| ٢١ |
آية (٢٥٥) - آية الكرسيّ - سيّدة آي القرآن الكريم :
"اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"
* (اللّهُ) بدأ الإخبار عن الذات الإلهية ونلاحظ أن كل جملة في هذه الآية تصح أن تكون خبراً للمبتدأ (الله) لآن كل جملة فيها ضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى: الله لا تأخذه سنة ولا نوم، الله له ما في السموات وما في الأرض، الله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، الله يعلم مابين أيديهم وما خلفهم، الله لا يحيطون بعلمه إلا بما شاء، الله وسع كرسيّه السموات والأرض، الله لا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم.
* (لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ) بدأت الآية بالتوحيد ونفي الشرك وهو المطلب الأول للعقيدة عن طريق الإخبار عن الله.
* (الْحَيُّ) الحيّ معرّفة، والحيّ هو الكامل الإتصاف بالحياة ولم يقل حيّ لأنها تفيد أنه من جملة الأحياء. فالتعريف بـ(ال) هي دلالة على الكمال والقصر لأن ما سواه يصيبه الموت. والتعريف قد يأتي بالكمال والقصر، فالله له الكمال في الحياة وقصراً فالله هو الحيّ لا حيّ سواه على الحقيقة لآن كل ما عداه يجوز عليه الموت وهو الذي يفيض على الخلق بالحياة.
* (الْقَيُّومُ) من صيغ المبالغة من القيام، ومن معانيها القائم في تدبير أمر خلقه ، ومن معانيها القائم على كل شيء ، ومن معانيها الذي لا ينعس ولا ينام لأنه إذا نعس أو نام لا يكون قيّوماً ومن معانيها القائم بذاته وهو القيّوم جاءت معرّفة لأنه لا قيّوم سواه على الأرض حصراً.
* (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) المتعارف عليه أن يأتي النعاس ثم ينام الإنسان، ولهذا جاءت (سِنَةٌ) في ترتيب الآية قبل النوم وهذا ما يعرف بتقديم السبق، فهو سبحانه لا يأخذه حتى ما يتقدم النوم من الفتور.. ولم يقل سبحانه لا (تأخذه سنة ونوم) أو (سنة أو نوم) ففي قوله سنة ولا نوم ينفيهما سواءً اجتمعا أو افترقا لكن لو قال سبحانه سنة ونوم فإنه ينفي الجمع ولا ينفي الإفراد فقد تأخذه سنة دون النوم أو يأخذه النوم دون السنة.
* (لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) :
- الجملة تفيد التخصيص فهو لا يترك شيئاً في السموات والأرض إلا هو قائم عليه سبحانه.
- جاءت بعد (الحيّ القيّوم) ليدلّ على أنه قيوم على ملكه الذي لا يشاركه فيه أحد غيره وهناك فرق بين من يقوم على ملكه ومن يقوم على ملك غيره، فالأخير قد يغفل عن ملك غيره أما الذي يقوم على ملكه لا يغفل ولا ينام فسبحانه له كمال القيومية.
- قدّم الجار والمجرور (لَّهُ) على المبتدأ (مَا فِي السَّمَاوَاتِ) ذلك له حصراُ قصراً فنفى الشرك له في الملك.
- (ما) تفيد ذوات غير العاقل وصفات العقلاء، فجمع العقلاء وغيرهم ولو قال (من) لخصّ العقلاء. (ما) بقصد الإحاطة والشمول.
* (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) :
- دلالة واضحة على تبيان ملكوت الله وكبريائه فلمّا قال (لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) شمل ما في الدنيا ثم (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) هذا في الآخرة، فدلّ هذا على ملكه وحكمه في الدنيا والآخرة.
- (مَن ذَا) أسلوب الإستفهام الإنكاري أقوى من النفي.
- دلّ هذا على أنه حيّ قيّوم كيف؟ لأن الذي يُستشفع عنده حيّ والذي لا يستطيع أحد أن يتقدم إلا بإذنه يجعله قائم بأمر خلقه.
- دلَّ على شرف ومكانة الشافع عند الله تعالى وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
- قال (إِلاَّ بِإِذْنِهِ) فلا أحد يشفع عند الله بحق الله ولكن يشفع من خصّه الله تعالى بهذا الإذن وهذه كرامة ما بعدها كرامة.
- الفرق بين (مَن ذَا الَّذِي) و (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ) في سورة الملك (٢٠) :
(هَذَا) مكون من (هـ) للتنبيه والتوكيد و(ذا) اسم الإشارة فإذا كان الأمر لا يدعو إليها لا يأتي بها.
