| ١٩١ |
(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8))
*نظرة عامة على الآية :
الآية التي قبل هذه الآية قوله تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) إذن كانت الآية طلب الإيمان بالله والرسول (آمنوا بالله ورسوله) ثم قال تعالى (وما لكم لا تؤمنون) أي كيف لا تؤمنون؟ طلب منهم الإيمان، لماذا لا تؤمنون بالله والرسول موجود وجاء بالآيات البينات والدلائل الواضحة أنه رسول من عند الله، (وقد أخذ ميثاقكم). كيف لا تؤمنون بالله؟ هذا إستفهام (ما في (وما لكم لا تؤمنون) إستفهامية) يدعو للعجب كيف أنه مع دواعي الإيمان المتكاثرة والموجودة، كيف لا يؤمنون؟ مع كل الأمور التي ذكرها في الآية ذكر الرسول يدعوهم ليؤمنوا بربهم. ثم (وقد أخذ ميثاقكم) فيها أمر: كيف أخذ ميثاقنا بالإيمان؟ يقال الله تعالى أخذ ميثاقنا بشيئين، والميثاق هو العقد والعهد. أولاً أخذ ميثاقنا بما أودع في عقولنا أنه إذا نظرنا في الآيات الكونية ستفضي بنا حتماً إلى الإيمان بالله تعالى، وما في الآيات من الدلائل الكونية أودع في عقولنا، في المحاكمات العقلية، العقل الذي أودعه الله يحكم. الميثاق، وضعه فيك أنك إذا نظرت في هذا الكون واستعملت عقلك حتماً سيفضي بك إلى الإيمان، هذا ميثاق عقلي. والميثاق الآخر ميثاق فطري، إن الله تعالى وضع في فطرة الإنسان إعتراف بوجود الله وأن الله خالقه ويظهر هذا الأمر إذا وقع الإنسان في ضائقة لا يستطيع أن ينجو منها أو وقع في كرب يقطع الأمل في الأسباب عند ذلك يقول: يا رب. صوت الفطرة الذي أودعه الله تعالى فيه سيظهر (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (67) الإسراء) (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) النحل). إذن هناك ميثاق عقلي في المحاكمة العقلية عند كل البشر مسلمهم وكافرهم لو أي إنسان فكر بتجرّد وحيادية تامة في هذا الكون وينظر في هذا الكون وما فيه ويتفكر بما فيه من أمور ودقائق وما إلى ذلك من غايات مرسومة موجودة بحيث إذا كان ينظر في نفسه (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) الذاريات) ينظر كل أجهزته موضوعة لغايات مرسومة، كل جهاز من أجهزته موضوع لغاية ويقوم بغاية مرسومة يؤديها، هذا ميزان عقلي في المحاكمة (أفي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (10) إبراهيم) هذا أمر عقلي يعني المحاكمات العقلية تفضي بك إلى الإيمان ما دمت في حيادية تامة. أيضاً الفطرة مغروسة فيك ويظهر هذا في مواطن وعند ذلك مسلمهم وكافرهم وملحدهم ومن الملحدين من وقع في مأزق كبير ثم يلجأ إلى الله . إذن أخذ الله تعالى منا ميثاقين: ميثاق السماع وهو الحجج البينة التي جاء بها الرسول ونظرت في هذه الحجج وحاكمتها تفضي بك إلى الإيمان. السمع والعقل والمنطق والفطرة كلها تدعوك للإيمان فكيف لا تؤمن إذن؟
إستفهام غرضه التعجب. تضافرت الدواعي العقلية والنفسية والسماع المؤيد بالحجج فكيف لا تؤمن؟ العقل والفطرة والسماع المؤيد بالحجج العقلية فكيف لا تؤمن؟
*كيف نفهم قوله تعالى (إن كنتم مؤمنين) والآية بدأت (وما لكم لا تؤمنون)؟
إن كنتم تؤمنون أي إن كنتم تريدون الإيمان، تعتزمون الإيمان. في اللغة نقول: نحن خارجون إن كنت خارجاً أي إن كنت تنوي الخروج نخرج، هو لم يخرج. القوم راحلون إن كنت راحلاً، هو لم يرحل ولكن إن كنت عزمت على الرحيل فالقوم راحلون إن كنت نويت الرحيل معهم. فإذن إن كنت تنوي الإيمان فإذن دواعي الإيمان موجودة فلِمَ لم تؤمن؟
*ما دلالة استعمال لفظة (بربكم) ولم يقل تؤمنوا به في الآية (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ)؟
أراد أن يحبب إليهم الإيمان فجاء بلفظ (بربكم) لأن ربكم هو الذي تعهدكم وهو الذي رباكم وأرشدكم وقام عليكم فالرب هو السيد والقيّم والمرشد والمربي معناه أحسن إليكم. أراد أن يحبب الإيمان بربهم الذي يربّهم يرعاهم ويهديهم فإذن هذا أولاً من باب التحبيب. ثم مناسب للآية بعدها (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (9)) الرب مهمته الهداية فلما قال يخرجكم من الظلمات إلى النور أي يهديكم وكثيراً ما يقترن لفظ الرب بالهداية في القرآن الكريم (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) الشعراء) (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) الفاتحة).
*ما الفرق بين كلمة الله والرب من حيث اللغة والدلالة؟
الله هو لفظ الجلالة الأعظم (الأكثرون يقولون هو إسم الله الأعظم). وأهل اللغة يقولون هو من ألِه أي عَبَد وتأتي تحيّر. الإله من المعبود في اللغة، من العبادة. فهي أصلها كما يقول أهل اللغة الإله أي المعبود أُسقِطت الهمزة الوسطية فصار عندنا لامان لام التعريف واللام الثانية أُدغِمت فصارت الله. والذي يدل على ذلك (الله) هو إسم علم. وأسماء الأعلام إذا لم تكن ممنوعة من الصرف تنوّن (محمدٌ، محمداً) والممنوع من الصرف يُجرّ بالفتحة (إبراهيمَ وإسماعيل) الله يُجر بالكسرة (باللهِ ورسوله). الذي لا يُنوّن وهو ليس ممنوعاً من الصرف فمعناها هو معرّف بـ (أل) مثل (الرجل). فلفظ (الله) أصلها معرفة بـ (أل) الإله وأنه يجر بالكسرة معناه ليس ممنوعاً من الصرف إذن الله معناها الإله أي المعبود ثم جعل علماً على الإسم الأعظم (الله) معرّف من حيث اللفظ الإله أصبحت اللام لازمة، لو قلت إله ترجعها إلى أصلها (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) الزخرف) صارت إسم جنس لكن الله إسم علم بهذه الوضعية. والمشركون إستخدموا كلمة إله واستخدموا كلمة الله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (3) الزمر) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (38) الزمر).
