قوله {أفلم يروا} بالفاء ليس غيره زيد الحرف لأن الاعتبار فيها بالمشاهدة على ما ذكرناه وخصت بالفاء لشدة اتصالها بالأول لأن الضمير يعود إلى الذين قسموا الكلام في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا محمد إما غافل أو كاذب وإما مجنون هاذ وهو قولهم {أفترى على الله كذبا أم به جنة} فقال الله تعالى بل تركتم القسمة الثالثة وهي وإما صحيح العقل صادق.
مسألة: قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا) وفى الشعراء: (أولم يروا) بالواو، وفى سبأ بالفاء) ؟ .
جوابه: أنه إن كان السياق يقتضي النظر والاستدلال جاء بغير واو، وهنا كذلك لمن يعتبر الآيات قبله. وإن كان يقتضي الاعتبار بالحاضر والمشاهدة جاء بالواو أو الفاء، لتدل الهمزة على الإنكار، والواو على عطفه على الجمل قبله كقوله تعالى: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء) - ص 54 - الآية. (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم)
قوله {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} وبعده {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} بالجمع لأن المراد الأول لآية على إحياء الموتى فخصت بالتوحيد وفي قصة سبأ جمع لأنهم صاروا اعتبارا يضرب بهم المثل تفرقوا أيادي سبأ وفرقوا كل مفرق ومزقوا كل ممزق فرفع بعضهم إلى الشام وبعضهم {ذهب} إلى يثرب وبعضهم إلى عمان فختم بالجمع وخصت به لكثرتهم وكثرة من يعتبر بهم فقال {لآيات لكل صبار} على الجنة {شكور} على النعمة أي المؤمنين.
مسألة: قوله تعالى: (وما يأتيهم من رسول) وفى الزخرف: (وما يأتيهم من نبي) ؟
جوابه: أن في الحجر: ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) فذكر الرسالة فقط فناسب: (وما يأتيهم من رسول) . وفى الزخرف: تقدم ذكر النبوة في قوله تعالى: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) . فناسب: (وما يأتيهم من نبي) والله أعلم.
قوله {وسلك لكم فيها سبلا} وفي الزخرف {وجعل} لأن لفظ السلوك مع السبيل أكثر استعمالا
به فخص به طه وخص الزخرف بجعل ازدواجا للكلام وموافقة لما قبلها وما بعدها.
قوله {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} وفي الشعراء {إلى ربنا منقلبون} لأن ما في هذه السورة عام لمن ركب سفينة أو دابة وقيل معناه إلى ربنا لمنقلبون على مركب آخر وهو الجنازة فحسن إدخال اللام على الخبر للعموم وما في الشعراء كلام السحرة حين آمنوا ولم يكن فيه عموم.
مسألة: قوله تعالى: (وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) وفى الشعراء: (إنا إلى ربنا منقلبون) بحذف اللام؟
جوابه: أن هذا المحكى إرشاد من الله تعالى لعبيده أن يقولوه في كل زمان، فناسب التوكيد باللام حثا عليه. وآية الشعراء: أخبر عن قوم مخصوصين مضوا فلم يكن للتأكيد معنى.
قوله {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} وفي الجاثية {إن هم إلا يظنون} لأن ما في هذه السورة متصل بقوله {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} والمعنى أنهم قالوا الملائكة بنات الله وإن الله قد شاء منا عبادتنا إياهم وهذا جهل منهم وكذب فقال سبحانه {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} أي يكذبون وفي الجاثية خلطوا الصدق بالكذب فإن قولهم {نموت ونحيا} صدق فإن المعنى يموت السلف ويحيى الخلف وهي كذلك إلى أن تقوم الساعة وكذبوا في إنكارهم البعث وقولهم {وما يهلكنا إلا الدهر} ولهذا قال {إن هم إلا يظنون} أي هم شاكون فيما يقولون .
قوله تعالى: ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (20) وقال فى الجاثية: (إن هم إلا يظنون (24)
جوابه: أن آية الزخرف في جعلهم الملائكة بنات الله، وذلك كذب محض قطعا فناسب (يخرصون) وآية الجاثية في إنكارهم البعث، وليس عدمه عندهم قطعا، فناسب: (يظنون) .
قوله {وإنا على آثارهم مهتدون} وبعده {مقتدون} خص الأول بالاهتداء لأنه كلام العرب في محاجتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وادعائهم {إن} آباءهم كانوا مهتدين فنحن مهتدون ولهذا قال عقبة {قال أولو جئتكم بأهدى} والثانية حكاية عمن كان قبلهم من الكفار وادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء فاقتضت كل آية ما ختمت به .