سياق الآيات في سورة الملك في خطاب الكافرين في مقام تحدّي الندّ وليس مقام شفاعة ولذلك جاء بـ(هـ) التنبيه للإستخفاف بالشخص الذي ينصر من دون الرحمن فهو أشد وأقوى من سياق آية الكرسي التي هي في سياق المؤمنين والشفاعة والشفيع هو طالب حاجة يرجو قضاءها ويعلم أن الأمر ليس بيده وإنما بيد من هو أعلى منه.
كما أن التعبير في آية الكرسي اكتسب معنيين: قوة الإستفهام والإشارة ولو قال (من الذي) لفاتت قوة الإشارة بينما آية الملك دلت على الإشارة فقط. ولا يوجد تعبير آخر أقوى من (مَن ذَا) لكسب المعنيين معاً بمعنى (من الذي يشفع ومن هذا الذي يشفع).
* (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) :
في سورة مريم (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) ولم ترد على هذا الاسلوب في آية الكرسي:
ففي سورة مريم سياق الآيات عن الملك (ولهم رزقهم فيها، تلك الجنة التي نورث من عبادنا، رب السموات والآرض..) الذي يرزق هو الذي يورّث فهو مالك، وقوله رب السموات فهو مالكهم، أما في آية الكرسي فالسياق في العلم (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) وبعدها (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء).
* (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء) :
- لم يقل ولا يعلمون شيئاً من علمه لأن الإحاطة تقتضي الإحتواء على جميع أطراف الشيء بحيث لا يشذّ منه جزء من أوله ولا آخره فأراد ربنا أن يصور لنا قصر علمنا وضعف مداركنا فنحن قد نعلم شيئاً كان مجهولاً بالأمس ولكننا لا نستطيع أن نحيط بكل ما يلزم عنه ولا نقدر على إدراك كل ما له به صلة ولذلك فإن علومنا قابلة للتبديل والتعديل.
- انظر أيضاً إلى قوله تعالى (بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ) ولم يقل ولا يحيطون بعلمه وهذا مزيد من الدقة في تصغير معارفنا وعلومنا.
- (إِلاَّ بِمَا شَاء) تحتمل معنيين في اللغة: أن تكون (ما) مصدرية بمعنى (إلا بمشيئته) أو أن تكون اسماًً موصولاً بمعنى (إلا بالذي شاء) وهنا جمع المعنيين أي لا يحيطون بعلمه إلا بمشيئته وبالذي يشاؤه نوعاً وقدراً.
- ذكر نفي الإحاطة بالذات في سورة طه ونفى الإحاطة بالعلم في آية الكرسي ففي سورة طه جاءت الآية تعقيباً على عبادة بني اسرائيل للعجل وقد صنعوه بأيديهم وأحاطوا به علماً والله لا يحاط به، فناسب أن يقول (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) أما في آية الكرسي فالسياق جاء في العلم.
* (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) :
- دلّ على أن السموات والأرض من ملكه، وقبلها قال تعالى (لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) فدلّ على أن الذي فيهما هو ملكه أيضاً لأن المالك قد يملك الشيء لكن لا يملك ما فيه وقد يكون العكس.
- استخدام صيغة الماضي في فعل (وَسِعَ) تدلّ على أنه وسعهما فعلاً فلو قال يسع لكان فقط إخبار عن مقدار السعة فعندما نقول تسع داري ألف شخص فليس بالضرورة أن يكون فيها ألف شخص ولكن عندما نقول وسعت داري ألف شخص فهذا حصل فعلاً .
- (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) الله أعلم بما يليق بذاته ونحن نقف عند ما قال ربنا ، وفي اللغة يستعملون الكرسيّ مجازاً يقصدون به القدرة والملك والتدبير أي وسع ملكه وعلمه السموات والأرض، فاشغل نفسك بما كلفك الله به وما ستسأل عنه يوم القيامة.
* (وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) :
- جاء بـ (لا) للدلالة على الزمن المطلق أي (لا يمكن أن يحصل) لا يثقله ولا يجهده.
- استعمال صيغة المثنى (حِفْظُهُمَا) للسموات والأرض لأنه جعلهما مجموعتين، السموات كتلة واحدة والأرض كتلة واحدة.