أما الرب معناها في اللغة المربي وهو الموجه والمرشد والقيّم والرازق ولذلك كلمة رب حتى في اللغة يقصد بها غير الله أيضاً (اذكرني عند ربك () يوسف) (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ (50) يوسف) يجوز أن يقال رب البيت ورب الدار وتضاف أيضاً فيقال رب العالمين، رب السموات.
*لماذا لم يقل (تؤمنوا بالله)؟
جمع دلالتين لو قال بالله تعود نفس الكلمة ولكنه جمع أمرين في الآية: أنه الله وأنه الربّ لأن قسم يأخذون أرباباً متفرقين من دون الله لكن يقول هو الله وهو الرب يجمع دلالتين لو قال (به) تعود الكلمة نفسها. جمع معنيين هو الله وهو ربكم لا تتخذوا رباً غيره، فرعون قال (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) النازعات) (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) يوسف). إذن هو الآن جمع دلالتين لما قال (الله، ربكم) في الآية فهو الله وهو ربكم ليس لكم رب غيره. بينما في قريش يعترفون بالله ويتخذون أرباباً من دون الله. هو الله وهو الرب واحد، وهو الذي يخرجكم من الظلمات إلى النور، يهديكم والرب هو المرشد والهادي، وهو تعالى قال: يخرجهم من الظلمات إلى النور يعني يهديهم وأنسب شيء في هذا المقام أن يستخدم كلمة رب.
كلمة رب جمعها أرباب أما لفظ الجلالة الله فليس له جمع ولا قياس وكل كلمة ليس لها نظير لا تُثنّى ولا تُجمع هذه قاعدة. مثلاً كلمة مكة لا تُجمع ولا تُثنّى فهي مدينة واحدة لا يوجد غيرها.
*ما دلالة إن كنتم مؤمنين في الآية بعد قوله وما لكم لا تؤمنون؟
قلنا إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم تنوون الإيمان، إن كنتم تعتزمون الإيمان. هذا خطاب عام: إن كنت نويت الإيمان فكيف لا تؤمن؟ خطاب عام لمن آمن ولغير المؤمن هذه حجة ملزمة: كيف لا تؤمن ودواعي الإيمان كثيرة والميثاق موجود في عقلك في فطرتك إضافة إلى الحجج التي جاء بها الرسول؟ تضافرت الدوافع العقلية والسمعية أنتم يا بشر كيف لا تؤمنوا؟
(إن كنتم مؤمنين) متعلقة (أخذ ميثاقكم) الرسول يدعوكم وقد أخذ ميثاقكم فإن كنت تريد الإيمان ما الذي سيأتي بك إلى الإيمان؟ إما أن يكون منطق عقلي أو سماع الحجج التي يأتي بها الذي يخاطبك والرسول يأتي بالحجج التي تدل على أنه رسول من عند الله وليس من عند نفسه ومن الناحية النفسية والفطرة إرجع إلى نفسك كيف لا تؤمن؟ إن كنت تنوي الإيمان إذن ما هي الأشياء التي تأتي بك إلى الإيمان؟ عقلك؟ موجود، نفسك؟ موجودة، الحجج؟ موجودة، والذي ينظر فيما جاء به الرسول من الحجج ملزمة لا تقبل الشك. والله تعالى هو الذي أخذ ميثاقهم (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الأعراف) هو أودع فينا الميثاق في عالم الذر أودع في عقولنا بأن نحاكم ونقبل وأودع في نفوسنا سماعاً مؤيداً بالحجج، عقل في النظر والنفس.
*ما فائدة (قد) مع الفعل الماضي في (وقد أخذ ميثاقكم) هل تفيد التأكيد؟
(قد) تفيد التحقيق والتحقيق لا ينفك عنها إذا دخلت على الماضي وأحياناً يجتمع معها التقريب والتوقّع. التحقيق لا ينفك، لا محالة واقع إذا دخلت على الماضي وقد يكون مع التحقق التقريب أو التوقّع أو تجتمع كلها لكن يبقى التحقيق معها. (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ (26) الأعراف) (قد) هنا لا فيها توقّع من بني آدم ولا فيها تقريب لكن فيها معنى التحقيق. (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ (123) آل عمران) فيها توقّع لأن الله تعالى وعدهم بالنصر (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ (7) الأنفال) وفيها تقريب. التحقيق لا يفارق (قد). إذا دخلت على الفعل المضارع قد يكون للتحقيق والتكثير. (قد) حرف وإعرابها حرف تحقيق مبني (سائر الحروف مبنية).
*ماذا ينقصنا لنتعلم العربية حق التعلم؟
ينقصنا الكثير لأن أصلاً التعليم عندنا في الأصل مبتور منقوص ويجب أن نرجع إلى المصادر الأولى نتعلمها وكلٌ حسب مرحلته فالذي ليس عنده علم أصلاً يجب أن يبدأ بالأوليات تعطيه المعلومات الأولية. كلٌ حسب مرحلته وطالب الكلية لديه معلومات قليلة ليست مكتملة حتى في الإختصاص، في الإعدادية المعلومات ضئيلة مشتتة فحسب المرحلة الدراسية وما المعلومات التي أخذها حتى لو كان في مجرسة دينية لكن ينبغي إذا كان ينوي الدراسة أن يكون هناك أحد أمران في الدراسة حتى في كل المراحل التدريسية في الجامعة وغيرها: أولاً ينبغي ربط الدراسة بالمعنى فالنحو مثلاً ينبغي أن يُربط بالمعنى وليست استكثار أوجه كما يذكر في كتب النحو وينبغي على الأستاذ أن يفسر كل وجه من أوجه النحو ولا يكون هناك أكثر من وجه إلا إذا كانت لغتان. في النحو أوجه يذكرها النحاة لكن كل وجه له دلالة يستثقلها الطالب إذا أخذها مجرد أوجه لكن عندما تربط بالدلالة وبالمعنى يستمتع بها ويجد في نفسه اندفاعاً ولذة لحفظها ومعرفتها. هذا أمر أساسي أنه يجب أن لا يفصل الدراسة النحوية والبلاغية عن المعنى وتعلمها وربطها بالمعنى هذا أمر أساسي والناحية التطبيقية أي التمرين على ما يقرأ، التطبيقات حتى في المرحلة الجامعية.
