(ِإنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً {2})
بعد أن أثار تعالى السؤال في الآية الأولى (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا) فإن السامع سيقول قطعاً نعم أتى عليه هذا الحين، فيُطرح سؤال آخر إذن: من خلق هذا الإنسان وأوجده؟ فيجيب الله تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) والإجابة جاءت بضمير التعظيم وبالتوكيد (إنّا) ضمير التعظيم مع التوكيد لأن هذا الأمر فيه عظمة وجلال. وقد قدّم إسم إنّ على الجملة الفعلية التي هي خبر إن. ومن جملة معاني التقديم هو القصر بمعنى نحن وحدنا خلقنا الإنسان على سبيل الحصر والقصر وقد أكد تعالى ذلك بـ (إنّ) وذكر ذلك بضمير التعظيم إذن فهو الخالق حصراً ليس معه شريك سبحانه.
وفي نفس الوقت قال (نبتليه) بضمير التعظيم بدليل أن الخالق والمبتلي جهة واحدة وهو الله تعالى لأنه أحياناً قد يكون الإبتلاء من إنسان على إنسان وهذا يدل على عظمة الأمر الذي يبتلي به. ثم قال (فجعلناه) وهذا الفعل منسوب إلى الله تعالى أيضاً وهو سبحانه الذي تفضّل على الإنسان بذلك فخلقه وأنشأه وهو الذي اختبره وذكر الوسائل التي يصحّ معها الإختبار.
(الإنسان):
قال تعالى (إنا خلقنا الإنسان) وهنا نسأل من هو الإنسان الذي ورد ذكره في الآية؟ في الآية الأولى (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا) اختلف في مدلول كلمة الإنسان أهو آدم أم ذريته؟ أما في هذه الآية فالمقصود قطعاً هم ذرية آدم لأنه تعالى ذكر أنه خلقه من نطفة أمشاج وهذا لا يكون لآدم الذي خلقه من تراب. المرجّح في الآية الأولى أن المقصود بالإنسان المذكور في الآية هو آدم وفي الآية الثانية ذرية آدم فذكر الإنسان الأول ومن بعده وهذا يدل على القدرة وعلى الإيجاد والإستمرار ولذلك لم يذكر الضمير في الآية الثانية التي تدل على الإنسان فلم يقل مثلاً إنا خلقناه من نطفة أمشاج باستعمال الضمير بل قال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) وهذا يدل على أن المقصود قطعاً ذرية آدم. وهذا كله يرجّح أن الإنسان في الآية الأولى يقصد بها آدم والإنسان في الآية الثانية يقصد بها ذرية آدم .
(نطفة أمشاج):
الأمشاج لغة هي الأخلاط وكلمة أمشاج تستعمل مفرداً وجمعاً (مشيج ومشج والجمع أمشاج، مشيج تجمع على أمشاج مثل شريف وأشراف، ومشج تجمع على أمشاج مثل بطل وأبطال ومشج ومزج متشابهتان في المبنى والمعنى)، وفي اللغة العربية كلمات عديدة تستعمل مفرداً وجمعاً مثل كلمة بشر وقد استعملت في القرآن الكريم للمفرد (أبشراً منا واحداً نتبعه) والجمع (ما أنتم إلا بشر مثلنا) سورة يس، وكذلك كلمة الفلك استعملت في القرآن للمفرد (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون) سورة يس، وللجمع (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) سورة يونس، وكذلك كلمة طفل تستعمل للمفرد والجمع وقد يستعمل جمعها أيضاً لأنها تجمع على أطفال (والطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) و (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم). والأمشاج هي الأخلاط وكما قلنا تستعمل للمفرد والجمع ونسأل لماذا اختار الجمع على المفرد في هذه الآية؟ كان من الممكن القول (نطفة مشيجة أو مشج) لكن اختيار الجمع لكثرة ما فيها من أخلاط وامتزاجات وهذا موجود في اللغة فيقال : بلد سبسب (أي قفر) وبلد سباسب، يمكن القول بلد سباسب إذا كثر فيه القفر كأن كل جزء من البلد هو سبسب والسبسب هي الأرض الواسعة الصحراء. كذلك نقول أرض قفر وأرض قفار والجمع تعني أن كأن كل جزء من الأرض قفر على حدة، ولهذا قال تعالى إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج من كثرة ما فيها من أخلاط.
(نبتليه):
بمعنى نختبره ونمتحنه. الفعل المجرّد بلى يبلو أما فعل ابتلى يبتلي ففيه مبالغة أكثر من فعل بلى مثل صبر واصطبر لأن صيغة افتعل فيها مبالغة مثل كسب واكتسب. إذن قال تعالى نبتليه وليس نبلوه دلالة على المبالغة في الإختبار. وقد استعمل القرآن الكريم نبلو وابتلى في مواضع عديدة فبعد غزوة أحد قال تعالى (وليبتلي الله ما في صدروكم) سورة آل عمران ثم بعد غزوة الأحزاب قال تعالى (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدا) سورة الأحزاب. والقول أن الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى غير مضطرد لأنه أحياناً يكون الأقل في المبنى أبلغ في المعنى مثل فعل حذر (صيغة مبالغة) وحاذر (إسم فاعل)، حذر أبلغ من حاذر وفيها صيغة مبالغة (وهذه الأمور تُعرف في أبنية الفعل وفي معانيه في علم الصرف ودلالة الصيغ مثل صيغة فعّل وافتعل وتفاعل واستفعل وغيرها).
ونسأل الآن لماذا جاءت آية سورة الملك باستخدام فعل بلى يبلو في قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2}) ؟ ولماذا جاء التخفيف في البلاء ولم يستعمل ليبتليكم؟ وما الفرق بينهما؟
لو قرأنا آية سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2}) لوجدنا أنها تنتهي بقوله تعالى وهو العزيز الغفور، والمغفرة تقتضي التخفيف أولاً لأن الإبتلاء والشدّة لا تتناسبان مع الغفور التي هي أصلاً صفة مبالغة أما صيغة ليبلوكم فهي أنسب مع المغفرة والتخفيف جزء من المغفرة. وهناك أمر آخر: نلاحظ في سورة الإنسان ذكر تعالى ما يصحّ معه الإبتلاء (فجعلناه سميعاً بصيرا) (إنا هديناه السبيل) السمع والبصر والإختيار والعقل وأطال في ذلك فلما أطال في ذكر ما تردد أطال في صيغة الإبتلاء (نبتليه) أما في سورة الملك فلم يذكر أياً من وسائل الإبتلاء إنما ذكر خلق السموات مباشرة في الآية التي بعدها فاقتضى استعمال الصيغة المخففة (ليبلوكم).
