد. وقد علمنا ربنا أن نستعيذ به من عموم الشرور وخفيها وظاهرها فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200- فصلت: 36]. وعلمنا نبينا أن نستعيذ بربنا من عموم ما نخاف ونحذر، ومن شر ما نعلم ما لا نعلم، فقد كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ويعلمنا أن نقول إذا خشينا أمرًا: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكان سيتعيذ بالله منه، وبرضاه من غضبه، وبمعافاته من عقوبته، وكان يعوذ الأطفال بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامّة. فالاستعاذة بالله مسنونة تفصح عن الالتجاء إلى الله والاعتصام به. والإفصاح عن الاستعاذة بالقول في اللسان نظير الإفصاح بالذكر والتسبيح والتحميد، كلاهما مطلوب مأمور به لا نكتفي من ذلك بما نشعر به في القلوب ونحس به في الوجدان، بل لا بد من مواطأة اللسان للقلب، وذلك أعلى الذكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42]، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف: 205]. وقال  مخبرًا عن ربه أنه قال: (أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه) فذكر ربنا والالتجاء إليه والاعتصام به مطلوب على كل حال. وقد تقول: ولم قال ههنا: (أعوذ) ولم يقل: (إني أعوذ) كما قال في مواطن أخرى؟ فقد قال في سورة (غافر) غلى لسان سيدنا موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، وقال في سورة الدخان على لسنا سيدنا موسى أيضًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20]، وقال على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47]، وقال على لسان مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] وقال على لسان امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. كل ذلك على التأكيد بـ (إن). في حين قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، وقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وكذلك ما ورد في المعوذتين فإنه لم يؤكد ذلك بـ (إن). وعلة ذلك - والله أعلم – أن الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، فإذا كان المحذور شديدًا والمخوف متمكنًا متسلطاً، وكان يتهدده هو على الخصوص، أكد الاستعاذة فقال: (إني أعوذ) وإلا قال: (أعوذ). ففي آية غافر مثلًا أكد الاستعاذة بـ (إن)؛ لأن فرعون هدد سيدنا موسى بالقتل، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]. وكذلك في سورة الدخان، فإنه هددوه بالرجم فاستعاذ من ذلك قائلًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 20 - 21]، أي إن لم تصدقوا بي فاتركوني، فكان الأمر يتهدده هو على الخصوص، وكان المخوف متمكنًا متسلطاً عاتيًا، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} مؤكدًا ذلك بـ (إن). وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام، فقد احتجت عن قومها لتغتسل وإذا ببشر سوي أمامها، وقد ظنت ما يظن النساء في مثل هذا الموقف، وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها، وعاذت أشد ما تكون الاستعاذة فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} فأكدت ذلك بـ (إن). ثم انظر كيف أنها استعاذت بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها من مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة. وفيها أيضًا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أن تستعيذ بالرحمن. هذا إضافة إلى أن جو السورة تشيع فيه الرحمة من أولها إلى آخرها (1)، فقد بدأت بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2]، وكان في أواخرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]. وأما قوله على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} فإنه قاله تعقيبًا على قوله تعالى له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] فلما وعظه بـ {إِنِّي أَعِظُكَ} استعاذ به قوله: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} فهي استعاذة مؤكدة بمقابل الوعظ المؤكد. هذا علاوة على أن الأمر كان يعني سيدنا نوحًا على وجه الخصوص، فإن الابن الذي غرق ابنه وهو أبوه. وأما ما ورد على لسان امرأة عمران وهو قوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها نذرت أن يكون ما في بطنها خالصًا لله خادمًا للكنيسة (2). راجية أن يكون ما في بطنها ذكرًا فوضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فإنه من الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من الخدمة في دور العبادة والقيام بأمرها، فقد تكون فيها وحيدة والرجال يغشونها، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان، وبقائها وحدها في مكان يغشاه الرجال، وقد يكوم خاليًا أحيانًا، فاستعاذت لها استعاذة مؤكدة فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ثم انظر إلى إلحاقها الذرية بالاستعاذة في هذا المقام، فإنها إلماح إلى ما يخشى عليها منه، وهذا من أخطر مواطن الخشية على النساء، وقد قال : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التوكيد بـ (إن) يشيع في هذا السياق، قال تعالى على لسانها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ... إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أما ما لكم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر وليس بهذه الدرجة من التهديد فلا يؤكد بإن، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، فليس ذلك موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإن. وأنت تحس الفرق بين هذا الموطن وقوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أو المواطن الأخرى. ومثل ذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . وكذلك ما ورد في المعوذتين فلا يحتاج ذلك إلى توكيد. ثم إن ذلك لا يتهدده هو على وجه الخصوص. ونظير هذا في التوكيد وعدمه قوله تعالى: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالتوكيد بـ (إن)، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} من دون توكيد. فقد ورد على لسان آدم قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] من دون توكيد بـ (إن)، وورد على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]، وورد مثل ذلك على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] بالتأكيد بـ (إن) وذلك على مقدار ظلم النفس. فإن موسى قال ذلك بعد قتل القبطي حين وكزة فقضى عليه، والقتل معصية كبيرة، وهي أكبر من معصية آدم، وهي متعلقة بحق العباد فأكد الظلم بإن فقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس، قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فأكدت الظلم بإن وتابت عن ذلك بالدخول في الإسلام قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ولم تقل (فاغفر لي) كما قال موسى؛ لأنه ليس مع الشرك مغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ولا سبيل لها إلا الدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله. أما موسى فإنه طلب المغفرة؛ لأن هذه معصية تمحى بالتوبة والاستغفار، لأنه ليس من القتل العمد، فإنه لم يكن قاصدًا لقتله، وهذا ما يتدارك بالتوبة والاستغفار. فاتضح أت التأكيد بإن على قدر المعصية، كما كان التأكد بها على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. (الفلق): هو الفجر، وقيل: هو الصبح، وقيل: هو الخلق كله. وحقيقة الفلق: الشق. وهو أصل معاني هذه اللفظة، وكل معانيها الأخرى تعود إلية. جاء في (لسان العرب): "الفلق: الشق ... والفلق: الخلق. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، وقال بعضهم: وفالق في معنى (خالق). وكذلك فلق الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. وانفلق المكان به: انشق ... وفلق الله الفجر: أبداه وأوضحه، وقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال الزجاج: جائز أن يكون معناه: خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: شاق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق. والفلق، بالتحريك: ما انفلق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكل راجع إلى معنى الشق ... ويقال: الفلق: الخلق كله، والفلق: بيان الحق بعد إشكال ... وفي الحديث: أنه كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، هو بالتحريك: ضوؤه وإنارته" (3). وجاء في (الكشاف) :"الفلق والفرق: الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: (هو أبين من فلق الصبح) ... وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك" (4). وجاء في (التفسير القيم): "واعلم أن الخلق كله فلق ... والله عز وجل فالق الإصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات ... ويسمى الصبح المنصدع عن الظلمة: فلقًا وفرقًا ... ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقًا" (5). ومن ذلك يتبين أن أشهر معاني الفلق: 1- الصبح، وهو أشهر معنى له، وخص به عرفًا (6). 2- جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. 3- بيان الحق بعد إشكال. 4- الفلق: هو كل ما فُلِق، أي شق، فهو اسم مفعول كالقصص والهمل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام:95]، و{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وهو أصل المعاني الأخرى. وتخصيص الفلق بالذكر له أسباب ودواع منها: إن الفلق - وهو الصبح - مشعر بتبدد ظلمة الليل وزوال همومه ومخاوفه، ومشعر بمجيء الفرج. ولذا نسمع الشكوى من الليل وترقب المهموم للصبح، فإن المريض والمهموم والخائف يستطيل الليل ويتمنى ذهابه ومجيء الصبح، قال الشاعر: وصدر أرح الليل عازب همه تداعى عليه الهم من كل جانب وقال الآخر: وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه دف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال الآخر: أزيد في الليل ليل أم سال بالصبح سيل فذكر الفلق ههنا أنسب شيء، خصوصًا وأنه ذكر الغاسق إذا وقب بعده. وقيل: إنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور، والنوم أخو الموت، والصبح كالبعث والنشور، وقيل غير ذلك. جاء في (تفسير البيضاوي): "وتحصيصه (يعني الفلق) لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه" (7). وجاء في (التفسير القيم): "الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها" (8). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أن تخصيص الفلق في التعوذ لوجوه منها: "الأول أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج. فكما أن الإنسان في الليل يكون منظر لطلوع الصبح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة. الثالث: أن الصبح كالبشرى، فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ... السادس: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور" (9). واختار لفظ (الفلق) على الصبح لأكثر من سبب، ذلك أن لفظ الفلق مشعر بالتغير والحركة؛ لأن معناه انشقاق ضوء الصبح عن ظلمة الليل، وأن الانفلاق والفلق يدل على التغير والحركة، ومنه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} بخلاف كلمة (الصبح) فإنها لا تفيد ذاك، وإنما تفيد تعيين الوقت، فتشعر كلمة الفلق بتغير الأحوال، وتبدل نور الصبح بظلمة الليل، وزوال الهموم، والسعة بعد الضيق، ولا تفيد كلمة الصبح هذا التغير والتبدل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن لفظة (الفلق) أعم من لفظ الصبح، وأن لها أكثر من معنى، ويمكن أن تكون معانيه مرادة كلها، فلفظ (الفلق) يفيد توسعًا في المعنى، بخلاف كلمة الصبح، فاختيار لفظ (الفلق) أولى. واختيار لفظ (رب) وإضافته إلى الفلق أنسب شيء ههنا، فالرب معناه المالك والمربي والسيد والقيم والمعلم والمرشد، فالاستعاذة برب المخلوقات ومالكها والقائم على أمرها من شرور ما يصدر عنها أنسب شيء في إعاذة المستعيذ به، فهو وحده القادر على كفها وكف شرورها، فإنه يأمرها فتطيع أمره. ثم إن المربي يحفظ من هو في رعايته ويرعاه ويدفع عنه السوء ويحميه من الشرور، والمربي من معاني (الرب). فاختيار لفظ (الرب) مناسب من جهتين: من جهة المستعاذ به، فإنه مربيه والقائم على حفظه ورعايته، ولذا كثر لفظ (الرب) مع الاستعاذة لما فيه من معنى التربية والحفظ والقيام بالأمر. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنين: 97 - 98]، وقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. جاء في (تفسير البيضاوي) "ولفظ (الرب) ههنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعادة من المضار تربية" (10). وذكر غير لفظ (الرب) مع الاستعاذة له أسبابه ودواعيه، فإن ذلك بحسب ما يقتضيه المقام والسياق، كما ذكرنا في استعاذة مريم عليها السلام، فالاستعاذة برب المخلوقات من شرورها أنسب من اختيار أي لفظ أو اسم آخر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 29 إلى ص 40. (1) انظر التعبير القرآني 294 – 296. (2) انظر فتح القدير 1/303. (3) لسان العرب (فلق) 12/184. (4) الكشاف 3/368. (5) التفسير القيم 562. (6) انظر روح المعاني 30/279. (7) تفسير البيضاوي 814. (8) التفسير القيم 561. (9) التفسير الكبير 32/191 – 192، وانظر روح المعاني 30/279 – 280. (10) أنوار التنزيل 814. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم. أمر ربنا سيدنا محمدًا أن يقول ذلك فقال له: قل أعوذ. وقد تقول: ولماذا أمره بقول ذلك ولم يقل: (أعوذ) من دون (قل)؟ إن الله يريد من الإنسان أن يعلن صراحة عن ضعفه وحاجته إلى ربه ليعينه ويخلصه مما يحذر، وألًا يكتفي بشعوره بالحاجة إلى ذلك، مطلوب منه أن يعلن التجاءه إلى ربه واعتصامه به، وأنه يلوذ به لأنه أضعف من أن يرد ما يحذره ويخشاه؛ لأن ما يخشاه كثير وقوي، ظاهر وخفي، وقد ينال منه متى يشاء إن لم يلتجئ إلى ربه الذي يعينه ويأخذ بيده ويدفع عنه الشر. وهذا الإعلان عن حاجته إلى ربه ضروري من نواح عدة، منها: أن فيه قتلًا للكبر والعجب والغرور الكاذب والشعور بالاستغناء، وهذا سبب الطغيان، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] فإن قسمًا من الناس يمنعهم الكبر والغرور من طلب الإعانة وهو أحوج شيء إليها. ثم إن هذا الإعلان من أسباب الطاعة وعدم المعصية، فإن الذي يلتجئ إلى شخص ما يطيعه في العادة ولا يعصيه، فإن الإنسان مطيع لمن يستنجد به ويستنصر به ولا يخرج عليه. ثم إن هذه الاستعاذة مما يلين القلوب ويجعلها خاشعة لله رب العالمين، خصوصًا إذا صحب هذه الاستعاذة شعور بشدة الحاجة إلى غياث المستغيثين يأوي إلى ركنه الشديد. وقد علمنا ربنا أن نستعيذ به من عموم الشرور وخفيها وظاهرها فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200- فصلت: 36]. وعلمنا نبينا أن نستعيذ بربنا من عموم ما نخاف ونحذر، ومن شر ما نعلم ما لا نعلم، فقد كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ويعلمنا أن نقول إذا خشينا أمرًا: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكان سيتعيذ بالله منه، وبرضاه من غضبه، وبمعافاته من عقوبته، وكان يعوذ الأطفال بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامّة. فالاستعاذة بالله مسنونة تفصح عن الالتجاء إلى الله والاعتصام به. والإفصاح عن الاستعاذة بالقول في اللسان نظير الإفصاح بالذكر والتسبيح والتحميد، كلاهما مطلوب مأمور به لا نكتفي من ذلك بما نشعر به في القلوب ونحس به في الوجدان، بل لا بد من مواطأة اللسان للقلب، وذلك أعلى الذكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42]، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف: 205]. وقال  مخبرًا عن ربه أنه قال: (أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه) فذكر ربنا والالتجاء إليه والاعتصام به مطلوب على كل حال. وقد تقول: ولم قال ههنا: (أعوذ) ولم يقل: (إني أعوذ) كما قال في مواطن أخرى؟ فقد قال في سورة (غافر) غلى لسان سيدنا موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، وقال في سورة الدخان على لسنا سيدنا موسى أيضًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20]، وقال على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47]، وقال على لسان مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] وقال على لسان امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. كل ذلك على التأكيد بـ (إن). في حين قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، وقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وكذلك ما ورد في المعوذتين فإنه لم يؤكد ذلك بـ (إن). وعلة ذلك - والله أعلم – أن الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، فإذا كان المحذور شديدًا والمخوف متمكنًا متسلطاً، وكان يتهدده هو على الخصوص، أكد الاستعاذة فقال: (إني أعوذ) وإلا قال: (أعوذ). ففي آية غافر مثلًا أكد الاستعاذة بـ (إن)؛ لأن فرعون هدد سيدنا موسى بالقتل، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]. وكذلك في سورة الدخان، فإنه هددوه بالرجم فاستعاذ من ذلك قائلًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 20 - 21]، أي إن لم تصدقوا بي فاتركوني، فكان الأمر يتهدده هو على الخصوص، وكان المخوف متمكنًا متسلطاً عاتيًا، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} مؤكدًا ذلك بـ (إن). وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام، فقد احتجت عن قومها لتغتسل وإذا ببشر سوي أمامها، وقد