| ٢٣٧١ |
قوله تعالى : " قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) " طه 71 .
الصلب يكون على جذوع النخل , لا فيها , فـ ( صلب ) يتعدى بحرف الجر : ( على ) , لابـ ( في ) ؛ لأن ( في ) تفيد الظرفية , أما ( علي ) فتفيد الاستعلاء الذي لا يريده فرعون لهم , بل هدفه إذلالهم , ومجئ " فِي " هنا لأن الجزع للمصلوب بمنـزلة القبر للمقبور , فكما يقال : قبر الميت في قبره , يقال : صلب المصلوب في الجذع .
وقيل : إنما آثر استعمال " فِي " للإشعار بسهولة صلبهم , وأنه لا يكلفه عناء ولا مشقة , بخلاف ما لو استعمل ( على ) التي تدل على ارتفاع يحتاج فيه إلى تحرك و صعود إلى فوق .
وذكر أبو حيان رأيا آخر , قال : " وقيل : نقر فرعون الخشب , وصلبهم في داخله , فصار ظرفا لهم حقيقة حتى يموتوا فيه جوعا وعطشا " .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٧٢ |
قوله تعالى : " وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) " الانبياء 46 .
تأمل سياق هذه الآية العظيمة الواردة للتهديد والوعيد والتهويل تجده جاء في أسلوب بديع , حيث ورد الضد فيها عكسه ؛ فالكافرون يدعون بالويل والثبور , ويبادرون بالاعتراف بظلمهم أنفسهم ؛ بسبب احتمال غير مؤكد لأقلّ القليل من عذاب , عبر عنه بــ :
1 . ( إن ) التي تدل على الشك و الاحتمال , لا على اليقين و القطع والثبوت .
2 . ( المس ) وهو الإصابة الخفيفة .
3 . ( النفخة ) وهي القليل من الشيء .
4 . " مِنْ " الدالة على التبعيض .
5 . ( العذاب ) الذي هو أخف من النكال .
6 . " رَبِّكَ " الذي يدل على الشفقة .
إن من سيكون هذا واقعه عند أول نفخة تمسه من بعض عذاب رب رحيم كيف سيصبر على أنكال لدي الجبار , وجحيم يقيم أبدا في الدرك الأسفل منها ؟ , إنه لحريّ به أن يبادر إلى ما ينجيه منه .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٧٣ |
قوله تعالى : " وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) " النور : 33 .
يري بعض العلماء أن الشرط فى قوله : " إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا " شرط لغو , زاعمين أنه لا يصح إكراه الإماء على الزني إن أردن التحصن أو لم يردنه , وهذه العلة صحيحة لو كانت هي وحدها سبب الشرط , لكن الصحيح أن للشرط فائدة عظيمة , وأن استعمال ( إن ) دون ( إذا ) له فائدة أخرى .
ولكن قبل بيان ذلك أذكر سبب نزول الآية , فقد روي مسلم في صحيحة [ صحيح مسلم ثلاثه في 310 رقم الحديث 3029 ] عن جابر - رضي الله عنه – ( أن جارية لعبد الله ابن أبي ابن سلول يقال لها : مسيكة , وأخرى يقال لها : أميمة , فكان يكرهما على الزني , فشكتا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , فأنزل الله : " وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ " إلى قوله : " غَفُورٌ رَحِيمٌ " .
وقال مقاتل : نزلت في ستّ جوار لعبد الله ابن أبي كان يكرههن على الزنى ,ويأخذ أجورهن , وهن : معاذة , ومسيكة , وأميمة ,وعمرة , وأروى , وقتيلة , فجاءت إحداهن ذات يوم بدينار , وجاءت الأخري ببرد , فقال لهما : ارجعا , فازنيا , فقالتا : والله لا نفعل ؛ قد جاءنا الله بالإسلام , وحرم الزنا , فأتيا رسول الله - صلى الله عليه و سلم - , و شكتا إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية .[ أسباب النزول للواحدي : 326 - 327 ] .
أما فائدة الشرط ابتداء ففيه زيادة تقبيح لحالهم , وتشنيع عليهم ؛
بسبب ما كانوا عليه من القبائح مما لا يخفى على ذي بصيرة , حيث كانوا يكرهون فتياتهم على البغاء , وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور ؛ فهن فتيات , ومع قصورهن في معرفة الأمور الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي مثل هذه الرذائل ؛ فهن إماء رقيقات , وإن من له أذني مروءة لا يكاد يرضي بفجور من يحويه حرمه من إيمائه , فضلا عن أن يأمرهن به , أو يكرههن عليه , لاسيما عند إرادتهن التعفف .