أمر آخر أنه تعالى ذكر في سورة الإنسان شيئاً من ابتلاء الأعمال ما لم يذكره في سورة الملك. فذكر في سورة الملك آية في المؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ {12}) وآية في الكافرين (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {6}) لكن في سورة الإنسان ذكر الإبتلاء في الأعمال (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً {7} وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً {8}) (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً {24} وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً {25} وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً {26}) وأفاض في ذكر النعيم في الآخرة مما لم يذكره في الملك (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً {5}) فذكر ما يستدعي الإبتلاء وذكر الكافرين (إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً {27}) وذكر الظالمين (يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً {31}) والظلم من نتائج الأعمال. إذن السياق والوسائل وما ذكر من الأعمال جعل ذكر الإبتلاء أنسب من كل ناحية من حيث الوسائل وجو السورة والسياق والأعمال هذا من حيث الصيغة.
يأتي سؤال نحوي هنا : قال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا) فما هو وضع نبتليه من الناحية النحوية في الآية؟ نبتليه جملة فعلية تحتمل معنيين: الأول التعليل نبتليه بمعنى لنبتليه كما قال في سورة الملك لنبلوكم، الجملة إسمها استئنافية تفيد التعليل مثل: جئت أشتري داراً أو جئت أتعلم. والإحتمال الثاني أن تكون حال مقدرة من الفاعل. والحال مقسمة إلى ثلاثة أقسام من حيث الدلالة على الزمن:
1. حال مقارنة: مثل جاء ماشياً أو شربت الماء بارداً وهذه أكثر أنواع الحال.
2. حال مقدّرة: تقع في الإستقبال يعني الفعل في زمن والحال في زمن آخر في المستقبل كما جاء في قوله تعالى (وبشرناه باسحق نبياً من الصالحين) وهناك فرق بين الزمن عند تبشير ابراهيم باسحق ولم يكن عندها موجوداً حتى في رحم أمه، أو كقوله تعالى (لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصرين) والحلق والتقصير هي آخر الشعائر بعد الطواف والسعي. إذن الفعل يأتي في زمن والحال تأتي في زمن آخر في المستقبل.
3. حال محكية قد يكون زمنها ماضي.
نعود للحال المقدرة ودلالتها في آية سورة الإنسان: نبتليه جملة فعلية حال مقدرة من الفاعل فقوله تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه) بمعنى مبتلين له أي الله تعالى هو المبتلي، ومحتمل أن تكون حال مقدرة من المفعول بمعنى خلقنا الإنسان مُبتلى مثل قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وأصلاً الحال يمكن أن تفيد عِلّة مثل (جئت طامعاً في رضاك) و (جئت مبتغياً عونك) هي حال وتظهر كأنها علة. إذن استخدام كلمة (نبتليه) أفاد معاني عدة وهذا من باب التوسع في المعنى لأنها احتملت أن تكون استئنافية للتعليل، أو حال مقدرة من الفاعل أو حال مقدرة من المفعول. ولو جاء الفعل باللام (لنبتليه) لما أفاد إلا معنى التعليل فقط وصيغة (نبتليه) أفادت عدة معاني وكلها مقصودة في الآية.
ونسأل لماذا لم تستخدم هذه الصيغة في آية سورة الملك لتفيد التوسع ايضاً؟ لأن التعبير في سورة الملك لا يحتمل أصلاً لأنه تعالى ذكر في سورة الملك خلق الموت والحياة ولم يذكر الإنسان أصلاً فكيف تأتي الحال وهو لم يذكر الإنسان ؟ إذن لا يصح التعبير أما في سورة الإنسان فذكر الإنسان لذا جعل كل تعبير في مكانه الذي يؤدي المعنى المطلوب بأوسع صورة.
من الملاحظ في آية سورة الإنسان أن الله تعالى ذكر كل ما يصح معه الإبتلاء ومستلزمات الإبتلاء: السمع (سميعاً) والبصر (بصيرا) والعقل (إنا هديناه السبيل) والإختيار (إما شاكراً وإما كفورا) ولا يمكن للإنسان أن يكون شاكراً أو كفرواً إلا إذا كان عاقلاً، وذكر مادة الإختيار أي السبيل الذي هداه الله له وذكر موقف المكلّفين من الإختيار فقسم منهم شاكر وقسم كفور وذكر عاقبة الإبتلاء (الجنة والسعير) وذكر المبتلي (وهو الله تعالى) وذكر المبتلى (وهو الإنسان) فلم يدع شيئاً يخص الإبتلاء إلا وذكره في هذه الآية والإبتلاء لا يصح بدون هذه الأدوات كلها.
(فجعلناه سميعاً بصيرا):
قدّم تعالى السمع على البصر في هذه الآية كما هو شأن الكثير من آيات القرآن في تقديم السمع على البصر لأن السمع أهم في باب التكليف والإختبار من البصر لأن فاقد السمع من الصعب تكليفه بخلاف فاقد البصر الذي يكمن تبليغه وتكليفه بشكل أسهل. والأمثلة في القرآن الكريم عديدة عن تقديم السمع على البصر كقوله تعالى (وهو السميع البصير) (إنني معكما أسمع وأرى) (إن السمع والبصر والفؤاد).
وفي هذه الآية من سورة الإنسان قدّم تعالى السمع والبصر على الهداية فبعد أن قال تعالى (فجعلناه سميعاً بصيرا) قال (هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا)لأن السمع والبصر يوصلان المعلومات إلى العقل وبدونهما تتعسّر الهداية والأحكام في الغالب تأتي بما يقدمه السمع والبصر فهما إذن أي السمع والبصر سبيل للوصول إلى الهداية وسبيل العقل لفهم المعلومات. ومن الملاحظ أنه تعالى لم يفصل بين السمع والبصر بالواو كأن يقول (سميعاً وبصيرا) أنما جاءت الصفتان متصلتان (سميعاً بصيرا) لئلا يُفهم أنه تعالى خلق الإنسان على نوعين منهم من يسمع ومنهم من يُبصر.
