التدبر

٢٣٩١ برنامج ليدبروا آياته سبيل العفاف سورة النور أية 31 الوقفة كاملة
٢٣٩٢ برنامج ليدبروا آياته من بديع صنع الخالق سورة النور أية 41 الوقفة كاملة
٢٣٩٣ برنامج ليدبروا آياته رفع الحرج سورة النور أية 61 الوقفة كاملة
٢٣٩٤ برنامج ليدبروا آياته سورة البقرة أية 183 الوقفة كاملة
٢٣٩٥ برنامج ليدبروا آياته سورة البقرة أية 185 الوقفة كاملة
٢٣٩٦ برنامج ليدبروا آياته سورة البقرة أية 121 الوقفة كاملة
٢٣٩٧ برنامج ليدبروا آياته سورة البقرة أية 186 الوقفة كاملة
٢٣٩٨ برنامج ليدبروا آياته سورة الفلق أية 1 الوقفة كاملة
٢٣٩٩ برنامج ليدبروا آياته سورة الناس أية 1 الوقفة كاملة
٢٤٠٠ برنامج ليدبروا آياته سورة البقرة أية 185. الوقفة كاملة

تفسير و تدارس

٢٣٩١ خواطر الشعراوي سورة القمر الوقفة كاملة
٢٣٩٢ بينات 1433 الوقفة كاملة
٢٣٩٣ بينات 1433 الوقفة كاملة
٢٣٩٤ بينات 1433 الوقفة كاملة
٢٣٩٥ بينات 1433 الوقفة كاملة
٢٣٩٦ بينات 1433 الوقفة كاملة
٢٣٩٧ تفسير سورة البقرة - دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٣٩٨ سورة الملك - دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٣٩٩ سورة الملك - دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٤٠٠ سورة الملك - دورة الأترجة الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٢٣٩١ ﴿أَلْهَاكُمُالتَّكَاثُرُ (1) حَتَّىزُرْتُمُالْمَقَابِرَ (2) كَلَّاسَوْفَتَعْلَمُونَ (3) ثُمَّكَلَّاسَوْفَتَعْلَمُونَ (4) كَلَّالَوْتَعْلَمُونَعِلْمَالْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّالْجَحِيمَ (6) ثُمَّلَتَرَوُنَّهَاعَيْنَالْيَقِينِ (7) ثُمَّلَتُسْأَلُنَّيَوْمَئِذٍعَنِالنَّعِيمِ (8)﴾[التكاثر: 1-8] هذه السورة العظيمة مؤثرة جدا في كل من ألقى السمع وهو شهيد، تقرع القلوب، وتهزها هزا يعيدها إلى جادة الحق، إذا أراد الله تعالى لأصحابها خيرا في الدارين. ولي في هذه السورة تنبيهات: التنبيه الأول: تأملوا قوله:﴿أَلْهَاكُمُالتَّكَاثُرُ﴾ حيث أسند الله تعالى الإلهاء إلى التكاثر، ومع أن اللاهين هم الكفار، ولهوهم يكون عن الإيمان، أو هم المؤمنون، ولهوهم يكون عن الأزدياد من الصالحات، وإسناد الإلهاء إلى التكاثر أبلغ من قول: (لهوتم بالتكاثر)؛ لأنه في الآية الكريمة السبب الوحيد في الغفلة والبعد عن الإيمان أو الطاعات؛ فكأنه لا سبب غيره، أما لو لم يسند إليه لكان سببا من أسباب كثيرة. ثم تأملوا قوله:﴿التَّكَاثُرُ﴾ فصيغة التفاعل تدل على التفاخر في ذلك والتباهي به، وتدل على فشوهما في المتخاصمين أو في القبائل، فكل قبيلة تفاخر الأخرى حتى تشتغل بذلك عن الإيمان والطاعة، وكل واحد من المتكاثرين همه أن يكاثر صاحبه، ولذلك لو حصلت الكثرة من غير تكاثر لم تضر. ولم يحدد الله المتفاخر به؛ ليعم كل ما يمكن أن يدخل فيه من مال، أو عبيد، أو أولاد، أو مزارع، أو مصانع، أو علوم لا يراد بها وجه الله تعالى، فالإيجاز بالحذف هنا دل على العموم؛ لأن المهم ليس المتكاثر به، بل المهم التكاثر نفسه، وما ينتج عنه من صرف لصاحبه عن الإيمان والطاعة. التنبيه الثاني: في قوله تعالى: ﴿حَتَّىزُرْتُمُالْمَقَابِرَ﴾ سمع أعرابي رجلا يقرأ هذه الأية، فقال: (بعث القوم للقيامة ورب الكعبة)، وقال علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- : (ما زلنا نشك في عذاب القبرحتى نزلت : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿1﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿2﴾ ﴾). وقال عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- بعد أن قرأ الآية: (ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله، إما إلى جنة إو إلى نار). فالتعبير