قال أبو السعود - رحمه الله – [ تفسير ابي السعود 673 ] : " فتأمل , ودع عنك ما قيل من أن ذلك لأن الإكراه لا يتأتي إلا مع إرادة التحصن , وما قيل من أنه إن جعل شرطا للنهي , لا يلزم من عدمه جواز الإكراه ؛ لجواز أن يكون ارتفاع النهي لامتناع المنهي عنه , فإنهما بمعزل من التحقيق " .
وأما فائدة استعمال " إِنْ " الشرطية دون ( إذا ) فهي للدلالة على التشنيع في النهي عن إكراه الإماء على البغاء عند مجرد احتمال إرادتهن التحصن , ولو استعمل ( إذا ) , وقال : " إذا أردن تحصن " , لأشعر ذلك بأنه لا يتعين إلا عند التحقق من إرادتهن ذلك , قال أبو السعود - رحمه الله - : " و إيثار كلمة " إِنْ " على ( إذا ) مع تحقق الإرادة في مورد النص حتما للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون إرادة التحصن في حيز التردد والشك , فكيف إذا كانت محققة الوقوع , كما هو الواقع , وتعليله بأن الإرادة المذكورة منهن في حيز الشاذ النادر مع خلوه عن الجدوى بالكلية , يأباه إعتبار تحققها إباء ظاهرا .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٧٤ |
قوله تعالى : " فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94)" الشعراء 94 .
لم يقل : " فَكُبُوا " وإنما كرر الكلمة دليلا على التكرير في المعنى , كأن الواحد منهم إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها . [ الكشاف 319 البرهان في علوم القران 3 34 35 ] .
قال عبيد بن الأبرص :
و لوا و هن يجلن في آثارهم .... شللا و بالطناهم فتكبكوا
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٧٥ |
قوله تعالى : " فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) " النمل 19 .
حين يتحدث المفسرون عن قوله عزوجل : " فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا " يقولون : إنه : " يعنى : تبسم شارعا في الضحك , يعني : أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك " [ تفسير فخر الرازي : 24 / 161 ] .
ثم يتحدثون عن ضحك الأنبياء , وأنه لا يجاوز التبسم , ولكنى أري أن سبب الجمع في الآية بين التبسم والضحك إنما هو لأن التبسم وحده لا يدل على أنه ناشئ عن الرضا والسرور , وهما المرادان بالآية الكريمة , فنبي الله سليمان - عليه السلام - مسرور بما سمعه من قول النملة , وبما أنعم الله عليه من فهم لغة النمل , ولو عبر عن ذلك بالتبسم وحده لم يفِ بالغرض ؛ لأن التبسم قد يكون تعبيرا عن الغضب و ليس عن السرور , قال عنترة ابن شداد :
لما رآتني قد قصدت أريده ... أبدي نواجذه لغير تبسم
وقال أمير المؤمنين علي بن أبى طالب - رضي الله عنه -:
ولربما ابتسم اللبيب من الأذي .... وفؤاده من حره يتأوه
وكذا الضحك وحده لا يفي بالغرض ؛ لأنه ربما لا يدل على سرور , قال الشاعر :
وربما ضحك المكروب من عجب ... السن تضحك والأحشاء تضطرم
ولذلك كان لزاما الجمع بينهما للدلالة على المراد , قال زياد الأعجم :
مرارا ما دونوت إليه إلا ... تبسم ضاحكا وثني الوسادا
وقال أوس بن حجر :
نواعم ما يضحكن إلا تبسما .... إلى اللهو قد مالت بهن السوالف
وقد نبه على ذلك السراج الوراق حين قال :
قد تشبه الحالة وبينهما ... إذا تأملت فرق عن سواك خفي
فربما صفق المسرور من طرب ... وربما صفق المحزون من أسف
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٧٦ |
قوله تعالى : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)" [ القصص : ٧١ : ٧٢ ] .
تأمل ختام الآية الأولى تجده : " أَفَلَا تَسْمَعُونَ " ، وختام الآخرة تجده : " أَفَلَا تُبْصِرُونَ " ، فما سر ختم كل آية بهذا الختام ؟ .
