(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)
* الفرق بين الحزن والأسى:
الحزن على شيء محبوب فاتك تحزن عليه حزناً مؤقتاً وسوف ينتهي هذا الحزن قريباً .
الأسى على شيءٍ دائم، أكثر ألماً من الحزن على شيء قد فات. سيدنا شعيب بعد ما جاءهم عذاب يوم الظُلّة (كَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) (أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) أربعين سنة يتيهون في صحراء سيناء.
: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ)
*الفرق بين (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤۲) الأنعام) وبين آية (٩٤) الأعراف :
من حيث اللغة:
بناء الفعل (يتفعّل) في (يتضرّعون) أطول وفيه تضعيف واحد في الراء، وهي للتدرج والحدوث شيئاً فشيئاً مثل تخطّى تمشّى تدرّج تجسّس فرق بين مشى وتمشى، ثم يقال يأتي للتكلف مثل بذل الجهد مثل تصبّر تحمّل، أما (يفّعّل يضّرّع) أقصر وفيها تضعيفان (بالضاد وبالراء) وفيها مبالغة وتكثير (قطّع وكسّر).
من حيث البيان:
- قال في الأنعام (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ) أمم أكثر من قرية (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ) في الأعراف فجاء بالبناء الأطول مع الأمم.
- قال في الأنعام (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ) الإرسال إلى يقتضي التبليغ ولكن لا يقتضي المكث أرسلته إليه إرسالاً، في الأعراف (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ) ظرفية وصار فيها تبليغ ومكث، أيُّ الأدعى إلى كثرة التضرع الماكث أو المبلّغ؟ الماكث أدعى لكثرة التضرع فقال (يَضَّرَّعُونَ) بكثرة المبالغة لأن فيها مكث.
آية (31) :
* في سورة المؤمنون الآية 31 و42 (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (31)) (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ (42)) استعمال آخرين مع قرون ومع قرناً أليس المفروض أن يقال قرناً آخر؟(د. فاضل السامرائي)
القرن أهل زمان واحد.
*أليس القرن مائة سنة؟ هذا من المعاني.
*القرن أهل زمان واحد. يعني أنا وأنت في قرن واحد؟
نعم، قال في قوم نوح (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (31)) أمة آخرى، جماعة آخرين، (قأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (32)) قرن أمة، قالوا عاد أو ثمود بعدها. ثم قال بعد ذلك (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ (42)) يعني أمم ثم قال (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا (44)) في الأولى قال رسول لأنها أمة وقال قرناً ولما قال قرون قال رسلنا، ثم (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45)) لما ذكر قروناً ذكر رسلنا ولما ذكر قرناً ذكر رسول. تترا بمعنى متتابعة ، تترا إسم من وتر هذه التاء مبدلة من الواو أصلها وترا، متواترين.
(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ)
* الفرق بين الفاء والواو في الآيات العاطفة:
الفاء تفيد التعقيب والترتيب والسبب، أما الواو فهي لمطلق الجمع ولا يدل على ترتيب أو تعقيب (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (۳) الشورى) ليس فيها سبب. فإذا كان ما قبلها سبب لما بعدها يؤتى بالفاء وإذا كان مجر العطف مطلقاً يأتي بالواو.
الآية (٩٧) جاءت بالفاء، نلاحظ قبلها قال (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٩٦)) أفأمن أهل القرى هذا سبب ولما قال (فَأَخَذْنَاهُم) ينبغي أن لا يأمن الإنسان للظالم.
الآية (٩٨) عطف (أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) هذا عطف على سبب وليست الأولى سبباً للثانية.
الآية (٩٩) (أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) هذا على مجموع الأمرين السابقين.
الآية (١٠٠) (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) ليس فيها تعقيب فجاء بالواو.
* تقييد التعجب من حال أهل الكفر في أمنهم لمجيء البأس بوقتي البيات والضحى وبحالي النوم والتعب لأن الوقتين أجدر بأن يحذر حلول العذاب فيهما لأنهما وقتان للدعة والراحة. فالانسان يكره أن ينغِّص عليه وقت راحته فكيف إذا علم مسبقاً أن هذا الوقت هو مدعاة للعذاب والغضب؟ لا شك أنه سيجعله خالٍ من المعصية.
* قال تعالى (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) وليس وطبعنا على قلوبهم ليدل على استمرار هذا الطبع وازدياده آناً فآناً.
* جاء بالفعل (لاَ يَسْمَعُونَ) دون لا يعقلون وعبّر عن عدم تعقل الآيات وتدبرها بعدم السمع وهو أول درجات تلقي الآيات. فشبّه حال إعراضهم عن تدبر ما ينزل من الآيات بحال من لا يسمع فالآيات لا تصل إلى أسماعهم وبالتالي فلن تصل إلى قلوبهم من باب أولى.
(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ)
* الفرق بين (جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ) و (جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) :
لما يذكر الأحكام التي تأتي عن الله تعالى ينسب الرسل إلى الله تعالى ويقول رسلنا، ولما يتكلم بما يتعلق بموقف القرى من الرسل وما أصابهم من سوء ينسبهم إليهم ويقول رسلهم.