*يسأل المشاهدون من أين يأتي الدكتور فاضل بهذا الكلام؟ وهل هناك كتاب موجود يتناول هذه اللمسات؟
كتب التفسير فيها إضاءات عظيمة لكني لم أطلع على كتب تتناول ما نتناوله بهذا التركيز ولا أدري إن كان موجوداً أو لا. في تفسير الكشاف إشارات وإضاءات، روح المعاني للألوسي فيه إضاءات، البحر المحيط، كتب التشابه والاختلاف في درة التنزيل فيها إشارات عظيمة جداً. والأمر يحتاج للإطلاع على كتب التفسير والمعاني والبلاغة.
وفي رد على المقدم متى بدأ الدكتور فاضل رحلته مع هذه اللمسات البيانية في القرآن الكريم أجاب الدكتور أنه درس في هذا المجال كبداية قبل الستينات وحتى في الخمسينات كانت لي عناية كبيرة فيما أقرأ في بعض كتب التفاسير وكنت أستمتع بما أجده في كتب البلاغة وقبل أن أكون طالباً في الكلية قرأت كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني أربع مرات فكنت أقرأ وأستمتع وأجد في نفسي هوى كبيراً والأمر بدأ في الستينات بشكل شديد. أما بالنسبة للكتب في هذا المجال فهي موجودة على ما أعتقد في المكتبات وجامعة الشارقة طبعت كتاب على طريق التفسير البياني في جزئيه ودار عمار في الأردن طبعت مجموعة من الكتب منها لمسات بيانية وبلاغة الكلمة في التعبير القرآني والتعبير القرآني وأظن أنها توزعها في الشارقة في بعض المكتبات.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٢ |
(مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11))
*نظرة عامة على الآية :
نلاحظ أولاً تركيب التعبير (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ): يُقرِض، هذا الفعل مبني للمعلوم ماضيه أقرض وهو فعل رباعي وكل فعل مضموم حرف المضارعة فهو رباعي بالأصالة أو بالزيادة سواء كان أصلياً أو مزيداً وهذه قاعدة. يُقرِض أقرَض والمصدر أفعل إفعالاً، أقرض إقراضاً هذه القاعدة مثل أكرم إكراماً، أنعم إنعاماً. لكن في الآية لم يقل إقراضاً ولم يأت بمصدره وإنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي قَرَض (قَرْض). الثلاثي قَرَ مصدره قرْض والرباعي أقرض ومصدره إقراض. وهذا موضوع كبير ومتسع ولو أردنا أن ندخل فيه يكون على حلقات تحت عنوان التوسع في المعنى. الإقراض هو المصدر في اللغة مثل الإكرام. القرض له دلالتان في اللغة: الإقراض والمال الذي يُقرَض (إسم العين) تحديداً ما تعطيه من المال. إذن الإقراض له دلالة واحدة هو الإعطاء. القرض له دلالتان: المصدر عن الإقراض والمال، إذن صار أوسع وهو دلالة المال مع الإقراض. القرض الحسن هذا الإنفاق له صفات حتى يسمى حسناً لأن هناك قرض وهنالك قرض حسن.
القرض الحسن فيه شروط وصفات: أولاً يكون بإخلاص النية لله تعالى ولو لم يكن لله تعالى سقط عنه الحسن ولس فيه أجر أصلاً لأنه " إنما الأعمال بالنيات". الأمر الآخر كونه عن طيب نفس ليس فيه منٌّ ولا تكدير وإنما فيه بشاشة وجه (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (262) البقرة). والآخر أن يتحرّى المال الحلال، المال الطيب وإذا كان مالاً حراماً لا يصح. ثم أن يتحرّى المال الكريم وليس الخبيث (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (267) البقرة) المال الحلال أصله حلال وإن كان بسيطاً ولو كان درهماً والمال الكريم هو الحسن. مثلاً عندك نعجة عجفاء ضغيفة هزيلة لكنها حلال وعندك نعجة سمينة أيضاً حلال لكنها كريمة لذا قال تعالى (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (267) البقرة) الخبيث ليس مالاً حراماً (وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ (267) البقرة) وهناك فرق بين الحلال والكريم، بين الطيب والحلال " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" هذا حلال، والكريم الطيب. ثم يتحرى أفضل الجهات التي ينفق فيها، أفضل الجهات ما كان أشدها حاجة وأكثرها نفعاً للمسلمين. هذه شروط القرض الحسن. عندما تجتمع كلها يكون إقراضاً لله تعالى والله تعالى سماها إقراضاً وليس صدقة والإقراض غير الصدقة لأن الصدقة لا تطالب بها لكن لما تقول أقرض فسوف يعيد المال له وهذا تهوين على المقرِض أكثر من الصدقة. لذلك قال بعضهم الإقراض هو في السنن والمندوبات وليس في المفروض لأن (من ذا الذي يقرض الله) كثير من المفسرين قالوا من المندوبات وليست الفروض. تقرض الله تعالى بنية القرض بهذه الشروط ووعد الله تعالى بأن يعيده عليك مضاعفة وسماها قرض حتى يهونها على المنفقين لأن من شروط القرض أن يعاد إلى صاحبه أما الصدقات فلا تعاد (إنما الصدقات للفقراء والمساكين). (فيضاعفه له) أي للمنفق، وعده الله تعالى بشيئين: المضاعفة والأجر الكريم وهو الأجر الحسن البالغ الجودة.
*قال تعالى (من ذا الذي) فما دلالة هذه الصيغة؟
قال تعالى (من ذا الذي) هذه عامة ما قال من ذا الذين لأن كل واحد مسؤول عن إنفاقه ولا يجتمعون في الانفاق. كل واحد وكل شخص مدعو بذاته أن يفعل هذا الفعل. الخطاب موجه لكل فرد، كل واحد، كل شخص.
*ما أصل (ذا)؟
قال تعالى (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) الملك) وقال (من ذا الذي). (من ذا) في هذه الآية فيها احتمالان: إما (ذا) إسم إشارة (هذا) أو (من ذا) كلها واحدة إسم استفهام بمعنى (من) لكن قالوا أنها أقوى من (من) لأنه زاد في المبنى وزيادة المبنى في الغالب تدل على زيادة المعنى. (من ذا الذي يقرض الله قرضاً) تحتمل أن يكون من هذا الذي ويحتمل من الذي. وهناك فرق بين من ذا ومن هذا: الهاء للتنبيه (هذا: الهاء للتنبيه وذا إسم إشارة). لما يقتضي الكلام الشدة وما إلى ذلك يأتي بـ (هذا) (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) الملك). فرق بينها وبين (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (255) البقرة) هذا شفيع والشفيع يترجّى، تذهب إلى من بيده الأمر وتشفع لفلان يعني يعلم أن هذا الذي تذهب إليه هو الذي يقضي في الحاجة ويفصل فيها فما قال من ذا الذي. (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) الملك) من هو هذا الذي هو ندٌ لله تعالى؟ الله تعالى يمسك الرزق وهذا يرزق؟! من هذا؟ فجاء بهاء التنبيه لأنها أشد. من هذا الذي هو ندٌ لله تعالى؟ (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) الملك) من هو؟ هذه أشد وأقوى من (من ذا) لأن فيها تنبيه. فالتي فيها تنبيه يقول (أمن هذا) وإذا لم يكن فيها تنبيه يقول (من ذا) وهذا ميزان عجيب في التعبير.