وهنالك أمر آخر في هذه الآية أيضاً وهو لماذا استخدم صيغة المبالغة (سميعاً) ولم يستخدم (سمّاع) مثلاً؟
في القرآن الكريم يستعمل صيغة المبالغة (سميع) كما في قوله (وهو السميع البصير) (السميع العليم) ويستعمل صيغة المبالغة (سمّاع) كما في قوله في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ {41} سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {42}) وفي سورة التوبة (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ {47}) والفرق في استعمال الصيغتين في القرآن هو أن صيغة سميع استعملت في القرآن كوصف لله تعالى(وهو السميع البصير) ووصف للإنسان (سميعاً بصيرا) وهي في مقام المدح، أما صيغة سمّاع فلم تستعمل في القرآن إلا كوصف للإنسان وفي مقام الذمّ فقط. إذن صيغة المبالغة سميع تستعمل في مقام المدح والإمتنان والتفضّل بالنعمة ففي آية سورة الإنسان وعلى ما جرى عليه في القرآن الثناء هنا بالإمتنان على الإنسان (سميعاً بصيرا) لذا اقتضى استخدام الصيغة (سميع) وليس (سمّاع).
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً {3})
نلاحظ أنه كما قال تعالى في الآية السابقة (إنّا خلقنا) بالتوكيد وضمير التعظيم قال في هذه الآية أيضاً (إنا هديناه) بالتوكيد وضمير التعظيم أي بإسناد الفعل إلى نفسه تعالى لأن الهداية أمر مهم وهي الغاية التي خُلق الإنسان وقد تفوق خلق الإنسان. والخلق لِعِلّة كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فإذا كان الخلق مؤكد فلا بد من أن تكون الهداية مؤكدة وكما أسند تعالى الخلق إلى نفسه في آية سورة الإنسان (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) أسند الهداية إلى نفسه أيضاً في قوله (إنا هديناه السسبيل) ومن ناحية أخرى فإن المنهج الصحيح لا يستطيعه أحد إلا الله تعالى ولا يُنسب إلا إلى الله تعالى ولو تُرِك الناس إلى عقولهم لأصبحوا شيعاً وأحزاباً كلٌ يختار ما يشاء، إذن الطريق الصحيح للهداية لا يستطيعه إلا الله تعالى لأنه هو الذي خلق وهو أعلم بمصالح العباد.
(إنا هديناه السبيل) عدّى الفعل بنفسه وفعل هدى قد يتعدى بنفسه كقوله (إهدنا الصراط المستقيم) وقد يتعدى بـ (إلى) كما في قوله تعالى (يهدي إلى الحق) بمعنى يدلّه ويرشده إليه، وقد يتعدّى باللام كما في قوله (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) و قوله (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وقد تكلمنا باستفاضة عن فعل هدى في شرح سورة الفاتحة (اضغط هنا للرجوع إلى سورة الفاتحة). وفي هذه الآية قال تعالى (إنا هديناه السبيل) لأن التعدية بالفعل بإلى تقال لمن لم يكن في الطريق فتدله وترشده إليه فإذا وصل إلى الطريق يحتاج لمن يعرّفه به وبماذا في الطريق فحينها يتعدى الفعل باللام أما تعدية الفعل بدون حرف جر فتقال لمن كان في الطريق فتبين له مراحل في الطريق ومن لم يكن في الطريق أو كان بعيداً عنها فترشده اليها وتدله إليها. وقال تعالى مخاطباً رسوله (ويهديك صراطاً مستقيما) والرسول سلك الطريق وقال تعالى على لسان الرسل (وقد هدانا سبلنا) وهم أيضاً كانوا في الطريق. وقال تعالى (فاتبعني أهدك صراطاً سويا) في خطاب ابراهيم لأبيه الذي لم يكن في الطريق وكذلك قال تعالى مخاطباً المنافقين (ولهديناهم صراطاً مستقيما). إذن عدم تعدية الفعل في الآية بحرف جر جمعت المعنيين وبذلك أتمّ تعالى نعمته على الإنسان بأن يدلّه ويرشده إلى الطريق لما كان بعيداً عنها ويبيّن له معالم ومراحل الطريق عندما يصل إليها وقامت الحجة على الجميع إذن فالله تعالى يستحق الشكر على ذلك.
(إما شاكراً وإما كفورا): شاكراً صيغة إسم فاعل وكفورا صيغة مبالغة لم يجعلهما على نمط واحد لم يقل إما شاكراً وإما كافراً أو إما شكوراً وإما كفورا. لأن الشكور قليل مصداقاً لقوله تعالى (وقليل من عبادي الشكور) ول قال تعالى شكورا لكان أخرج من بينهم الشاكرين وهم الأكثر فالآية حينها لن تشكل مجموعة الخلق الشاكرين. وكذلك لم يقل كافراً (اسم فاعل) لأن الكافر لم يستعملها القرآن الكريم مقابل الشاكر وإنما بمقابل المؤمن (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) إذن لا تصح المقابلة (شاكرا) و(كافرا) لأن القرآن لم يستعملها هكذا. صيغة كفور يستعملها القرآن لأمرين : للكافر المبالغ في الكفر (إن الإنسان لكفور مبين) (وكذلك نجزي كل كفور) ولجاحد النعمة غير الشاكر (إما شاكراً وإما كفورا) (وكان الشيطان لربه كفورا). وهنا يأتي سؤال: كي تكون كفرواً بمعنى غير شاكر في قوله تعالى (وكان الشيطان لربه كفورا)؟ يدل على ذلك اللام في (لربه) لأن الكفر المقابل للإيمان يُعدّى بالباء لا باللام كما في قوله تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسوله) (وكانوا بشركائهم كافرين) فلا نقول يكفر لله وإنما يكفر بالله. وكذلك الكفر المقابل للشكر لا يُعدّى باللام فكفران النعمة يتعدى بنفسه (فاشكروا لي ولا تكفرون)بمعنى كفر النعمة أو كفر صاحب النعمة (وإن كفرتم) إذن ما هي اللام في (لربه)؟ اللام هنا هي لام التقوية إذا جئنا بصيغة المبالغة أو اسم الفاعل هذا الفعل الذي يتعدى بنفسه يمكن إضافة لام التقوية له كما في قوله تعالى (وهو الحق مصدقاً لما معه) فعل صدّق يتعدى بنفسه واللام للتقوية وكذلك قوله تعالى )فعّال لما يريد) أي فعّال ما يريد. إذا تأخر الفعل أو كان مصدراً أو صيغة مبالغة قد يُؤتى باللام المقوّية كما جاء في قوله تعالى (وكان الشيطان لربه كفورا).
