آية (1):
*أين جواب القسم في سورة ص (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ {1})؟(د.فاضل السامرائى)
جواب القسم ليس بالضرورة أن يُذكر بحسب الغرض منه فإذا اقتضى أن يُجاب القسم يُجاب (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً {68} مريم) (وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ {38} النحل) وقد يُحذف إما للدلالة عليه أو للتوسع في المعنى فيحتمل المعنى كل ما يرد على الذهن وهذا في القرآن كثير (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ {1}) لا يوجد جواب للقسم في سورة ق وكذلك في سورة ص (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ {1}) لا نجد جواباً للقسم حُذف لاحتمال كل ما يرد في سياق الآيات فلا يريد تعالى جواباً بعينه لكنه يريد أن وسع المعنى.
*ما أصل كلمة لات في قوله تعالى (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) ص)؟
لات من أخوات ليس ويكون دائماً أحد معموليها محذوفاً. ففي قوله تعالى (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) ص) حين هنا خبر لات منصوب وإسمها محذوف يعني لات الحينُ حينَ مناص وكذلك لات الساعةُ ساعةَ مندم وورد العكس لات ساعةُ مندم.
*لماذا نصبت كلمة (حين) في قوله تعالى (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) ص)؟
(لات) من العاملات عمل (ليس) لأن فيها معنى النفي. كنا ندرس الطلبة في الجامعة (إن ، ما، لا، لات) المشبهات بـ (ليس) فـ (لات) مشبهة بـ(ليس) و(ليس) ترفع إسماً وتنصب خبراً ولكن لها خصوصية (لات) وسيبويه يقول: لا تعمل إلا في الأحيان ولا عمل لها في غير الأحيان. في أسماء الزمان حتى بعضهم قال في إسم الزمان (حين) قالوا: لا، لو كان سيبويه يريد كلمة (حين) ما قال الأحيان. وقال: (ندم البُغاة ولاتَ ساعةَ مندمِ) فاستعمل كلمة ساعة التي هي للزمان لكن تعمل إلا وأحد معموليها محذوف والراجح حذفُ المرفوع أن الإسم هو المحذوف. لأن عندنا قراءة شاذة ليست حتى في القراءات العشر (ولات حينُ مناص). فلما يقول (ولات حينَ مناص) هذا على اللغة السائدة وعلى القراءات المُجمع عليها. (ولات حينَ مناص) يعني ولات الحين حين مناص، الإسم محذوف و (حين) خبر لات. لات معناها نفي أي ليس الوقت وقت كذا. لات لغة عالية عند العرب وهي أقوى من ليس لأنه حرف وحرف مبني على الفتح وعامل عمل ليس حتى قسم قالوا (لات) هو (لا) والتاء من (تحين).
* إذا تأملنا الآية في سورة يس (كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ (31)) في القرآن الكريم في مواطن أخرى وردت (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم) كما ورد في الأنعام (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ (6)) والسجدة (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ (26)) فما الفرق؟ وكيف نفهمه؟ (د.فاضل السامرائى)
(من) تفيد ابتداء الغاية حتى ذكرنا أكثر من مرة (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت) ابتداء الغاية فيها التصاق بينما لو قال قبلهم هذا الزمن قد يكون قريباً وقد يكون بعيداً، من قبلهم ابتداء من الزمن الذي هو ألصق بهم وأقرب إليهم. ولو قال قبلهم تحتمل القريب والبعيد.
* يعني في سورة يس (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ (31)) تحتمل أن يكون القوم قريبين منهم أو بعيدين؟
ولذلك قال (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ) قديم يعني عموم القرون. بينما من قبلهم ابتداء منهم. لكن يبقى السؤال لماذا من قبلهم؟ نحن قلنا من قبلهم يعني ابتداء الغاية أقرب فربنا لما يأتي بـ(من) يقول من قبلهم يكون فيها تهديد وتوعد أكبر، توعد وتهديد أكبر.
* مثل ماذا؟
إهلاك القريب فيه تهديد أكبر من إهلاك البعيد في الزمن السحيق. يكون قريباً منك.
* يكون قريباً منك وشوهد وهو أردع !
أدل على العبرة من الأزمان السحيقة. لاحظ لما يكون تهديد كبير يأتي بـ (من) التي هي أقرب ولما يكون أقل يحذفها. قال في يس (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ) (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ (26) السجدة) المفروض الآن التهديد أشد (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) السجدة) هم معاصرون لهم معايشون لهم قريبون منهم قال يمشون في مساكنهم.