*في سورة البقرة قال تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)) وهنا قال (فيضاعفه له وله أجر كريم) واختلفت خاتمة الآيات فما الفرق بين الآيتين؟
أولاً في سورة البقرة قال تعالى (فيضاعفة له أضعافاً كثيرة) وفي الحديد ذكر المضاعفة مع الأجر (فيضاعفه له وله أجر كريم) زاد هنا بالأجر الكريم وهو الحسن البالغ الجودة. في البقرة ما قال هكذا وقال فقط (أضعافاً كثيرة) هنا مكان الأضعاف الكثيرة قال (فيضاعفه له وله أجر كريم) هذه زيادة. الفرق في البقرة ذكر الكمّ ولم يذكر الكيف (اضعافاً كثيرة) وفي الحديد ذكر الكمّ (فيضاعفه له) وذكر الكيف (وله أجر كريم) ذكر أمرين. أما في البقرة فذكر الكمّ فقط وفي الحديد ذكر الكمّ والكيف: المضاعفة والأجر الكريم. وذكرنا بأن سورة الحديد مطبوعة بطابع الإيمان والانفاق، هذا أمر. والأمر الآخر أنه قال في سورة البقرة (وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) يقبض معناه يضيّق الرزق ويمسك هذا في الدنيا. محتمل إذن الشخص يناله قبض أو بسط، صاحب المال محتمل أن يصيبه قبض فهذا الذي يصيبه القبض والتضييق في الرزق يحتاج إلى المال ولذلك لما قال تعالى يقبض ويبسط هذا محتاج إلى المال فقال (فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) فأنت أنفِق حتى لا يصيبك القبض وحتى يأتيك البسط. هذا من باب تبصيره في الأمر يقول له: أنفِق حتى لا يصيبك القبض وحتى يُبسط لك فقال (فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) لأنه يحتاج إلى المال. أما في سورة الحديد فليس فيها تهديد بالقبض أما في آية البقرة ففيها تهديد بالقبض فقال تعالى في الحديد (فيضاعفه له وله أجر كريم). وفي سورة البقرة قال تعالى في آية أخرى (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) البقرة) في مقام التكثير فناسب التكثير التكثير في السورة.
*قال تعالى في آية سورة الحديد (وله أجر كريم) وقال في آية أخرى في نفس السورة (أجر كبير) فما الفرق بين الأجر الكريم والأجر الكبير؟
الآية التي قال فيها أجر كبير قال (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) ذكر أمرين الإيمان والإنفاق وهنا ذكر الإنفاق فقط (من ذا الذي يقرض الله). ذكر الإيمان والانفاق في الأولى وهذه دائرة أوسع فلما اتسعت الدائرة إتسع الأجر فقال (أجر كبير) أي متسع. كل أجرٍ له دلالة. الأجر الكبير يحوي الكريم لكن من حيث الكمّ هو أكبر لأنه ذكر أمرين: الإيمان والانفاق، إتسعت فصار أكبر.
*ما الفرق بين خواتيم الآيتين (وإليه ترجعون) (وله أجر كريم)؟
في سورة البقرة قال تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)) وهنا قال (وله أجر كريم). أصلاً سورة البقرة واقعة في سياق القتال والموت (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (243)) بعدها قال (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)) الإقراض معلّق على نية تجهيز الجيوش (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (246)) الآيات في الموت والقتال والموت والقتل مظنّة الرجوع إلى الله تعالى فقال (وإليه ترجعون) مناسبة للموت والقتال. أما في سورة الحديد فالكلام في الإنفاق وليس في الموت والقتال. أما في سورة البقرة فجاءت في سياق الموت والقتال (فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ) ماتوا أي رجعوا إلى الله والموت والقتل مظنة الرجوع إلى الله تعالى فقال (وإليه ترجعون) ولما كان في مقام مظنة الرجوع إلى الله قال (وإليه ترجعون) ولما كان الكلام ليس في هذا السياق في سورة الحديد قال (وله أجر كريم).
الوقفة كاملة
|
| ١٩٣ |
آية (13-14):
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)).
*نظرة عامة على الآية :
بعد أن ذكر المؤمنين والمؤمنات ذكر المنافقين والمنافقات بمقابل المؤمنين والمؤمنات حتى يدل على أن كل فرد من الجنسين الذكور والإناث ينال جزاءه للا يشفع لأحد ما قرابة وما تغني المؤمنة عن قريبها المنافق أو قريبتها المنافقة كما أن المؤمن لا يغني عن قريبه ولا عن زوجه وإنما كل واحد بنفسه ولا تقول المنافقة كنت تابعة لزوجي أو لأخي وإنما كل واحد ينال جزاءه. المنافقون والمنافقات مقابل المؤمنين والمؤمنات يقولون للمؤمنين (انظرونا نقتبس من نوركم) يمعنى انتظرونا ولم يقولوا انتظرونا لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء أما الإنظار فليس فيه ذلك ولا يشترط فيه ذلك. انتظر على وزن (إفتعل) وفيها تمهّل مثل اصبر واصطبر وكسب واكتسب وجهد واجتهد. اصطبر هو صبر طويل شديد، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) المزمل) (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) طه) لأن الصلاة هي كل يوم خمس مرات كل يوم ولا تنقطع طوال العمر. أما اصبر على ما يقولون واهجرهم لا يحتاج لصبر لكن قال (واصطبر عليها) لأن الصلاة تحتاج لصبر طويل ودائم. صيغة افتعل فيها تمهّل ومدّة واجتهاد وإبطاء. مثل كسب واكتسب (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) البقرة) الإكتساب فيها تعمّل واجتهاد وليست اكتسب عامة أنها في الشر. الكسب يكون في الخير والشر لأن الكسب أسرع والاكتساب فيه تعمّل واجتهاد وكسب حتى يكتسب والسيئات تحتاج إلى مشقة أما الخير فقد يأتيك وأنت لا تعلم، يغتابك أحد وتكسب أنت خيراً وهو يكتسب شراً. لم يقل انتظرونا لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء وهؤلاء يُسرع بهم ولو قالوا انتظرونا ليس هناك مجال أن يجيبوهم، انظرونا ولو قليل، هم يُسرع بهم الآن إلى الجنة فلا ينتظرون، هم يعلمون أنه لو قالوا انتظرونا لم يجيبوهم لأنه ليس هناك فسحة للوقت فهم طلبوا أقل الوقت.