إنك إذا تدبرت الآيتين وجدت أنه مع الليل يتعذر الإبصار ؛ بسبب ادلهمام الظلمة ، وتقوي حاسة السمع ؛ بسبب السكون ، ولذلك وصف أعرابي ليلة ظلماء تستوي فيها صحيحات العيون وعورها ، فقال : " خرجنا فى ليلة حندس ، فقد ألقت على الأرض أكارعها ، فمحت صورة الأبدان ، فما كنا نتعارف إلا بالآذان " وهؤلاء إذا لم يعتبروا فهل فقدوا حاسة السمع أيضا تبعا لفقدهم حاسة الإبصار ابتداء ؟
وأما مع النهار فتقوي حاسة الإبصار ، فإذا لم يعتبروا فهل قد فقدوا تلك الحاسة التى هذا أوان نفعها ؟ . والله أعلم .
وقال الزركشي - رحمه الله - : " لما كان سبحانه هو الجاعل الأشياء على الحقيقة ، وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة ، صار الليل كأنه سرمد بهذا التقدير ، وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر ، لا سيما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذي تنفذ فيه الأبصار إلى غيره ، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة ، فصار النهار كأنه معدوم ؛ إذ نسب وجوده إلى غير موجد ، والليل كأنه لا موجود سواه ؛ إذ جعل [ وجوده ] سرمدا منسوبا إليه سبحانه ، فاقتضت البلاغة أن يقول : " أَفَلَا تَسْمَعُونَ " ؛ لمناسبة ما بين السماع والظرف الليلي الذي يصلح للاستماع ، ولا يصلح للإبصار .
وكذلك قال فى الآية التي تليها : " أَفَلَا تُبْصِرُونَ " ؛ لأنه لما أضاف جعل النهار سرمدا إليه ، صار النهار كأنه سرمد ، وهو ظرف مضئ تنور فيه الأبصار ، وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره ، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة ، فصار الليل كأنه معدوم ؛ إذ نسب وجوده إلى غير موجد ، والنهار كأنه لا موجود سواه ؛ إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه ، فاقتضت البلاغة أن يقول : " أَفَلَا تُبْصِرُونَ " ؛ إذ الظرف مضئ صالح للإبصار ، وهذا من دقيق المناسبة المعنوية " .
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٧٧ |
قوله تعالي : " يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) " [ سبأ : 13 ] .
الشكر : الامتلاء من ذكر المنعم عليه , والشكر ثلاثة أنواع :
شكر القلب : وهو تصور النعمة , وشكر اللسان : وهو الثناء على المنعم , وشكر سائر الجوارح : وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه , وبناء على هذا يكون فى هذه الآية وقفتان :
أولاهما : أن الله تعالى قال : " اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا " , ولم يقل : " اشكروا " , قال الراغب الأصفهاني : " لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب , واللسان , وسائر الجوارح " , فيكون إعراب " شُكْرًا " فى الآية على هذا القول مفعولا مطلقا . وقيل : إنها مفعول لأجله .
ثانيتهما: أنه قال : " وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " , قال الزركشي : " الحمد لله الذي ما قال : ( الشاكر ) " ؛ لأن الشاكر هو المُثنى بالقليل والكثير , أما ( شكور ) فصيغة مبالغة بمعني : الموفي نعم الله حقها من الشكر , ولذلك وصف الشكورين بالقلة ؛ لأن توفيه نعم الله بالشكر صعبة الحصول , فهي كثيرة , ومهما حاول العبد شكرها فسيظل مقصرا .
قال عبدالله بن المقفع : " قد بلغ فضل الله على الناس من السعة , وبلغت نعمته عليهم من السبوع , ما لو أن أخسهم حظا , وأقلهم من نصيبا , وأضعفهم علما , وأعجزهم عملا , وأعياهم لسانا , بلغ من الشكر له , والثناء عليه بما خلص إليه من فضله , ووصل إليه من نعمته , ما بلغ له منه أعظمهم حظا , وأوفرهم نصيبا , وأفضلهم علما , وأقواهم عملا , وأبسطهم لسانا , لكان عما استوجب الله عليه مقصرا , وعن بلوغ غاية الشكر بعيدا , ومن أخذ بحظه من شكر الله , وحمده , ومعرفة نعمه , والثناء عليه , والتحميد له , فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله القربة عنده , والوسيلة إليه , والمزيد فيما شكره عليه من خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة " .
وقال الراغب الأصفهاني : " ولذلك لم يثن – أي الله – بالشكر من أوليائه إلا على اثنين : قال فى ابراهيم – عليه السلام - : " شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ " النحل : 121 . , وقال فى نوح : " إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا " الاسراء : 3 .