ظنت ما يظن النساء في مثل هذا الموقف، وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها، وعاذت أشد ما تكون الاستعاذة فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} فأكدت ذلك بـ (إن). ثم انظر كيف أنها استعاذت بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها من مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة. وفيها أيضًا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أن تستعيذ بالرحمن. هذا إضافة إلى أن جو السورة تشيع فيه الرحمة من أولها إلى آخرها (1)، فقد بدأت بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2]، وكان في أواخرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]. وأما قوله على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} فإنه قاله تعقيبًا على قوله تعالى له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] فلما وعظه بـ {إِنِّي أَعِظُكَ} استعاذ به قوله: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} فهي استعاذة مؤكدة بمقابل الوعظ المؤكد. هذا علاوة على أن الأمر كان يعني سيدنا نوحًا على وجه الخصوص، فإن الابن الذي غرق ابنه وهو أبوه. وأما ما ورد على لسان امرأة عمران وهو قوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها نذرت أن يكون ما في بطنها خالصًا لله خادمًا للكنيسة (2). راجية أن يكون ما في بطنها ذكرًا فوضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فإنه من الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من الخدمة في دور العبادة والقيام بأمرها، فقد تكون فيها وحيدة والرجال يغشونها، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان، وبقائها وحدها في مكان يغشاه الرجال، وقد يكوم خاليًا أحيانًا، فاستعاذت لها استعاذة مؤكدة فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ثم انظر إلى إلحاقها الذرية بالاستعاذة في هذا المقام، فإنها إلماح إلى ما يخشى عليها منه، وهذا من أخطر مواطن الخشية على النساء، وقد قال : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التوكيد بـ (إن) يشيع في هذا السياق، قال تعالى على لسانها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ... إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أما ما لكم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر وليس بهذه الدرجة من التهديد فلا يؤكد بإن، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، فليس ذلك موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإن. وأنت تحس الفرق بين هذا الموطن وقوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أو المواطن الأخرى. ومثل ذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . وكذلك ما ورد في المعوذتين فلا يحتاج ذلك إلى توكيد. ثم إن ذلك لا يتهدده هو على وجه الخصوص. ونظير هذا في التوكيد وعدمه قوله تعالى: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالتوكيد بـ (إن)، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} من دون توكيد. فقد ورد على لسان آدم قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] من دون توكيد بـ (إن)، وورد على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]، وورد مثل ذلك على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] بالتأكيد بـ (إن) وذلك على مقدار ظلم النفس. فإن موسى قال ذلك بعد قتل القبطي حين وكزة فقضى عليه، والقتل معصية كبيرة، وهي أكبر من معصية آدم، وهي متعلقة بحق العباد فأكد الظلم بإن فقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس، قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فأكدت الظلم بإن وتابت عن ذلك بالدخول في الإسلام قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ولم تقل (فاغفر لي) كما قال موسى؛ لأنه ليس مع الشرك مغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ولا سبيل لها إلا الدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله. أما موسى فإنه طلب المغفرة؛ لأن هذه معصية تمحى بالتوبة والاستغفار، لأنه ليس من القتل العمد، فإنه لم يكن قاصدًا لقتله، وهذا ما يتدارك بالتوبة والاستغفار. فاتضح أت التأكيد بإن على قدر المعصية، كما كان التأكد بها على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. (الفلق): هو الفجر، وقيل: هو الصبح، وقيل: هو الخلق كله. وحقيقة الفلق: الشق. وهو أصل معاني هذه اللفظة، وكل معانيها الأخرى تعود إلية. جاء في (لسان العرب): "الفلق: الشق ... والفلق: الخلق. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، وقال بعضهم: وفالق في معنى (خالق). وكذلك فلق الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. وانفلق المكان به: انشق ... وفلق الله الفجر: أبداه وأوضحه، وقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال الزجاج: جائز أن يكون معناه: خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: شاق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق. والفلق، بالتحريك: ما انفلق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكل راجع إلى معنى الشق ... ويقال: الفلق: الخلق كله، والفلق: بيان الحق بعد إشكال ... وفي الحديث: أنه كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، هو بالتحريك: ضوؤه وإنارته" (3). وجاء في (الكشاف) :"الفلق والفرق: الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: (هو أبين من فلق الصبح) ... وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك" (4). وجاء في (التفسير القيم): "واعلم أن الخلق كله فلق ... والله عز وجل فالق الإصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات ... ويسمى الصبح المنصدع عن الظلمة: فلقًا وفرقًا ... ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقًا" (5). ومن ذلك يتبين أن أشهر معاني الفلق: 1- الصبح، وهو أشهر معنى له، وخص به عرفًا (6). 2- جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. 3- بيان الحق بعد إشكال. 4- الفلق: هو كل ما فُلِق، أي شق، فهو اسم مفعول كالقصص والهمل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام:95]، و{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وهو أصل المعاني الأخرى. وتخصيص الفلق بالذكر له أسباب ودواع منها: إن الفلق - وهو الصبح - مشعر بتبدد ظلمة الليل وزوال همومه ومخاوفه، ومشعر بمجيء الفرج. ولذا نسمع الشكوى من الليل وترقب المهموم للصبح، فإن المريض والمهموم والخائف يستطيل الليل ويتمنى ذهابه ومجيء الصبح، قال الشاعر: وصدر أرح الليل عازب همه تداعى عليه الهم من كل جانب وقال الآخر: وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه دف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال الآخر: أزيد في الليل ليل أم سال بالصبح سيل فذكر الفلق ههنا أنسب شيء، خصوصًا وأنه ذكر الغاسق إذا وقب بعده. وقيل: إنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور، والنوم أخو الموت، والصبح كالبعث والنشور، وقيل غير ذلك. جاء في (تفسير البيضاوي): "وتحصيصه (يعني الفلق) لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه" (7). وجاء في (التفسير القيم): "الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها" (8). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أن تخصيص الفلق في التعوذ لوجوه منها: "الأول أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج. فكما أن الإنسان في الليل يكون منظر لطلوع الصبح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة. الثالث: أن الصبح كالبشرى، فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ... السادس: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور" (9). واختار لفظ (الفلق) على الصبح لأكثر من سبب، ذلك أن لفظ الفلق مشعر بالتغير والحركة؛ لأن معناه انشقاق ضوء الصبح عن ظلمة الليل، وأن الانفلاق والفلق يدل على التغير والحركة، ومنه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} بخلاف كلمة (الصبح) فإنها لا تفيد ذاك، وإنما تفيد تعيين الوقت، فتشعر كلمة الفلق بتغير الأحوال، وتبدل نور الصبح بظلمة الليل، وزوال الهموم، والسعة بعد الضيق، ولا تفيد كلمة الصبح هذا التغير والتبدل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن لفظة (الفلق) أعم من لفظ الصبح، وأن لها أكثر من معنى، ويمكن أن تكون معانيه مرادة كلها، فلفظ (الفلق) يفيد توسعًا في المعنى، بخلاف كلمة الصبح، فاختيار لفظ (الفلق) أولى. واختيار لفظ (رب) وإضافته إلى الفلق أنسب شيء ههنا، فالرب معناه المالك والمربي والسيد والقيم والمعلم والمرشد، فالاستعاذة برب المخلوقات ومالكها والقائم على أمرها من شرور ما يصدر عنها أنسب شيء في إعاذة المستعيذ به، فهو وحده القادر على كفها وكف شرورها، فإنه يأمرها فتطيع أمره. ثم إن المربي يحفظ من هو في رعايته ويرعاه ويدفع عنه السوء ويحميه من الشرور، والمربي من معاني (الرب). فاختيار لفظ (الرب) مناسب من جهتين: من جهة المستعاذ به، فإنه مربيه والقائم على حفظه ورعايته، ولذا كثر لفظ (الرب) مع الاستعاذة لما فيه من معنى التربية والحفظ والقيام بالأمر. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنين: 97 - 98]، وقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. جاء في (تفسير البيضاوي) "ولفظ (الرب) ههنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعادة من المضار تربية" (10). وذكر غير لفظ (الرب) مع الاستعاذة له أسبابه ودواعيه، فإن ذلك بحسب ما يقتضيه المقام والسياق، كما ذكرنا في استعاذة مريم عليها السلام، فالاستعاذة برب المخلوقات من شرورها أنسب من اختيار أي لفظ أو اسم آخر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 29 إلى ص 40. (1) انظر التعبير القرآني 294 – 296. (2) انظر فتح القدير 1/303. (3) لسان العرب (فلق) 12/184. (4) الكشاف 3/368. (5) التفسير القيم 562. (6) انظر روح المعاني 30/279. (7) تفسير البيضاوي 814. (8) التفسير القيم 561. (9) التفسير الكبير 32/191 – 192، وانظر روح المعاني 30/279 – 280. (10) أنوار التنزيل 814. الوقفة كاملة
٣٦٣٥ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم. أمر ربنا سيدنا محمدًا أن يقول ذلك فقال له: قل أعوذ. وقد تقول: ولماذا أمره بقول ذلك ولم يقل: (أعوذ) من دون (قل)؟ إن الله يريد من الإنسان أن يعلن صراحة عن ضعفه وحاجته إلى ربه ليعينه ويخلصه مما يحذر، وألًا يكتفي بشعوره بالحاجة إلى ذلك، مطلوب منه أن يعلن التجاءه إلى ربه واعتصامه به، وأنه يلوذ به لأنه أضعف من أن يرد ما يحذره ويخشاه؛ لأن ما يخشاه كثير وقوي، ظاهر وخفي، وقد ينال منه متى يشاء إن لم يلتجئ إلى ربه الذي يعينه ويأخذ بيده ويدفع عنه الشر. وهذا الإعلان عن حاجته إلى ربه ضروري من نواح عدة، منها: أن فيه قتلًا للكبر والعجب والغرور الكاذب والشعور بالاستغناء، وهذا سبب الطغيان، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] فإن قسمًا من الناس يمنعهم الكبر والغرور من طلب الإعانة وهو أحوج شيء إليها. ثم إن هذا الإعلان من أسباب الطاعة وعدم المعصية، فإن الذي يلتجئ إلى شخص ما يطيعه في العادة ولا يعصيه، فإن الإنسان مطيع لمن يستنجد به ويستنصر به ولا يخرج عليه. ثم إن هذه الاستعاذة مما يلين القلوب ويجعلها خاشعة لله رب العالمين، خصوصًا إذا صحب هذه الاستعاذة شعور بشدة الحاجة إلى غياث المستغيثين يأوي إلى ركنه الشديد. وقد علمنا ربنا أن نستعيذ به من عموم الشرور وخفيها وظاهرها فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200- فصلت: 36]. وعلمنا نبينا أن نستعيذ بربنا من عموم ما نخاف ونحذر، ومن شر ما نعلم ما لا نعلم، فقد كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ويعلمنا أن نقول إذا خشينا أمرًا: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكان سيتعيذ بالله منه، وبرضاه من غضبه، وبمعافاته من عقوبته، وكان يعوذ الأطفال بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامّة. فالاستعاذة بالله مسنونة تفصح عن الالتجاء إلى الله والاعتصام به. والإفصاح عن الاستعاذة بالقول في اللسان نظير الإفصاح بالذكر والتسبيح والتحميد، كلاهما مطلوب مأمور به لا نكتفي من ذلك بما نشعر به في القلوب ونحس به في الوجدان، بل لا بد من مواطأة اللسان للقلب، وذلك أعلى الذكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42]، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف: 205]. وقال  مخبرًا عن ربه أنه قال: (أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه) فذكر ربنا والالتجاء إليه والاعتصام به مطلوب على كل حال. وقد تقول: ولم قال ههنا: (أعوذ) ولم يقل: (إني أعوذ) كما قال في مواطن أخرى؟ فقد قال في سورة (غافر) غلى لسان سيدنا موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، وقال في سورة الدخان على لسنا سيدنا موسى أيضًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20]، وقال على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47]، وقال على لسان مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] وقال على لسان امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. كل ذلك على التأكيد بـ (إن). في حين قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، وقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وكذلك ما ورد في المعوذتين فإنه لم يؤكد ذلك بـ (إن). وعلة ذلك - والله أعلم – أن الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، فإذا كان المحذور شديدًا والمخوف متمكنًا متسلطاً، وكان يتهدده هو على الخصوص، أكد الاستعاذة فقال: (إني أعوذ) وإلا قال: (أعوذ). ففي آية غافر مثلًا أكد الاستعاذة بـ (إن)؛ لأن فرعون هدد سيدنا موسى بالقتل، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]. وكذلك في سورة الدخان، فإنه هددوه بالرجم فاستعاذ من ذلك قائلًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 20 - 21]، أي إن لم تصدقوا بي فاتركوني، فكان الأمر يتهدده هو على الخصوص، وكان المخوف متمكنًا متسلطاً عاتيًا، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} مؤكدًا ذلك بـ (إن). وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام، فقد احتجت عن قومها لتغتسل وإذا ببشر سوي أمامها، وقد ظنت ما يظن النساء في مثل هذا الموقف، وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها، وعاذت أشد ما تكون الاستعاذة فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} فأكدت ذلك بـ (إن). ثم انظر كيف أنها استعاذت بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها من مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة. وفيها أيضًا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أن تستعيذ بالرحمن. هذا إضافة إلى أن جو السورة تشيع فيه الرحمة من أولها إلى آخرها (1)، فقد بدأت بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2]، وكان في أواخرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]. وأما قوله على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} فإنه قاله تعقيبًا على قوله تعالى له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] فلما وعظه بـ {إِنِّي أَعِظُكَ} استعاذ به قوله: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} فهي استعاذة مؤكدة بمقابل الوعظ المؤكد. هذا علاوة على أن الأمر كان يعني سيدنا نوحًا على وجه الخصوص، فإن الابن الذي غرق ابنه وهو أبوه. وأما ما ورد على لسان امرأة عمران وهو قوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها نذرت أن يكون ما في بطنها خالصًا لله خادمًا للكنيسة (2). راجية أن يكون ما في بطنها ذكرًا فوضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فإنه من الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من الخدمة في دور العبادة والقيام بأمرها، فقد تكون فيها وحيدة والرجال يغشونها، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان، وبقائها وحدها في مكان يغشاه الرجال، وقد يكوم خاليًا أحيانًا، فاستعاذت لها استعاذة مؤكدة فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ثم انظر إلى إلحاقها الذرية بالاستعاذة في هذا المقام، فإنها إلماح إلى ما يخشى عليها منه، وهذا من أخطر مواطن الخشية على النساء، وقد قال : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التوكيد بـ (إن) يشيع في هذا السياق، قال تعالى على لسانها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ... إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أما ما لكم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر وليس بهذه الدرجة من التهديد فلا يؤكد بإن، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، فليس ذلك موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإن. وأنت تحس الفرق بين هذا الموطن وقوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أو المواطن الأخرى. ومثل ذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . وكذلك ما ورد في المعوذتين فلا يحتاج ذلك إلى توكيد. ثم إن ذلك لا يتهدده هو