(المنافقون والمنافقات) في صدر الآية حتى لا يشفع أحدهم للآخر لا تقول المنافقة هذا زوجي يملك أمري كان منافقاً فماذا أفعل؟ لا يشفع هذا لها وينبغي أن تستقل بالعقيدة استقلالاًـ فيها إفراد لتتحمل المسؤولية لا يغني عنك هذا. في العقيدة ليس هناك طاعة "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" التغليب يدل على العموم والشمول وأحياناً يراد به التفصيل.
(انظرونا نقتبس) تحتمل انظروا لنا، هي فيها احتمالين انظروا إلينا نقتبس من نوركم. (أَنظَره بمعنى أمهله) (قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) الأعراف) هذا فعل رباعي انظرني من الفعل الرباعي، انظر مضارعه يُنظِر وكل رباعي مضموم حرف المضارعة. هنا أُنظرونا من نظر ينظر. انظرونا لها معنيين: على الإمهال (أنظرني في الدِيْن) أي أمهلني وانظرونا بالعين. نظر فعل متعدٍ بذاته (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا (19) الكهف).
ذكرنا المنافقين والمنافقات وذكرنا أنه فصّل وذكرهم ليدل على أن كل فرد من الجنسين ينال جزاؤه ولا يشفع لأحدهم قرابة فلا تقول المنافقة كنت تابعة لزوجي أو أخي. وذكرنا أن الانتظار فيه تمهل وإبطاء وقلنا أن نظر أسرع من انتظر لأن انتظر فيها تمهل وإبطاء على وزن (إفتعل) وضربنا أمثلة في حينها والمؤمنون يُسرع بهم إلى الجنة فلا يوجد وقت للانتظار والمنافقون يعلمون هذا ولو قالوا لهم انتظرونا لم يجيبوهم ولم يأبهوا لهم لأنهم يُسرع بهم إلى الجنة فطلبوا مدة قليلة أن ينتظروهم ولو كان في الأمر متسع في الوقت كما قال تعالى في الدنيا (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) لكن الظرف لا يسمح بالانتظار والتمهل الكثير. قال انظرونا وهي ليست مثل انتظرونا من حيث دلالتها على الزمن. إبليس قال (أنظِرني إلى يوم يبعثون) أي أمهلني وهذا معنى مختلف. أَنظِرني أي أمهلني أما انظرونا بمعنى انتظرونا وهنا لم ترد اَنظرونا من أنظر الفعل الرباعي كما قال إبليس وإنما انظرونا من الفعل الثلاثي نظر ينظر وليس من أنظر. أُنظرونا في اللغة تحتمل أمرين: أنه انظروا إلينا وبمعنى انتظرونا وذكرنا هذا سابقاً. انظرونا أي استقبلونا بوجوهكم حتى نرى لأن لديهم نوراً في أيديهم حتى يستضيؤا به، قال انظرونا. إذن تحتمل معنيين يحتمل الانتظار ولو كان قليلاً ليستضيؤا بهم ويحتمل انظروا إلينا ليمشوا في نورهم.
(نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) أي نُصِب من نوركم وليس بمعنى نأخذ لأن القبس يستعمل في النار وهو الشعلة من النار. القبس ويقال اقتبس من علمه لكن في الأصل هو الشعلة من النار (بشهاب قبس) لكن فرق بين نأخذ ونقتبس فالقبس أن تأتي بعود وتضعه في النار فيشتعل فتأخذه أما الأخذ فهو أن تلتقط من النار لذا قال تعالى (نقتبس) ولم يقل نأخذ لأن الاقتباس لا يُنقِص من المقتَبَس أما الأخذ فقد ينقص منه لذلك قال تعالى (نقتبس من نوركم) أي أن نوركم باقٍ لكن دعونا نقتبس منه ولا نأخذ منه ولو قال نأخذ منه حتماً سيردّوهم. ولذلك قال نقتبس لأنه لن يؤثر على نورهم والنور كبير عندهم. أما لو قال نأخذ قطعاً يعرفون أن المؤمنين لن يوافقوا على هذا الطلب.
قال (نقتبس) ولم يقل نقبس لأن الاقتباس أعظم من القبس (اقتبس على وزن افتعل) أكثر. هذا يدل على عِظَم نور المؤمنين فهو ليس قليلاً مهما أُخِذ منه فهو كثير فقالوا نقتبس من نوركم وهذا يدل على عظم النور الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين. فقالوا نقتبس، رأوا نوراً عظيماً عند المؤمنين فقالوا (نقتبس). هذا يشير للسامع العربي إلى النور العظيم الذي أعطاهم إياه الله تعالى حتى يقول المنافقون نقتبس منه وهذا معناه أنه نور عظيم وهذا يدل على إكرام المؤمنين، هذا النور لا ينقص بالاقتباس وهو كثير. هذا ليس من قبيل زيادة المبنى تدل على زيادة لمعنى هو في الغالب هذا صحيح لكن في بعض الأحيان قد يكون البناء الأقل أبلغ من البناء الأكثر مثلاً من صيغ المبالغة (حذِر) وحاذِر إسم فاعل لكن حذِر أبلغ من حاذر مع أن حذر بناؤها أقل. فهذه ليست قاعدة مضطردة.
(نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) لم يقل من النور الذي معكم. وقال (يسعى نورهم) إذن هو نورهم هم، ملكهم، ليس من النور الذي معكم وإنما لكل واحد منهم نور.
* هل في هذا دلالة على التملك؟
هو دلالة على شبه التمليك فهو أي النور لا يملّك.
ما قالوا انظرونا نقتبس من هذا النور لأن من نوركم أكبر ونور المؤمنين أكرم فكل واحد له نور عظيم وليس نوراً عادياً بحيث يمشون فيه وإنما لكل واحد نور خاص يمشي به.
(قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا): لاحظ الآية تقول (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا) إذن هم يخاطبون الذين آمنوا، (قيل) فعل مبني للمجهول ولم يقل قالوا لأنه من الذي قال؟ الملائكة لأن المؤمنين مشغولون بما هو أعظم وأهمّ وأدعى للاهتمام لذلك قال (قيل ارجعوا) الملائكة هم الذين قالوا لأن هذا ليس كلام المؤمنين وإنما هم يُسعى بهم إلى الجنة فليس عندهم وقت للوقوف والكلام.
