تفسير و تدارس

٣٧٢١ خواطر الشيخ الشعراوى سورة يونس الوقفة كاملة
٣٧٢٢ خواطر الشيخ الشعراوي - سورة الأنفال الوقفة كاملة
٣٧٢٣ خواطر الشيخ الشعراوى سورة يونس الوقفة كاملة
٣٧٢٤ خواطر الشيخ الشعراوي - سورة الأنفال الوقفة كاملة
٣٧٢٥ خواطر الشيخ محمد الشعراوي سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٧٢٦ خواطر الشيخ الشعراوي سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٧٢٧ خواطر الشيخ الشعراوي سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٧٢٨ خواطر الشيخ الشعراوي سورة يونس الوقفة كاملة
٣٧٢٩ خواطر الشيخ الشعراوي سورة يونس الوقفة كاملة
٣٧٣٠ محاسن التأويل الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣٧٢١ {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} {هُوَ الْأَوَّلُ} أي ليس لوجوده بداية وهو قبل كل شيء. (والآخر) أي ليس لوجوده نهاية وليس بعده شيء، وهذا مقتضي قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. (والظاهر) أي الذي تجلى للعقول ونصب الدلائل الظاهرة على وجوده، وهو الغائب العالي على كل شيء وفوق كل شيء، فليس معه شيء وليس فوقه شيء، من الظهور وهو الغلبة، كما قال تعالى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14]، فالظاهر معنيان كلاهما مراد: الظاهر بدلائله، الغالب على كل شيء. (والباطن) أي غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار، كما قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، وهو الذي يعلم بواطن كل شيء وخفاياه. فللباطن معنيان: المحتجب عن الأبصار، والذي يعلم باطن كل شيء، وكلاهما حق، وإن كان أحد المعنيين أظهر من الآخر. وتعريف الصفات بـ (أل) يفيد القصر، فلا يشاركه شيء في هذه الصفات، فليس معه أول ولا آخر، وليس معه ظاهر ولا باطن، فهو أول كل شيء وآخر كل شيء، يزول كل شيء ولا يزول وليس معه أحد في كونه ظاهرًا أو باطنًا. ولم يفيد هذه الصفات بشيء، ولا بإضافة ولا بوصف أو أي تقييد آخر، وذلك للدلالة على أنه الأول المطلق والآخر المطلق، والظاهر المطلق والباطن المطلق، لا بحسب شيء من الأشياء. لقد دلت هذه الآيات على إبطال الشرك، فليس معه شريك، كما دلت على أنه الغني المطلق فلا يحتاج إلى شيء لأنه كان قبل كل شيء، وأنه الخالق وأنه القادر، ودل قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} على علمه المطلق فهو الإله الحق.جاء في (التفسير الكبير): "أنه الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء ... وأنه ظاهر بحسب الدلائل، وأنه باطن الحواس محتجب عن الأبصار ... وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر: هو الغالب العالي على كل شيء، ومنه قوله تعالى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} اي غالبين عالين ... وهذا معنى ما روي في الحديث( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء). وأما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن، كما يقول القائل: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم أحواله الباطنة" (1).وجاء في (الكشاف): "{وَالظَّاهِرُ } بالأدلة الدالة عليه {وَالْبَاطِنُ} لكونه غير مدرك بالحواس ... وقيل (الظاهر) العالي على كل شيء الغالب له، من: ظهر عليه إذا علاه وغلبه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، وليس بذاك" (2). وجاء في (البحر المحيط): "{هُوَ الْأَوَّلُ} الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة ... وقيل: الأول الذي كان قبل كل شيء ... (الظاهر) العالي على كل شيء الغالب له، من: ظهر عليه، إذا علاه وغلبه، و(الباطن) الذي بطن كل شيء، أي علم باطنه" (3). وجاء في (التحرير والتنوير): في قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ} أنه "لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلق (بكسر اللام) ولا ما يدل على متعلق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد. ويرادف هذا الوصف في اصطلاح المتكلمين صفة (القدم). واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغنى المطلق، وهي عدم الاحتياج إلى المخصص، أي مخصص يخصه بالوجود بدلًا من العدم، لأن (الأول) هنا معناه: الموجود لذاته دون سبق عدم، وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر، ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود؛ لأنه لو كان غير الله واجبًا وجوده لما كان الله موصوفًا بالأولية ... فلذلك تثبت له الوحدانية ... فلما تقرر أن كونه (الأول) متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه بـ (الآخر) متعلقًا بانتقاض ذلك الوجود، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض" (4). {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي المحيط علمه بكل شيء وأنه وسع كل شيء علمًا. وقال: (عليم) ولم يقل: (عالم) للدلالة على بالغ علمه وسعته. ومن دقيق الاستعمال القرآني وطريفة أنه خصص اسم الفاعل (عالم) بعلم الغيب مفردًا والشهادة مفردة فيقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أو {عَالِمُ الْغَيْبِ} ولم يذكر مرة لفظ (عالم) مع الجمع، فإذا جمع الغيب أتى بـ (علام) الدال على المبالغة والكثرة فيقول: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}، فخصص اسم الفاعل (عالم) بالمفرد، وقرن صيغة المبالغة (علام) بالجمع، فهو يقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ} وذلك في ثلاثة عشر موضعًا (5)، وقال: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} في أربعة مواضع من القرآن الكريم (6). فناسب بين الصيغة ومتعلقها. بل إنه خصص لفظ (عالم) بعلم الغيب أو علم الغيب والشهادة، وخصص (علام) بجمع الغيب فلم يستعمله مع غيره. أما (عليم) فقد أطلق استعماله فلم يقيده بمعلوم معين، بل يذكره مع جميع المعلومات، فهو يقول مثلًا: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29، 231]، {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95، 246]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]، أو يطلق الاسم الكريم فلا يخصصه بشيء وذلك نحو {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 127]، {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 247، 268، آل عمران: 73]. ومن الملاحظ أيضًا أنه حيث ذكر اسمه (العليم) فإما أن يطلقه كما ذكرنا فلم يقيده بشيء نحو {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أو {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، أو أن يجعله محيطًا بكل شيء نحو {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أو {بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} . أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجمع وذلك نحو قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95، 246]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] فاستعمله مع الجمع. ونحو {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] فقد جمع الصدر. وقوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] فأضاف الكيد إلى ضمير الجمع. أو أن يقول: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215]، ونحو {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273]، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283]. فقد جمع الفاعل فقال (تفعلوا) ولم يقل: (تفعل). ونحوه (تنفقوا) و(تعلمون). ولم يرد استعمال اسم الله (العليم) مع متعلق مفرد أو فعل فاعل مفرد، وهو تناسب لطيف بين المبالغة في الاسم الكريم وكثرة متعلقات الفاعلين. وبهذا يتبين أنه خصص اسمه: (العالم): بعلم الغيب المفرد، أو الغيب والشهادة المفردين. واسمه (العلام): بعلم الغيب مجموعًا فيقول: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}.أما اسمه (العليم): فإنه أطلق فيه العلم بالمعلومات عمومًا ولم يخصصه بنوع من المعلومات ميعن. أو أن يطلق الاسم فلا يفيده بشيء، أو يستعمله مع الجمع أو فعل الجماعة. وأما إذا ذكر اسمه بصيغة الجمع (عالمين) فإنه للتعظيم كما هو معلوم، وهذا من دقيق الاستعمال القرآني وخواصه، وهو من أوضح الأمور على القصد في التعبير القرآني. إن هذه الآية – أعني قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} - مرتبطة بما بعدها ارتباطًا وثيقًا. فقوله: {هُوَ الْأَوَّلُ} مرتبط بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فالذي خلق السماوات والأرض هو الأول. وقوله: (الآخر) مرتبط بقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} وقوله: (الظاهر) مرتبط بقوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فالذي له الملك هو الظاهر الغالب في أحد معنييه، وفي المعنى الآخر مرتبط بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فهي آيات دالة على وجوده سبحانه. وقوله: (الباطن) بمعنى المحتجب الذي لا يدرك، مرتبط بقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، وبمعنى الذي بطن كل شيء، أي علمه مرتبط بقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 331 إلى ص 336. (1) التفسير الكبير 29/210 – 215. (2) الكشاف 4/61 (دار الفكر). (3) البحر المحيط 10/100، (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع). (4) التحرير والتنوير 27/360 – 361 (دار سحنون) (5) انظر على سبيل المثال: الأنعام 73، التوبة 94، 105، سبأ 3، الجن 26. (6) انظر المائدة 109، 116، التوبة 78، سبأ 48. الوقفة كاملة
٣٧٢٢ {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)} لقد دل قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} على أنه هو المالك لهما، إضافة إلى دلالته على أنه الأول. ودل قوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أنه الملك الحاكم المسيطر، فهو مالك الملك، أي أن الملك هو ملك له، فهو المالك والملك. جاء في (المصباح المنير): "(ملكته) ملكًا من باب ضرب، والملك بكسر الميم: اسم منه، والفاعل: مالك، والجمع: ملاك، مثل كافر وكفار ... وملك على الناس أمرهم: إذا تولى السلطنة، فهو ملك بكسر اللام، وتخفف بالسكون، والجمع ملوك، مثل: فلس وفلوس، والاسم: الملك، بضم الميم" (1). ولما كان كل من الملك والمالك ينبغي أن لا يند عنه شيء في ملكه ذكر أنه {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فكان ذلك الكمال الأعلى في الملك والتملك، فهو لا يند عنه شيء في ملكوته، وإنما يعلم كل شيء عن المسكن والساكن في السماء والأرض. وليس ذلك فقط، وإنما هو يبصر أيضًا ما فيهما، وهذه مرتبة فوق العلم، فإن الفرد قد يعلم عن طريق الإخبار، أما الله سبحانه فهو يعلمه ويشاهده، بل له مرتبة فوق ذلك وهي المعية والمصاحبة، فهو مع عباده أينما كانوا، وهذه مرتبة فوق المشاهدة، وهي مرتبة القرب. بل له مرتبة فوق ذلك أيضًا، وهي أنه بصير بما نعمل ظاهرًا وباطنًا، فهو يعلم عمل كل عامل، ويعلم لم عمله؟ وهذه مرتبة فوق المعية؛ لأنك قد تصاحب إنسانًا وتراه يعمل عملًا ما ولكنك لا تعلم لم فعل ذلك، فذكر أنه تعالى بصير بما يعمل العاملون، وأنه عليم بذات الصدور. فذكر كل مراتب العلم وهي: 1- أنه يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، فهو يعلم الداخل والخارج، والنازل والصاعد. 2- وأنه مصاحب لنا أينما كنا. 3- وأنه مبصر لأعمالنا. 4- وأنه يعلم لم فعلنا ذلك. فاستوفى كل مراتب العلم، فناسب ذلك ختام الآية السابقة وهو قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 337 إلى ص 338. (1) المصباح المنير (ملك) 221. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} قال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} ولم يقل: (ما يولج)، وقال: {وَمَا يَخْرُجُ} ولم يقل: (ما يخرج)، وقال: {وَمَا يَنْزِلُ} ولم يقل: (ما ينزل)، وقال: {وَمَا يَعْرُجُ} ولم يقل: (ما يعرج)، وهذا أدل على العلم؛ لأن الفرد في العادة يعلم ما يفعله هو ولكنه يجهل ما لم يفعله هو، أما ربنا فقد أخبر عن نفسه أنه يعلم ما يلج وما يخرج وما ينزل وما يعرج، وهذا أدل على العلم. وقد ما يلج في الأرض على ما يخرج منها، وقدم ما ينزل من السماء على ما يعرج فيها، فقد ما ينزل وما يلج وأخر ما يخرج وما يعرج، ذلك أن كثيرًا مما ينزل من السماء قد يلج في الأرض ثم يخرج بعد ذلك من الأرض ما يخرج بسببه أو بغيره من الأسباب كالنباتات والينابيع وغيرها، فالو لوج قد يكون سببًا للخروج. والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، فالذي ينزل من السماء قد يلج ف الأرض، والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، وذلك أن قوله: {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} يحتمل معنيين: الأول: أنه يخرج من داخلها كالنباتات والحشرات وغير ذلك، والآخر: أنه يخرج من دائرتها ومحيطها. وبدأ بالأرض وأخر السماء؛ لأن السياق في الكلام على أهل الأرض وهو قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وهي مسكنهم. وقد تقول: لقد قال في سبأ نحو هذا، غير أنه لم يذكر {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، كما أن خاتمة كل من الآيتين اختلفت عن الأخرى، فقد قال في سبأ: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2] فما السبب؟ والجواب: أن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك. 1- فقد قال في سورة الحديد قبل هذه الآية: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] فجاء في الآية التي قبلها بما يدل على علمه تعالى وإحاطته بكل شيء فقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وجاء بعد ذلك قوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} مما يؤكد هذا المعنى. ولم يرد في سياق آية سبأ نحو ذلك، فناسب المجيء بذكر العلم في آية الحديد دون آية سبأ. 2- قال في آية الحديد: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} وهذا مما يدل على المراقبة، ولذا جاء بعدها بما يدل على معرفته بعملنا فقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . وقال في خاتمة الآية في سورة سبأ: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} فختمها بالرحمة والمغفرة، فكأنه أراد أن يرحمهم ويغفر لهم فرفع ذكر المراقبة، ولا شك أن عدم ذكر المراقبة أنسب مع ذكر الرحمة والمغفرة، وأن ذكره أنه بصير بعملنا أنسب مع ذكر المراقبة. 3- أنه ذكر الآخرة قبل الآية فقال: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ} وليست الآخرة وقت عمل أو مراقبة. كما أن الآية بعدها إنما هي في الساعة وهي قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} فلم يذكر المراقبة ولا أنه بصير بما نعمل في هذا السياق. وأما آية الحديد فهي في سياق بداية الخلق، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وهو زمان بداية الأعمال واستمرارها ومراقبتها، بخلاف سياق آية سبأ فإنه في طي صفحة الأعمال والمراقبة، فناسب كل تعبير موطنه. 4- إن جو سورة الحديد تردد فيه ذكر العلم والمراقبة بصور شتى، فقد قال: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الآية: 3]، وقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الآية: 4]، وقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الآية: 4]، {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الآية: 6]، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الآية: 10] {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الآية: 22]، {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} [الآية: 25]. وشاع في سورة سبأ ذكر الآخرة من مثل قوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ} [الآية: 1]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} [الآية: 3]، {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الآية: 4] {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [الآية: 5]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الآية: 7]، {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} [الآية: 8] {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} [الآية: 21]، {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [الآية: 23]، {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [الآية: 26]، {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الآية: 29] {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ} [الآية: 30]، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ ....} [الآيات: 31 - 33]، {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الآيتان: 37 - 38]، {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ....} [الآيات: 40 - 42]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} [الآيات: 51 - 54]؛ فناسب كل تعبير موطنه. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قدم {بِمَا تَعْمَلُونَ} على (بصير)؛ ذلك لأنه وردت بعد قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} فقدم ما يتعلق بهم وهو عملهم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 338 إلى ص 341. الوقفة كاملة
٣٧٢٣ {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5)} ذكر في الآية السابقة أنه خلق السماوات والأرض، والصانع قد لا يكون ملكًا، فذكر أنه الصانع وأنه المالك حصرًا فلا ملك سواه، وأن الأمور ترجع إليه وحده، وأن ملكه ممتد بعد انقضاء الدنيا، وأن الأمور ترجع إليه في الآخرة كما هي في الدنيا، فإن في قوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} إشارة إلى البعث. جاء في (نظم الدرر): "ولما كان صانع الشيء قد لا يكون في مملكته والقدرة عليه، وكان إنكارهم للبعث إنكارًا لأن يكون ملكًا أكد بذلك بتكرير الإخبار به فقال: (له). أي: وحده ملك السماوات" (1). وجاء في (تفسير الرازي): "{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} أي إلى حيث لا مالك سواه. ودل بهذا القول على إثبات المعاد" (2). فقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} يفيد معنين: المعنى الأول: أن الأمور كلها هو الذي يقطع فيها ولا يعمل شيء إلى بأمره. والمعنى الآخر: إثبات المعاد. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 341 إلى ص 342. (1) نظم الدرر 7/438. (2) تفسير الرازي 29/216. الوقفة كاملة
٣٧٢٤ {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)} قوله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} دال على قدرته، فارتبط ذلك بقوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وقوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} دال على عمله، فارتبط بقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. و(ذات الصدور) معناه: مكنوناتها وخفاياها. فدل بهذه الآية وما قبلها على أنه الظاهر والباطن، المشاهد والغائب. جاء في (روح المعاني): "{ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي بمكنوناتها اللازمة لها، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها" (1). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 342 إلى ص 343. (1) روح المعاني 27/168 – 169. {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} الوقفة كاملة
٣٧٢٥ {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)} أمرهم بشيئين: الإيمان بالله والرسول، والإنفاق. وهذان الأمران يطبعان السورة بطابعهما إلى حد كبير. فالإيمان بالله والرسول يشيع ذكره في السورة. وهو لم يذكر جميع أركان الإيمان، وإنما خصص ركنين من اركانه بالذكر وهما الإيمان بالله والرسل، وذلك في السورة كلها، فلم يذكر غير هذين الركنين من أركان الإيمان. فقد قال: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الآية: 7]، وقال: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ} [الآية: 8]، وقال: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} [الآية: 19]، وقال: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الآية: 21]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ} [الآية: 28]. وكذلك الأمر بالإنفاق فإنه يطبع السورة أيضًا، فقد قال: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الآية: 7]، وقال: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الآية: 7]، وقال: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الآية: 10]، وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [الآية: 11]، وقال: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [الآية: 18]، وقال: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [الآية: 24]. فالسورة تكاد تكون مخصصة للأيمان والإنفاق، فهي لم تذكر جميع أركان الإيمان، كما لم تذكر عموم العمل الصالح، وإنما ذكرت الإنفاق وذكرت القتال ولم تأمر به كما أمرت بالإنفاق، فقد جاء فيها: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الآية: 10] وجاء فيها ذكر للشهداء فقال: {الشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الآية: 19]، وقال أيضًا: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} [الآية: 25] وهو من مظان الجهاد. فالسورة – كما ترى – يشيع فيها التخصيص بركنين من أركان الإيمان وبالإنفاق. والآية التي نحن بصدد تفسيرها ذكر فيها هذين الركنين. {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} طلب الإنفاق مما استخلفنا فيه ورغبنا فيه أكبر ترغيب فقال: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا} فجاء