عن الموت بالزيارة تعبير في غاية البلاغة عن كون الموت مرحلة برزخية، ينتقل بعدها الموتى إلى دار الأخرى، فليست القبور دار استقرار، ولا أهلها باقون فيها، وإنما هم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرون مدة، ثم يرحلون عنها، كما هو شأن الزائر، يرحل ولو بعد حين. فما أجمله من تعبير!!! التنبيه الثالث: قوله: ﴿كَلَّاسَوْفَتَعْلَمُونَ﴾ قيل: إنها تأكيد لقوله قبله ﴿كَلَّاسَوْفَتَعْلَمُونَ﴾ والصحيح أن العلم الأول يكون عند نزول الموت بهم، فيعاينون العذاب، وما بعد ﴿ثُمَّ﴾ مقصود به العلم بعذاب القبر. وذكر ابن القيم –رحمه الله- خمسة أدلة على ذلك، هي: الأول: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني:توسط ﴿ ثُمَّ ﴾ بين العلمين – وهي تفيد الترتيب مع التراخي -، فهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبتين حقيقة زمانا وخطرا. الثالث:أن هذا القول مطابق للواقع؛ فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حيقية ما سيكون عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، فهو فوق العلم الأول. الرابع:أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وغيره من السلف فهموا من الآية أن المقصود بها عذاب القبر. الخامس:أنه ذكر عذاب النار بعده, فقال ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿5﴾ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿6﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿7﴾ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴿8﴾ ﴾ فدل على أن الأول غير مراد به النار. وقيل: إن الأول توعد بما ينالهم في الدنيا، والثاني توعد بما أعد لهم في الآخرة، فليس في السورة تكرار. الوقفة كاملة
٢٣٩٢ قوله تعالى: ﴿إِنَّاأَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿1﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿2﴾ ﴾ [الكوثر: 1، 2] يفرق علماء اللغة بين (أعطى)و(آتى)، فيجعلون الإيتاء أقوى من الإعطاء، ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾[آل عمران: 26]، ويقولون: إن الملك شئ عظيم لا يعطيه الله إلا من له قوة، ولذلك تأمل قوله: ﴿ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ تجدها قوية دالة على تمكن الملك قبل النزع. إذا عرفت هذا فربما قلت: كيف استعمل في سورة (الكوثر) الإعطاء، فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾، ولم يقل: (إنا آتيناك الكوثر)؟. فقال الزركشي –رحمه الله- في تعليل ذلك: " لأن النبيصلى الله عليه وسلموأمته يردون على الحوض ورود النازل على الماء، ويرتحلون إلى منازل العز، والأنهار الجارية في الجنان، والحوض للنبي صلى الله عليه وسلموأمته عند عطش الأكباد قبل الوصول إلى المقام الكريم، فقال فيه: ﴿إِنَّاأَعْطَيْنَاكَ﴾؛ لأنه يترك ذلك عن قرب، وينتقل إلى ما هو أعظم منه". والله أعلم. وتأمل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ﴾ تجده قرن الفعل بالفاء، وقد أفادت معنيين: "أحداهما:جعل الإنعام الكثير سببا للقيام بشكر المنعم وعبادته. وثانيهما:جعله سببا لترك المبالاة بقوله العدو؛ فإن سبب نزول هذه السورة أن العاص بن وائل قال: إن محمداً صنبور، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه السورة". وتأمل كيف أظهر الاسم بعد إضماره، فقال: ﴿لِرَبِّكَ﴾، ولم يقل: (لي)، ولا: (لنا)؛ للتنبيه على أنه تعالى أهل لأن يصلى له؛ لربوبيته، حيث خلق الخلق، وأبدعه، وأنشأه بنعمته، وفيه تعريض بدين العاص بن وائل وأشباهه ممن كانت عبادته ونحره لغير الله. وقال الإمام فخر الدين الرازي عن قوله:﴿ لِرَبِّكَ ﴾ : "فيه حسنان: وردوه على طريق الالتفات التي هي أم من الأمهات، وصرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر، وفيه إظهار لكبرياء شأنه، وإبانة لعزة سلطانه، ومنه أخذ الخلفاء قولهم: يأمرك أمير المؤمنين بكذا. وعن عمر – رضي الله عنه – أنه حين خطب الأزدية إلى أهلها قال لهم: خطب إليكم سيد شباب قريش مروان بن الحكم، وسيد أهل المشرق جرير بن بجلية، ويخطب إليكم أمير المؤمنين على نفسه". الوقفة كاملة