*(قيل ارجعوا وراءكم) إرجعوا فيها دلالة الوراء فما دلالة وراءكم؟
هذه فيها أكثر من أمر في اللغة: إما أن يكون ظرفاً مؤكِّداً (وراءكم) ونحن عندنا ظرف مؤكد وظرف مؤسس كما عندنا حال مؤكد وحال مؤسس ونعت مؤكد ونعت مؤسس. المؤسس هو الذي يؤسس معنى جديداً غير موجود في الجملة مثل: أقبل أخوك مسرعاً، رأيت أخاك نائماً، نائماً ليست من رأيت أخاك وليس لها علاقة برأيت أخاك هذه يسمونها حال مؤسسة. أما قوله تعالى (ولّى مدبراً) حال مؤكدة. عندنا ظرف مؤسس وظرف مؤكد، ظرف مؤسس أكثر مثال على الظروف تقول: جاء يوم الجمعة لأن المجيء يمكن أن يكون في أيام أخرى، جلس بين الأشجار (مؤسس) لكن جلست زمناً لا بد أن يكون له زمن، تكلّم حيناً هذا يسمى ظرف مؤكد. (وراءكم) ظرف مؤكد لـ (ارجعوا). والدلالة التي يزيدها التوكيد هنا لأن التأكيد مطلوب في اللغة كما قال تعالى (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ (26) النحل) السقف معروف أنه فوق وكذلك قوله تعالى (وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ (38) الأنعام) معروف أن الطائر يطير بجناحيه فالتوكيد موجود في اللغة وغرضه البياني زيادة في التوكيد والاهتمام. وقد يكون (وراءكم) إسم فعل بمعنى ارجع فيكون فيها تأكيدين: إسم الفعل وتأكيد بالفعل. (إرجعوا وراءكم) فيها إهانة أشد للكافرين. ثم (وراءكم) ليس بالضرورة أن تكون مؤكدة. لما تقول إرجع قد ترجع في مكانك بظهرك من غير إستدارة لكن لما تقول إرجع وراءك فلا بد أن تستدير وترجع للمكان الآخر فهناك فرق بين ارجع أي أفسح المجال أو وسِّع أما ارجع وراءك فهو أمر آخر وهو أن يذهب للخلف يستدير ويرجع فهذا كالطرد. (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا)، قيل ارجعوا قلنا أن المؤمنين لم يقولوا هذا الكلام وإنما الملائكة قالتها لأن المؤمنين مشغولون بما هو أهمّ.
لم يقل هناك نور وإنما قال (فالتمسوا نورا) أي اطلبوا منهم نوراً، لم يقل هناك نور موجود وإنما قال إلتمسوا نوراً.
(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) حُجِز بينهم ولم يقل بينهما مع أنهما فريقان كما قال في آية أخرى (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) النمل) أي بين الأفراد أجمعين لأنه قال بالجمع منافقين ومنافقات وعندنا مؤمنين ومؤمنات فضرب بينهم على الجمع أي حُجِز بينهم بسور. ضرب في اللغة لما تأتي بالباء (ضرب بينهم بسور) أي ليس ضرباً بالعصى وإنما حُجِز بينهم ويسمى هذا تضمين يعني يضمّن الفعل معنى آخر. أصل الفعل يتعدى بحرف جر ثم يأتي بفعل آخر لا يتعدى بهذا الحرف وتعدّيه بهذا الحرف الجر فيعطي معنى آخر، مثلاً: نصرناهم من الذين كفروا، فعل نصر لا يتعدى بـ (من) وإنما فعل نجّى يتعدى بـ (من) فلما قال نصرناهم من ضمّن معنى نجّى واكتسب معنى النجاة ومعنى النصر. هذا يسمى في اللغة التضمين يكتسب معنيين المعنى الأصلي المذكور ومعنى ذلك الفعل الذي أشار إليه بحرف الجر.
(ضرب بينهم بسور) أي حجز بينهم. السور هو ما أحاط بالشيء لكنه قال (له باب) حتى لا يُظنّ أن المؤمنين محتجزون فيه. لو لم يكن له باب يحتمل أنهم محتجزون. المؤمنون والمنافقون حُجِ. بينهم بسور هذا السور له باب يدخل منه المؤمنون ينفذون منه إلى مرادهم إلى الجنة والمنافقيون لا يستطيعون أن ينفذوا منه. فالسور يحجز بينهم بحيث هذا الباب يفضي بالمؤمنين إلى الجنة والمنافقون خارج السور والمؤمنون داخله فهمنا هذا من قوله تعالى (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) داخله فيه الرحمة وهي الجهة التي فيها المؤمنون وظاهره من قِبَلِه العذاب جهة المنافقين. لم يقل بينهم سور وسكت وإنما من جهة المؤمنون السور له باب يسعون به في طريقهم إلى الجنة والمنافقون لا يمكن لهم الدخول لأن الباب ليس من جهتهم وإنما من باطنه أي جهة المؤمنين. ولاحظ أنه قال عن السور (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) أي أن ظاهره يختلف عن باطنه كما أن المنافقين ظاهرهم يختلف عن باطنهم فهي لمسة فنية دقيقة جداً. فكما أن المنافقين يخالف باطنهم ظاهرهم كذلك السور باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. ولم يقل باطنه فيه الرحمة وظاهره فيه العذاب لأنهم خارجه.
(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ) قبلها قال تعالى (يوم يقول المنافقون والمنافقات) باستعمال الفعل (يقول) والآن (ينادونهم) نادى أي رفع الصوت، مدّ الصوت، مدّ النداء والقول عام حتى في النفس كما في قوله تعالى (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ (8) المجادلة). هم كانوا قريبين منهم في البداية لكن مع السور صار كل واحد في جهة ويحتاجون لرفع الصوت (ينادونهم) أي يرفعون أصواتهم لأن القول حتى لو تكلم أحدهم بأخفض الأصوات هو القول حتى في النفس. الآن صار بينهم حاجز ويحتاجون لرفع الصوت (ينادونهم).
*(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ) لم يقولوا ألم نكن منكم؟
هم لم يكونوا منهم ولو قالوا ألم نكن منكم لقال المؤمنون كلا. ألم نكن منكم أي مؤمنين، ألم نكن معكم صحيح أنتم معنا تُظهرون الإيمان، فالمعيّة لا تعني بالضرورة أن يكونوا منهم، نعم هم موجودون معهم في نفس المكان أو المدينة لكنهم ليسوا منهم. (معكم) ظرف و (من) حرف جر وكل واحدة لها دلالة. قالوا بلى أنتم معنا ولكن ليسوا منهم (قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ).
