في سورة القارعة (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)) في الهُمزة (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)) لم يقل ما أدراك ما هي وفي الأولى لم يقل وما أدراك ما الهاوية؟ (فاضل السامرائى)
عندنا قاعدة عند أهل اللغة أن الإسم الظاهر أقوى من الضمير ونلاحظ بموجب هذه القاعدة اللغوية أن الوصف في النار في السورتين أيها الأشد والأقوى؟ في القارعة وصفها (نَارٌ حَامِيَةٌ) وفي الهمزة وصفها (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)) فالنار في الحطمة أشد وليست هذه كهذه، نار حامية تقولها حتى في الدنيا لكن لا تقول نار الله الموقدة فمع الشديدة جاء بالإسم الظاهر وهذه القاعدة. أي واحد في اللغة يعلم القاعدة تقول له ضع الضمير والاسم الظاهر بموجب هذه القاعدة يكون الضمير مع الهاوية والإسم الظاهر مع الحطمة.
*في سورة القارعة في خاتمتها (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9)) الأم معروفة بالرفق وجهنم معروفة فما دلالة تشبيه جهنم بالأم؟ (د.فاضل السامرائى)
كلُّ أُمٍ يتبعها ولدها (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9)) المقصود مأواه لكن هو عبر عن المأوى بالأم لأن الأم هي مفزع الولد الولد إذا خاف لجأ إلى أمه فيرجع إلى الهاوية، هذا تهكّم به، إذا فزع من العذاب يذهب إلى النار، كما أن الأم مفزع الولد فهذا مفزعه وملجؤه النار، هذا تهكم به لكن إشارة أيضاً إلى شدة العذاب والهول تحيط به كما تحيط الأم بولدها تحتضنه وتحيط به.
سورة مكيّة تتحدث هذه السورة عن انشغال الناس بمغريات الحياةوحطام الدنيا حتى يأتيهم الموت بغتة ويقطع عنهم متعتهم (ألهاكم التكاثر* حتى زرتم المقابر* كلا سوف تعلمون* ثم كلا سوف تعلمون*). فبعض الناس يعيشون لأجسادهم ويهملون الروح. وتتوعد من عاش لجسده. والنهي في هذه السورة عن التكاثر ليس المقصود منه النهي عن التكاثر بعينه وإنما المقصود النهي عن التلهي بالتكاثر (من الأموال والأولاد والزينة) عن عبادة الله الواحد سبحانه وتعالى. وفي الآيات تحذير للذين عاشوا لأجسادهم وللذين ألهاهم التكاثر عن عبادة الله الواحد أن نهاية هذه الأجساد فهو إلى الموت حيث تفنى الأجساد وتصعد الأرواح إلى خالقها. وتحذر الآيات الناس: إياكم أن تعيشوا لأجسادكم فقد خلق الله تعالى الجسد وخلق فيه الروح التي لها غذاء خاص ألا وهو طاعة الله والإقبال عليه، فلو أصرّ الناس على العيش لأجسادهم فإنهم سيرون الجحيم عين اليقين ثم يسألهم الله تعالى عن نعيم الجسد (كلا لو تعلمون علم اليقين* لترون الجحيم* ثم لترونها عين اليقين* ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم). فالإنسان مطالب بالتوازن بين متطلبات الجسد المادية ومتطلبات الروح من عبادات ومحافظة على الصلوات والاستغفار والتقرب إلى الله وطاعته.
في سورة التكاثر قال تعالى (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5)) ومباشرة بعدها (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)) وفي سورة الحاقة (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)) فما دلالة الإختلاف علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؟ وهل نفهم أن اليقين له مراتب؟(د.فاضل السامرائى)
علم اليقين أن تتيقن من الشيء. أعلاها حق اليقين ثم يأتي عين اليقين (اليقين هو الأمر الثابت الحق الثابت) ودونه علم اليقين. إبراهيم لما سأل ربه كيف تحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن؟ قال بلى، هذا علم يقين لم يكن إبراهيم شاكّاً وإبراهيم يعلم ذلك علم اليقين ليس متشككاً إذن يعلمه علم اليقين فلما رأى الطير صار عين اليقين رآها بعينه، شاهدها مشاهدة ولذلك القدامى يضربون مثالاً يقولون علم الناس بالموت هذا علم اليقين فإذا رأى ملائكة الموت وهو في النزع هذا عين اليقين فإذا ذاقه صار حق اليقين
ي كتب النحو (ثم) حرف عطف يفيد التراخي فما سر دخول الحرف في الأسلوب الإنشائي في قوله تعالى (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ {7}التكاثر)؟(د.فاضل السامرائى)
أولاً نقول أنه من حيث الحكم النحوي (ثم) ليست مختصة بالأسلوب إنشائي أو خبري وقد وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة (ثم صبوا فوق رأسه) إنشائي، (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) إنشائي، (ثم كيدون جميعاً) إنشائي، (ثم توبوا إليه) إذن (ثم) ليست مختصى بخبر أو إنشاء. (وللعلم الإنشاء هو ما فيه أمر أو استفهام أو ترجي أو تحضيض أو ..) والحكم يكون على الأسلوب بغض النظر عن القائل. هناك أمر آخر (ثم) قد تكون لمجرد الترتيب في الإخبار (ثم) تفيد الترتيب والتراخي وهذا هو الذي يثيره النحاة (ثم) يقولون تأتي لمجرد الترتيب في الإخبار وليس في الأحداث بدليل قوله تعالى (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) ليس في الآية تعقيب لأن الله شهيد على ما يفعلون دائماً. وكذلك في قوله تعالى (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) وقال الشاعر:
أنا من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده
وهذا ترتيب في الإخبار وليس ترتيباً زمنياً كأن نقول مثلاً: أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت الأمس أعجب.