٢٣٩٣ قوله تعالى عن أبي لهب: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿4﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿5﴾ ﴾[المسد: 4، 5] فالجيد لفظ لايطلق إلا على المرأة، وبخاصة إذا ذكر الحلي والحسن، وهي موضع الحلية من عنقها، قال الأعشى: يوم أبدت لنا قتيلة عند جيد تليع تزينه الاطواق وقال ابن الرومي: وأحسن من عقد المليحة جيدها وأحسن من سربالها المتجرد وقال كثير بن عبد الرحمن: إذا ما أراد الغزو لم يثن همه حصان عليه عقد در يزينها وقال يزيد بن معاوية: إذا برزت ليلى من الخدر أبرزت لنا مبسما عذبا وجيدا مطوقا وقال الشماخ: دار الفتاة التي كنا نقول لها ياظبية عطلا حسانة الجيد وقال العرجي: أبصرت وجهاً لها في جيده تلع تحت العقود وفي القرطين تشمير وقال البهاء زهير: أبدا أزيد مع الوصال تلهفا كالعقد في جيد المليحة يعلق وقال الحارث بن خالد المخزومي: ومنها علامات بمجرى وشاحها وأخرى تزين الجيد من موضع العقد وقال أمين الدين عبد الرحمن بن علي الموصلي: هويتها طفلة دقت محاسنها فطرفها نرجس والخد تفاح يتيمة الدهر نثر الدر من فمها والعقد في جيدها والوجه مصباح والعنق لفظ عام للرجل والمرأة وغيرهما، وحين يراد الغل والتعذيب يطلق لفظ العنق، كقوله تعالى﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾[الإسراء: 29]، وقوله:﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾[سبأ: 33]، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾[الرعد: 5]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ﴾[يس: 8]، وقوله:﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾[غافر: 71]. والغل والتعذيب هما المرادان في سورة المسد، فكيف جاء التعبير عن ذلك بخلاف الأصل، حيث عبر بالجيد، وليس بالعنق؟ الجواب عن ذلك –والله أعلم- أن النساء مغرمات بالتحلي والحلي، وحينما تبشر المؤمنات بلبس أحسن الحلي يوم القيامة تبشر العوراء أجمل بنت حرب أمرأة أبي لهب بحلي من نوع خاص لا يليق إلا بمثلها، وهو حبل من جهنم، يطوق عنقها، فهذا باب البشارة بالسوء، كقوله تعالى:﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴿138﴾ ﴾[النساء: 138]. قال سعيد بن المسيب –رحمه الله- : "كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فحلفت لتنفقنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك عذابا في جسدها يوم القيامة"، وكانت تحمل الغضى والشوك والسعدان، فتطرحها بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فانظروا كيف جاء الجزاء من جنس العمل: حبل في مقابل حبل، وحلي مقابل حلي، لكن شتان بينهما؛ فلها يوم القيامة حبل طويل من نار تستعر، أو من ليف خشن. الوقفة كاملة
٢٣٩٤ قوله تعالى : << الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا >>. توطئة : إن المتأمل كتاب الله تعالى يجد فيه (كان) واردة على خمسة معان هي: المعنى الأول: (كان) التي تدل على حصول ما دخلت عليه في الزمن الماضي ثم انقطاعه. وهذا هو الأصل في معانيها، وهي (كان) الناقصة التي ترفع المبتدأ، وتنصب الخبر، مثل قولك : كان المطر نازلا ، فنزول المطر كان في زمن مضى، وانقضى، أما في وقت التكلم فالمطر منقطع، ومنه قوله تعالى : ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [النمل: 