* هنا قال تعالى (قالوا بلى) وفي الآيات السابقة قال (قيل ارجعوا وراءكم)؟
لو قال :قيل بلى الكلام ليس حكماً لأنهم يكلمون المؤمنين ولو قيل بلى كيف يكون حكماً على الآخر؟ أنا أسألك أنت وغيرك يجيب عنك كيف تكون أجبت أنت؟ هذا سؤال، أما (انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا) هذا طلب يحتمل أن يرد الآخر عني أما في السؤال فلا يجب أن يجيب عنك أحد. (ألم نكن معكم) من يقول هذا الكلام صحيح؟ أنت المسؤول تجيب فقال (قالوا بلى) لا يمكن أن تكون هنا (قيل بلى) لأنه احتمال أن يجيب غيرهم أن يكون معهم أو لا. لو قال واحد بلى يقال أنا لا أسألك أنت ولكن أسألهم لأنني كنت معهم.
*(وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) هل هذا الترتيب مقصود هنا؟
هو قطعاً مقصود لأنه مرتب ترتيباً منطقياً. أولاً نعرف ما هو معنى (فتنتم أنفسكم)؟. فتن أشرنا إلى معناها في الحلقة السابقة، (فتنتم أنفسكم) معناه الاختبار وقد يكون التعذيب (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (191) البقرة) والفتنة إدخال الناس في النار (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) الذاريات) وكل هذه المعاني مطلوبة هنا. أنتم فتنتم أنفسكم أي وضعتم أنفسكم في الاختبار وتقولون لهؤلاء نحن معكم ولهؤلاء نحن معكم وكل فريق سوف يختبركم إذن هم وضعوا أنفسهم في فتنة الاختبار. ثم هذا الاختبار طال (تربصتم وارتبتم) فصار هناك تعذيب نفسي هي ليست لحظة وإنما عمر، والتعذيب في الدنيا والآخرة. التربص هنا هو الانتظار والنار مأواهم. تربصتم أي تنتظرون النتيجة لكل واحد يتربصون بالفريقين، (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ (141) النساء) ثم يتربصون بالفريقين وينتظرون ماذا سيكون؟ أي فريق الذي فيه نفع لهم؟ يقولون نحن معكم، هذا فيه تربص ثم لما دخلتهم الريبة من سيفوز؟ الريبة بمعنى الشك. والشك يختلف عن الريبة لأن الريبة حتى يقال هذا الحيوان لا يريبه شيء أي لا يزعجه شيء فالريبة أعمّ (ذلك الكتاب لا ريب فيه).
ما قال ارتبتم في شيء لأن الحياة عامة ليست في شيء محدد وهذا عمر والأمر طال. ارتبتم حتى تربصتم ولم يذكر شيئاً والفريقان ينتظرون من سيفوز؟ طال الأمر وينتظرون من سيفوز هؤلاء أم هؤلاء؟ دخلتهم الريبة لأنه طال الانتظار. ولما طال الانتظار دخلتهم الريبة ولما دخلتهم الريبة بقيت الأمنيات. لما لم يحدث شيء بقيت الأمنيات. ثم دخل الشيطان فقال (وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) فهي مرتبة ترتيباً منطقياً أحدها يفضي إلى الآخر. هم ظلموا أنفسهم وأظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ثم طال التربص ودخلتهم الريبة والشكوك ثم طالت المسألة ثم دخل الشيطان حتى جاء أمر الله ورحلوا عن الدنيا منافقين مغرورين من الشيطان (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ).
في صدر الآية قال (انظرونا نقتبس من نوركم) هو الآن مشهد ذكر أن المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم (بشراكم اليوم جنات) هذا الآن يُسرع بهم إلى الجنة أما المنافقين فليس عندهم غير أن يطلبوا النور حتى يمشون لكن النور انقطع فقالوا أعطونا النور قيل ارجعوا وراءكم ثم صار تدرجاً، صار سور، (ألم نكن معكم) بدأ الحوار.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٤ |
(فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(15))
الكلام لا يزال في يوم القيامة. ذكر الفدية لأن الخطاب موجه إلى المؤمنين والمنافقين إما من الله تعالى أو من الموكلين بهذا القول. (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية) أولاً ذكر الفدية لأنه تكرر في السورة ذكر الإنفاق والقرض الحسن فذكر فدية ويبدو أن الفدية هنا هي المال لأنه قال (لا يؤخذ منكم) وما قال لا يقبل منكم لأن الفدية في اللغة والقرآن ليست مختصة بالأموال فقد ورد في القرآن (فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (196) البقرة). الفدية يفدي بها نفسه يدفع فدية. ذكر ربنا في الدنيا في الحج (فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) والآن قال لا يؤخذ منكم فدية وما قال لا يقبل منكم فيبدو أنها مال. كان يمكن أن نفقوا في الدنيا ويفدوا أنفسهم في الدنيا أما اليوم فلا يؤخذ منهم فدية وليس منهم فقط ولكن من الكفار أيضاً وليس جميع الكفار منافقين حتى تكون عامة. هل يخرج من غير المنافقين؟ قال لا منكم ولا من غيركم، لا منكم ولا من الذين كفروا فالخطاب للجميع.
(مأواكم النار) الكلام الآن بالذات مع المنافقين النار مولاكم عامة ومأواكم النار المأوى هو دار الإقامة أو الملجأ المكان الذي تأوون إليه أو الملجأ، والمولى هي التي تتولى أمركم، النار تتولى أمرهم. ذكر أمرين: يأتيهم الشر من جهتين من المأوى والمولى فقد يكون المأوى سيئاً لكن المولى حسن وقد يكون العكس أنا هؤلاء فالنار مأواهم ومولاهم. يحتمل أن يكون المولى من الوليّ أي القرب (أولى لك فأولى) أي مكانكم عن قرب والمعنيان مرادان فهي تتولى أمرهم وهي مكانهم عن قرب ولم يرد في جهنم (هي مولاكم) إلا في هذا الموطن وذلك لسببين:
1. السبب الأول أنه ذكر في الآية أن المنافقين تربصوا وغرتهم الأماني حتى الموت فبعد طول الأمل والتربص الطويل كانت النار أقرب إليهم فهم كانوا يستبعجونها وهي أقرب وأدنى من آمالهم.
