قوله {يستفتونك} بغير واو لأن الأول لما اتصل بما بعده وهو قوله {في النساء} وصله بما قبله بواو العطف والعائد جميعا والثاني لما انفصل عما بعده اقتصر من الاتصال على العائد وهو ضمير المستفتين وفي الآية متصل بقوله {يفتيكم} وليس بمتصل بقوله {يستفتونك} لأن ذلك يستدعي {قل الله يفتيكم في الكلالة} والذي يتصل يستفتونك محذوف يحتمل أن يكون في الكلالة ويحتمل أن يكون فيما بدا لهم من الوقائع ..
مسألة: قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) . وفي الرعد: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) ؟
جوابه: أن المراد " بالذكر"، ذكر عظمة الله وجلاله، وشدة انتقامه ممن عصى أمره لأن الآية نزلت عند اختلاف الصحابة في غنائم بدر، فناسب ذكر التخويف. وآية الرعد: نزلت فيمن هداه الله وأناب إليه، والمراد بذلك الذكر: ذكر رحمته وعفوه ولطفه لمن أطاعه وأناب إليه. وجمع بينهما في آية الزمر، فقال تعالى: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) أي عند ذكر عظمته وجلاله وعقابه، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمته وعفوه وكرمه.
مسألة: قوله تعالى: (ليحق الحق) ما وجهه ومعناه، مع أن ظاهره كما يقال تحصيل الحاصل؟ .
جوابه: ليقع الحق عنده من نصر المسلمين وغلبهم، أو ليحق عندكم الحق عنده من النصر والغنيمة.
قوله {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} ههنا بإثبات {لكم} وتأخير {به} وحذف {إن الله} وفي الأنفال 10 بحذف لكم وتقديم به وإثبات إن الله لأن البشرى هنا للمخاطبين فبين وقال لكم وفي الأنفال قد تقدم لكم في قوله {فاستجاب لكم} فاكتفى بذلك وقدم {قلوبكم} هنا وأخر {به} ازدواجا بين المخاطبين فقال {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به} , وقدم {به} في الأنفال ازدواجا بين الغائبين فقال {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم}, وحذف {إن الله} ههنا لأن ما في الأنفال قصة بدر وهي سابقة على ما في هذه السورة فإنها في قصة أحد وأخبر هناك بأن الله عزيز حكيم وجعله في هذه السورة صفة لأن الخبر قد سبق.
قوله {وما جعله الله إلا بشرى} وقوله {ومن يشاقق الله} وقوله {ويكون الدين كله لله} وقد سبق.
مسألة: قوله تعالى: (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به) . وفى الأنفال: (إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم) ؟ .
جوابه: أن آية آل عمران ختم فيها الجملة الأولى بجار ومجرور وهو قوله (لكم) فختمت الجملة التي تليها بمثله وهو قوله (به) لتناسب الجملتين. وآية الأنفال: خلت الأولى عن ذلك فرجع إلى الأصل وهو إيلاء الفعل لفعله، وتأخير الجار الذي هو مفعول. وجواب آخر: - وهو أنه لما تقدم في سورة الأنفال: (لكم) في قوله: (فاستجاب لكم) علم أن البشرى لهم، فأغنى الأول عن ثان، ولم يتقدم في آل عمران مثله وأما (به) فلأن المفعول قد تقدم على الفاعل لغرض صحيح من اعتناء، أو اهتمام، أو حاجة إليه في سياق الكلام، فقدم (به) هنا اهتماما، وجاء في آل عمران على الأصل. وجواب آخر: وهو التفنن في الكلام.
مسألة: قوله تعالى: (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) معرفا. وفى الأنفال: (من عند الله إن الله عزيز حكيم) منونا.
جوابه: أن آية الأنفال نزلت في قتال بدر أولا، وآية آل عمران نزلت في وقعة أحد وثانيا. فبين أولا: أن النصر من عنده لا بغيره من كثرة عدد أو عدد، ولذلك علله بعزته وقدرته وحكمته المقتضية لنصر من يستحق نصره. وأحال في الثانية على الأولى بالتعريف، كأنه قيل: إنما النصر من عند الله العزيز الحكيم الذي تقدم إعلامكم أن النصر من عنده، فناسب التعرف بعد التنكير.
مسألة: قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء) وبعده: (ولله ملك السماوات والأرض) . ما فائدة تكراره مع قوبه؟
جوابه: أن لكل آية منها فائدة: أما الأولى: فرد على قولهم في المسيح أنه الإله، فبين أن الألوهية لمن له ملك السموات والأرض وليس للمسيح ذلك، فكيف يكون إلها والله خالقه، والقادر على إهلاكه وأمه. وأما الآية الثانية: فرد على قولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه) فهو توكيد لقوله: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) لأنهم خلقه وملكه، ولذلك قال: (وإليه المصير) فيجازى كلا على عمله إما بمغفرة ورحمة أو بعذاب ولو كنتم كما تقولون لما عذبكم لأن المحب لا يعذب محبوبه.
مسألة: قوله تعالى: (قل فمن يملك لكم من الله شيئا) الآية. وفى المائدة: (قل فمن يملك من الله شيئا) ؟ .
جوابه: أن آية الفتح مع قوم مخاطبين بذلك، فناسب التأكيد والتخصيص بقوله تعالى: (لكم) . وآية المائدة: عامة لا تختص بقوم، ولذلك قال تعالى: (ومن في الأرض جميعا) .
قوله {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم} ثم كررها فقال {يا أهل الكتاب}
لأن الأولى نزلت في اليهود حين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم من التوراة والنصارى حين كتموا بشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل وهو قوله {يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} ثم كرر فقال {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} فكرر {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم} أي شرائعكم فإنكم على ضلال لا يرضاه الله على {فترة من الرسل} على انقطاع منهم ودروس مما جاءوا به والله أعلم .
قوله {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء} ثم كرر فقال {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير}
كرر لأن الأولى نزلت في النصارى حين قالوا {إن الله هو المسيح ابن مريم} فقال {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما} ليس فيهما معه شريك ولو كان عيسى إلها لاقتضى أن يكون معه شريكا ثم من يذب عن المسيح وأمه وعمن في الأرض جميعا إن أراد إهلاكهم فإنهم كلهم مخلوقون له وإن قدرته شاملة عليهم وعلى كل ما يريد بهم
والثانية نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا {نحن أبناء الله وأحباؤه} فقال {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما} والأب لا يملك ابنه ولا يهلكه ولا يعذبه وأنتم مصيركم إليه فيعذب من يشاء منكم ويغفر لمن يشاء.