48]، وقوله :أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ المعنى الثاني: (كان) التي تدل على الدوام، وعلى استمرار مضمون خبرها في جميع الأزمنة، فلا يجوز أن تجعل مما حصل مضمون خبرها في الزمن الماضي، ثم انقطع، ولو جاءت بلفظ الماضي فهي ترادف قولك : (لم يزل)، وأكثر ما يكون هذا المعنى في (كان) الداخلة على صفات الله؛ لأن صفاته مستمرة غير منقطعة، ومن هذا النوع قول الله تبارك وتعالى: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: ۱۳4[، وقوله : (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[النساء: 96]، وقوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: ۱]؛ فالله كان سميعا بصيرا، وغفورا رحيمة، ورقيبا ، في الزمن الماضي، ولم يزل كذلك، وسیدوم عليه. وقد وردت (كان) الدالة على الدوام في غير صفات الله تعالى، كقوله تعالى : ( وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا )[النساء: ۲۲]، وقوله : ( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا )[الإنسان : ۲۲]، ومنه قول الشاعر قيس بن الخطيم : وكنت امرءا لا اسمع الدهر ستة أس بها إلا كشفت غطاءها(۱) فقوله : ( الدهر) يدل على إرادته ب(كنت) الدوام . المعنى الثالث: (كان) بمعنی (صار)، أي: تحول من حال إلى حال، كقوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر: ۳۱]، أي: صاروا کهشيم المحتظر، وقوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ » [البقرة: 34]، أي : صار منهم؛ لأنه قبل الأمر بالسجود لم يكن منهم، ومنه قوله تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: 143] ف كنت عليها و بمعنى: صرت عليها؛ لأن تحويل القبلة هو الذي حصل فيه الامتحان، ومنه قول الشاعر عمرو بن أحمر: بتيهاء قفر والمطي كائها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها المعنى الرابع: (كان) الدالة على الزمن الحاضر ، كقوله تعالی : إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ۱۰۳]، وقوله: ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ) [البقرة : ۲۳۲] . المعنى الخامس: (كان) الدالة على الاستقبال، كقوله تعالی : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ) [الإنسان : ۷)، أي سيكون شره مستطيرا، وقوله : وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: 36]، أي : سيسأل عنه . تلك معاني (كان) الداخلة على الجملة الاسمية المكونة مما أصله المبتدأ والخبر . وتستعمل (كان) تامة كغيرها من الأفعال المتصرفة ، فتكون بمعنی (وجد، وحصل)، فترفع فاعلا، ومنها في القرآن الكريم قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ " [البقرة : ۱۹۳]، وقوله : ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ» [البقرة : ۲۸۰]، أي: إن وجد ذو عسرة. وعودة إلى آية سورة النساء التي هي موضوع النظرة نجد أن كانه فيها تدل على الدوام ؛ فكيد الشيطان ضعيف في كل زمن، ولا يصح أن تبقى (كانه على معناها الأصلي؛ لئلا يكون المعنى : كان كيد الشيطان ضعيفة في الزمن الماضي، أما الآن فهو قوي. وقيل : إن كان هنا بمعنی (صار)، فالتقدير : صار كيد الشيطان ضعيفا بعد الإسلام). والله أعلم. وقد وسوس الشيطان إلى أبي الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، فزين له وه؛ فادعى أن كيد الشيطان ليس ضعيفة؛ وهو الذي قال الله تعالی عنه : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ » المجادلة : ۱۹] وقال : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ » [النمل: ۲4)، فزعم ابن الراوندي أن من يستحوذ عليه وعلى قلبه، ويصده عن دينه، كيف يكون ضعيفة ؟. ومن المعلوم أن ابن الراوندي زندیق خبيث) عارض القرآن الكريم، وطعن فيه ، فرد عليه كثير من العلماء وقد أجاب الفخر الرازي - رحمه الله - عن هذا الاعتراض : «أن المراد بأن كيد الشيطان ضعيف، أنه لا يقدر على أن يضر، وإنما يوسوس، ويدعو فقط، فإن ابع لحقت المضرة، وإلا فحاله على ما كان، فهو بمنزلة فقير يوسوس لغني في دفع ماله إليه، وهو يقدر على الامتناع، فإن دفعه إليه فليس ذلك لقوة كيد الفقير، لكن لضعف رأي المالك». الوقفة كاملة