أمر آخر أنه تعالى اختار الشكر على الإيمان في آيات أخرى منها قوله تعالى في سورة التغابن (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {2}) أما في آية سورة الإنسان اختار الشكر مع كفران النعمة لأن نعمة الخلق والهداية لا تقتضي الإيمان فقط وإنما تقتضي الشكر لأنه لما أنعم تعالى على الإنسان بالسمع والبصر والعقل والإختيار والهداية كل هذه نعم تقتضي الشكر فهو الإيمان وزيادة في الآية السابقة في سورة التغابن ذكر تعالى نعمة الخلق فقط أما في سورة الإنسان ذكر الخلق والهداية فكما زاد وتفضّل بأن جعل الخلق وزيادة ينبغي أن تكون الزيادة أيضاً فذكر الشكر وزيادة.
(إنا خلقنا) لم يكتف بذلك بل قال (سميعاً بصيرا) وجعل له عقلاً واختياراً لذا يقتضي الإيمان وزيادة ثم النعم مثل قوله (هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) فالنعمة تقتضي الشكر وليس مجرد الإيمان ومسألة الشكر والإيمان مناسب لجوّ السورة فقد جاء في سورة الإنسان قوله تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً {9}) وقوله تعالى (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً {22}) فذكر الشكر مناسب من جهة السياق ومن ناحية جو السورة الكلي . وهناك أمر آخر حسّن اختيار الشكر (إنا هديناه السبيل) والسبيل هي الطريق المسلوكة الميسّرة السهلة وهناك فرق بينها وبين النجد (وهديناه النجدين) فربنا هدانا السبيل الميسرة للهداية وكونها ميسرة يستدعي الشكر ولما قال (وهديناه النجدين) أتبعها بقوله تعالى (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ {17}) التواصي بالصبر لأن سلوك النجدين يحتاج لمجاهدة وصبر أما هداية السبيل الميسرة فتحتاج إلى شكر. إضافة إلى ما سبق من أين ما نظرنا فالسياق يستدعي الشكر. وقد يرد السؤال: لماذا قدّم الشاكر على الكفور؟ قدّم الشكر لأنه قدّم ما يستدعي الشكر (النعم التي ذكرها) ثم أنه في السورة أفاض في ذكر جزاء الشاكرين في سبع عشرة آية من الآية (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً {5}) إلى قوله (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً {22}) في نهاية الآية بينما اختصر في عقاب الكافرين ولم يذكرهم إلا في آية واحدة هي (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً {4}) إذن الإفاضة في ذكر جزاء الجنة وذكر الشاكرين اقتضى تقديم الشاكرين على الكافرين، وهناك أمر آخر أنه تعالى قدّم الرحمة على العذاب في آخر السورة أيضاً (يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً {31}) لذا بدأ بالشاكرين (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً {3}) فأول السورة وآخرها على نفس النسق. ثم إن هذا التقديم (الشاكر على الكفور) هو نظير ما تقدم في القرآن فحيثما اجتمع الشكر والكفر قدم الشكر على الكفر (ليبلوني أأشكر أم أكفر) (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر) (واشكروا لي ولا تكفرون) إلا في آية واحدة فقط في سورة الزمر (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {7}) والسبب في ذلك أنه تقدم ذكر الكفر والكافرين في سورة الزمر (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ {3}) فناسب سياق السورة تقديم الكفر على الشكر وكذلك في آخر السورة ذكر عقاب الكافرين أولاً (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ {71}) ثم جزاء الشاكرين (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73}). وقد قال الرازي إن القرآن كله كالسورة الواحدة بل كالآية الواحدة بل الكلمة الواحدة.
(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً {4})
نلاحظ فى هذه الآية أنه تعالى أكّد الإعتاد والعذاب (إنا أعتدنا) كما أكد الخلق والهداية سابقاً (إنا خلقنا، إنا هديناه). وهنا يأتي سؤال وهو ما الفرق بين اعتدنا وأعددنا؟ القرآن الكريم يستعمل أعتدنا وأعددنا فلماذا استخدم هنا أعتدنا؟ لأن أعتد فيها حضور وقرب والعتيد هو الحاضر (هذا ما لدي عتيد) أي حاضر وقوله (وأعتدت لهن متكئاً بمعنى حضّرت أما الإعداد فهو التهيئة وليس بالضرورة الحضور كما في قوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم) بمعنى هيّأوا وليس حضروا وقوله (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عُدّة) أما في سورة النساء فقال تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً {18}) لأنهم ماتوا فأصبح الحال حاضراً وليس مهيأ فقط، وكذلك ما ورد في سورة الفرقان (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً {37}) قوم نوح أُغرقوا وماتوا أصلاً فجاءت أعتدنا. أما في سورة النساء (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً {93}) هؤلاء لا يزالون أحياء وليسوا أمواتاً فجاءت أعد بمعنى هيّأ. ومما سبق نقول أنه في آية سورة الإنسان بما أن جزاء أهل الجنة بالحضور بصيغة الوقوع لا بصيغة المستقبل كذلك يقتضي أن يكون عقاب الكافرين حاضراً كما أن جزاء المؤمنين حاضر فقال تعالى في أهل الجنة (يشربون من كأس، ولقّاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا) وجاء عقاب الكافرين حاضراً بصيغة الوقوع فقال تعالى (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيرا).
أما في آخر السورة فجاءت الآية (يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً {31}) باستخدام (أعد) لأن الكلام في الآية عن أهل الدنيا وليس عن الآخرة.
إضافة إلى ذلك لم يرد في القرآن الكريم كلمة أعددنا مطلقاً أي أعدّ واستعمال الضمير (نا) وإنما يستعمل أعتدنا وهي خصيصة من خصائص التعبير.
تكلّمنا عن الفرق بين أعتد وأعدّ والآية التي قبل هذه الآية (إما شاكراً وإما كفورا) وفي هذه الآية قال تعالى (للكافرين) وهي ليست جمع كفور وإنما هي جمع كافر وكان المضمون أن يجعل الإعتاد لجمع الكفر وهي (كُفُر) على وزن فعول فُعُل مثل صدوق صُدُق ورسول رُسُل وهذا هو القايس. إذن لماذا قال (إما شاكراً وإنا كفورا) ثم قال (إنا أعتدنا للكافرين) ولم يقل (أعتدنا للكُفُر)؟ لو قال أعتدنا للكُفُر لكان يذهب الظنّ أن العذاب يتناول المبالغ في الكفر وليس لغير المبالغ أي كأن الكافر لا يناله العذاب، لكن لمّا ذكر عقاب الكافرين غمن باب أولى أن يكون عقاب الكُفُور أكبر بمعنى أن هذا عذاب من دونه وهو الكافرين فكيف يكون عذاب الكُفُور؟ لا بد أنه أكبر وأشدّ.