على وجه الخصوص. ونظير هذا في التوكيد وعدمه قوله تعالى: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالتوكيد بـ (إن)، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} من دون توكيد. فقد ورد على لسان آدم قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] من دون توكيد بـ (إن)، وورد على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]، وورد مثل ذلك على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] بالتأكيد بـ (إن) وذلك على مقدار ظلم النفس. فإن موسى قال ذلك بعد قتل القبطي حين وكزة فقضى عليه، والقتل معصية كبيرة، وهي أكبر من معصية آدم، وهي متعلقة بحق العباد فأكد الظلم بإن فقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس، قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فأكدت الظلم بإن وتابت عن ذلك بالدخول في الإسلام قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ولم تقل (فاغفر لي) كما قال موسى؛ لأنه ليس مع الشرك مغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ولا سبيل لها إلا الدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله. أما موسى فإنه طلب المغفرة؛ لأن هذه معصية تمحى بالتوبة والاستغفار، لأنه ليس من القتل العمد، فإنه لم يكن قاصدًا لقتله، وهذا ما يتدارك بالتوبة والاستغفار. فاتضح أت التأكيد بإن على قدر المعصية، كما كان التأكد بها على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. (الفلق): هو الفجر، وقيل: هو الصبح، وقيل: هو الخلق كله. وحقيقة الفلق: الشق. وهو أصل معاني هذه اللفظة، وكل معانيها الأخرى تعود إلية. جاء في (لسان العرب): "الفلق: الشق ... والفلق: الخلق. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، وقال بعضهم: وفالق في معنى (خالق). وكذلك فلق الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. وانفلق المكان به: انشق ... وفلق الله الفجر: أبداه وأوضحه، وقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال الزجاج: جائز أن يكون معناه: خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: شاق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق. والفلق، بالتحريك: ما انفلق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكل راجع إلى معنى الشق ... ويقال: الفلق: الخلق كله، والفلق: بيان الحق بعد إشكال ... وفي الحديث: أنه كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، هو بالتحريك: ضوؤه وإنارته" (3). وجاء في (الكشاف) :"الفلق والفرق: الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: (هو أبين من فلق الصبح) ... وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك" (4). وجاء في (التفسير القيم): "واعلم أن الخلق كله فلق ... والله عز وجل فالق الإصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات ... ويسمى الصبح المنصدع عن الظلمة: فلقًا وفرقًا ... ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقًا" (5). ومن ذلك يتبين أن أشهر معاني الفلق: 1- الصبح، وهو أشهر معنى له، وخص به عرفًا (6). 2- جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. 3- بيان الحق بعد إشكال. 4- الفلق: هو كل ما فُلِق، أي شق، فهو اسم مفعول كالقصص والهمل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام:95]، و{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وهو أصل المعاني الأخرى. وتخصيص الفلق بالذكر له أسباب ودواع منها: إن الفلق - وهو الصبح - مشعر بتبدد ظلمة الليل وزوال همومه ومخاوفه، ومشعر بمجيء الفرج. ولذا نسمع الشكوى من الليل وترقب المهموم للصبح، فإن المريض والمهموم والخائف يستطيل الليل ويتمنى ذهابه ومجيء الصبح، قال الشاعر: وصدر أرح الليل عازب همه تداعى عليه الهم من كل جانب وقال الآخر: وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه دف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال الآخر: أزيد في الليل ليل أم سال بالصبح سيل فذكر الفلق ههنا أنسب شيء، خصوصًا وأنه ذكر الغاسق إذا وقب بعده. وقيل: إنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور، والنوم أخو الموت، والصبح كالبعث والنشور، وقيل غير ذلك. جاء في (تفسير البيضاوي): "وتحصيصه (يعني الفلق) لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه" (7). وجاء في (التفسير القيم): "الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها" (8). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أن تخصيص الفلق في التعوذ لوجوه منها: "الأول أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج. فكما أن الإنسان في الليل يكون منظر لطلوع الصبح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة. الثالث: أن الصبح كالبشرى، فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ... السادس: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور" (9). واختار لفظ (الفلق) على الصبح لأكثر من سبب، ذلك أن لفظ الفلق مشعر بالتغير والحركة؛ لأن معناه انشقاق ضوء الصبح عن ظلمة الليل، وأن الانفلاق والفلق يدل على التغير والحركة، ومنه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} بخلاف كلمة (الصبح) فإنها لا تفيد ذاك، وإنما تفيد تعيين الوقت، فتشعر كلمة الفلق بتغير الأحوال، وتبدل نور الصبح بظلمة الليل، وزوال الهموم، والسعة بعد الضيق، ولا تفيد كلمة الصبح هذا التغير والتبدل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن لفظة (الفلق) أعم من لفظ الصبح، وأن لها أكثر من معنى، ويمكن أن تكون معانيه مرادة كلها، فلفظ (الفلق) يفيد توسعًا في المعنى، بخلاف كلمة الصبح، فاختيار لفظ (الفلق) أولى. واختيار لفظ (رب) وإضافته إلى الفلق أنسب شيء ههنا، فالرب معناه المالك والمربي والسيد والقيم والمعلم والمرشد، فالاستعاذة برب المخلوقات ومالكها والقائم على أمرها من شرور ما يصدر عنها أنسب شيء في إعاذة المستعيذ به، فهو وحده القادر على كفها وكف شرورها، فإنه يأمرها فتطيع أمره. ثم إن المربي يحفظ من هو في رعايته ويرعاه ويدفع عنه السوء ويحميه من الشرور، والمربي من معاني (الرب). فاختيار لفظ (الرب) مناسب من جهتين: من جهة المستعاذ به، فإنه مربيه والقائم على حفظه ورعايته، ولذا كثر لفظ (الرب) مع الاستعاذة لما فيه من معنى التربية والحفظ والقيام بالأمر. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنين: 97 - 98]، وقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. جاء في (تفسير البيضاوي) "ولفظ (الرب) ههنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعادة من المضار تربية" (10). وذكر غير لفظ (الرب) مع الاستعاذة له أسبابه ودواعيه، فإن ذلك بحسب ما يقتضيه المقام والسياق، كما ذكرنا في استعاذة مريم عليها السلام، فالاستعاذة برب المخلوقات من شرورها أنسب من اختيار أي لفظ أو اسم آخر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 29 إلى ص 40. (1) انظر التعبير القرآني 294 – 296. (2) انظر فتح القدير 1/303. (3) لسان العرب (فلق) 12/184. (4) الكشاف 3/368. (5) التفسير القيم 562. (6) انظر روح المعاني 30/279. (7) تفسير البيضاوي 814. (8) التفسير القيم 561. (9) التفسير الكبير 32/191 – 192، وانظر روح المعاني 30/279 – 280. (10) أنوار التنزيل 814. الوقفة كاملة