٢٣٩٥ قوله تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146 ،145] . تأمل هاتين الآيتين العظيمتين تدرك أن الله تعالى جعل المنافقين شرا من شر الكافرين كآل فرعون ؛ لأنه جعلهم في الدرك الأسفل من النار، وجعل أولئك في أشد العذاب حيث قال : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]؛ وذلك أنهم جمعوا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ، ثم يخبرون الكفار بذلك ، فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين، فلهذا جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار، وأغلظ في شروط توبتهم: التوبة، والإصلاح، والاعتصام بالله، وهو أن يكون ممرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله تعالى، لا طلب مصلحة الوقت ؛ لأنه لو كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار لتغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعة ، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والاعتصام بدين الله بقي على هذه الطريقة، ولم يتغير عنها والشرط الرابع : إخلاص الدين لله ، ولم يشترط ذلك على غيرهم؛ لأن المنافقين كانوا قد أفسدوا، وخانوا الله، ولم يخلصوا دينهم لله، بل نافقوا، والنفاق ذنب القلب، والإخلاص توبه، ثم قال الله تعالی : و فأولئك مع المؤمنين ولم يقل: (فأولئك هم المؤمنون)؛ لتكون محصله أمرهم الشهادة الظاهرية لهم بالإيمان فقط. والله أعلم. الوقفة كاملة
٢٣٩٦ قوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام: 11[ قال في هذه الآية الكريمة : ثم انظروا ، وفي غيرها قال : وانظروا)، ومعلوم أن (ثم) تدل على الترتيب مع التراخي، والفاء تدل على التعقيب ، والسر في ذلك . والله أعلم أن الأمر بالسير في هذه الآية وقع في سياق الحديث عن قرون غابرة؛ إذ قال الله تعالی قبلها : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ[الأنعام: 6]، فلكثرة القرون ، وإيغالها في أزمنة متطاولة، ناسب معه استعمال التي تدل على التراخي والبعد، أما في غيرها من الآيات فلم تذكر فيه القرون، وإنما كرت العبر، كقوله تعالی : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آل عمران: ۱37] ، ولهذا حسنت الفاء هنا دون الآية الأولى . وقال الخطيب الإسكافي: « إن قوله: سيروا في الأرض فانظروا » يدل على أن السير يؤدي إلى النظر، فيقع بوقوعه، وليس كذلك ثم هو ، ألا ترى أن الفاء وقعت في الجزاء، ولم تقع فيه ثم ه ، فقوله في سورة الأنعام: قل سيروا في الأرض ثم انظروا ه لم يجعل النظر فيه واقعأ عقيب السير، متعلقة وجوده بوجوده ؛ لأنه بعث على سير بعد سير؛ لما تقدم من الآية التي تدل على أنه تعالی حداهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد، وأن يستكثروا من ذلك ؛ ليروا أثرا بعد أثر في ديار بعد دیار ، قد عم أهلها بذمار ... فدعا إلى العلم بذلك بالسير في البلاد و مشاهدة هذه الآثار، وفي ذلك ذهاب ازمنة كثيرة ومدد طويلة، تمنع النظر من ملاصقة السير، كما قال في المواضع الأخر التي دخلتها الفاء؛ لما قصد من معنى التعقيب ، واتصال النظر بالسير؛ إذ ليس في شيء من الأماكن التي استعملت فيها الفاء ما في هذا المكان من البعث على استقراء الديار وتأمل الآثار ، فجعل السير في الأرض في هذا الموضع مأمورة به على حدة ، والنظر بعده مأمورة به على حدة، وسائر الأماكن التي دخلتها الفاء علق فيها وقوع النظر بوقوع السير؛ لأنه لم يتقدم الآية ما يحدو على السير الذي حدا عليه فيما قبل هذه الآية ، فلذلك څصت بومه التي تفيد تراخي المهملة بين الفعلين . والله أعلم الوقفة كاملة