- (أل التعريف) لأنه لا عليّ ولا عظيم على الحقيقة سواه فهو العليّ العظيم حصراً والعليّ من العلو والغلبة والسلطان والعلو عن النظير والمثيل. والعظيم من العظمة، وهذين الوصفين وردا مرتين في ملك السموات والأرض في آية الكرسي في سورة البقرة، وفي سورة الشورى (له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم) والأمرين في ملك السموات والأرض بما يدلّ على العلو والعظمة حصراً له سبحانه.
* الخطوط التعبيرية في الآية:
- الملاحظ في آية الكرسي أنها ذكرت في بدايتها صفتين من صفات الله تعالى (الحيّ القيّوم) وانتهت بصفتين (العليّ العظيم) وكل جملة في الآية المباركة تدل على أنه الحيّ القيّوم والعليّ العظيم سبحانه تقدست صفاته. فالذي لا إله إلا هو هو الحي القيوم والذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو حيّ وقيّوم والذي له ما في السموات وما في الأرض أي المالك والذي يدبر أمر ملكه هو الحيّ القيوم والذي لا يُشفع عنده إلا باذنه هو الحي القيوم والذي يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحاط بشيء من علمه هو الحيّ القيّوم القيّم على الآخرين والذي وسع كرسيه السموات والأرض هو الحيّ القيّوم والذي لا يؤده حفظهما هو الحيّ القيّوم لأن الذي يحفظ هو الحي القيوم، والحي القيوم هو العلي العظيم والذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو العلي العظيم والذي له ما في السموات وما في الأرض هو العلي العظيم والذي لا يشفع عنده إلا باذنه هو العلي العظيم والذي يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم والذي لا يحاط بعلمه إلا بما شاء هو العليّ العظيم.
- الملاحظ في الآية أنها تذكر من كل الأشياء اثنين اثنين، بدأها بصفتين من صفات الله تعالى (الحي القيوم) وذكر اثنين من النوم(سنة ونوم) وكرّر (لا) مرتين (لا تأخذه سنة ولا نوم) وذكر اثنين في الملكية (السموات والأرض) وكرر (ما) مرتين وذكر اثنين من علمه في (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) وذكر اثنين مما وسعه الكرسي (وسع كرسيه السموات والأرض) وختم الآية باثنين من صفاته (العليّ العظيم).
وقد ورد اسمين من أسماء الله الحسنى مرتين في القرآن: في سورة البقرة (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ومرة في سورة (آل عمران) في الأية الثانية (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) (لاحظ الرقم ٢). والعلي العظيم وردت مرتين أيضاً في القرآن مرة في سورة البقرة في آية الكرسيّ ومرة في سورة الشورى في الآية الرابعة.
الوقفة كاملة
|
| ٢٢ |
آية (٢٥٩) : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
* دلالة (فَأَمَاتَهُ) هنا وإستخدام الضرب على السمع في الكهف (فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)) :
أولاً أهل الكهف لم يموتوا وإنما ناموا ولذلك لا يصلح أن يقال: أماتهم. أما (أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) نلاحظ أنه إستعمل كلمة يحيي وكلمة الموت فناسب ذلك أن يقول (فأماته الله) لأنه تكلم عن موت وحياة.
* قال (فَأَمَاتَهُ) ولم يقل (أحياه) لأن أحياه أي جعل فيه الروح، جعله حياً. أما بعثه أي جعله ينهض فالبعث فيه معنى الإنهاض، بعثه يعني الحياة جزء منه. الفعل بعث له معنيان متقاربان: المعنى الأول: أرسله والإرسال كأنه بعد تقييده كأنه كان عنده ثابت ثم أرسله لذلك يقولون أرسل السهم. ثم فيه معنى النهوض: يقول بعث الناقة لما تكون باركة أي أقامها وأنهضها بأن حلّ رباطها. هذان المعنيان متقاربان: بعثه أي أنهضه كاملاً مبصراً عاقلاً لأنه بعث بمعنى إستوى قائماً كما تستوي الناقة واقفة إذا بعثتها.. فلما ينهض هذا النائم الميت أي نهض بوعيه بعقله حتى يحاور حتى يقال له كم لبثت؟ ويجيب. ثم ختامها (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) لما عُرِّف قدرة الله سبحانه وتعالى ثم بدأ الحمار يتكوّن شيئاً فشيئاً فعند ذلك قال (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) مسألة كان يعلمها لكنه متعجب أنها قرية ميتة كيف يبعثها الله تعالى؟ لكنها الآن أصبحت يقيناً.