بـ (من) التبعيضية، ولم يقل: (وأنفقوا ما جعلكم مستخلفين فيه)، فقد طلب أن ننفق بعضًا مما استخلفنا فيه ليهون الإنفاق علينا. ثم قال: {جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} أي هو الذي جعلكم مستخلفين في المال، وهو طالب الإنفاق. ومعنى {مُسْتَخْلَفِينَ} أن الأموال التي بين أيديكم إنما هي أمواله. هو الذي خلقها وخولكم الاستمتاع بها ولستم إلا وكلاء عليها. ثم إنه نقلها إليكم وقد كانت لغيركم، ثم إنه سينقلها إلى غيركم، فلستك إلا خلقاء من قبلكم فيها. وكل معنى من هذين المعنيين مدعاة للخروج من الشح إلى الإنفاق. فالمال ماله، ثم إنه سينقله منكم إلى غيركم بعد موتكم أو في حياتكم. ومع ذلك فإنه جعل للذين آمنوا وأنفقوا أجرًا كبيرًا مضاعفًا. جاء في (الكشاف): "{مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها وخولكم الاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له. أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم في أيديكم بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينقل منكم إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به وانفعلوا بالإنفاق منها أنفسكم" (1). وجاء في (روح المعاني): "وفيه أيضًا ترغيب في الإنفاق وتسهيل له؛ لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله وانتقل إليه علم أنه لا يدوم له وينتقل لغيره فيسهل عليه إخراجه ويرغب في كسب الأجر بإنفاقه ... والمعنى الأول هو المناسب لقوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}" (2). {فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} ذكر أن لمن آمن وأنفق أجرًا كبيرًا. وقد تقول: لند أكد الأجر في موطن آخر بان، فقد قال في سورة الإسراء: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الآية: 9] ولم يؤكد في آية الحديد هذه مع أنه وصف الأجر بأنه كبير في الآيتين فهل ذلك لفواصل الآية؟ والجواب: أن فاصلة كل من الآيتين تتناسب مع فواصل الآية في سياقها، غير أن ذلك ليس هو السبب الأول، بل إن كل آية تقتضي ما ورد فيها من التعبير وإن لم تكن فواصل الآية كذلك، وإليك إيضاح ذلك: 1- قال في آية الحديد: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ}. وقال في آية الإسراء: {وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}. فذكر في آية الحديد (الذين آمنوا) بصيغة الفعل، وذكر في آية الإسراء (المؤمنين) بالصيغة الاسمية، والاسم أثبت وأقوى من الفعل كما هو معلوم. 2- خصص الإيمان في آية الحديد بالإيمان بالله والرسول {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، وأطلق الإيمان في آية الإسراء فجعله عامًا لكل أركان الإيمان. 3- ذكر في آية الحديد الإنفاق ولم يذكر معه شيئًا آخر. وذكر في آية الإسراء {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} وهو أعم، والإنفاق إنما هو من العمل الصالح، فكان التوكيد أولى في آية الإسراء. فناسب كل تعبير موطنه، هذا إضافة إلى ما اقتضته فواصل الآية. وقد تقول: لقد أضاف في آيات أخرى المغفرة إلى الأجر الكبير، وذلك نحو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [فاطر: 7]، وقوله {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12] فما السبب في هذه الزيادة؟ فنقول: إن كل ما ذكرت فيه المغفرة مع الأجر الكبير إنما هو في سياق ذكر الذنوب والكافرين وذلك يقتضي ذكر المغفرة. أما ما لم يرد فيه المغفرة فإنه ليس في هذا السياق، فقد قال في سورة فاطر: {الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الآية: 7]، وقال في سورة الملك: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} ... إلى قوله تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الآيات: 7 - 11] ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}، وهكذا كل ما وردت فيه المغفرة بخلاف ما لم يرد. فناسب كل تعبير موطنه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 343 إلى ص 347. (1) الكشاف 4/61، وانظر تفسير الرازي 29/217. (2) روح المعاني 27/169. الوقفة كاملة
٣٧٢٦ {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8)} لما تقدم طلب الإيمان في الآية السابقة قال في هذه الآية: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} أي كيف لا تؤمنون ولم لا تؤمنون ودواعي الإيمان متكاثرة ملزمة؟ فالرسول يدعوكن للأيمان وقد وجاء بالآيات البينات والدلائل الواضحة على صحة ما يدعو إليه وصدقه. ثم إن الله سبحانه قد أخذ الميثاق منكم على الإيمان به بما أودعه في عقولكم من الاستدلال على وجوده بآياته الكونية وبما أودعه في فطركم على الإيمان به. فإن الإنسان مفطور على الإيمان بأن له ربًا وإلهُا يلجأ إليه إذا اضطرته الحاجة إلى ذلك، فحتى الملحد إذا وقع في شدة لا مخلص منها وانقطعت به الأسباب لجأ إلى الله كما أخبر ربنا: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53]، {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67]، فقد تضافرت الدواعي العقلية والنفسية علاوة على السماع المؤيد بالحجج القاطعة على الإيمان بالله فلم لا تؤمنون؟ وجاء في (الكشاف): في قوله: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ}: "وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان، حيث ركب فيكم العقول ونصب لكم الأدلة ومكنكم من النظر وأزاح عللكم" (1). وجاء في (تفسير الرازي): "وحاصل الأمر أنه تطابقت دلائل النقل والعقل، أما النقل فبقوله: {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ}، وأما العقل فبقوله: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} ومتى اجتمع هذان النوعان فقد بلغ الأمر إلى حيث تمتنع الزيادة عليه" (2). وجاء في (البحر المحيط): "{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ} أي كيف لا تثبتون على الإيمان ودواعي ذلك موجودة، وذلك ركزة فيكم من دلائل العقل، وموجب ذلك من السمع في قوله: {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} لهذا الوصف الجليل، وقد تقد أخذ الميثاق عليكم بالإيمان، فدواعي الإيمان موجودة وأسبابه حاصلة فلا مانع منه ولا عذر في تركه" (3). وجاء في (التحرير والتنوير): "وعلى هذا الوجه فالميثاق المأخوذ عليهم هو ميثاق من الله، أي ما يماثل الميثاق من إيداع الإيمان بوجود الله وبوحدانيته في الفطرة البشرية، فكأنه ميثاق قد أخذ على كل واحد من الناس في الأزل وشرط التكوين فهو ناموس فطري" (4). وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} يعني: إن كنتم تنون الإيمان وتعتزمونه فلم لا تؤمنون؟ وهو نظير قولنا: (نحن خارجون إن كنت خارجًا) و(هم راحلون إن كنت راحلًا) أي إن نويت ذلك وعزمت عليه فافعل. جاء في (التحرير والتنوير): "واسم الفاعل في قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} مستعمل في المستقبل بقرينة وقوعه في سياق الشرط، أي فقد خصل ما يقتضي أن تؤمنوا من السبب الظاهر والسبب الخفي المرتكز في الجبلة" (5). وقال: {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ} ولم يقل: (لتؤمنوا به) مع أنه قد مر ذكره وهو قوله: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}؛ وذلك لأنه أراد أن يجب إليهم الإيمان، فإنه إيمان بربهم الذي يربهم ويرعاهم.ثم إن لفظ (الرب) مناسب لما ذكر بعد وهو قوله: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} فإن مهمة الرب الأولى هي التوجيه والإرشاد والهداية، فناسب ذلك ما جاء بعده. وقال: (يدعوكم) للدلالة على استمراره في الدعوة لم يتوقف عنها. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 347 إلى ص 349. (1) الكشاف 4/62. (2) تفسير الرازي 29/18، وانظر روح المعاني 27/170. (3) البحر المحيط 10/102. (4) التحرير والتنوير 27/370. (5) التحرير والتنوير 27/370. الوقفة كاملة
٣٧٢٧ {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)} قوله: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي هو الذي ينزل الآيات لا غيره. ووصف رسوله بصفة العبدية فقال: {عَلَى عَبْدِهِ} ليعلم أن رسوله إنما هو عبد لله. وأضافه إلى ضميره تكريمًا له. وصفة (العبد) إنما يذكرها الله تكريمًا لمن تطلق عليه، فقد كرمه الله سبحانه بهذا الوصف، وكرمه أيضًا بإضافته إلى ضميره، تكريمًا له. وصفة (العبد) إنما يذكرها الله تكريمًا لمن تطلق عليه، فقد كرمه الله سبحانه بهذا الوصف، وكرمه أيضًا بإضافته إلى ضميره، وكرمه مرة ثالثة بأن ذكر أنه هو الذي ينزل عليه الآيات البينات. وذكر (ينزل) بصيغة المضارع للدلالة على استمرار التنزيل. إن هذه الآية والتي قبلها مرتبطتان بصدر الآية الأولى وهي قوله: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}. فقوله: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} مرتبط بقوله: {آَمِنُوا بِاللَّهِ}، وقوله: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } مرتبط بقوله: (ورسوله). وقد وصف الآيات بأنها بينات أي ظاهرات الحجة واضحات الدلالة على أنه رسول الله وعلى أن فيها الهدى التام. وإنما أنزل هذه الآيات البينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور. والفاعل في قوله: {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} يحتمل أن يكون هو الله كما يحتمل أن يكون هو الرسول. {وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} الرأفة أخص من الرحمة وأرق. وقد جمع الله بين الرأفة والرحمة للدلالة على عظم رحمته بنا. ولم يفرد الله اسمه (الرؤوف) عن اسمه (الرحيم) إلا في موطنين هما قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، وقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30]؛ وذلك لأن المقام يقتضي ذاك، فقد قال في البقرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204 - 206]. فلا يناسب المقام ذكر الرحمة مع هؤلاء الذين ذكر فيهم: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} ثم ذكر بعد ذلك {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}. وقال في آل عمران: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} والتحذير لا يناسب ذكر الرحمة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 350 إلى ص 351. الوقفة كاملة