(سلاسل وأغلالاً وسعيرا)هنا العذاب بالسلاسل والأغلال والسعير فلماذا ذكر هذا النوع من العذاب؟ السعير هي جهنم للكافر عموماً لماذا ذكر السلاسل والأغلال؟ ذكر تعالى أنه أطلق الحرية للإنسان (إما شاكراً وإما كفورا) والإختيار في الدنيا وهداه السبيل فلم يسلكها ولهذا قيّده الله تعالى في الآخرة لأنه ليس له أن يختار في الآخرة فكما أساء الإختيار في الدنيا قيّده بالسلاسل (والحرية عكس القيد) والسلاسل تُقيّد حركة الأرجل والأغلال تقيّد حركة الأعناق والأيدي كما في قوله تعالى في سورة المائدة آية 64 (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ) قيّد حركته على كل حال بمقابل الحرية المطلقة التي كانت له في الدنيا.
(إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً {5} عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً {6})
ورد في القرآن جمع الأبرار والبررة ونلاحظ أن القرآن الكريم يستعمل الأبرار للناس المكلّفين ويستعمل البررة للملائكة ولم يستعملها للناس أبداً (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ {15} كِرَامٍ بَرَرَةٍ {16}عبس) لماذا؟ الأبرار هي من الصيغ المستخدمة لجموع القَلّة والناس قليل منهم الأبرار (قلة نسبية) مصداقاً لقوله تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ {103}يوسف) فاستعمل القَلّة النسبية بينما الملائكة كلهم أبرار فاستعمل معهم الجمع الذي يدل على الكثرة (بررة).
ثم قال تعالى (يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) والكأس هي الزجاجة التي فيها شراب فإذا كانت فارغة تُسمّى زجاجة. وفي الآية ذكر تعالى صنفين من هؤلاء (الأبرار) الذين يشربون من كأس ممزوجة بالكافور وقسم آخر هم (عباد الله) في قوله تعالى (عيناً يشرب بها عباد الله) والمقصود بعباد الله هنا المقرّبون حسب بعض المفسرين وكلمة عبد الله هي أرفع وسام يصف الله تعالى به عبده فلمّا وصف تعالى رسوله في أعلى مقام قال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {1} الإسراء) وقال في نوح (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً {3} الإسراء) وهناك عبودية إختيارية وعبودية قسرية وهذه هنا عبودية اختيارية. إذن هناك نوعين من المكلّفين وهم أولهم الأبرار وهم يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، وثانيهم المقرّبون الذين يشربون من العين خالصة.
في قوله تعالى (يشربون من) عدّى الفعل بـ (من) وفي المقرّبين عدّى الفعل بالباء (عيناً يشرب بها عباد الله) وهذا يدل على أن جزاء المقربين أعلى من جزاء الأبرار ويقولون أن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، فكيف دلّ على ذلك؟ هناك جملة أمور تدل على ما ذكرنا:
- أولاً بالنسبة للأبرار يُؤتى بكأس يشربون منها أما المقرّبون يشربون بها وهي تفيد الإلصاق بمعنى أقام بالعين وشري بها فإذن صار التلذذ بالنظر وبالشراب،
- ثانياً الأبرار يشربون من كأس ممزوجة بالكافور وليست خالصة (يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) وهي تُمزج بقدر أعمالهم في الدنيا أما المقرّبون فيشربون من العين صرفة خالصة ليست ممتزجة،
- ثالثاً عدّى الفعل بالباء تدل على تضمين معنى روي به (يشرب به) بمعنى يرتوي به على خلاف الشرب الذي لا يدل على الإرتواء فالتعدية بالباء تدل على نزول في المكان والشرب الخالص والإرتواء منها.، ورابعاً قال تعالى في عباد الله يفجرونها تفجيرا بمعنى يُجرونها حيث شاءوا ويقال في الآية أنه معهم قضبان من ذهب في أيديهم يجرونها حيث شاءوا وهذا يدل على أنه ليس فيها عناء ولكنها تتم بسهولة. وهناك فرق بين جزاء الأبرار وجزاء المقرّبين.
- ثم لو لاحظنا تكملة الآية (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) هؤلاء المقربون كما يقال يُعطون قصبان من ذهب أينما ضربوا تتفجر الماء خالصة من العين بأمر سهل في أي مكان يريدونه من أماكنهم وليس هناك مكان محدد لها.
وعليه فإن يشرب بها تفيد الريّ والشراب بها خالصة صرفاً وفيها لذة النظر بالإضافة إلى الإقامة في المكان وامكانية تفجيرها أينما شاءوا من أماكنهم ولم يأت هذا الوصف مع الأبرار.
ونسأل الله تعالى أن نشرب بها وعلينا أن نسأل الله تعالى ما هو أعلى وفي الأثر أن الله تعالى يعطي الناس أشياء كثيرة وأمثالهم لا يرون أن لهم مثل ما أعطى أؤلئك مع أن أعمالهم متساوية فيقول تعالى لهم هؤلاء سألوني فهل سألتموني؟ والله تعالى يُحب أن يُسأل ولذا علمنا الرسول :" اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى".
(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً {7} وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً {8}
بدأ تعالى الآية بذكر الوفاء بالنذر لأن الوفاء بالنذر واجب ثم جاء بعده ذكر الوفاء بالواجب فكأنه ذكر النيّة المقابلة لعموم العمل فكل عمل تقترن به النية الخالصة لله فكأن قوله تعالى (يوفون بالنذر) هو العمل و(يخافون يوماً) هو النية ، وينبغي أن تكون النية مقابلة للعمل. وقوله تعالى (كان شرّه مستطيرا) بمعنى فاشياً منتشراً ويقال عن يوم القيامة كان شره مستطيرا بمعنى انتشر شرّه حتى ملأ السموات والأرض قر يبقى ملك مقرّب ولا تبي مُرسل إلا جثا على ركبتيه. وفي اللغة استطار الشيئ أي تفشّى الشيئ وبلغ أقصى مدى.