* في مساكنهم هي للذين يروا أو الذين عُذبوا؟
للذين عُذِّبوا. لا شك أنك لما يدخل في دار المعذبين أمور في نفسه أدعى للموعظة وقال إن في ذلك لآيات ما قالها في يس ثم قال (أَفَلَا يَسْمَعُونَ) وبعدها قال (أَفَلَا يُبْصِرُونَ) (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) السجدة) هذا فيه تهديد وتحذير شديد. فرق بينها وبين من قبلهم، يمشون في مساكنهم، إن في ذلك لآيات.
* إذن القصة خاصة بمسألة قرب الزمن أو بعده عن الذين يتحدث عنهم الله سبحانه وتعالى؟
نعم والتحذير فيها أشد . ولذلك يقول (من قبلهم) فيما هو أشد فيقرّعهم (أَفَلَا يَسْمَعُونَ) (أَفَلَا يُبْصِرُونَ).
* لكن قال ربنا هنا (كم أهلكنا قبلهم من القرون) قدّم (قبلهم) ؟
قبلها أصلاً إضافة للتهديد قبل الاية قال (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) السجدة) لاحظ كيف يكون التهديد بأن لهم عذاباً آخر، فلاحظ كيف يستعمل قبلهم ومن قبلهم. فرق كبير. حتى لو لاحظت في ق وص. في ص قال (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)) وفي ق قال (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ (36)). في ص قال من قبلهم وفي ق قال قبلهم، لو لاحظنا السياق ستجد أن السياق أشد. في ق لم يقل بعدها إلا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)) أما في ص فذكر ثلاث أربع آيات يهددهم فيها (وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8)). وقال (وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ (15) ص) لاحظ التهديد بينما في ق لم يذكر هذا الشيء.
* حتى هم قالوا (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)) !
لاحظ التهديد أقوى بكثير. فرق كبير بين قبلهم ومن قبلهم.
*قال تعالى في سورة ق (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2)) وفي سورة هود (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)) وفي سورة ص (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)) ما الفرق بين عجيب وعجاب؟(د.فاضل السامرائى)
أولاً صيغ العربية ودلالتها ثم التوكيد وعدمه. عجيب تدخل في صيغ المبالغة أو صفة المشبّه(فعيل، فعال، فُعّال) صيغة فُعّال من حيث المبالغة أكثر من فعيل نقول هذا طويل فإذا أردنا المبالغة نقول طوال. فعيل صفة مشبهة أو مبالغة، فعال أبلغ من فعيل باعتبار مناسبة لمدّة الألف ومناسبة لمدّة الصوت أحياناً صوت الكلمة يناسب المعنى فمدّة الألف أكثر من الياء فجعلوها للصفة الأبلغ. عُجاب أبلغ من عجيب.
مسألة التوكيد وعدم التوكيد أخبر عن العجيب لكنه غير مؤكد في الأولى ثم الثانية آكد.
لو عدنا إلى الآيات في الأولى (بلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2)) عجبوا أن جاءهم منذر منهم فجاء بلفظ (عجيب) والثانية أن امرأة عقيماً وعجوز وبعلها شيخ فكيف تلِد والعقيم أصلاً لا تلِد ولو كان رجُلُها فتى فهي عقيم وعجوز وفي الآية من دواعي العجب ما هو أكثر من الآية الأولى لذا دخل التوكيد بـ (إنّ واللام) تأكيدا العجب ناتج عن أن مُثير العجب أكثر. أما في سورة ص (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)) هم عجبوا أن جاءهم منذر منهم أولاً ثم عجبوا أن جعل الآلهة إلهاً واحداً فصارت دواعي العجب أكثر من سورة ق التي تعجبوا فيها من أن جاءهم منذر منهم فقط. إضافة إلى ذلك في سورة ص هناك أمر آخر هو جعل الآلهة إلهاً واحداً وهو مشركون عريقون في الشرك فقاتلوه بسبب كلمة التوحيد فالعجب أكثر بعد وصفه بأنه ساحر وكذّاب فجاء بلام التوكيد وجاء بالصفة المشبهة المبالغة عُجاب.
