مسألة: قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل. وقال بعد ذلك: (ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ). ما فائدة التقديم والتأخير والتعبير بقبول الشفاعة، تارة، والنفع أخرى؟ .
جوابه: أن الضمير في منها راجع في الأولى إلى (النفس) الأولى، وفى الثانية راجع إلى (النفس) الثانية. كأنه بين في الآية الأولى أن النفس الشافعة الجازية عن غيرها لا تتقبل منها شفاعة، ولايؤخذ منها عدل. ولأن الشافع يقدم الشفاعة على بذل العدل عنها. ويبين في الآية الثانية أن النفس المطلوبة بجرمها لا يقبل منها عدل عن نفسها، ولا تنفعها شفاعة شافع فيها، وقد بذل العدل للحاجة إلى الشفاعة عند رده. فلذلك كله قال في الأولى: لا يقبل منها شفاعة، وفى الثانية: ولا تنفعها شفاعة لأن الشفاعة إنما تقبل من الشافع، وإنما تنفع المشفوع له.
مسألة: قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون وفى إبراهيم: (ويذبحون بالواو وفى الأعراف: (يقتلون؟
جوابه: أنه جعل (يذبحون - هنا بدلا من يسومونكم، وخص الذبح بالذكر لعظم وقعه عند الأبوين، ولأنه أشد على النفوس. وفى سورة إبراهيم تقدم قوله تعالى: (وذكرهم بأيام الله) فناسب العطف على سوم العذاب للدلالة على أنه نوع آخر، كأنه قال: يعذبونكم ويذبحون، ففيهيعدد أنواع النعم التي. أشير إليها بقوله تعالى: (وذكرهم بأيام الله) . وقد يقال: آية البقرة والأعراف من كلام الله تعالى لهم فلم يعدد المحن. وآية إبراهيم من كلام موسي عليه السلام فعددها. وقوله تعالى: (يقتلون، هو في تنوع الألفاظ، ويحتمل أنه لما تعدد هنا ذكر النعم أبدل: (يذتحون) من (يسومون) ، وفى إبراهيم عطفه ليحصل نوع من تعدد النعم ليناسب قوله تعالى: اذكروا نعمة الله عليكم.
مسألة: قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولواحطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين) . وفى الأعراف: (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين.
جوابه: هي اختلاف ألفاظ الآيتين، وفائدة مناسبتهما مع قصد التنويع في الخطاب.أما آية البقرة: فلما افتتح ذكر بنى إسرائيل بذكر نعمه عليهم بقوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ناسب ذلك نسبة القول إليه، وناسب قوله (رغدا لأن النعم به أتم. وناسب تقديم (وادخلوا الباب سجدا*، وناسب (خطاياكم لأنه جمع كثرة، وناسب الواو في (وسنزيد المحسنين* لدلالتها على الجمع بينهما وناسب الفاء في (فكلوا) لأن الأكل مترتب على الدخول فناسب مجيئه
بالواو. وأما آية الأعراف: فافتتحت بما فيه توبيخهم وهو قولهم: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ثم اتخاذهم العجل، فناسب ذلك ة (وإذ قيل لهم*. وناسب ترك (رغدا* والسكنى بجامع الأكل، فقال: (كلوا*. وناسب تقديم ذكر مغفرة الخطايا، وترك الواو في (سنريد).
مسألة: قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا. وفى الأعراف: فبدل الذين ظلموا منهم. وقال: (فأرسلنا عليهم. وقال هنا: (يفسقون وفى الأعراف: (يظلمون؟
جوابه: لما سبق في الأعراف تبعيض الهادين بقوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق) ناسب تبعيض الظالمين منهم بقوله تعالى: (الذين ظلموا منهم. ولم يتقدم مثله في البقرة. وقوله: عليهم (1) . ليس فيه تصريح بنجاة غيرهم. وفى البقرة إشارة إلى سلامة غير (الذين ظلموا) لتصريحه بالإنزال على المتصفين بالظلم والإرسال أشد وقعا من الإنزال. فناسب سياق ذكر النعمة ذلك في البقرة. وختم آية البقرة ب (يفسفون ولا يلزم منه الظلم، والظلم يلزم منه الفسق، فناسب كل لفظ منهما سياقه.
قوله {فانفجرت} وفي الأعراف {فانبجست} لأن الانفجار انصباب الماء بكثرة والانبجاس ظهور الماء وكان في هذه السورة {كلوا واشربوا} فذكر بلفظ بليغ وفي الأعراف {كلوا من طيبات ما رزقناكم} وليس فيه واشربوا فلم يبالغ فيه
مسألة:قوله تعالى: (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) وفى الأعراف: (فانبجست) ؟
جوابه: قيل إن الانبجاس دون الانفجار، وأن الانفجار أبلغ في كثرة الماء فعلى هذا:أن سياق ذكر نعمته اقتضى ذكر الانفجار، ونسبه. وقيل: هما بمعنى واحد، فيكون من تنويع الألفاظ والفصاحة.
قوله {ويقتلون النبيين بغير الحق} في هذه السورة وفي آل عمران {ويقتلون النبيين بغير حق} وفيها وفي النساء {وقتلهم الأنبياء بغير حق} لأن ما في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن تقتل النفس به وهو قوله {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} فكان الأولى أن يذكر معرفا لأنه من الله تعالى وما في آل عمران والنساء نكرة أي بغير حق في معتقدهم
ودينهم فكان هذا بالتنكير أولى وجمع النبيين جمع السلامة في البقرة لموافقة ما بعده من جمعى السلامة وهو {النبيين} {الصابئين} وكذلك في آل عمران {إن الذين} وناصرين ومعرضون بخلاف الأنبياء في السورتين.
مسألة: قوله تعالى: (بغير الحق) .وقد قال في آل عمران: (بغير حق) فعرف هنا ونكر ذلك؟
جوابه: أن آية البقرة: نزلت في قدماء اليهود بدليل قوله تعالى: ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله. والمراد " بغير الحق " الموجب للقتل عندهم، بل قتلوهم ظلما وعدوانا. وآيات آل عمران: في الموجودين زمن النبي صلى الله عليه وسلم. بدليل قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم، وبقوله تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقولون وبدليل قوله تعالى في الثانية: لن يضروكم إلي أذى - الآية. لأنهم كانوا حرصاء على قتل النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولذلك سموه، ولكن الله تعالى. عصمه منهم فجاء منكرا ليكون أعم فتقوى الشناعة عليهم والتوبيخ لهم، لأن قوله تعالى: (بغبر حق) بمعنى قوله ظلما وعدوانا. وهذا هو جواب من قال: ما فائدة قوله: بغير الحق، أو: بغير حق والأنبياء لايقتلن إلا بغير حق.
قوله {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} وقال في الحج {والصابئين والنصارى} وقال في المائدة {والصابئون والنصارى} لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة لأنهم أهل كتاب فقدمهم في البقرة والصابئون مقدمون على النصارى في الزمان لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج وداعى في المائدة بين المعنين وقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير لأن تقديره والصابئون في كذلك قال الشاعر : فإن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
أراد إني لغريب وقيار كذلك فتأمل فيها وفي أمثالها يظهر لك إعجاز القرآن.