وبعدها قال تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا). وهنا يأتي السؤال على ماذا يعود الضمير في كلمة (حبّه)؟ ذكر فيه أكثر من حالة وإن كان أظهرها على حبه يعني على حب الطعام مع حاجتهم إليه وهذا من باب الإيثار يطعمون الطعام مع أنهم محتاجون إليه مصداقاً لقوله تعالى (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ {92} آل عمران)، ويحتمل أيضاً أن يعود على حب الإطعام فيعود على المصدر (الإطعام) كقوله تعالى (اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، المائدة آية 8) هو هنا تعود على العدل وهؤلاء يطعمون الطعام بطيب نفس وبدون مَنّة ولا تكدير ، ويحتمل أيضاً أن يكون يعود الضمير على حب الله بمعنى ابتغاء وجهه كما تذكر الآية في نفس السورة (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً {9}). فالضمير إذن يعود على الطعام من باب الإيثار وعلى الإطعام من باب الإحسان وعلى حب الله وهو من باب الإخلاص. وقد قال قسم من المفسرين أن أعلى هذه الإحتمالات أن يكون من باب الإيثار، وهو في الحقيقة يجمع المعاني كلها. ويأتي سؤال هنا لماذا ذكر الله تعالى كلمة الطعام (ويطعمون الطعام) ولم يقل (ويطعمون)؟ ذكر الطعام حتى يصحّ عودة الضمير عليه ولو حذف الطعام لما عاد الضمير عليه وهو أعلى الأوجه كما قلنا سابقاً وهو الإيثار، فذِكر كلمة الطعام أفاد ثلاثة معاني ولو حذف لأفاد المعنى لكن الضمير لن يعود على الطعام وهو الإيثار (ويطعمون الطعام على حبه).
ثم ذكر ثلاثة أصناف من البشر بالترتيب التالي (مسكيناً ويتيماً وأسيرا) فتقديم المسكين على اليتيم واليتيم على الأسير يفيد جملة أمور:
1. التقديم بحسب الرتبة وحسب الحاجة: وتقديم المسكين لأن المسكين محتاج على الدوام وهو من المذكورين في باب الزكاة واليتيم قد لا يكون محتاجاً وقد يكون غني لكن المسكين يكون إطعامه على الوجوب والتطزع ، أما الأسير قج يكون كافراً والكافر لا يدخل في باب الوجوب على أفراد المسلمين إنما يدخل في باب الوجوب على الحاكم أو ولي الأمر. وبدأ بالواجب (الوفاء بالنذر) وكذلك بدأ بمن هو أولى وهو المسكين أولاُ ثم اليتيم ثم الأسير.
2. التقديم بحسب الكثرة: فالمساكين هم أكثر من اليتامى لأن اليتم يزول بالبلوغ أما المسكين فيبقى مسكيناً كذلك اليتامى أكثر من الأسرى لأن هؤلاء الأسرى لا يكونون إلا في وقت الحرب وهم أقل من اليتامى والمساكين وهذا ملحظ آخر للتقديم وهو تقديم الأكثر ثم الأقل.
3. وقد يكون للتقديم مسوّغ آخر وهو بحسب القدرة على التصرف. فالمسكين له الأهلية الكاملة على التصرف أما اليتيم فأهليته ناقصة حتى يبلغ أما الأسير فلا يمكن أن يتصرف حتى يأمر فيه صاحب الأمر.
وهناك عدة أمور تسوّغ التقديم بهذه الصورة وعندما ذكر الأسرى كان مناسباً لما ذكره في عذاب الكافرين (سلاسل وأغلالاً وسعيرا) لأن الأسرى يقيّدون بالأغلال والسلاسل.
ونأتي لسؤال آخر لماذا استعمل كلمة (ويطعمون) ولم يستعمل (ويتصدقون)؟ والجواب حتى لا يخُصّ ذلك الصدقات أو يخصّ من تجب عليهم الصدقات أو تجب لهم الصدقات وليس كل المسلمين تجب عليهم الصدقة أو تجب لهم الصدقة لكن أراد عموم فعل الخير سواء كان الفاعل غنياً أو فقيراً وساء كان المُطعَم تجب عليه أو لا ويشمل المتصدَق عليهم وغير المتصدَق عليهم . وكلمة تطعمون تدل على فعل الخير العام وهذا المعنى لم تكن لتدل عليه كلمة يتصدقون.
(َإنمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً {9})
تتناول الآية الكريمة أمرين في إطعامهم الطعام وقد مرّ في الآية السابقة أنهم يطعمون الطعام مع حاجتهم إليه (على حبّه) وهذا أشهر الأوجه وأعلاها كما ذكرنا سابقاً، وأنهم مخلصون لله في إطعامهم في هذه الآية. وقوله تعالى (على حبّه) تدل على الإيثار وهنا في هذه الآية تدل على الإخلاص في قوله تعالى (لوجه الله) وهذا أعلى أنواع الإطعام أن يجتمع فيه الإيثار والإخلاص.
قال تعالى (إنما) ولم يقل مثلاً نحن نطعمكم فلماذا؟ إنما تفيد القصر والحصر في اللغة يعني تخصيص الإطعام لهذا الأمر (الغاية هي لوجه الله ولا يطعمون إلا لوجه الله) أي لا يبتغون شيئاً آخر وهذا هو أعلى أنواع الإخلاص. ولو قال نحن نطعمكم سيؤدي هذا إلى أمرين ويفيد أنهم يطعمون لوجه الله ولا ينفي إطعامهم لغير وجه الله بخلاف المعنى المقصود من الآية والتي هو قصر الإطعام لوجه الله تعالى فقط وهذا يفيد أن الأعمال كلها حصراً يجب أن تكون ابتغاء وجه الله تعالى.
ويقول بعض أهل اللغة أن القول (نحن نطعمكم) هي حصر بالتقديم (تقديم نحن على نطعمكم) نقول نعم ولكن هذا حصر بالفاعل وليس حصر بالقعل وهذا يُغيّر المعنى المقصود (يعني نحن لا غيرنا نطعمكم) وهذا معنى غير مطلوب في الآية ولا يصح لأن هناك غيرهم من يُطعم إما استخدام (إنما) في الآية فهي تفيد التخصيص الفعل (لا الفاعل) لوجه الله تعالى.
ثم قال تعالى في الآية (لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً) أي لا نريد مكافأة على الإطعام بالعمل (لأن الجزاء هو المكافأة على العمل) ولا نريد شكراً باللسان. نلاحظ قوله تعالى (إنما نطعمكم) ولم يقل بعدها (قالوا لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) أو يقولون، لكنه لم يذكر فعل القول حتى يشمل لسان الحال فهم لم يقولوا ذلك بلسانهم ولكن قالوه بلسان حالهم وقد يكون أبلغ. ومن المفسرين من يقول أنهم لم ينطقوا بهذا القول ليشمل لسان الحال ولسان النطق. وهذا من باب الإخلاص أيضاً أنهم قالوه بلسان حالهم.
