مسألة: قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) كرر ذلك مرات. فما فائدته ؟
جوابه: أن الأول: إعلام بنسخ استقبال بيت المقدس له ولأمته. والثانية: لبيان المسبب وهو: اتباع الحق، لقوله تعالى: " وإنه للحق " والثالثة: إعلام بالعلة، وهو: (لئلا يكون للناس عليكم حجة) وبعموم الحكم في سائر الناس والأقطار والجهات، وسائر الأزمنة لاحتمال تخيل أن ذلك مخصوص بجهة المدينة، وما ولاها وهي جهة الجنوب، أو أنه خاص بمن يشاهد الكعبة، أو قصد بتكراره مزيد التوكيد في استقبال الكعبة والتمسك به، لأن النسخ في مظان تطرق الشبهة وأبعد على ضعفاء النظر كما قالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فلذلك بالغ في التأكيد بتكرار الأمر.
قوله {رسولا من أنفسهم} بزيادة الأنفس وفي غيرها {رسولا منكم} لأنه سبحانه من على المؤمنين به فجعله من أنفسهم ليكون موجب المنة أظهر وكذلك قوله {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} لما وصفه بقوله {عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} جعله من أنفسهم ليكون موجب الإجابة والإيمان أظهر وأبين.
مسألة: فما فائدة إعادتها ثانيا بعد الحمد؟
جوابه: التنبيه على الصفات المقتضية لحمده وشكره وهي: سعة رحمته تعالى لعباده، ولطفه، ورزقه، وأنواع نعمه.
فالأول: توكيد الاستعانة، والثاني: توكيد الشكر. وهذه الآية جمعت ما لم يجتمع في آية غيرها، وهو: أنها آية مستقلة في الفاتحة عند من قال به. وهي بعض آية في النمل. وربعها الأول بعض آية في: (اقرأ باسم ربك. ونصفها الأول بعض آية في هود: (بسم الله مجراها. وربعها الثاني بعض آية فى الرحمن: (الرحمن (1) علم القرآن) ونصفها الثانى آية فى الفاتحة، وبعض آية فى سورة البقرة هو: (الرحمن الرحيم) .
مسألة: (الرحمن الرحيم) ؟
ذكر المفسرون في إيراد الاسمين مع اتحاد المعنى فيهما معاني كثيرة مذكورة في كتب التفسير لم نطل بها هنا. وأحسن ما يقال مما لم أقف عليه في تفسير: أن (فعلان) صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمه، والامتلاء منه، ولا يلزم منه الدوام لذلك، كغضبان، وسكران، ونومان. وصيغة (فعيل) لدوام الصفة، ككريم، وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة، الدائمها. ولذلك: لما تفرد الرب سبحانه بعظم رحمته لم يسم بالرحمن وبالألف واللام) (1) غيره.
ما فائدة تقديم الرحمن على الرحيم؟ .
جوابه: لما كانت رحمته في الدنيا عامة للمؤمنين والكافرين: قدم (الرحمن) . وفى الآخرة دائمة لأهل الجنة لا تنقطع قيل: الرحيم ثانيا. ولذلك يقال: رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة.
قوله {من بعد موتها} وفي البقرة والجاثية والروم {بعد موتها} لأن في هذه السورة وافق ما قبله وهو {من قبله} فإنهما يتوافقان وفيه شيء آخر وهو أن ما في هذه السورة سؤال وتقرير والتقرير يحتاج إلى التحقيق فوق غيره فقيد الظرف بمن فجمع بين طرفيه كما سبق .
قوله تعالى: (فأحيا به الأرض من بعد موتها) وفى الجاثية والبقرة: (بعد) بحذف (من) ؟ .
جوابه: أن الأرض يكون إحياؤها تارة عقيب شروع موتها، وتارة بعد تراخى موتها مدة. فآية العنكبوت: تشير إلى الحالة الأولى لأن (من) لابتداء الغاية، فناسب ذلك ما تقدم من عموم رزق الله تعالى خلقه. وآية البقرة والجاثية: في سياق تعداد قدرة الله تعالى، فناسب ذلك ذكر إحياء الأرض بعد طول زمان موتها لدلالته.
مسألة: قوله تعالى: (وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها) وقال تعالى في البقرة: (وما أنزل الله من السماء من ماء) ؟
جوابه: أن المراد " بالرزق ": الماء، لأنه سببه وأصله، وبه نبات الأرزاق تسمية للسبب باسم المسبب. وخصص لفظ "الرزق " هنا لتقدم قوله تعالى: (وفي خلقكم وما يبث من دابة) لحاجته لا في الرزق.