٢٣٩٧ قوله تعالی : وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: 142]. معلوم بداهة أن العشر مع الثلاثين تكون أربعين ، فما فائدة قوله: وأربعين ليلة ؟ قيل : إنه لما قال : وثلاثين ميزها بقوله : وليلة ، لكنه لما قال : وأتممناها بعشر ترکها دون تمييز، فاحتمل أن تكون عشرساعات، فيكون المعنى: واعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ساعات، فأزال الإيهام المتوقع بقوله : أربعين ليلة . وقيل : إن فائدة قوله: وأربعين ليلة و هو في الإلباس ؛ لأن العشر) لما أنت بعد الثلاثين) التي هي نص في المواعدة لها الاحتمال أن تكون من غير المواعدة، فأعاد ذكر (الأربعين) نفيا لهذا الاحتمال، وليعلم أن جميع العدد للمواعدة . أما سبب تفريق العدد (الأربعين) بين (الثلاثين) و (العشر)، مع إمكان أن يقول ابتداء: (أربعين ليلة)، وكان قد قالها في سورة البقرة: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون )، فتقل الزرکشي أن محمد بن علي الخضر الغساني، المعروف بابن عساکر، أجاب في كتابه (التكميل والإفهام)، عن سبب ذلك بأن العشر) إنما صل من أولئك ليتحدد قرب انقضاء المواعدة، ويكونفيه متأهبا مجتمع الرأي، حاضر الذهن ؛ لأنه لو (الأربعين) أولا لكانت متساوية ؛ فإذا جعل (العشر) فيها إماما لها استشعرت الفس رب التمام، وتجدد بذلك عزم لم يتقدم . قال : وهذا شبيه بالتلوم الذي جعله الفقهاء في الآجال المضروبة في الأحكام ، ويفصلونه من أيام الأجل، ولا يجعلونها شيئا واحدة ، ولعلهم استنبطوه من هذا». وقيل : إن الله سبحانه وتعالى أمر موسى عليه السلام ابتداء بالصوم ثلاثين يوما، وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه، فتوك، فأوحى الله إليه : (أما علمت أن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك) ، فأمره أن يزيد عليه عشرة أيام من ذي الحجة لذلك. الوقفة كاملة
٢٣٩٨ قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: ۱۵۷]. كيف عرف المعروف والمنكر ب (أل)؟ فهل كل معروف وكل منكر معروفان لدى المتلقين حتی يعرفا بأداة التعريف؟ أم أن المعروف يكو معروفة حين يأمر به الشارع، والمنكر يكون منكرا حين ينهى عنه ؟ الجواب عن ذلك : أن المعروف والمنكر واضحان لكل ذي عقل سليم من المؤمنين والكافرين، فالمعروف هو ما تقبله العقول الراجحة والنفوس السليمه إذا عرض عليها، والمنكر ما ترفضه، وتأباه، وتنفر منه حين يعرض عليها، وكل ما أمر به رسول الله لا تقبله الفطرة النقية، وترضاه، وكل ما نهى عنه - عليه الصلاة والسلام - تنفر منه ، وتأباه . سئل أعرابي : بم عرفت أن محمدا رسول ؟ فقال : (ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهی عنه، ولانهی عن شيء فقال العقل: ليته أمر به). وقال المقوقس ملك مصر: (إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر مزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه)). ومثل هذا يقال في تعريف الطيبات والخبائث ، فالطيب كان طيبا قبل أن يحكم بحله ، والخبيث كان خبيثا قبل أن يحرم، وكما ذكر الأعرابي كان تحليل الطيبات وتحريم الخبائث من دلائل نبوته ، ولو لم يكن طيب الطيبات و خبث الخبائث معروفين لدى المخاطبين قبل لما كان ذلك علم من أعلام النبوة التي يحتج بها على أهل الكتاب . وحين نتأمل كتاب الله تعالى نجد أن الطيبات لم ترد فيه إلا معرفة ، إما ب(أل) أو بالإضافة ؛ لكونها معروفة قبل الحكم عليها، ويستثنى من ذلك الحكم آية واحدة ، هي قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا } [النساء: ۱6۰] فتنكريها . والله أعلم كان بسبب قلتها، وهي المذكور في قوله تعالى : }وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } [الأنعام: 146] الوقفة كاملة