ثم أن الآية بقوله تعالى (لا نريد منكم) ولم يستخدم مثلاً (لا نريد جزاء ولا شكورا) وهذا لتدلّ على أنهم يريدون الجزاء والشكر من رب العالمين فهم لم ينفوا إرادة الجزاء والشكر وإنما أرادوه من رب العالمين فقط لا من الناس الذين يطعمونهم، ولا يصح أصلاً أن نقول لا نريد جزاء ولا شكورا بشكل مطلق.
ثم نلاحظ أنه قدّم الجزاء على الشكر وهذا لأن الجزاء بالفعل أهم من الشكر باللسان فالناس فس الدنيا يهمهم الجزاء وليس الشكر باللسان فقط فالمطلوب الأول في العمل هو الجزاء لذا بدأ به سبحانه أما الشكر فهو ثناء باللسان ولا يُعدّ جزاء العمل.
وكذلك نلاحظ تكرار (لا) في قوله (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) ولم يقل (لا نريد منكم جزاء وشكورا) وهذا دليل على أنهم لا يريدون أي واحد من الجزاء أو الشكر على وجه الإجتماع أو على وجه الإفتراق حتى لا يُفهم أنهم قد يريدون أحدهم.
ثم نلاحظ أيضاً أنه قال لا نريد ولم يقل لا نطلب لأن الإنسان قد يريد ولا يطلب فنفي الإرادة أبلغ وأعمّ من نفي الطلب فهو إذن ينفي الطلب وزيادة (الإرادة).
ثم نلاحظ استعمال كلمة (شكورا) وليس (شكرا) الشكور تحتمل الجمع والإفراد في اللغة وهي تعني تعدد الشكر والشكر في اللغة يُجمع على الشكور ويحتمل أن يكون مفرداً مثل القعود والجلوس، وقد استعمل القرآن كلمتي الفسق والفسوق لكن لكل منها دلالته فجاءت كلمة الفسق مع الأطعمة والذبائح أما كلمة الفسوق فجاءت عامة لتدل على الخروج عن الطاعة. والجمع يدل على الكثرة أي لا نريد الشكر وإن تعدد وتكرر الإطعام باعتبار الجمع. وقد استعمل القرآن الكريم كلمة الشكور في الحالتين وإذا اردنا الشكور مصدراً فهو أبلغ من الشكر واستعمال المصادر في القرآن عجيب والذي يُقوي هذه الوجهة استعمال الشكور لما هو أكثر من الشكر. ولقد استعملت كلمة الشكور في القرآن مرتين في هذه الآية وفي آية سورة الفرقان (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً {62}) فقط واستعمل الشكر مرة واحدة في قصة آل داوود (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ {13}سبأ) ومن ملاحظة الآيات التي وردت فيها كلمتي الشكور والشكر نرى أن استعمال الشكر جاء في الآية التي خاطب بها تعالى آل داوود وهو قلّة بالنسبة لعموم المؤمنين المخاطبين في سورة الفرقان أو في هذه السورة التي فيها الإطعام مستمر إلى يوم القيامة والشكر أيضاً سيمتد إلى يوم القيامة ما دام هناك مطعِمين ومطعَمين. إذن هو متعلقات الشكر في هاتين الآيتين أكثر من متعلقات الشكر في قصة آل داوود. وفي سورة الفرقان قال تعالى (لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكورا) وكلمة (يذّكّر) فيها تضعيفين فالذي يبالغ في التذكر هو مبالغ في الشكر فيبدو والله أعلم أن استعمال الشكور أبلغ من استعمال الشكر في آية سورة الإنسان.
(إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً {10})
هذه جملة مستأنفة تفيد التعليل. وهي تعطي السبب لماذا يطعمون الطعام ولا يريدون الجزاء ولا الشكور لأنهم يخافون من ربهم يوماً عبوساً قمطريرا. وقد وصف اليوم بالعبوس على المجاز لآن اليوم لا يوصف بالعبوس مثل العرب تصف الليل بالقاتم (مجاز عقلي) ومحتمل لإرادة الشمول والعموم فهو عبوس هو وأهله ومن فيه وما فيه هو وأهله لليوم ومن فيه. وعبوس صيغة مبالغة وقمطرير أي شديد العبوس وهي صيغة مبالغة تدلّ على الشّدة.
قال (إنا نخاف من ربنا) ومن قبل قال (لوجه الله) ولا فرق بين استعمال لفظي الرب والله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {64}) فالله هو الرب سبحانه.
وإذا استعرضنا الآيات السابقة نجد أنه تعالى قد ذكر عبادتين ظاهرتين هما الوفاء بالنذر والإطعام، وعبادتين قلبيتين هما الخوف من اليوم الآخر والإخلاص لوجه الله، ونفى عنهم شيئين هما الجزاء والشكور، وذكر صنفين ممن يطعَمون هما صنف مسالم (اليتيم والمسكين) وصنف محارب (الأسير)، وذكر صنفين من المسالمين هما المسكين واليتيم، وأحدهما بالغ والآخر قاصر.
* في قوله تبارك وتعالى (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) الواقعة) بالنصب لم قال بأباريقَ بالفتح مع أنه جاء قبلها بأكوابٍ مكسورة؟(د.فاضل السامرائى)
أباريقَ ممنوع من الصرف, الممنوع من الصرف أنه لا ينوّن وأنه يُجَر بالفتحة بدل الكسرة إلا إذا عُرّف بأل أو أضيف. إذا عُرِّف بأل أو أضيف يُجر بالكسرة وإذا لم يُعرّف بأل ويضف يُجر بالكسرة مثل (وأباريقَ)، نقول ممنوع من الصرف مجرور بالفتحة لأنه على صيغة منتهى الجموع مثل أساليب، ربنا سبحانه وتعالى قال (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ (13) سبأ) ممنوع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع.
* ما صيغة منتهى الجموع؟
منتهى الجموع هو كل جمع ثالثه ألف بعدها حرفان أو بعدها ثلاثة أحرف أوسطها ساكن.