* الفرق بين ذكر التنوين وحذفه فى (ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) الكهف) و (بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ) :
فى الكهف سنين بدل وليس تمييز عدد ، لو أضفنا نقول مائة سنة لكن فى الكهف ليست مضافة، ثلاث مائة لم تضفها حتى تقول ثلاث مائة سنة،. (سنين) بدل لأن تمييز العدد له أحكام بعد المائة والألف يكون مفرد مضاف إليه (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا (١٤) العنكبوت) (بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ (٢٥٩) البقرة) (ثَلَاثَ مِائَةٍ) نوّن لأن هذا أمر عجيب فنوّن، هذا تنوين التمكين لكن الغرض منه، لماذا لم يضف؟ لأن الأمر يدعو إلى العجب والتعجيب (ثَلَاثَ مِائَةٍ) أبهمت ويسمى الإيضاح بعد الإبهام. إذا قلنا (ثَلَاثَ مِائَةٍ) السامع لا يتوقع أو لا ينتظر منك شيئاً آخر لأنه لو أردت أن تضيف لأضفت بعد المائة، إذن انتهى السائل فإذا جئت بالبدل تكون أتيت بشيء جديد ما كان يتوقعه قالوا الإيضاح بعد الإبهام.
* (وَلِنَجْعَلَكَ) على ماذا مععطوفة؟ لما نجد العطف على مقدر محذوف نفهم أن هناك أموراً أخرى لم يذكرها ، فعندما أحياه الله تعالى هل فقط ليجعله آية للناس؟ هنالك أمور أخرى لكن ذكر منها (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ)،
* في قراءة عاصم (كَيْفَ نُنشِزُهَا) وفي قراءة ورش (كيف نَنشرها) فما الفرق في المعنى بين الكلمتين؟
نُنشزها هذه قراءة حفص أي نردها إلى أماكنها لأنه لما الحمار مات سقطت عظامه، فنُنشزها يعني نرفعها من مكانها ونضع كل واحدة في مكانها، أمّا نُنشرها يعني نحييها، من النشور (ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ (٢٢) عبس) يعني أحياه. نَنشرها النشر ضد الطيّ كأنها كانت مجموعة نبسطها. الإثنتان فيهما إحياء لكن مراحل، العظام كانت مجتمعة ينشرها ويرفعها ويحييها. تدور الدلالة في فلك واحد حول الإحياء، لكن كل واحدة لها دلالة.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣ |
آية (٢٦٠) : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
*ما اللمسة البيانية في كلمة (وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) على لسان إبراهيم :
إبراهيم عليه السلام في هذا الطلب كان يناجي ربه وربه يخاطبه إذن المسألة لا علاقة لها بقوة الإيمان لأن إيمانه لا شك فيه فمخاطبة الله عز وجل هي أعلى ما يمكن أن يكون من أسباب الإيمان، فلا يحتاج إلى دليل، الله سبحانه وتعالى يعلم أنه مؤمن، والتساؤل (أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى) هو لتقرير أمر للسامعين لأن السامع لما يسمع سؤال إبراهيم عليه السلام سيسأل : ألم يكن إبراهيم كامل الإيمان؟ إذن أثبت الإيمان لإبراهيم عليه السلام حتى لا يخطر في قلوبنا أنه طلب هذا الأمر ليثبت إيمانه. إذن ما موضع الإطمئنان هنا؟
علماؤنا يقولون أن إبراهيم عليه السلام كان يتطلع إلى أن يرى سر الصنعة الإلهية كيف تكون؟ والقلب نقول أنه غير مطمئن إذا كان يشغله شيء. (أَرِنِي) أريد أن أرى رؤية العين لأن إحياء الموتى لا يُرى فهو كان يتطلع إلى أن يرى هذا الشيء . والله تعالى لم يجبه لِماذا تريد أن ترى؟ فالأنبياء مقرّبون إلى الله سبحانه وتعالى هو يختارهم فلا يفاجئهم بردٍ يضربهم على أفواههم، ولذلك قيل له: خذ أربعة من الطير ويبدو أن الجبال التي حوله كانت أربعة (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي إحملهن إليك حتى تتعرف إليهن وترى أشكالهن وهي أيضاً تشم رائحتك وتتعرف من أنت. ما قال القرآن قطّعهن لأن هذا معلوم من كلمة (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا). إذن أربعة طيور قسمهن أربعة أقسام ومن كل طير وضع قسماً على جبل فاجتمعت. جميعاً بمجرد أن ناداها وجاءت إليه مسرعات (يَأْتِينَكَ سَعْيًا).