فمدح ابراهيم بأنه مثن على نعم الله , ومدح نوحا بأنه مبالغ فى الثناء عليها .
ويحسن فى هذا المقام أن أشير إلى فائدة المغايرة بين الصفتين فى قوله تعالى : " إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) " الانسان : 3 . سأل الصاحب بن عباد القاضي عبدالجبار بن احمد المعتزلي : لم جعل الله المبالغة فى الكفر , ولم يجعلها فى الشكر ؟
" فأجاب القاضي بأن نعم الله علي عباده كثيرة , وكل شكر يأتي في مقابلتها قليل , وكل كفر يأتي فى مقابلتها عظيم , فجاء الشكر بلفظ ( فاعل ) , جاء ( كفور ) بلفظ فعول على وجه المبالغة " .
وكتب صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي إلى العلامة جمال الدين السبكي قائلا :
عندي جمال الدين مسألةٌ غدا = تبيانها فيما لديك محرّرا
إذ أنت من بيتٍ جميع بنيه قد = فازوا بما حازوا وقد سادوا الورى
إن جاودوا ألفيتهم صوب الحيا = أو جادلوا أبصرتهم أُسد الشّرى
فاطلع بأُفق الفضل شمساً أشرقت = لا ترض أنّك فيه بدرٌ أسفرا
وأعد جوابي عن سؤالي إنّه = لك واضحٌ أن رحت فيه مفكّرا
فكّرت والقرآن فيه عجائبٌ = بهرت لمن أمسى له متدبّرا
في هل أتى لم ذا أتانا شاكراً= حتى إذا قال الكفور تغيّرا
فالشكر فاعله أتى في قلّةٍ = والكفر فاعله أتى متكثرا
فعلام ما جاءا بلفظٍ واحدٍ = إن التوازن في البديع تقرّرا
لكنّها حكمٌ يراها كل ذي = لبٍّ وما كانت حديثاً يفترى
فأجبه لا زلت الجواد بفضله = لمن استعان به لإشكالٍ طري
فأجابه السبكي قائلا :
قبّلت أسطر فاضلٍ بهر الورى ... ممّا لديه عجائبٌ لن تحصرا
قد نال في علم البلاغة رتبةً ... عنها غدا عبد الرّحيم مقصّرا
وأراد منّي حلّ مشكلة غدا ... تبيانها عندي كصبحٍ أسفرا
وجوابه أنّ الكفور ولو أتى ... بقليل كفرٍ كان ذاك تكثّرا
بخلاف من شكر الإله فإنّه ... بكثير شكر لا يكون مكثّرا
فإذاً مراعاة التوازن ههنا ... محظورةٌ لمن اهتدى وتفكّرا
فاصفح فعجزي عن جوابك ظاهرٌ ... كظهور ما بين الثّريّا والثّرى
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٧٨ |
قوله تعالى :﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴿١٨﴾وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٩﴾ ﴾ [ص: 18, 19]
حيث عبر عن تسبيح الجبال بالفعل ﴿ يُسَبِّحْنَ ﴾، وعن حشر الطير بالاسم ﴿ مَحْشُورَةً ﴾، والتعبير بالفعل عن تسبيح الجبال للدلالة على حدوث ذلك منها شيئا بعد شيء، وحالاً بعد حال؛ ليتصور السامع للآية أنه يسمع تسبيحها، وأما التعبير بالاسم عن حشر الطير فلأنه أراد كون الطيور محشورة جملة واحدة، لا أنها تحشر مرة بعد أخرى، فهي كانت محشورة لداود –عليه السلام- في كل وقت يأمرها حيث شاء.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٧٩ |
قوله تعالى : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴿ 73 ﴾﴾ [الزمر: 73] .
حيث جواب الشرط ﴿ إِذَا ﴾ الذي يمكن أن يقدر بـ(حتى إذا جاءها وجدوا ما يقصر عنه البيان)؛ لأن وصف مايجدونه، ويلقونه عند ذلك في الجنة لا يتناهى، فلا يحيط به لفظ، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، وتركت النفوس تقدر ما شأنه، ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك؛ لقول لله عز وجل في الحديث القدسي فيما رواه الشيخان –رحمهما الله- عن أبي هريرة رضي الله عنه: (اعددت لعبادي الصالحين ما لاعينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
وههنا سؤال جدير الإجابة هو:لماذا أدخل الواو مع الجنة في قوله: ﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾، ولم يدخلها مع النار في قوله :﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿ 71 ﴾﴾[الزمر: 71] .