وهناك الترتيب في الإخبار بغض النظر عن زمنه. أحياناً يكون التراخي في المرتبة كقوله تعالى (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ {14} يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ {15} أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ {16} ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ {17}البلد) فما معنى الإيمان بعد الإطعام؟ لا يمكن أن يكونهذا هو المقصود بل المقصود أن مرتبة الإيمان هي أعلى من الإطعام ولم تأتي (ثم) للترتيب لأنه لو لم يكن مؤمناً فليس فيه فائدة. وهذا ما نسميه الترتيب في المنزلة. وكذلك قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ {30}فصلت) لا شك أن الإستقامة أعلى مرتبة.
فلماذا دخلت (ثم) على قوله تعالى (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ {6} ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ {7}التكاثر) هذه ليست إنشاء وإنما جواب القسم والقسم هو الإنشاء أما جواب القسم فمن حيث الحكم النخوي: جواب القسم لا يكون إنشاء إلا مع الباء يصح أن يكون إنشاء مع الخبر الطلبية أو الإستعطافي فقط. مثلاً لا يمكن أن أقول: والله افعل أو والله لا تفعل إنما أقول والله لأفعلنّ و والله لتفعلنّ ولا يمكن أن يكون جواب القسم طلب أو إنشاء إلا أن يكون جواب القسم بالباء (بالله عليك افعل) أو (بالله عليك لا تفعل) (بربّك هل فعلت؟) أما في غير الباء فلا يكون جواب القسم طلبياً. إذن الجواب خبري ويكون إنشائياً مع الباء فقط (تالله لأكيدنّ أصنامكم) تالله هي الإنشاء ولأكيدن هي خبر. وهناك فرق بين القسم وجواب القسم، جواب القسم خبر إلا ما استثنيناه وما يصح أن يكون مع الباء وحدها والباقي خبر.
(لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ {6} ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ {7}التكاثر) قسم ذهب إلى أنها للتوكيد وقد تأتي إذا أُعيدت الجملة للتوكيد (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ {18} فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {19} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {20} المدّثر) التكرار فيه توكيد ولا مانع أن يُفصل بحرف عطف. وقد يأتي التكرار بدون حرف عطف كما في قوله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {6} الشرح) ، يمكن أن تكون توكيداً مع العطف كأن نقول (والله ثم والله). وقسم آخر قال أن (ثم) ليست توكيداً وإنما المشهد مختلف فـ(ثم) الأولى هي في عذاب القبر والثانية في الحساب يوم القيامة تراخي في الزمن) وهذا الذي يرحجه الأكثرون.
وفي بداية سورة التكاثر قال تعالى أيضاً (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ {3} ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ {4}) هنا العلم علمان علم عند المشاهدة والإحتضار والعلم الثاني عند الحساب يوم القيامة، فإذا كان العلم الأول هو نفس العلم الثاني تكون (ثم) للتوكيد وإذا كان العلم الثاني غير العلم الأول تكون (ثم) للتراخي في الزمن لأن فيها تأسيس لمعنى جديد.