في موقف شبيه في قصة العزير أراه مثالاً في نفسه هو. مسألة إحياء الموتى كانت تداعب أذهان وفكر الكثيرين من باب الإطلاع على الشيء ولمعرفته وليس للشك لأنه كان هناك يقين بأن الله تعالى يحيي الموتى وهذا هو الإيمان.
* (من) في قوله (مِّنَ الطَّيْرِ) تدل على التبعيض وهذا يضيف معنى آخر وهو التعدد والاختلاف خلافاً لقولنا أربعة طيور التي لا تدل على تعدد أنواعها فقد تكون من صنف واحد وحتى لا يتوهم مشكك بأن بعض الأنواع أهون بالإحياء والبعث من بعض.
* (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ) (ثم) تفيد الترتيب والتراخي والفاء تدل على التعقيب، (ثم) في الآية تفيد معنيين:
- حتى يجعل لإبراهيم متسعاً في الحركة وينتقل من جبل إلى جبل فصعود أربعة جبال يحتاج وقتاً.
- هذا أدل على قدرة الله لأنه بمرور الزمن اللحم قد يفسد وكلما كان أقرب للذبح سيكون أسرع في الحياة، لكن حتى يبين أنه حتى لو تأخر الوقت سيحصل الأمر وستأتيك الطيور مسرعة، بينما لو جاء بالفاء لم يفد هذين المعنيين.
*(يَأْتِينَكَ سَعْيًا) :
- السعي هو نوع من أنواع المشي لا من أنواع الطيران ولكن خصّ ربنا تعالى إجابة الطيور بالسعي لا بالطيران مع أن هذا مخالف لطبيعة الطير ليكون دليلاً وآية على عودة الحياة بعد موت والحياة التي رُدّت إليهن مخالفة لحياتهن السابقة ولذلك عجزن عن الطيران لأنه غير معهود بهذه الحياة الجديدة.
- (سَعْيًا) لم يقل ساعيات مع أنها حال وهذا يفيد المبالغة فعندما تقول أقبل راكضاً، راكضاً يدل على الحدث وصاحب الحدث، أقبل ركضاً تحوّل الشخص إلى مصدر، هو صار ركضاً. ولذلك ما قال ساعيات اي ليس فيهن شيء يُثقلهن من المادة يتحولن من أقصى الهمود إلى حركة أي هنّ أصبحن سعياً.
* دلالة ختام الآية (وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وليس على كل شيء قدير:
- أولاً سياق الآية قد يحسم الأمر لدى المتكلم حسب ما يريده على ماذا يريد أن يركز؟ فقبلها كان الكلام عن إبراهيم عليه السلام لما قال (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ) ألا يعلم الآن أن الله على كل شيء قدير؟ يعلم. واستدل بذلك على ما سبق من الآيات (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) إذن هو يعلم، (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) إذن هو يؤمن وإنما الآن يريد أمراً آخر.
- الآيات جاءت في سياق النمرود لما قال (قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ) جاء بشخصين قتل واحد وأطلق الآخر، هو معتز بحكمه عزيز وحاكم لذا قال (وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ربنا هو العزيز الحكيم والخطاب في الآية موجه إلى إبراهيم عليه السلام .
- جاء قبل هذه الآية (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) والطاغوت كل رأسٍ ظالم يعتز بحكمه ويخرج الناس بالبطش والإنكال والتنكيل من النور إلى الظلمات، فالسياق يقتضي (أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) لا الطاغوت المتجبر ولا الظالم إنما الله.
- يقول المفسرون أن الله تعالى إذا خرق الناموس والأسباب فلعزته وحكمة يريدها هو، والذي يفعل هكذا هو الحاكم والقادر والعزيز فالله تعالى لا يفعل ذلك إلا لحكمة يريدها ولعزّته سبحانه فأراد ربنا لا أن يبين قدرته لأن إبراهيم يعلمها لكنه أراد أن يبين عزّته وحكمته.
الوقفة كاملة
|
| ٢٤ |
آية (١٦) : (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
* الفرق بين السبيل والصراط:
الصراط هو الطريق المستقيم الواسع ولم يرد في القرآن إلا مفرداً لأنه يُراد به الإسلام (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ (١٥٣) الأنعام) ، والصراط هو أوسع الطرق أياً كان (مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) الصافات) ويأتي الصراط دائماً موصوفاً ومضافاً يدل على أن هذا طريق الخير وذاك طريق الشر. وكما قال الزمخشري أصلها من سرط أي ابتلع لأنه يبتلع السالكين فيه.