٣٦٣٦ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)} أي من شر مخلوقاته جميعًا، فيدخل فيه كل شر أيًا كان مصدره، فاستغرق ذلك جميع الشرور، جاء في (روح المعاني): "أي من شر الذي خلقه من الثقلين وغيرهم كائنًا ما كان من ذوات الطباع والاختيار، والظاهر عموم الشر للمضار البدنية وغيرها ... وقال بعض الأفاضل: هو عام لكل شر في الدنيا والآخرة وشر الإنس والجن والشياطين، وشر السباع والهوام، وشر النار، وشر الذنوب والهوى، وشر النفس، وشر العمل، وظاهره تعميم ما خلق بحيث يشمل نفس المستعيذ، ولا يأبى ذلك نزول السورة ليستعيذ بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" (1). وقال: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} ولم يقل: (من شر من خلق) وذلك ليتناول كل شر، سواء صدر عن ذوي العلم أم عن غيرهم، فإنه لو قال: (من شر من خلق) لكان ذلك خاصًا بالشر الصادر من ذوي العلم، فقال: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} ليشمل ذوي العلم وغيرهم، فإن العقلاء يدخلون في قوله: {مَا خَلَقَ} من جهتين: الأولى: أن (ما) تستعمل لذات ما لا يعقل ولصفات العقلاء، وذلك نحو قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]، وقوله: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [الليل: 3] فأطلق (ما) على ذاته العلية، فيدخل في (ما) العاقل وغيره. والجهة الأخرى: أن العقلاء يدخلون في ذلك من باب التغليب، فإنه قد يغلب غير العاقل على العاقل، أو العاقل على غير العاقل بحسب القصد والمقام، وهنا يحسن تغليب غير العاقل بحسب القصد والمقام، وهنا يحسن تغليب غير العاقل؛ وذلك لأن الأصل والأولى ألا يصدر شر من عاقل، فحسن تغليب غير العاقل، جاء في (التفسير الكبير) للرازي: "وإنما جاز إدخال الجن والإنس تحت لفظة (ما) لأن الغلبة لما حصلت في جانب غير العقلاء حسن استعمال لفظة (ما) فيه؛ لأن العبرة بالأغلب" (2). وقال: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} ولم يقل: (من شر الذي خلق)؛ لأن (ما) أعم من (الذي)، فإن (الذي) للمفرد المذكر فلا يشمل غيره، وأما (ما) فتكون للمفرد والمثنى والجمع، المذكر والمؤنث، فإنه لو قال: (من شر الذي خلق) لكان يعني شر شيء واحد من الذكور. ولم يقل: (من شر التي خلق) لأن (التي) للمفردة المؤنثة، وقد تستعمل لجمع غير العاقل كقولك: (هذه هي الكتب التي اشتريتها)، ولا تستعمل لجمع العاقل، فتنحصر الاستعاذة إما بشر واحدة مما خلق، أو شر مجموعة من غير العقلاء، ولا يشمل ذلك الشر الصادر من العقلاء، فكانت (ما) أولى. وقوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} أولى من القول: (من شر اللاتي خلق) فإن (اللاتي) مختصة بجماعة الإناث، وتكون أيضًا لجماعة ما لا يعقل كم الذكور، فلا يشمل الذكور من ذوي العلم. وهو أولى أيضًا من القول: (من شر الذين خلق)، فإن (الذين) خاصة بجماعة الذكور العقلاء ولا يدخل فيه الإناث ولا غير العاقل، فكانت (ما) أولى من غيرها على كل وجه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 40 إلى ص 42. (1) روح المعاني 30/280 – 281. (2) التفسير الكبير 32/193. الوقفة كاملة
٣٦٣٧ {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3)} الغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه (1)، والغسق الظلمة، ومنه قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] جاء في (لسان العرب): "غسقت السماء تغسق ... انصبت ... وغسق الليل يغسق غسقًا وغسقًا... انصب وأظلم ... وغسق الليل: ظلمته ... وفي حديث الربيع بن خيثم أنه قال لمؤذنه يوم الغيم: أَغْسِقْ أَغْسِقْ، أي أَخّر المغرب حتى يَغْسِق الليل، وهو إظلامه" (2). (وقب): دخل قي كل شيء، والوقوب: الدخول في كل شيء، أو الدخول في الوقب، والوقب: الكوة أو نقرة يجتمع فيها الماء، جاء في (لسان العرب): "الأوقاب: الكُوَى، واحدها وقب. والوقب في الجبل: نقرة يجتمع فيها الماء ... وقب الشيء يقب وقبًا: دخل، وقيل: دخل في الوقب ... الفراء: الغاسق: الليل، إذا وقب: إذا دخل في كل شيء وأظلم ... والوقوب: الدخول في كل شيء، وقيل: كل ما غاب فقد وقب وقبًا" (3). وفي (البحر المحيط): "وقب الليل: أظلم، والشمس: غابت، والعذاب: حل ... والغاسق: الليل، ووقب: أظلم ودخل على الناس ... والغاسق: البارد أستعيذ من شره، لأن فيه تنبث الشياطين والهوام والحشرات وأهل الفتك ... وفي الحديث نظر  إلى القمر فقال: يا عائشة نعوذ بالله من هذا فإنه الغاسق إذا وقب ... وقيل: إذا لدغت، والغاسق: سم نابها لأنه يسيل منه" (4). وجاء في (الكشاف): "الغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه، من قوله تعالى: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} ... ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء. ويقال: وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث (لما رأى الشمس قد وقبت قال هذا حين حلها) يعني صلاة المغرب. وقيل: هو القمر إذا امتلأ ... والتعوذ من شر الليل، لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرز منه أصعب" (5). وجاء في (روح المعاني): "من شر غاسق: وإضافة الشر إلى الليل لملابسته له لحدوثه فيه على حد: نهاره صائم، وتنكيره لعموم شمول الشر لجميع أفراده ولكل أجزائه. {إِذَا وَقَبَ}: أي إذا دخل ظلامه في كل شيء ... والتقييد بهذا الوقت لأن حدوث الشر فيه أكثر من التحرز منه أصعب وأعسر. ومن أمثالهم: الليل أخفى للويل ... عن عائشة قالت: نظر رسول الله  يومًا إلى القمر لما طلع فقال: يا عائشة استعيذي بالله تعالى من شر هذا، فإن هذا الغاسق إذا وقب" (6). وقد تقول: ولم لم يقل: من شر الليل إذا دخل؟ فنقول: إن ما جاء في السورة أولى من أوجه منها: أن (الغاسق) فيه عموم، فهو يشمل الليل وغيره ولا يخص الليل وحده، فقد ذكر أن من معاينه القمر، وقيل: إنه الحية إذا لدغت، وقيل غير ذلك. فكان ذكره أولى من ذكر الليل، فتكون الاستعاذة من شرور ما هو أعلم ويدخل فيه الليل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن اختيار لفظ الوقوب مع الغسق أولى من لفظ الدخول، فهو أحسن استعارة وأجمل تعبير، ذلك أن الليل كأنه ينصب فيها الليل ظلامه فلا يترك منها شيئًا. والانصباب يكون عادة من فوق، بخلاف الدخول فإنه لا يشترط فيه ذلك. واللي إنما ينصب على الناس من فوق كما ينصب الماء في النقرة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن "أصل الغسق الامتلاء، يقال: غسقت العين إذا امتلأ دمعًا" (7). والامتلاء يقال لما كان ذا جوف كالنقرة ونحوها، ومنه الوقب وهو النقرة، أو الكوة، أو عين الماء، فاختيار الغسق مع الوقب انسب شيء، فكأن الليل يملؤها بانصباب ظلامه فيها، فكان التعبير بذلك أولى وأنسب. ثم لنرى من ناحية أخرى كيف أن التعبير بالغاسق إذا وقب يتناسب مع الفلق بمعنى الصبح، فإنه يستعيذ برب النور من الظلمة، وبرب الصبح من شرور الليل. وهو يتناسب معه بالمعنى العام أيضًا، فإن الغاسق إذا وقب له عدة معان أشهر الليل إذا أظلم، وكذلك الفلق له عدة معان أشهرها الصبح، فناسبت الاستعاذة برب الفلق قوله: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} على كل حال. والاستعاذة برب الفلق من شر غاسق إذا وقب تتضمن عقيدة التوحيد، وتفيد أن إله النور والظلمة واحد، فهو يزيل الظلمة ويمحوها إذا شاء، فقد استعاذ برب الفلق- وهو النور- من شر الغاسق إذا وقب، وهو الظلمة، فهو رب النور ورب الظلمة يزيلها ويزيل شرورها فهو إله واحد على كل شيء قدير. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 42 إلى ص 45. (1) الكشاف 3/361. (2) لسان العرب (غسق). (3) لسان العرب (وقب) 2/301. (4) البحر المحيط 8/529 – 531. (5) الكشاف 3/368. (6) روح المعاني 30/281 – 282. (7) روح المعاني 30/281. الوقفة كاملة
٣٦٣٨ { وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)} النفاثات: قيل: هي النفوس الخبيثة والأرواح الشريرة، وقيل: هن الجماعات أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدًا في خيوط يرقين عليها وينفثن فيها للتأثير على نفوس الآخرين. جاء في (البحر المحيط) "والنفاثات: النساء أو النفوس أو الجماعات السواحر يعقدن عقدًا في خيوط وينفثن عليها ويرقين ... والاستعاذة من شرهن هو ما يصيب الله تعالى به من الشر عند فعلهن ذلك" (1). وجاء في (روح المعاني) "{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4] "أي ومن شر النفوس السواحر اللاتي يعقدن عقدًا في خيوط وينفثن عليها، فالنفاثات صفة للنفوس، واعتبر ذلك لمكان التأنيث، مع أن تأثير السحر إنما هو من جهة النفوس الخبيثة والأرواح الشريرة وسلطانه منها ... وتعريفها إما للعهد أو للإيذان بشمول لجميع أفرادهن وتمحضهن فيه" (2). وهو قد جاء بالصفة ولم يأت بالموصوف، فلم يقل: (النساء النفاثات) أو النفوس أو غير ذلك؛ لإرادة العموم وعدم تقييد ذلك بقيد، سواء صدر عن النساء أم عن غيرهن. وجاء بجمع الإناث ولم يأت بجمع الذكور، فلم يقل: (النفاثين) وذلك لإرادة العموم أيضًا، فإن (النفاثات) تشمل الإناث، وتشمل الأرواح والنفوس والجماعات اللاتي تفعل هذا الفعل. وهي تعم نفوس الذكور والإناث وغيرهم ممن يفعل هذا الفعل، ولو قال: (النفاثين) لم يشمل إلا الذكور ولم يعم شرور غيرهم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 45 إلى ص 46. (1) البحر المحيط 8/531. (2) روح المعاني 30/282. الوقفة كاملة