سورة مكيّة وهي سورة في غاية الإيجاز في اللفظ وفي غاية الشمول من حيث المعنى ويقول الإمام الشافعي في هذه السورة: لو لم ينزل الله تعالى من القرآن سوى سورة العصر لكفت الناس. لأن الإسلام في النهاية يرتكز على أربعة أمور فهو إيمان وعمل الصالحات والتواصي بالحق لنصرة الدين في الأرض والتواصي بالصبر لأن نصرة الدين تعرّض صاحبها للمتاعب والمشقة فيحتاج إلى الصبر لتحملها في سبيل نصرة الدين والدعوة إلى الله. والذي لا يسير على المنهج الذي ارتضاه الله تعالى يكون من الخاسرين (إن الإنسان لفي خسر) وهذه السورة تأتي مقابل سورة الفاتحة فقوله إهدنا الصراط المستقيم مقابل قوله وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. وهذه السورة فيها كل مقومات الحضارة وهي الإهتمام بالزمن والعمل فالوقت عامل أساسي لقيام الأمم والحضارات فالإهتمام بالوقت وبالعمل والتواصي بالحق والصبر هي من أهم مقومات الحضارة الإنسانية. والقسم في هذه السورة بأحد مخلوقات الله تعالى (والعصر) وهو الدهر والزمان كما جاء في كثير من آيات هذا الجزء.
*في آية سورة العصر ذكر التواصي وفي موطن آخر في سورة التين لم يذكر التواصي (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فما دلالة هذا؟
في سورة التين فيما ينجي من دركات النار فقال (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (6)) هذا يكفي للخروج من دركات النار. هذا الحد الأدنى الذي يخرجه من دركات النار ويدخله الجنة لكن لا ينجيه من خُسر.كان ممكن أن يحصل عليه أكثر. هذا إن ترك شيئاً خسر شيئاً قطعاً إن ترك التواصي بالحق أو خسر التواصي بالصبر خسر شيئاً فالتواصي فيه حسنة إذن تركه فيه خُسر. في سورة التين ذكر الحد الأدنى الذي ينجيه من النار ويدخله الجنة، ما الذي ينجي من أسفل سافلين؟ الإيمان والعمل الصالح فليس هناك حاجة للتواصي.
*سورة العصر (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)) ثم يستثني (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)) بالجمع وليس بالإفراد لم يقل إلا الذي آمن؟
الإنسان جنس وليس المقصود به واحد من الأفراد، لا يعني به شخصاً واحداً معيناً وإنما هو إسم جنس والجنس عام يشمل الكثير وليس واحداً وإنما يدل على عموم الجنس ولا يقصد شخصاً معيناً. عندنا أل الجنسية وأل العهدية، تقول اشتريت الكتاب. (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) السجدة) لا تعني واحداً، الإنسان يشمل الجنس كله تقتطع منه من تشاء وما تشاء فالذين آمنوا هذا مستثنى من الجنس الذي هو أكثر من هؤلاء. (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) هود) الذين شقوا جنس وليس واحداً لذا قال (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)) (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا (108))، الخلق هكذا منهم أشقياء ومنهم سعداء هو أراد الجنس والجنس أعم من الجمع وقد يكون الجمع مجموعة من الجنس فالرجال مجموعة من جنس البشر لذا الجنس أعم ولذلك عندنا استغراق الجنس. لذا لما قال الذين آمنوا هم مجموعة من الجنس وهناك آخرون. وقال (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) التواصي أكثر من واحد وإلا كيف يتواصى؟ إذن لما قال (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) هذا من الجنس وعندما قال (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) يقتضي أن يكون هنالك أكثر من واحد. إذن الإنسان إسم جنس يدل على الجمع وهو أعمّ. حتى في النحو لما تأتي بلا النافية للجنس عندما تقول لا رجل أوسع من لا رجال، عندما يقول لا رجال نفى الجمع لكنه لم ينف المفرد والمثنى لكن لما نقول لا رجل نفى الجمع والمفرد والمثنى، لا رجل نفى الجنس كله لا واحد ولا اثنان ولا أكثر وإنما مطلقة.
سورة مكيّة وتتمحور حول الذين يعيبون الناس ويلمزونهم بالطعن والنتقاص منهم والسخرية وهذا كله فعل السفهاء من الناس (ويل لكل همزة لمزة) كما تذم السورة الذين يكدّسون الثروات (الذي جمع مالاً وعدده*) وكأنهم خالدون في هذا الحياة الدنيا وأن هذا المال الذي يكنزونه هو الذي سيخلدهم (يحسب أن ماله أخلده) ولا يدري هؤلاء الأشقياء أن عاقبتهم ستكون في نار جهنم التي لا تنطفئ أبدا (كلا لينبذن في الحطمة* وما أدراك ما الحطمة* نار الله الموقدة* التي تطلع على الأفئدة* إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممددة) وسميّن النار هنا بالحطمة لأنها تحطم العظام حتى تصل إلى القلوب.