*ما الفرق بين عجباً (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1)الجن) وعجاب(إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) ص) ؟ (د.فاضل السامرائى)
(أنه) أنّ حرف ناسخ والهاء ضمير الشأن ويسمونه ضمير القصة لا يعود على أمر معين أحياناً يؤتى به في مقام التفخيم والتعظيم والجملة بعدها خبر. وهذا التفخيم يتناسب مع وصفهم القرآن بـ (عجباً) هذا الوصف بالمصدر هذا يفيد المبالغة. هو أكثر من عجيب عندما تصف بالمصدر كأنما تحول الشيء إلى مصدر تقول هذا رجل صِدقٌ ورجلٌ عدلٌ، (وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ (18) يوسف) هذا أبلغ من كاذب، رجلٌ عدلٌ يعني كله عدل وأقوى من رجل عادل. في القرآن استخدم (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) ص) هذا وصف، إذن (عجباً) أقوى من عجاب لأن الوصف بالمصدر أقوى من الوصف بالصفة، عندما تقول هذا رجل سوءٌ أو رجل كذبٌ أو رجل صومٌ، هذا أبلغ من رجل صائم ومفطر وما إلى ذلك لأنه تقول رجل صائم إذا صام يوماً واحداً لكن لا تقول رجل صوم حتى يكون أكثر أيامه صوم وإذا قلنا رجل صوم يفهم أنه كثير الصيام. قرآناً عجباً ليس عجيباً وإنما فوق العجيب لذلك هذا ناسب ضمير الشأن.
*د.فاضل السامرائى:
الإنسان لما يقول عن نفسه أنا عبد الله هذا تواضع والله تعالى لما يقولها عن عبد يكون تكريماً (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً (1) الاسراء) (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) النجم) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) ص) هذا من الله تكريم ولذلك لاحظ يقولون لما قال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) لما ذكر كلمة عبد عرج به إلى السموات العلى وإلى سدرة المنتهى ولما ذكر موسى بإسمه قال (وَخَرَّ موسَى صَعِقًا (143) الأعراف) إذن وكأن مقام العبودية عند الله سبحانه وتعالى مقام عظيم.
*ما دلالة التعريف فى قوله تعالى مع سيدنا داوود (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) ص)؟(د.فاضل السامرائى)
المعرفة غالباً تفيد الدوام أى ليس هناك يوم محدد، (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) فصلت) ليس هناك وقت محدد بينما في مريم قال (بكرة وعشياً) بكرة وعشية تأتي في وقت محدد. يعني لما تقول خرجت صباحاً يعني صباح يومٍ بعينه، لما تقول سأخرج صباحاً لا بد أن تأتي صباح يومٍ بعينه أما لما تقول سأخرج في الصباح يعني أيّ صباح ولذلك لما قال تعالى للرسول (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) غافر) ليس هناك أيام محددة جاء بها بالمعرفة (بالعشي والإبكار).
* لماذا استغفر داوود ربه في سورة ص (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)؟ (د.فاضل السامرائى)
هذه الآية في سورة ص (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)) كانت في الحُكم. وفي كتب التفسير الكثير من الاسرائيليات يقولن فيها أنه في العهد القديم رأى داوود امرأة قائده (أورية) وكان لداوود تسع وتسعين زوجة فصعد إلى السطح ورأى امرأة قائده فوقعت في قلبه فأرسل زوجها إلى الحرب ليموت فيتزوجها هو فحصل وصار له مئة زوجة فانتبه داوود للمسألة التي وقع فيها فاستغفر ربه. وهذا ما تذكره الاسرائيليات وهذا كلام فيه نظر لأنه تصرف لا يُقبل من شخص عادي فكيف بنبيّ؟
لكن نقول أن هذا الحُكم الذي حكم به داوود خارج عن طريقة الحُكم الصحيحة لأنه لم يستوف أركان الحُكم. كيف؟:
أولاً فزع داوود من الخصم (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22)) والقاضي لا يصح أن يحكُم بالفزع ولا بد أن يكون آمناً حتى يحكم وحُكم القاضي لا يجوز إذا كان خائفاً.
ثانياً: إن داوود استمع إلى خصم واحد ولم يستمع للآخر (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)) وهذا لا يجوز في الحكم ومخالف لأركان الحُكم. وقد قيل في الحُكم إن إذا جاءك شخص قُلِعت عينه فلا تحكم حتى ترى الآخر فربما قُلِعت كلتا عينيه.
ثالثاً: لم يسأل عن البيّنة وإنما حكم مباشرة (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) فهل يجوز أن يحكم أحد بلا بيّنة؟
فداوود حكم في حالة خوف وسمع لخصم واحد ولم يسأل عن البيّنة فهل يجوز هذا في الحكم؟ وأظن أن الله تعالى أراد أن يُعلِّم داوود أصول الحكم الصحيح وقد جعله خليفة (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)) ولهذا استغفر داوود ربه. وكان داوود قاضياً قبل هذه الحادثة وكان يجلس للقضاء يوماً ويتعبّد يوماً فجاءه الخصم في يوم تعبّده ففزع منهم.