٣٦٣٩ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)} قيد الحاسد بقوله: {إِذَا حَسَدَ} ولم يقل: (من شر حاسد) فقط؛ ذلك أن شر الحاسد إنما يكون عند حسده، أما إذا لم يحسد فلا ضرر منه. فإنه قد يكون إنسان متصفًا بالحسد ولكنه لا يحسد في كل وقت، كما تقول: (هذا كاتب) وليس هو في حالة كتابة، (وهذا سائق) وليس هو في حالة سوق. وقد تقول (هذا قائد) وهو ليس في حال قيادة. وكذلك قد يكون الحاسد في غير حالة حسد، وفي هذا الوقت ليس منه ضرر ولا شر صادر عنه، وإنما يصدر الشر عنه إذا حسد، ولذا قيده بقوله: {إِذَا حَسَدَ} جاء في (التفسير القيم): "وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله: {إِذَا حَسَدَ} لأن الرجل قد يكون عنده حسد ولكن يخفيه، ولا يرتب عليه أذى بوجه ما، لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده" (1). وجاء في (روح المعاني) في قوله: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}: "أي إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ومبادئ الأضرار بالمحسود قولًا وفعلًا" (2).وقال: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ} ولم يقل: (من شر حسود)؛ لأن كلمة (حاسد) أعم؛ لأنه يشمل الحسود والحاسد، أي غير المبالغ والمبالغ، فإن الحسود إذا حسد كان حسدًا في حينه، وذلك كالكذاب، فإنه إذا كذب كان كاذبًا في وقت كذبه وليس دائمًا؛ لأن الكذاب قد يكون صادقًا أحيانًا، وقد قيل: (قد يصدق الكذوب). فلو قال: (ومن شر حسود إذا حسد) كان ذلك لا يشمل الحاسد غير المبالغ، بخلاف قوله: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} فإن ذلك يعمهما جميعًا. وقد تقول: ولم لم يقل إذن: (ومن شر النفاثات في العقد) فيأتي باسم الفاعل ليشمل المبالغ وغيره كما فعل الحاسد؟ فنقول: إنه لما جمع (العقدة) جمع كثرة فقال: (العقد) جاء بصيغة المبالغة لتناسب الكثرة في صيغة المبالغة كثرة العقد. ونظير هذا قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ} و{عَلَّامُ الْغُيُوبِ}، فإنه إذا أفرد الغيب جاء باسم الفاعل فقال: {عَالِمُ الْغَيْبِ} وذلك حيث وقع في القرآن الكريم، وذلك لتناسب المبالغة في العلم كثرة الغيوب، فإنه ورد قوله: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} في ثلاثة عشر موضعًا من القرآن الكريم وورد قوله: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} في أربعة مواطن. فاتضح أن قوله: {النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} أنسب، وذلك لما كثرت العقد كثر النفث. وهناك أمور أخرى في السورة منها: أنه كرر (من شر) في كل معطوف فقال: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ} {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ} {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ} ولم يقل مثلًا: (من شر ما خلق وشر النفاثات وشر حاسد) ولا (من شر ما خلق وغاسق إذا وقب والنفاثات وحاسد) وذلك للدلالة على أن كلًا من المذكورين تنبغي الاستعاذة منه على وجه الاستقلال لعظم شره. بخلاف ما لو قال: (من شر ما خلق وغاسق والنفاثات) فإن هذا التعبير يحتمل الاستعاذة من شرها إذا اجتمعت لا إذا انفرد كل واحد منها، فقد يكون الشر من اجتماع شيئين ولا شر منه إذا كان وحده، كما تقول: (لا تحمل البنزين والنار). وقد يحتمل المعنى إذا قال: (من شر ما خلق وغاسق إذا وقب والنفاثات ...) أنه استعاذ من شر ما خلق، واستعاذ من الغاسق إذا وقب والنفاثات والحاسد، فتكون الاستعاذة من الليل نفسه لا من شره، ومن النفاثات أنفسهن لا من شرورهن، وذلك إذا قدرنا العطف على كلمة (شر) في قوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} مع أن المراد هو الاستعاذة من شرور هؤلاء لا منهم أنفسهم. وقد يحتمل المعنى أيضًا أن يكون لهؤلاء شر واحد، كما تقول: (أخو محمٍد وخالٍد حضر) و(رأيت أخا محمدٍ وخالدٍ) ففي الجملة الأولى يتعين أن أخا محمد وخالد شخص واحد، بدليل قولنا: (حضر)، وفي الجملة الثانية يحتمل أنهما شخص واحد وأنهما شخصان. وعلى التقدير الأول يكون المعنى: رأيت أخاهما، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى: رأيت أخا محمد وأخا خالد، فكان تكرار الشر مع كل واحد أولى. ولم يقل: (من شر ما خلق وشر غاسق وشر النفاثات) لأن ذكر (من) في كل واحد أدل على استقلال كل صنف بالاستعاذة وأكد، فإن التكرار يفيد التوكيد. وقد تقول: ولم لم يكرر لفظ الاستعاذة من مستعاذ منه فيقول: (قل أعوذ برب الفلق وأعوذ من شر غاسق إذا وقب وأعوذ من شر النفاثات ...) كما كررها موطن آخر من القرآن الكريم فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون]فنقول: إن تكرار الاستعاذة أكد من ذكر متعلقها وأقوى، وهي في سورة (المؤمنون) أقوى منها في سورة (الفلق) فانبغى تكرارها فيها، بخلاف سورة (الفلق)، وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 96 - 98] فأمره سبحانه أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن، وهذا أمر يشق على النفس الإنسانية، إذ الأصل أن يدفع السيئة بمثلها، كما قال تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] فإذا عفا عن ذلك كان أجمل وأشق على النفس. أما مقابلة السيئة بالإحسان فهذا شاق جدًا على النفس، وقد أمره ربنا أن يدفع السيئة بما هو أشق على النفس من ذلك جميعًا، فإنه لم يطلب منه أن يقابل السيئة بالحسنة، بل طلب منهما أن يدفعهما بالتي هي أحسن، بصيغة التفضيل، وهذا أشق على النفس وأشد على الشيطان، فإن الشياطين لا تدع الإنسان لمثل هذا، بل ستهزه وتدفعه إلى العدوان إن استطاعت، أو إلى الرد بالمثل طلبًا للكرامة والثأر للنفس، وكل ما بعد ذلك كان أشق على النفس، وههنا طلب ربنا أن نستعيذ من همزات الشياطين ومن حضورهم، وليس في سورة الفلق مثل هذا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه أمره أن يستعيذ من همزات الشياطين، وهمزات الشياطين: نزغاتهم ووساوسهم، والهمز: النخس، وأصله أن راكب الدابة ورائضها يهمزها بحديدة، أي ينخسها ليحثها على المشي، فإن الشيطان كأنه يهمز الإنسان، أي ينخسه ويدفعه ويحثه على المعصية، كما يفعل الرائض مع الدابة. جاء في (البحر المحيط) في هذه الآية: "أمره تعالى أن يستعيذ من نخسات الشياطين، والهمز من الشيطان عبارة عن حثه على العصيان والإغراء به، كما يهمز الرائض الدابة لتسرع، ثم أمره أن يستعيذ [من حضورهم عنده ... وفسر همز الشيطان] (3) بسورة الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه ... والظاهر أنه أمر بالاستعاذة من حضور الشياطين في كل وقت" (4). وجاء في (الكشاف): "الهمز: النخس، والهمزات جمع المرة منه، ومنه: مهماز الرائض. والمعنى: أن الشياطين يحثون الناس على المعاصي ويغرونهم عليها، كما تهمز الراضة الدواب حثاً لها على المشي ... أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه المكرر لندائه، وبالتعوذ أن يحضروه أصلًا ويحرموا حوله" (5).فاستعاذ من همزات الشياطين، واستعاذ من حضورهم في كل حال كم الأحوال، فإن الشيطان كله شر، همزه وحضوره، فإن حضوره لا يكون إلا لشر. فالاستعاذة هنا أشد مما في سورة الفلق. ثم إن الشيطان شر من كل ما ذكر في سورة (الفلق)، فقد استعاذ في سورة الفلق من شر ما خلق، وهذا أمر مطلق جمع شرورًا متعددة، فمخلوقاته تعالى بعضها شر من بعض، فقد يكون بعضها قليل الشر، وبعضها كثير الشر، وشر ما نعلم من مخلوقاته الشيطان، فهو عدونا، كما قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] وقد حذرنا منه ربنا كثيرًا، وهو أكثر مخلوق يضمر العداوة لنا، فهو أكبر شر يهددنا، ولذا طلب ربنا الاستعاذة منه في مواضع عديدة من القرآن. قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200، فصلت:36]، وقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98]. ثم استعاذ من شر الغاسق إذا وقب، وفيه تقع شرور كثيرة أشدها وأخطرها ما يصدر من العقلاء، وهذه كلها من وساوس الشيطان، أو من الشيطان نفسه. واستعاذ من شر النفاثات في العقد، وهذا إنما يكون من وسوسة الشيطان وإعانته وعمله. ونحوه شر الحاسد إذا حسد، فإن حسده إنما يكون بهمز من الشيطان ونزغه وتزيينه له، وذلك كله إنما يكون بحضور الشيطان، وما حضروه إلا للوسوسة والنزغ والشر. ولذا كرر الاستعاذة في قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} دون سورة الفلق، فكان كل تعبير في مكانه أنسب. جاء في (روح المعاني) في قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ}: "{وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} أي حضورهم حولي في حال [من] (6) الأحوال ... وفي الأمر بالتعوذ من الحضور بعد الأمر بالتعوذ من همزاتهم مبالغة في التحذير من ملابستهم، وإعادة الفعل مع تكرير النداء لإظهار كمال الاعتناء بالمأمور به، وعرض نهاية الابتهال في الاستدعاء، ويسن التعوذ من همزات الشياطين وحضورهم عند إرادة النوم" (7). ومن الأمور الأخرى في السورة أنه رتب المستعاذ منه في السورة بحسب الكثرة والقلة، وبحسب العموم والخصوص. فإنه بدأ بأعم شيء وأكثره فقال: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}، وهو يشمل كل مخلوقاته. ثم أتبعه بما هو أخص منه وأقل وهو شر الغاسق إذا وقب، وهو الليل إذا دخل، وهو دون الأول في الكثرة وأخص منه. ثم أتبعه بما هو أخص منه وأقل وهو شر النفاثات في العقد، وهن أقل من الليل إذا وقب، فالليل يدخل كل