٣٧٢٨ {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)} قال: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} بذكر (أن) مع (لا)، وقال في الآية السابقة: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} من دون (أن)، ذلك أن (أن) تفيد الاستقبال، فلما كان الإيمان لا يحتمل التأخير وإنما هو مطلوب منهم في الحال لم يذكر (أن). ولما كان الإنفاق في سبيل الله يحتمل الاستقبال وقد يكون هذا الإنفاق مطلوبًا للجهاد، والجهاد ليس قائمًا في وقت الطلب جاء بأداة الاستقبال. والمعنى: لم لا تنفقون في سبيل الله والله سبحانه وارث أموالكم، أي مهلكهم وستؤول إليه أموال الخلق كلها، بل له ميراث السماوات والأرض، فأنفقوا منها بأنفسكم لتنالوا جزاء المنفقين قبل أن تؤول إليه رغمًا عنكم فينالكم عقاب الممسكين الباخلين. جاء في (الكشاف): "{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا} في ألا تنفقوا {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره، يعني: وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله مهلككم فوارث أموالكم، وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله" (1). وجاء في (تفسير الرازي): "والمعنى أنكم ستموتون فتورثون فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة الله، وتحقيقه أن المال لابد وأن يخرج عن اليد إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله، فإن وقع على الوجه الأول كان أثره اللعن والمقت والعقاب، وإن وقع على الوجه الثاني كان أثره المدح والثواب، وإذا كان لابد من خروجه من اليد فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه بحيث يستعقبه اللعن والعقاب" (2). وقوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} مناسب لاسمه الآخر الذي ورد في أول السورة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 351 إلى ص 352. (1) الكشاف 4/62. (2) تفسير الرازي 29/219. {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} أي "لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح مكة، قبل عز الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجًا وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه، ومن أنفق من بعد الفتح، فحذف لوضوح الدلالة، (أولئك) الذين أنفقوا قبل الفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ... أعظم درجة" (1). وجاء في (روح المعاني): "وإنما كان أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا بعد لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا عند كمال الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال لقلة المسلمين وكثرة أعدائهم وعدم ما ترغب فيه النفوس طبعًا من كثرة الغنائم، فكان ذلك أنفع وأشد على النفس، وفاعله أقوى يقينًا بما عند الله تعالى وأعظم رغبة فيه، ولا كذلك الذين أنفقوا بعد" (2). واستعمل لمن أنفق من قبل الفتح الاسم الموصول (من) والفعل (أنفق وقاتل) بالإفراد، واستعمل لمن أنفق بعد ذلك الاسم الموصول (الذين) والفعل (أنفقوا وقاتلوا) بضمير الجمع، ولعل ذلك لقلة المنفقين والمقاتلين قبل الفتح فاستعمل لهم ضمير المفرد، بخلاف المنفقين والمقاتلين بعده، فهم كثرة، فاستعمل لهم ضمير الجمع. والقرآن يراعي ذلك في الاستعمال نظير قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} [يونس : 43] بالإفراد، وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [يونس : ٤٢] بالجمع (3) وقدم الإنفاق على القتال وهو نظير قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 41] بتقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 353 إلى ص 354. (1) الكشاف 4/62. (2) روح المعاني 27/172. (3) انظر معاني النحو 1/167 (باب الاسم الموصول). الوقفة كاملة
٣٧٢٩ {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)} القرض الحسن هو الإنفاق بإخلاص النية الله وكونه عن طيب نفس وبشاشة وجه من دون من أو تكدير، وتحري المال الطيب الكريم وأفضل الجهات التي ينفق فيها (1). فالقرض الحسن هو ما اجتمعت فيه عدة أمور: منها: في المقرض، وهو الإخلاص وكونه عن طيب نفس وبشاشة وجه كما ذكرنا. ومنها: في المال وهو أن يكون حلالاً طيبًا وأن يكون من كريم المال. ومنها: الجهة التي ينفق فيها وهي ما كان أشدها حاجة وأكثرها نفعًا للمسلمين. وسمى الصدقة قرضًا؛ لأنه وعد بإعادتها مضاعفة، وذلك لأن المقترض يعيد ما اقترض وذلك لتهوينها على النفس وللترغيب فيها، فإن النفس يسهل عليها الإقراض أكثر مما يسهل عليها الخروج عن المال من غير إعادة. قد تقول: لقد قال في آية أخرى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة : 245]. فذكر في هذه الآية أنه يضاعف القرض أضعافًا كثيرة، ولم يقل في آية الحديد ذلك، وإنما قال: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} فلم ذاك ؟ والجواب: أنه قال في آية الحديد: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} فزاد الأجر الكريم على المضاعفة فأغنى ذلك عن قوله: {أَضْعَافًا كَثِيرَةً} ولم يقل مثل ذلك في البقرة. جاء في (البحر المحيط): "والظاهر أن قوله: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} هو زيادة على التضعيف المترتب على القرض، أي وله مع التضعيف أجر كريم" (2). والأجر الكريم: هو الحسن البالغ الجودة والجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل (3)، فذكر جزاء القرض الحسن في الكم وهو المضاعفة، وفي الكيف وهو وصفه بالكرم. وقد تقول: ولكنه ذكر في البقرة الأضعاف الكثيرة وهو الكم ولم يذكر الكيف، ثم إن خاتمة كل من الآيتين تختلف عن الأخرى، فلم ذلك؟ فنقول: إن سياق كل من الآيتين يقضي بذاك، فإن آية الحديد وردت في سياق الإنفاق، فقد تكرر طلب الإنفاق في السورة، فقد قال قبل الآية: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}، وقال بعد ذلك: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ....} ثم جاءت الآية: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}. في حين لم يكن الإقراض في البقرة في سياق الإنفاق، وإنما هو في سياق القتال، فناسب ذلك ذكر الجزاء في آية الحديد بالكم والكيف. كما ناسب أن يكون ختام كل آية السياق الذي وردت فيه، فلما كان السياق في البقرة في ذكر الموت والقتال ناسب أن يكون ختام الآية {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فإن الموت رجوع إلى الله، والقتال مظنة الرجوع إليه. فقد قال في سياق آية البقرة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ .... وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ...... أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .....} [البقرة: 243 - 246] ويستمر الكلام على القتال. فناسب ختام كل آية السياق الذي وردت فيه. وقد تقول: لقد قال في آية سابقة من السورة: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} وقال في هذه الآية: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} فوصف الأجر، في الآية الأولى بأنه كبير، ووصفه هنا بأنه كريم، فما السبب؟ والجواب: - والله أعلم - أنه ذكر في الآية الأولى الذين آمنوا وأنفقوا، فزاد الإيمان على الإنفاق، فكبرت الدائرة واتسعت، فوصف الأجر بأنه كبير. وفي الآية الأخرى ذكر مضاعفة الأجور وهذا من الكرم، فالذي يعطي الكثير على القليل إنما هو كريم. ومن معاني (الكريم) في اللغة الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه (4). فناسب ختام كل آية الموطن الذي ورد فيه، والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 354 إلى ص 356. (1) انظر روح المعاني 27/173 – 174، التحرير والتنوير 27/377. (2) البحر المحيط 10/104. (3) لسان العرب (كرم). (4) انظر لسان العرب (كرم)، تاج العروس (كرم). الوقفة كاملة
٣٧٣٠ {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)} {يَوْمَ تَرَى}: يجوز أن يكون {يَوْمَ تَرَى} ظرفًا لقوله تعالى: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي له أجر كريم في ذلك اليوم، أو على تقدير (اذكر يوم ترى المؤمنين) تعظيمًا لذلك اليوم (1). وذكر المؤمنين والمؤمنات كما ذكر بعد ذلك المنافقين والمنافقات والمصَّدقين والمصّدقات لتنال البشري جميع من آمن وينال التبكيت جميع من نافق. {يَسْعَى نُورُهُمْ} قال: (يسعى) ولم يقل: (يمشي) للدلالة على إسراعهم أو الإسراع بهم للدخول إلى الجنة، وإلا لو كان النور يسعى وهم يمشون لسبقهم النور وتركهم في الظلمة. وأسند السعي إلى النور ولم يقل (يسعون) لأن السعي قد يفضي بهم إلى الجهد والتعب، فأسند السعي إلى النور للدلالة على أنه يسعى بهم في مراكب أو محاف أو مطايا أو بغير ذلك، "وذلك على الصراط يوم القيامة وهو دليلهم إلى الجنة" (2). وأضاف النور إليهم فقال: (نورهم) ولم يقل: (يسعى النور)، للدلالة على أنه نور أعمالهم، فيعطى لكل مؤمن نور على قدر عمله. {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} ذكر هاتين الجهتين لأن ما بين أيديهم هو الأمام وهي جهة السير والسعي، والأيمان هي جهة إيتاء كتب السعداء، ولم يذكر الشمائل لأنها جهـة كتب الأشقياء، جاء في (الكشاف): "وإنما قال: {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم" (3). قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} [الانشقاق: 10 – 11]. وقال (بأيمانهم): ولم يقل: (عن أيمانهم) للدلالة على أن النور ملاصق للأيمان وليس مبتعدًا أو منحرفًا عنها. وقـال: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ولـم يقـل: (المسلميـن والمسلمات) لإخراج المنافقين والمنافقات الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم وقد أسلموا ظاهرًا، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، وقال: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 357 إلى ص 358. (1) انظر الكشاف 4/63، تفسير الرازي 29/223. (2) فتح القدير 5/240. (3) الكشاف 4/63. {بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)} حذف القول، أي مقولًا لهم أو يقال لهم، لإرادة أن الأمر مشاهد مرئي مسموع وليس إخبارًا عن غائب، فأنت ترى المؤمنين وتسمع القول من دون أن تخبر بذاك، والدليل على ذلك قوله: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ} فذكر الرؤية مما يدل على أن الأمر مشاهد لا منقول سماعًا. والمراد بالبشرى ما يبشر به، أي ما تبشرون به جنات (1). وذكر (اليوم) لأن ذلك كائن في ذلك اليوم وليس بعده، فهو قريب واقع، وقوله: {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} واقع على جميع ما مر ذكره في الآية وآخره الجنة، فالنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم فوز عظيم، والبشرى فوز عظيم، والجنات فوز عظيم، والخلود فيها فوز عظيم. والذي يدل على أن البشري فوز عظيم قوله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 63 - 64]. وعرف الفوز وجاء بضمير الفصل للدلالة على القصر وعلى أن ذلك وحده هو الفوز العظيم وليس ثمة فوز غيره، وأن ما عداه هو الخسران المبين. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 359 إلى ص 359. (1) انظر روح المعاني 27/174. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 3721 إلى 3730 من إجمالي 26698 نتيجة.