السبيل هو الطريق السهل السبيل عام وفيه معني السعة ، يأتي مفرداً ويأتي جمعاً (سبل) لأنها سهلة ميسرة للسير فيها، وتستخدم سبل للخير والشر (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ (١٦) المائدة) طرق الخير، (وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) طرق الشر، والسبل هي الطرق المتفرعة عن الصراط لذلك تجمعه سبل الخير، سبل الشر.
الوقفة كاملة
|
| ٢٥ |
آية (١١٢) : (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
* النداء (يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ ) :
- النداء إذا كان من الأدنى إلى الأعلى لا يناديه بإسمه المجرّد والحواريون أدنى درجة من عيسى فلابد من وجود قدر من الاحترام والمجاملة.
- ينادونه باسمه الكامل كأن في نفوسهم نوع من الشك، لِمَ لم يقولوا له يا رسول الله؟ هم قرروا معرفتهم به أنه إبن مريم وأن أمه ولدته من غير أب وأنه معجزة وآية من آيات الله، هم ليسوا منكرين تماماً ولم يكونوا مؤمنين إيماناً جازماً قاطعاً، ولكنهم ما قالوا هل يستطيع ربنا وإنما قالوا (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ولما قال عيسى (اتَّقُوا اللَّهَ) قالوا (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ).
* الإستطاعة في اللغة لها معنيان: بمعنى القدرة (هل يقدر؟) والإستطاعة بمعنى الفِعل (هل تفعل؟). نضرب مثالاً: تقول لشخص فقير:هل تستطيع شراء هذه السيارة؟ أي هل لديك القدرة على شرائها؟ وإذا كان غنياً: هل لديك الرغبة أن تفعل ؟. فلما قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) لا يعنون هل يقدر ربك وإنما هل يفعل ربك إذا دعوتَه؟. من أين فهمنا هذا المعنى؟ لماذا لا يكون شكاً في قدرته سبحانه وتعالى؟
- أولاً من كونهم آمنوا فهم مؤمنون.
- الأمر الثاني من قراءة الكسائي (هل تستطيع ربَّكَ) (ربَّك) مفعول به لفعل محذوف تقديره تدعو، أي هل تقدر أن تدعو ربك؟. هذه قراءة سبعية قرأ بها جمهور كبير من العرب فهي قراءة متواترة تبيّن لنا معنى القراءات الأخرى. فلما نجمع بين القراءات: هل تفعل وتدعو ربك؟ وهل يستجيب لك؟ فالسؤال عن الإستجابة لدعاء عيسى عليه السلام وليس عن قدرة الباري عز وجل.
* ما قالوا: ربنا وإنما قالوا (رَبُّكَ) أنت مع أنهم آمنوا به. هذا فيه فائدتان:
- كأنما أوكلوا الأمر إليه أنه ربك فهذا الفعل أنت تقوم به.
- نوع من رفعة شأن عيسى أنه ربك قبل أن يكون ربنا، فيه إشارة إلى تقديم عيسى عليه السلام.
* (أن ينزّل) ليس للتدرج هنا وإنما فيه معنى التأكيد والتقوية فهم يريدون أن يؤكدوا التنزيل.
* دلالة التعبير عن الطعام بالمائدة: المائدة هي ما يكون فيها طعام وإذا لم يكن فيها طعام يقال له خِوان مثل المنضدة فإذا وضعنا عليها الطعام تكون مائدة ولا تكون مائدة من غير طعام. فلما قالوا مائدة يعني يريدون طعاماً من السماء.
الوقفة كاملة
|
| ٢٦ |
* البصر يأتي في اللغة بمعنيين إما البصر من ناحية الرؤية وهي الحاسة التي ينظر بها الباصرة، ضد الأعمى (وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) ويأتي للإبصار بالقلب ربنا يسميه بصيرة لمن كان قلبه بصيراً عنده معرفة في قلبه (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) البصيرة في القلب والبصر للرؤية وليست العين وهذا الفرق بين النظر والبصر. الخبير يعني محيط ببواطن الأمور وظواهرها، إذن خبير العلم ببواطن الأمور خبير بصير يعني عليم ببواطن الأمور وظواهرها ولعلمه ببواطن الأمور فمن باب أولى أنه عليم بظواهرها
الوقفة كاملة
|
| ٢٧ |
آية (٣) : (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)
* (اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ) (ثم) ليست دائماً للتراخي ولكن للبعد بين المنزليتن قد يكون ما بعد (ثم) أعلى ما قبلها، هو بعد معنوي وليس بعد زمني.