آية المائدة جاءت عن الله تعالى وذكر فيها أحكام (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (۳۲)).
آية الأعراف تتكلم عن موقف القوم من الرسل وكان عليهم أن ينتفعوا بالرسل.
* الفرق بين الآية وآية سورة يونس (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)) :
لغويًا : يحتمل أن يقال كذب به أو كذبه.
بيانيًا : الملاحظ أن الإطلاق هو سياق الآيات في الأعراف والتخصيص سياق الآيات في يونس:
أولًا: في الأعراف (بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ) وفي يونس (بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ) :
قبل آية الأعراف قال (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) لماذا كذبوا؟ لم يذكر فأطلق التكذيب كما أطلقه في الآية التي بعدها. في يونس قال قبل الآية (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧۳)) هنا حدد التكذيب بالآيات، إذن السياق في الأعراف هو إطلاق وفي يونس تخصيص هذا واضح.
ثانيًا: في الأعراف (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ) وفى يونس (كَذَلِكَ نَطْبَعُ) :
فى يونس مناسب ومرتبط بما افتتحت به الآية (ثم بعثنا) فأخبر تعالى بإنعامه على عباده بنعمة الرسل إحسانًا وامتنانًا ولتقوم الحجة على الخلق فقال تعالى (بعثنا) بإضافة هذا الفعل إلى ضمير المتكلم فناسب ذلك ما بنى عليه، أما آية الأعراف فمبنية على مطلعها حيث لم يتقدم ما يطلب بورود الفاعل مضمرًا.
ثالثًاً: قال في خاتمة آية الأعراف (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) وفي يونس (كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ) :
في يونس كفروا واعتدوا وفي الأعراف كفروا، أيُّ الأعمّ؟ كفروا أكثر، اعتدوا أخص فلما قال (بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ) جاء بالتخصيص (الْمُعْتَدِينَ) ولما أطلق التكذيب به أو بغيره (بِمَا كَذَّبُواْ) قال (الْكَافِرِينَ) وهي أعمّ.
رابعاً: في الأعراف (مُّوسَى) وفى يونس (مُوسَى وَهَارُونَ) :
بعد آية الأعراف قال (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ... (١٠۳)) وفي يونس قال بعدها (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا ... (٧٥)) زاد هارون كما زاد (به) هناك لم يذكر هارون فلم يذكر به، هذه مناسبة أخرى لاحظ تخصيص السياق قبلها وبعدها.
(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ)
* ذكر عصى موسى عليه السلام بأوصاف مختلفة :
الجان هي الحية السريعة الحركة التي تتلوى بسرعة، والجان لغةً من الاستتار (الإنس للظهور والجن للستر) ذكرها في مواطن خوف موسى عليه السلام في القصص والنمل (...فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ...) يُدخل الفزع والخوف لذلك استعملها في مقام الخوف (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ) فالجان يخيف أكثر من الثعبان.
الثعبان هو الحية الطويلة الضخمة الذَّكَر، لم يستعملها إلا أمام فرعون في مكانين (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ) في الأعراف والشعراء وذلك لإخافة فرعون ثعبان ضخم يُدخل الرهبة في قلبه، ولم يذكر جان مع فرعون لأنه مع الملأ الموجودين إذا كانوا مئات وتأتي بجان واحد ماذا يؤثر؟ لذا اختار ثعبان لأنه يحتاج إلى ضخامة وقوة.
الحية عامة تطلق على الجميع تشمل الصغيرة والكبيرة فالثعبان حية والجان حية، جاءت في مكان واحد لبيان قدرة الله تعالى (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (۲٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (۲١) طه) لم يقل أن موسى هرب أو فزع. ذكر ثعبان مع فرعون لأنه مخيف وذكر جان مع موسى لأنها تدخل الرعب على قلب موسى.
آية (32):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ (32)) الإرسال يتعدّى بحرف الجر (إلى) فتقول أرسلت أخي إلى بيت الله. ولكن الله تعالى جلّ بيانه قد عدّى الفعل أرسله بـ (في) فقال (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ) فهل من خصوصية لهذه التعدية؟ عدّى الفعل أرسلنا بـ (في) دون (إلى) للإشارة إلى أن الرسول كان منهم ونشأ فيهم. وفي هذا إيماء إلى أن حالهم مماثلة لحال القوم الذين بُعِث فيهم المصطفة صلى الله عليه وسلم فالنبي كان من قريش وأُرسِل فيهم.
آية (33):
*انظر آية (24).
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ (33)) انظر إلى هذا التشخيص للآخرة فقد جعل الله تعالى الآخرة شخصاً يلاقى ويشاهد ويؤتى إليه. فقال (بِلِقَاء الْآخِرَةِ) ولم يقل بموعد الآخرة وهذا التشخيص يدخل الروع في نفس السامع والهلع مما فعله المكذبون مقابل هذا اللقاء الذي لا يدرون ما فيه من أبعاد.