يوم وشروره متعددة. ثم أتبعه بما هو أخص وأقل وهو شر الحاسد إذا حسد. فالنفاثات في العقد أكثر، وعملهن أعم، ذلك أنه جمعهن وأفرد الحاسد، والنفاثات هن الأرواح الشريرة والنساء السواحر، ولا شك أنهن كثير. ثم عرفهن بأل الاستغراقية وجاء بهن على صيغة المبالغة الدالة على كثرة، ولم يفيدهن بوقت، في حين أنه أفرد الحاسد ونكره وقيده بوقت الحسد. ثم إن عمل النفاثات في العقد لا يختص بأمر واحد من الشرور، فشرورهن متعددة، وأما الحاسد فشره مخصوص بالحسد، فيكون عمل النفاثات أشمل وأكثر. ثم إن النفاثات صفة مطلقة غير مقيدة بموصوف، فقد تشمل الشياطين وعموم الأرواح الشريرة والنساء السواحر، أما الحاسد فهو إنسان، فالنفاثات أكثر وشرهن أعم وأكثر تعددًا. ثم إنه ليس كل حاسد يصدر عنه الشر، بخلاف النفاثات في العقد، وبهذا اتضح أنه تدرج من الكثرة إلى القلة، ومن العام إلى الخاص. وقد "عمم أولًا فقال: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}، ثم خص خذه لخفاء شرها، إذ يجيء من حيث لا يعلم. وقالوا: شر العداة المداجي بكيدك من حيث لا تشعر" (8). جاء في (الكشاف): "فإن قلت: قوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ فلت: قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم كأنما يغتال به، وقالوا: شر العداة المداجي الذي يكيدك من حيث لا تشعر" (9). ومن الملاحظ أيضًا أنه نكّر (غاسق) و(حاسد) وعرف (النفاثات)؛ ذلك لأن كل نفاثة شريرة، وليس كل غاسق يكون فيه شر، ولا كل حاسد يكون منه الضرر، وإنما يكون في بعض دون بعض (10). "ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات، ومنه (لا حسد إلا في اثنتين)، ومنه قول أبي تمام: وما حاسَدٌ في المكرُماتِ بحاسدِ" (11) ثم إنه قيد الغاسق والحاسد بالظرف (إذا) فقال: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}، {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} ولم يقيد النفاثات؛ وذلك أن شر الغاسق يكون إذا دخل، أما إذا لم يدخل فلا ينسب إليه الشر. وكذلك الحاسد لا يؤثر إلا إذا حسد كما أسلفنا، بخلاف شر النفاثات، فإنه لم يقيد بزمن أو بشيء، لأن شرهن مطلق، وهو واقع غير مقيد بقيد. جاء في (البحر المحيط): "وقيد الغاسق والحاسد بالظرف؛ لأنه إذا لم يدخل الليل لا يكون منسوبًا إليه. وكذلك كل ما فسر به الغاسق. وكذلك الحاسد لا يؤثر حسده إلا إذا أظهره بأن يحتال للمحسود فيما يؤذيه، أما إذا لم يظهر الحسد فإنما يتأذى به هو لا المحسود لاغتمامه بنعمة غيره" (12). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 46 إلى ص 54. (1) التفسير القيم 583. (2) روح المعاني 30/284، وانظر البحر المحيط 8/581. (3) زيادة من (النهر الماد من البحر) لأبي حيان 6/419 وهو ما يقتضيه السياق، والراجح أنها ساقطة. (4) البحر المحيط 6/420. (5) الكشاف 2/369. (6) زيادة يقتضيها السياق، والراجح أنها ساقطة. (7) روح المعاني 18/62. (8) البحر المحيط 8/531. (9) الكشاف 3/368. (10) انظر الكشاف 3/368، أنوار التنزيل 815. (11) البحر المحيط 8/531. (12) البحر المحيط 8/531. الوقفة كاملة
٣٦٤٠ استعاذ بثلاث صفات من صفات الله تعالى وهي الرب والملك والإله من شر واحد وهو شر الوسواس الخناس، في حين استعاذ بصفة واحدة وهي الرب في سورة السابقة من شرور متعددة مجملة ومفصلة، ذلك أن هذا الشر أخطر على الفرد والمجتمع من تلك الشرور، فإن شر الوسواس يعود على الفرد الذي تلقى إلية الوسوسة وعلى الآخرين فيقع تحت طائلة الحساب والعقاب في الدنيا والآخرة. جاء في (البحر المحيط): "ولما كانت مضرة الدين وهي آفة الوسوسة أعظم من مضرة الدنيا – وإن عظمت – جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث: الرب والملك والإله وإن اتحد المطلوب، وفي الاستعاذة من ثلاث: الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة وهي الرب، وإن تكثر الذي يستعاذ منه" (1). لقد ذكر ثلاث صفات من صفات الله تعالى يستعيذ بها المستعيذ وهي الرب والملك والإله، وقد قدم الرب أولًا ثم الملك وبعده الإله، وكل ذلك لسبب. فإن هذا هو التدرج الطبيعي لدفع المحذور، فإنك إذا خشيت محذورًا أو وقع عليك ظلم أو عدوان مما لا تملك دفعه فإنك تلجأ أولًا إلى دفعه بالمعرفة والعلم والرأي، وتستعين بأولي المعرفة والخبرة ليوجهوك إلى ما تفعل في نحو هذا. وهذا هو شأن الرب، فإن الرب هو المربي والمرشد، والموجه والمعلم. فإذا لم ينفع بذلك التجأت إلى السلطان والحاكم، ويعبر عنه أيضًا بالملك، فإن لم يندفع بذلك أو لم يأخذ لك حقك التجأت إلى الله وفوضت أمرك إليه ليخلصك منه ويأخذ لك حقك. وقد جمع الله لنفسه هذه الجهات، فهو الرب والملك والإله، فإذا قصدت أهل الخبرة والعلم والتوجيه فالتجئ إلى الله، وإذا قصدت السلطان فالتجئ إلى الله، وإذا قصدت الإله الذي عنا له كل شيء فالتجئ إلى الله. جاء في (روح المعاني): "ويندرج في وجوه الاستعاذة المعتادة تنزيلًا لاختلاف الصفات بمنزلة اختلاف الذات، فإن عادة من ألم به هم أن يرفع أمره لسيده ومربيه كوالديه، فإن لم يقدر على رفعه لملكه وسلطانه، فإن لم يزل ظلامته شكاه إلى ملك الملوك ومن إليه المشتكى والمفزع، وفي ذلك إشارة على عظم الآفة المستعاذ منها" (2). ثم إن الناس يمرون بأطوارٍ ومراحل: فالمرحلة الأولى: هي مرحلة الأجنة والأطفال إلى ما دون سن التكليف، وهؤلاء محتاجون إلى من يربهم ويقوم على أمرهم ويتولى شؤونهم وذلك هو الرب. فإذا كانوا في مجتمع احتاجوا إلى من ينظم أمورهم ويحفظ لكل ذي حق حقه ويحمي بعضهم من عدوان بعض، وذلك شأن الملك. فإذا بلغوا سن التكليف والنظر في أمر هذا الكون ومدبر أمره وما يطلبه منهم خالقهم كان ذلك متعلقًا بأمر الإله. إن أول ما يواجهه الناس فيما يتعلق بحياتهم هو المربي والقيم الذي يقوم على أمرهم، ثم الملك. أما أمر الألوهية فيخفى على كثير من الناس فيضلون ويعبدون الأحجار والأبقار. وقد يبقى أمر الألوهية خافيًا على قسم من الناس غير ظاهر لهم فيحتاجون إلى الأدلة والبراهين للتدليل عليه، بخلاف أمر المربي والملك فإنهما يعرفان ضرورة، فالإله آخر ما يعرف ويعلم ولذلك أخره والله أعلم. جاء في (روح المعاني): "وتكرير المضاف إليه لمزيد الكشف والتقرير والتشريف بالإضافة، وقيل: لا تكرار، فإنه يجوز أن يراد بالعام بعض أفراده، فالناس الأول: بمعنى الأجنة والأطفال المحتاجين للتربية. الثاني: الكهول والشباب لأنهم المحتاجون لمن يسوسهم. والثالث: الشيوخ المتعبدون المتوجهون لله تعالى" (3). وجاء في (فتح التقدير): "وأيضًا بدأ باسم الرب، وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلًا كاملًا، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك، فذكر أنه ملك الناس. ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد المخلوق، وأن خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس" (4). ثم لننظر من ناحية أخرى أنه بدأ بالمرحلة الأولى التي يشترك فيها الإنسان والحيوان وهي مرحلة المربي، فإن الحيوانات تربي صغارها وتقوم على أمرها، وهذا هو شأن الرب، وهي لا تحتاج إلى ملك ينظم أمرها. ثم يترقى المجتمع فتنشأ علاقات بين أفراده وتظهر حقوق وواجبات فيحتاجون إلى الملك أو السلطة، وهذا شأن كل المجتمعات سواء ما كان منها ذا دين أم لم يكن، وهو شأن الملك. وربما كانت عند قسم من الحيوانات والحشرات مظاهر أولية من مظاهر التجمع والانقياد إلى ملك ونحوه. ثم يختص عقلاء خلق الله بالنظر في أمر هذا الكون وخالقه ومدبره والانقياد له، وهذا هو أمر الألوهية والإله، فرتبه على هذا النهج. ثم إن الناس إما أن يكونوا طلاب علم ومعرفة وإصلاح وارتزاق فيقصدوا الرب المعلم والمرشد والقيم والمربي الذي يرب الناس، وإما أن يكونوا طلاب جاه وسلطان فيقصدوا الملك، وإما أن يكونوا طلاب دين وآخره فيقصدوا الإله. وقد جمع الله لنفسه كل هذه الصفات، فهو الصمد الذي يقصد إليه كل طالب، فهو الرب والملك والإله. ثم نلاحظ أنه تدرج في الصفات من الكثرة إلى القلة، وفي المضاف إليه – وهم الناس – من القلة إلى الكثرة، فالأرباب قد تتعدد فيكون للدار رب وللعبد رب ولكل مجموعة رب يربهم ويرشدهم، قال تعالى: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23]، وقال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 50]، وقال: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]. فقد يكون في المجتمع الواحد مرشدون وموجهون ومربون، فكل واحد رب لجماعته، أي مرب ومعلم ومرشد. والملوك أقل؛ لأنه يكون للدولة الواحدة ملك واحد مع تعدد الموجهين والمرشدين، وهم في ممالك الدنيا متعددون، فكل مملكة ملك.والإله واحد لا شريك له. فهو قد تدرج من الكثرة إلى القلة. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 3631 إلى 3640 من إجمالي 26698 نتيجة.