* (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) الفعل يؤتي فاعله الله سبحانه وتعالى، و(كُلَّ) مفعول به من البشر و(فَضْلَهُ) فيها احتمالين احتمال يعود الضمير على صاحب الفضل الذي يفعل الخير يؤتيه ربنا لا يبخس منه شيئاً يؤتيه حقه بل ويزيد عليه، واحتمال أن يعود الضميرعلى الله إن الله يؤتي صاحب الفضل فضل الله، والآية تحتمل لأن فيها أمرين والمعنيان صحيحان ومرادان.
* قال هنا (وَإِن تَوَلَّوْاْ) وأحياناً يقول (وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ (١٦) الفتح) :
هذا الحذف في اللغة جائز للتخفيف، أصل الفعل تتولوا مثل تنابزوا وتتنابزوا، تفرقوا وتتفرقوا، وفي التعبير القرآني تتولوا في الموقف الأشد وتولوا في الموقف الأخف:
- هنا قال (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) قال أعذبكم، المخوف ليس بالضرورة أن يقع، قد يُدرأ. بينما في الآية الأخرى (وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) هذا قطع. أيّ الموقفين أشد؟ الآية الثانية.
- هنا قال (عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) ما قال عذاباً كبيراً وإنما قال عذاب يوم كبير، وصف اليوم بالكبر وليس العذاب، بينما في الفتح قال (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) وصف العذاب، أيُّ الأشد؟ عذاباً أليماً.
الوقفة كاملة
|
| ٢٨ |
آية (٥) : (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
* (مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فيها احتمالان أن تكون (ما) مصدرية يعني إسرارهم وإعلانهم، وتحتمل أن تكون إسماً موصولاً يعني الذي يسرونه والذي يعلنونه، والآية تحتمل المعنيين بحذف العائد (الذي) فهو يعلم الإسرار والإعلان ويعلم الذي يسرونه ويعلنونه هذا يسمى توسع في المعنى، والمقصود كل شيء يعلم إسرارهم وإعلانهم مداره وكيفيته.
الوقفة كاملة
|
| ٢٩ |
آية (١٣) : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
* مناسبة هذه الاية لما قبلها :
هو عندما قال أنهم يقولون (لوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ) لماذا يقولون هذا غير لأنهم يعتقدون أنه ليس من عند الله وأنه مفترى؟ معناه أنهم يظنون أنه كاذب مفتري فيأتي إلى أصل القضية أنت تقول مفتريات إذن هاته!
* الفرق البياني بين قوله تعالى (مِّن مِّثْلِهِ) فى سورة البقرة و(مِثْلِهِ) فى سورة هود؟
أولًا: إذا افترضنا أن لهذا الشيء أمثالاً فيقول: ائتني بشيء (مِّن مِّثْلِهِ)، أما عندما نقول : ائتني بشيء (مثله) فهذا لا يفترض وجود أمثال لكنه محتمل أن يكون له مثيل فإن كان موجودًا ائتني به وإن لم يكن موجوداً فافعل مثله.
ثانيًا: قال تعالى في سورة البقرة (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ) وهي بلا شك أعم مما جاء في سورة هود (افْتَرَاهُ) لأن مظنة الإفتراء أحد أمور الريب.
ثالثًا: المفسرون وضعوا احتمالين لقوله تعالى (مِّن مِّثْلِهِ) أي من مثل القرآن أومن مثل هذا الرسول الأمي الذي ينطق بالحكمة أي فاتوا بسورة من القرآن من مثل رجل أمي كالرسول صلى الله عليه وسلم، وعليه فإن (مِّن مِّثْلِهِ) أعمّ لأنه تحتمل المعنيين أم (مِثْلِهِ) فهي لا تحتمل إلا معنى واحداً وهو مثل القرآن ولا تحتمل المعنى الثاني.
رابعًا: أنه حذف مفعولي الفعلين المتعديين في قوله (فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا) والحذف قد يعني الإطلاق عموماً في اللغة.
* هل يمكن أن نضيف كلمة مفتراة في سورة البقرة فيقول مثلاً فاتوا بسورة من مثله مفتراة كما قال (مفتريات) في هود؟
هذا التعبير لا يصح من عدة جهات:
أولًا: هم لم يقولوا افتراه كما قالوا في سورة هود.