* هل الألف أصلية أو زائدة؟
زائدة. كل جمع ثالثه ألف بعدها حرفان ويكون أولها مفتوح مثل أكابر، أصابر، مساجد، منابر، كوافر، قواعد، ظواهر، أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن مثل قناديل، أباريق، تماثيل، أساليب، مناديل، طواحين
* لماذا سميت منتهى الجموع؟
إسمها الكامل هو "منتهى جموع التكسير"، لكن يقولون منتهى الجموع. ما معناها؟ الإسم يُجمع وقد يُجمع مرة أخرى فإذا كان على هذه الصيغة لا يجمع جمع تكسير مرة أخرى. مثلاً: يد، أيدي، أيادي (جمع أيدي) ولا يُجمع بعدها جمع تكسير، مثل قول، أقوال، أقاويل (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) الحاقة) قول مفرد، أقوال جمع، أقاويل منتهى الجمع لأنه لا يجمع بعدها جمع تكسير.
*لماذا هذه الصيغة تحديداً؟
هكذا ورد عن العرب أما لماذا فهذا كلام طويل يجب أن نذكر فلسفة الممنوع من الصرف ونُدخل كل الصيغ، هذا ليس له نظير في المفرد
*صيغة منهتى الجموع هذه؟
فستكون قليلة في الكلام.
*ولذلك لا تجري عليه أحكام المفرد؟
لأن أكثر الجموع لها نظير في المفرد، يصير مفرد وجمع. كُتّاب جمع وعندنا صيغة فُعّال نفسها مفرد مثل كُبّار (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) نوح).
*فلسفة المنع أن منتهى الجموع ليس لها نظير في المفرد ؟
كل الجموع الأخرى لها نظير في المفرد مثل (أنعام) جمع وفي المفرد (أمشاج) كلها لها نظير ما عدا هذه الصيغة ليس لها نظير في المفرد.
*فكأنها مُيّزت بهذه الخصيصة!
لماذا قالوا أوسطها ساكن؟ لو تحرّك مثل أكاسرة، قياصرة، جبابرة (ثالثها ألف لكن أوسطها متحرك)، طواعية، كراهية، علانية، هي نفس الصيغة لكنها مفرد.
*إذن فلسفة المنع من الصرف أنه ليس لها نظير في المفرد؟
بالنسبة لمنتهى الجموع تحديداً ولذلك أوله يكون مفتوحاً هذا هو الشرط لو كان أوله مضموم سيكون له نظير مفرد
*ولهذا وضعوا الضابط
مَقاتل ممنوع من الصرف، مُقاتل منصرف.
(فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً {11} )
لما ذكر أنهم يخافون ذلك اليوم قال ربنا وقاهم شر ذلك اليوم ولقاهم بدل العبوس النضرة وكلاهما في الوجه وبدل الخوف والسرور ومحلهما القلب، قابل العبوس بالنضرة وهما في الوجه وقابل الخوف بالسرور وهما في القلب. مقابل الخوف الأمن ولكنه قابل بين الخوف والسرور والعبوس والنضرة. السرور هو الأمن وزيادة وقد يكون الإنسان في أمن لكنه بلا سرور ثم نلاحظ أنه أيضاً مقابل الخوف قال السرور وليس الأمن ومقابل العبوس قال النضرة ولا تقابل العبوس لأن الوجه قد يكون غير عابس لكنه غير نضر. وهذا زيادة لأنه تعالى قال (من جاء بالحسنة فله خير منها) ولم يقابلها بمثلها بل بخير منها. فالسرور مقابل الحزن وليس مقابل الخوف، فالخوف عادة يكون قبل أن يقع الشيء فإذا وقع حزن الإنسان كما في قوله تعالى (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فأصبح في حزن لذا ذكر العاقبة السرور. وقال أيضاً في الآية السابقة (يخافون يوماً) وقال في هذه الآية (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) ولم يقل يخافون شر اليوم وإنما جاءت الآية (يخافون يوماً) أما في هذه الآية فذكر تعالى (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) وهذا يعني أنهم هم خافوا اليوم بما فيه من شرور ومصاعب وحساب وهو يوم عسير ومن شورو ذلك اليوم أنه (يجعل الولدان شيبا) لكنه تعالى وقاهم شر ذلك اليوم فقط ولم يقيهم اليوم ومشهد ذلك اليوم وفي هذا إنذار وتخويف كبيران فكل أنسان سيشاهد ذلك اليوم بما فيه وحسبه أن يقيه الله تعالى شر ذلك اليوم. إذن الله تعالى يقيهم شر اليوم ولا يقيهم مشد ذلك اليوم الذي سيشهده كل الناس أجمعين.
والفاء في قوله (فوقاهم) تفيد السببية في أغلب معانيها ولو كانت عاطفة أو يُنصب بعدها الفعل وهي تعني بسبب ما فعلوه في الدنيا وقاهم الله شر ذلك اليوم.
(وجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً {12})
في الآية السابقة قال تعالى (ولقّاهم) وفي هذه الآية قال (وجزاهم) لأن اللقاء يكون قبل الجزاء أي قبل أن يدخلوا الجنة وبعد اللقاء أدخلهم الجنة فصار الجزاء. (اللقاء أولاً ثم يأتي الجزاء بعده) جزاهم الله تعالى بعد اللقاء جنة وحريرا وقال تعالى (بما صبروا) و(ما) هنا تحتمل معنيين : إما أن تكون ما مصدرية بمعنى جزاهم بصبرهم وتحتمل أن تكون إسم موصول والعائد كحذوف بمعنى جزاهم بالذي صبروا عليه، من الطاعات والإيثار، وحذف العائد ليشمل المعنيين ولو ذكر العائد لتخصص بمعنى واحد وهذا من باب التوسع في المعنى، إذن جزاهم للصبر ولما صبروا عليه. وجمع أمرين وهما الجنة والحرير والجنّة كما في اللغة هي البستان وفي الآخرة هي إسم لدار السعادة وفيها جنتان كما قلنا في لقاء سابق عن قوله تعالى في سورة الرحمن (ولمن خاف مقام ربه جنتان) (راجع لمسات بيانية في آي القرآن الكريم) وقلنا أنه قد يكون للمتقي أكثؤ من جنّة ولهذا يجمع القرآن جنة على جنات كما ورد في الآيات (جنات عدن) و(جنات الفردوس) وهذه الجنات كلها في الجنة. وجزاهم جنة والجنة للأكل وجزاهم الحرير وهو للبس وهم أطعموا الطعام فقط لوجه الله فجزاهم الله تعالى أكثر مما فعلوا مصداقاً لقوله تعالى (من جاء بالحسنة فله خير منها) وفي هذه الآية زاد الحرير على الجنة وهذا يدل على كرم الله تعالى.