سؤال: لماذا لم يقل ففزع منهما بما أنه قال (خصمان بغى بعضنا على بعض)؟ إن كلمة خصم تشمل الواحد والأكثر (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)) (فَفَزِعَ مِنْهُمْ) فكلمة خصم هي كلمة عامّة.
فما جاء في الاسرائيليات نستبعده لأنها لا تصح عن نبيّ لكن الظاهر لي والله أعلم أن الحُكم لم يستوف أركان الحُكم الصحيح.
* (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) ص) سورة ثم الآية (قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ (22) ص) وقوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) سورة الحج ، لماذا جاءت الخصم مرة مفردة ومرة مثنى وجمع؟ (د.فاضل السامرائى)
الخصم تأتي للمفرد والجمع (هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) مثل كلمة بشر والفلك وضيف وطفل، وربما تأتي للتثنية (هذان خصمان اختصموا في ربهم) .يقول المفسرون هما فريقان كل فريق له جماعة فلمّا جاءا يختصمان جاء من كل فريق شخص واحد يمثّل الفريق والمتحدثان هما أصحاب المسألة (خصمان). كما في قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فكل طائفة لها جماعة عند الصلح يأتي من كل طائفة من يفاوض باسمها لكن إذا وقع القتال بينهما يقتتل كل الأفراد، فإذا اختصم الفريقين يقال اختصموا وإذا اختصم أفراد الفريقين يقال اختصموا. وكذلك في كلمة بشر (أبشراً منا واحده نتبعه) وقوله تعالى (بل أنتم بشر مما خلق). وكلمة طفل قد تأتي للمفرد وجمع وقد يكون لها جمع في اللغة (الأطفال) وقد استعمل القرآن هاتين الكلمتين.
*ما سر الاختلاف في استعمال (وكفّلها زكريا) (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) آل عمران) بالتضعيف و(أكفلنيها) بالهمزة (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) ص)؟
هي من الكفالة. الرسول يقول: أنا وكافل اليتيم كهاتين. الكافل الذي يتولى التربية والرعاية والتوجيه هذا الكافل فهو قد كفله هذا المولود أو الإنسان. لما يُضعّف (كفّلها) كفّلت ويداً مثل علّمت زيداً فيه معنى التكثير والمبالغة والتدرج. لما أُكفّل شيئاً معناه أتدرج في تربيته وأتدرج في أمره. (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) جعله يمفلها مع التشدد مع أنه يتدرج في كفالتها.
أما أفعل: أعلم أي أوصل معلومة غير علّم. فهذان اللذان جاءا لامتحان داوود (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)) فالحاكم ينبغي أن يسمع من الإثنين وداوود سمع من واحد لذلك قال (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) لأنه قضى بينهما بسماع الأول فقط (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) لم يسمع من الثاني. أكفلها : مجرد إيصال الكفالة. أكفلينها يعني أعطني هذا الحيوان وهو نعجة أجعلها مع نعاجي.
*ما الفرق بين الركوع والسجود في القرآن (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)) في سورة ص لم يقل خرّ ساجداً؟(د.فاضل السامرائى)
الركوع له معاني منها الخضوع ويقال راكع لمن طأطأ رأسه ويقال للسجود لكا لماذا قال هنا خر راكعاً ولم يقل خر ساجداً؟ من جملة معاني الراكع مطأطئ الرأس، خرّ راكعاً أي كان مطأطئاً رأسه فسجد. الخرّ في اللغة السقوط إلى الأمام. وفي لغة اليمن الركعة هي الهويُّ إلى الأرض. فيقولون خرّ راكعاً إحتمال أنه كان مطأطئاً رأسه فلما قضى (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ). أصلاً خرّ ساجداً لم يستعملها القرآن إلا مع سماع كلام الله وتلاوته (إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) مريم) (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) السجدة) (إنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) الإسراء) لم يرد في القرآن خر ساجداً إلا في هذه الحال. هذا أمر. نأتي إلى خر راكعاً: هل ذكر في هذا الموطن لداوود معصية؟ كلا وإنما ذكر له خِلاف الأَوْلى في الحُكم أنه سمع من أحدهما ولم يسمع من الآخر، ما ذكر له معصية إذن ذكر ما دون المعصية فذكر ما دون السجود وهو الركوع.