ثانيًا: وهو المهم أنه لا يُحسن أن يأتي بعد (مِّن مِّثْلِهِ) بكلمة مفتراة لأنه عندما قال من مثله افترض وجود مثيل له فإذن هو ليس مفترى ولا يكون مفترى إذا كان له مثيل إذن تنتفي صفة الافتراء مع افتراض وجود مثل له.
ثالثًا: لا يصح أن يقول في سورة هود أن يأتي بـ (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) لأن استخدام (مِّن مِّثْلِهِ) تفترض أن له مثل إذن هو ليس بمفترى ولا يصح بعد قوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) أن يقول (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) لنفس السبب الذي ذكرناه سابقاً. إذن لا يمكن استبدال إحداهما بالأخرى.
رابعًا: قال تعالى في آية سورة البقرة (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ولم يقل ادعوا من استطعتم كما قال في هود (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) لأنه في آية سورة البقرة عندما قال (مِّن مِّثْلِهِ) افترض أن له مثل إذن هناك من استطاع أن يأتي بهذا المثل وليس المهم أن تأتي بمستطيع لكن المهم أن تأتي بما جاء به فلماذا تدعو المستطيع إلا ليأتي بالنصّ؟ فقال (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) ليشهدوا إن كان هذا القول مثل هذا القول فالموقف إذن يحتاج إلى شاهد محكّم ليشهد بما جاءوا به وليحكم بين القولين. أما في آية سورة هود فالآية تقتضي أن يقول (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) ليفتري مثله، هم قالوا افتراه فيقول تعالى ادعوا من يستطيع أن يفتري مثله كما يقولون، إذن في سورة البقرة أعمّ وأوسع لأنه تعالى طلب أمرين: دعوة الشهداء ودعوة المستطيع ضمناً أما في آية سورة هود فالدعوة للمستطيع فقط.
ومما سبق نلاحظ أن الآية في سورة البقرة بُنيت على العموم أصلاً (لا ريب، من مثله، الحذف قد يكون للعموم، ادعوا شهداءكم). ثم إنه بعد هذه الآية في سورة البقرة هدّد تعالى بقوله (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)) والذي لا يؤمن قامت عليه الحجة ولم يستعمل عقله فيكون بمنزلة الحجارة.
* حدد في آية سورة هود السور بعشر سور لأن هذا من طبيعة التدرج في التحدي يبدأ بالكل ثم بالأقل فالأقل.
الوقفة كاملة
|
| ٣٠ |
آية (٣٠) : (وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)
* ذكر نوح أمرين يمنعان من طرد من آمن معه:
- (إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ (٢٩)) هو أعلم بحالهم.
- ثم قال لا أستطيع ذلك ليس الأمر إلي إن فعلت ذلك سيعاقبني (مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ) من يمنعني منه؟
* (مَن يَنصُرُنِي) استفهام أي لا يوجد أحد ينصرني، يجب أن يكون هناك ذات قوية أعلى منه ولا يوجد.
* (يَنصُرُنِي مِنَ) هي في الأصل نصره على (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) لما يقول نصره منه أي نجّاه منه، ليس بالمعنى الحرفي فالنصر ليس هو النجاة لكن هذا باب التضمين ليشمل معنيين؛ النصر والنجاة، هنا من ينصرني من الله؟ من ينجيني منه؟ يعني من يمنعني هل هنالك ذات تنصره؟
* قال (إِن طَرَدتُّهُمْ) بصيغة الماضي ولم يقل إن أطردهم:
إذا جاء الفعل الماضي بعد أداة الشرط فالغالب أن القرآن يستعمله لما يراد به مرة واحدة يستعمله القرآن (إِن طَرَدتُّهُمْ)، وإن جاء مضارعاً فمظنة التكرار أكثر من مرة، (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا) لأن هذا قتل خطأ، بينما (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) هذا مظنة التكرار، إن أطردهم معناها يتكرر لكنه إن طردهم ستأتيه العقوبة ولن ينجيه أحد من الله حتى يكرر فعله.
* (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) لم يقل تتذكرون:
إسأل أي واحد من ينصرني من الله؟ لا أحد، إذن لا تحتاج إلى طول تفكير الأمر واضح، تتذكرون قد تحتاج إلى طول، (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) هو كأنما يذكرهم بأمر غائب عنهم.
الوقفة كاملة
|