٢٣٩٩ قوله تعالى : (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [التوبة: 3]. إن قلت : لم رفعت کلمه ورسوله و الثانية ؟ فأقول: قيل(1): إن الواو استئنافية، و(رسول): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة، وخبره محذوف تقديره: ورسوله بريء، وحذف الخبر لدلالة ما قبله وقيل : إن الواو عاطفة، و(رسول): معطوف على الضمير المستتر في بريء ؛ لأنه اسم مشتق يحتمل الضمير، والتقدير : أن الله بريء هو من المشركين ورسوله، وقيل : إنه معطوف على محل اسم وأن ؛ لأن محله قبل دخول أنو الرفع على الابتداء . وقرأ يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وعبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعیسی بن عمر، وزيد بن علي، والحسن البصري، وروحابن عبدالمؤمن الهذلي: {ورسوله و بالنصب ، فتكون الكلمة معطوفة على اسم الجلالة في الله و الواقع اسما لو أن ، وفي القراءتين تكون براءة الله ورسوله من المشركين. ومما يحسن أن أذكره بهذه المناسبة أنه يروى أن أعرابي قدم في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه - المدينة المنورة ، فقال : من يقرئني شيئا مما أنزل الله تعالی علی رسوله محمد پالا ؟ فأقرأه رجل سورة براءة، فقال فيها: وأن الله بريء من المشركين ورسوله ها بالجر، فقال الأعرابي: أو قد برئ الله من رسوله ؟ إن يكن الله تعالی برىء من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغت عمر - رضي الله عنه - مقاله الأعرابي، فدعاه ، فقال : يا أعرابي أتبرأ من رسول الله ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن،فسألت: من يقرئني؟، فأقرأني هذا سورة براءة ، فقال : وأن الله بريء من المشركين ورسوله فقلت : أو قد برئ الله تعالى من رسوله ؟ إن يكن الله تعالی برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، فقال الأعرابي : كيف هي يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر: أن الله بريء من المشركين ورسوله، فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ من بر الله ورسوله منهم، فأمر عمر حينئذ ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة . فتأمل كيف انقلب المعنى بسبب حركة إعراب يسيرة لا يلقي كثير من الناس اليوم لها بالا ، بل تجدهم يحركون ما يشاءون بما يشاءون . الوقفة كاملة
٢٤٠٠ قوله تعالى : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ » [التوبة: ۸7] . الكلام في هذه الآية عن أولي الطول الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في القعود، وقالوا كما أخبر الله تعالی عنهم : (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ » [التوبة: 86]، فهم أصحاب قدرة على الجهاد، ولديهم وفرة في المال، وقوة في النفس، لكنهم مالوا إلى الراحة، وأخلدوا إلى الدعة، وأشفقوا من الحر، وجهلوا أن الراحة الحقة هي في متابعة الرسول و وتحمل تعبها، وأن الاعة الحقة تكون في المسير معه وتحمل مشقته، ولكن هذا النظر البعيد لا يفقهه كثير من الناس، ومنهم هؤلاء المتخلفون ، فاستحقوا أن يوصفوا بأنهم لا يفقهون؛ لأن عقولهم لم ترق بهم إلى التمييز بين الأمرين؛ ولذلك قال الله تعالی قبلها : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ» [التوبة: ۸1]. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 2391 إلى 2400 من إجمالي 26698 نتيجة.