وقبل الإجابة على هذا السؤال أذكر أنه قد اجتمع في مجلس سيف الدولة الحمداني أبو علي الفارسي وأبو عبدالله الحسين بن خالويه، فسئل ابن خالويه ذاك السؤال، فقال: هذه الواو تسمى واو الثمانية؛ لأن العرب لا تعطف الثمانية إلا بالواو.
فنظر سيف الدولة إلى أبي علي، وقال له: أحق هذا؟ فقال أبو علي: لا أقول كما قال، إنما تركت الواو في النار لأنها مغلقة، وكان مجيئهم شرطا في فتحها، فقوله:﴿ فُتِحَتْ﴾ فيه معنى الشرط، وأما قوله: ﴿ وَفُتِحَتْ﴾ في الجنة فهذه واو الحال، كأنه قال: جاءوها وهي مفتحة الأبواب، أو: هذه حالها.
وهذا هو القول الصحيح؛ لأن النار تكون مغلقة حتى يردوها، وفي ذلك اشتداد لحرارتها، ولأن من العادة أن يهان المعذبون بالسجون، فتغلق حتى يأتوها، ومن العادة أيضا أن يكرم المنعمون بفتح الأبواب قبل وصولهم إليها، ويؤيده قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ ﴿ 49 ﴾ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ﴿ 50﴾ [ص: 49 , 50].
وأما واو الثمانية التي أشار إليها ابن خالويه فهي التي تلحق الثامن من الأعداد وغيرها، فالعرب تقول: واحد، اثنان، ثلاثه، أربعه، خمسه، سته، سبعه، وثمانيه، وجعل الحريري منها قوله تعالى:﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ 112 ﴾ [التوبة: 112] .
وابن خالويه يرى أن أبواب الجنة ثمانية، لذلك دخلت الواو، وتابعه في ذلك أبو القاسم الحريري، وقيل : أن الواو زائدة، والصحيح أنها حالية كما سبق.
الوقفة كاملة
|
| ٢٣٨٠ |
قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ ﴿ 48 ﴾﴾ [الشورى: 48] .
سبق أن وضحت الفرق بين (إذا) و(إن) الشرطيتين، وإذا تأملت هذه الأية وجدت ﴿ إِذَا﴾جاءت مع الرحمة، ووجدت ﴿ إِنْ﴾جاءت مع السيئة؛ وذلك –والله أعلم- لتغليب رحمة الله على عذابه، ولأن ما يعفو عنه الله أكثر، ثم إن هذا الاستعمال يدل على مدى كفران الإنسان لنعم الله؛ فالله قد غمره بالنعمة والرحمة في أكثر أحواله، وحين يقدر المولى –عز وجل- على المرء أن تصيبه سيئة عابرة بسبب ما قدمته يداه، يظهر معدنه الأصلي، فيكفر، ويجزع، وصدق الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9], ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34], ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾[الإسراء: 83], ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُور﴾ [الحج: 66], ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿19﴾إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿20﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿21﴾إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: 19-22] .
وقد أشار أبن القيم – رحمة الله- إلى شيء من صور الجمال الأسلوبي في هذه الآية فقال: "وأتي في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الوقوع :﴿أَذَقْنَا﴾،﴿فَرِحَ بِهَا﴾, وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق ﴿ تُصِبْهُمْ ﴾.
وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة ﴿أَذَقْنَا ﴾الدال على مباشرة الرحمة لهم، وأنها مذوقه لهم، والذوق هو أخص أنواع الملابسة، وأشدها.
وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافة إليه، فقال: ﴿ مِنَّا رَحْمَةً ﴾وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم:﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾.
وكيف اكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف ﴿إِنَّ﴾دون الجملة الثانية. وأسرار القرآن أكثر وأعظم من أن تحيط بها عقول البشر.
وتأمل قوله تعالى:﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 67].كيف أتى بـ ﴿إِذَا﴾ههنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا، بخلاف قوله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾[فصلت: 49],فإنه لم يقيد مس الشر هنا، بل اطلقه، ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة﴿إِذَا﴾.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾[الإسراء: 83] كيف أتى هنا بـ ﴿إِذَا﴾المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس؛ فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له، فكان الإتيان بـ﴿إِذَا﴾ههنا أدل على المعنى المقصود من (إن) بخلاف قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴿51﴾﴾[فصلت: 51]؛فإنه بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض، وأطال في الدعاء، فإذا تحقق وقوعه كان يؤوساً. ومثل هذه الأسرار لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله، وفهم يؤتيه عبدا في كتابه".
الوقفة كاملة
|