*هل سجدة داوود في سورة ص(وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ {س}(24)) سجدة شكر؟
سنظهر أكثر من صورة في هذه الآيات ونستفيد من السؤال لبيان شيء. أولاً بصورة موجزة نقول أن المصحف المتداول الآن الذي هو مصحف المدينة النبوية وما طُبِع عليه بملايين النسخ ودول أخرى أعادت الطباعة على الصورة نفسها هذا في أصل وضع الوقفات والرموز هي للجنة كانت في مصر في بداية الثلاثينات وكان مسؤول هذه اللجنة الشيخ محمد علي خلف الحسيني الشهير بالحدّاد من كبار علماء الأزهر وكان من كبار القُرّاء في مصر من علماء القراءات القرآنية وكتب نسخة المصحف بخط يده فالنسخة المتداولة منسوخة على ما كتبه بخط يده هو وكان عضواً في اللجنة ورئيساً للجنة فهم إختاروا أماكن الوقوف من كتب القراءات والوقف والإبتداء لم يكن عبثاً وإجتهدوا في هذا. فهذا المصحف الذي بين أيدينا في الحقيقة ثروة هائلة ينبغي أن لا يُفرّط في إختيارات اللجنة ثم جاءت اللجان من بعد فأقرّت ما صنعته اللجنة الأولى التي هي من كبار علماء الأمة.
لما نأتي إلى الآيات (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ {س}(24)) هم وضعوا علامة السجدة هنا. ما دام هذه اللجان التي هي من كبار علماء الأمة إذن لا نسأل هل هي سجدة عزيمة أو هل هي سجدة شكرإنما ما دامت موجودة أنا أسجد. لكن مع ذلك نتكلم عن الآية حتى نعرف هذا السجود لماذا كان؟ هو عبّر بالركوع.
الحديث عن داوود (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)) الخصم يستعمل للمفرد والمثنى والجمع فجاء به أولاً عاماً. (إذ تسوروا) جمع، (إذ دخلوا) جمع، (ففزع منهم) جمع، (قالوا) جمع، (خصمان) مثنى، (بغى بعضنا على بعض) أحدنا على الآخر هذا ينبغي أن نفهم منه أن الذي تسور المحراب الخصمان مع من معهما من الشهود، الذي تسور المحارب جماعة خصمان وشهود ولذلك إستعمل الجمع فلما عرضت المشكلة (بغى بعضنا على بعض) تكلم كل واحد منهما يرى نفسه صاحب حق هذه خلاصة لكلامهم أن هناك بغي: أحدهما بغى على الثاني قد يكون أنا الذي بغيت وقد يكون الآخر. إذن هناك شكوى من طرفين شكوى متقابلة وهناك شهود لكل واحد. القاضي ينبغي أن يسمع من الطرفين ويسأل الشهود هذا الذي يُراد له أن يكون خليفة في الأرض يحكم. داوود كان معرّضاً لإمتحان عليه السلام. نقف عند الآية (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) الآن المتكلم أحد الخصمان تكلم الخصم الأول (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)) ظاهر الأمر أنه لا يحتاج إلى تحقيق لأن 99 نعجة وهو له نعجة واحدة وهذا يريد أن يأخذها يربّيها عنده مع نعاجه (وهي نعجة وليس كما يقولون في الإسرائيليات زوجات لا نخوض في هذا) لكن هذا النص القرآني تأتي إلى قاضي تقول له هذا أخي عنده 99 نعجة وأنا عندي نعجة واحدة أحلبها وأشرب منها وأخي يقول لي أعطني إياها وأنا أرعاها وآخذها (وعزني في الخطاب) ألحّ عليّ في الخطاب وغلبني أنه أنت ماذا تصنع بواحدة؟ إئتني بها. يعني عرضت عليه قضية واضح أن الحق مع المتكلم. الآن داوود عليه السلام حكم (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) ثم لما إختفى الجميع فجأة علِم أنهم ملائكة جاءوا يعلّمونه كما جاء حبريل يعلم المسلمين أمور دينهم ثم إختفى، علِم داوود أنه قد إمتُحِ، ولم ينجح في الإمتحان و(وظنّ) بمعنى تيقّن (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ {س}(24)) لاحظ التعقيب يؤكد (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)) وليست القضية قضية نسوان. القضية قضية حكم (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) لذلك وهذا مبدأ عام عند المسلمين أن القاضي مهما تبيّن له أن الذي يعرض عليه المشكل أنه هو صاحب الحق لا يقضيه حتى يسمع الثاني لذلك ضربوا في الأمثال إذا جاءك من فُقئت عينه فلا تقضي حتى تسمع من الثاني فربما فقئت عيناه. فإذن هذا درس للمسلمين لذلك السجدة ما دامت ثبتت بالمصحف نسجد ونفقأ عين الشيطان لأن الشيطان يبكي يقول أُمروا بالسجود فسجدوا وأُمرت بالسجود فلم أسجد. والنية عند هذه السجدة هي نسجد لله تعالى كأي سجدة أخرى.