2. والسبب الآخر أن كل الآيات التي ورد فيها (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) آل عمران) ونحوها إنما قيلت وهم في الدنيا والدنيا لا تزال غير منقضية وأما هذا القول فإنه قيل وهم في الآخرة وقد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وأتاهم العذاب من قبله فالنار قريبة منهم فقال (هي مولاكم).
(وبئس المصير) هذه أنسب خاتمة لهم فقد كانوا في ترقبهم وأمانيهم ينتظرون المصير السن والمستقبل المشرق فكانت لهم الظلمة والمصير الأسوأ.
***إن هذه الآيات يتجلى فيها إكرام المؤمنين وإبعاد النصب عنهم بخلاف المنافقين فإنها يتجلى فيها إرهاقهم وإهانتهم والتهكم بهم فقد قال في المؤمنين: (هذا الجزء منقول من كتاب الدكتور فاضل السامرائي على طريق التفسير البياني الجزء الأول من صفحة 262 إلى صفحة 266 للفائدة)
1 ـ (يسعى نورهم): ولم يقل (يمشي نورهم) للدلالة على الإسراع بهم إلى الجنة، وهذا إكرام فإن الإبطاء إلى السعادة ليس كالإسراع إليها، وفي الإسراع ما فيه من الإكرام.
2 ـ أنه تعالى أسند السعي إلى النور ولم يسنده إليهم فلم يقل (يسعون) لأن السعي قد يجهدهم، فأسنده إلى النور فدل على أنه يسعى بهم، فهو لم يقل إنهم يمشون، لأن المشي قد يكون فيه إبطاء، ولم يقل يسعون، لأن سعيهم قد يكون فيه إجهاد، ولكنه أفاد السعي من ذكر سعي النور.
3 ـ قال(يسعى نورهم)، فذكر الفاعل ولم يقل (يُسعى بهم) بالبناء للمجهول وحذف الفاعل فلا يُدرى أيسعون في ظلمة أم في نور، فذكر أن لهم نورا يسعى.
4 ـ أضاف النور إليهم، وهذا فيه أمران: الأول الدلالة على أن هذا النور إنما هو نور المؤمن، وهو يدل على قدر عمله. فهو إهابة بالمؤمن ليعظم نوره ويكثره. ومن ناحية أخرى لم يقل (يسعى النور) فيجعله عاما يستضيء به المنافقون، فجعل لكل مؤمن نوره الذي يستضيء به فلا يشاركه فيه غيره، وهذا إكرام للمؤمنين وحسرة على المنافقين.
5 ـ قال (بين أيديهم) ومعنى (بين أيديهم) أمامهم، غير أنه لم يقل (أمامهم) لأن الأمام قد يكون بعيدا عن الشخص، فقد تسأل عن قرية فيقال: هي أمامك، وقد يكون النور أمامك و لا تتمكن من الاستضاءة به لبعده فقال (بين أيديهم).
6 ـ وقال (وبأيمانهم) ولم يقل (عن أيمانهم) لأن معنى بأيمانهم أنه ملتصق بالأيمان وليس مبتعدا عنها كما قال تعالى: "وما تلك بيمينك يا موسى17" طه، ولو قال (عن أيمانهم) لدل أنه متراخٍ عن أيمانهم أو منحرف عنها لأن (عن) تفيد المجاوزة، والباء تفيد الإلصاق.
7 ـ قال (بشراكم)، ولم يقل (يقال لهم بشراكم) لأنه أراد ن يجعل المشهد حاضرا ليس غائبا، يُسمع فيه التبشير ولا يُنقل.
8 ـ وأضاف البشرى إلى ضمير المخاطبين لتنال البشرى كل واحد، ولم يقل (البشرى جنات) وهو إكرام آخر.
9 ـ وقال (اليوم) للدلالة على قرب البشرى، وأنها ليست من الوعد البعيد الوقوع، والبشرى كلما كانت أقرب كانت أحب وأدعى إلى المسرة.
10 ـ وقال (جنات) ولم يقل (جنة) للدلالة على أن لكل منهم جنة أو أكثر كما قال تعالى: "ولمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى" النازعات.
11 ـ قال: "تجري من تحتها الأنهار" ولم يقل (فيها أنهار) وذلك للدلالة على أنها جارية وليست راكدة، والركود مظنة الأسون، هذا إضافة إلى التمتع بمشهد الجري، ولذلك عندما لم يذكر الجري في قوله: "فيها أنهار من ماء 15" محمد. قال (غير آسن) لينفي عنها صفة الأسون، ولما ذكر الجري لم يذكر ذلك لأنه لا حاجة إليه.
12 ـ وقال (الأنهار) ولم يقل (نهر) للدلالة على كثرة الأنهار.
13 ـ قال (خالدين) وهي بشرى أخرى، وقال (فيها) للدلالة على أن الخلود في الجنات وليست الجنة مرحلة أو مكانا ينتقلون منه إلى ما هو أقل سعادة.
14 ـ قال (ذلك هو الفوز العظيم) ولم يقل (ذلك فوز عظيم) وإنما عرف الفوز بأل للدلالة على القصر وعلى أنه لا فوز أعظم منه، ثم جاء بضمير الفصل للزيادة في التوكيد.
ثم إن الأمر يعظم ويكبر بعظم قائله فإن الفوز الذي يذكره طفل أو رجل من ضعفة الناس يختلف عن الفوز الذي يذكره قائد أو ملك. فكيف وقد ذكره ملك الملوك ووصفه بالعظمة وقصره وأكده؟
15 ـ ذكر أن المنافقين يقولون (انظرونا) ولم يقولوا (انتظرونا) فإنهم يدركون أنهم لا يسعهم الانتظار، وإنما طلبوا منهم مهلة قصيرة لينظروهم أي ينتظروهم. وفي هذا دلالة على الإسراع بهم إلى الخير والسعادة، فإن الذي يسرع به إلى الخير والسعادة أكرم من الذي يبطأ به.
16 ـ ثم قال (نقتبس) ولم يقل (نقبس) والاقتباس أكثر من القبس، وذلك يدل على عظم النور الذي عندهم.
17 ـ قال (من نوركم) ولم يقل (من النور) وهذا تكريم آخر فإن النور نورهم.
18 ـ قال (قيل ارجعوا) ولم يقل (قالوا) لأنه أراد ألا ينشغلوا بما لا فائدة فيه من الكلام فتكلم الملائكة أو غيرهم بالنيابة عنهم ولم يشغلوهم بالكلام عما هو أهم، ولم يرهقوهم بكثرة القيل.
19 ـ قال (فضرب بينهم بسور) فحجزوهم عن أولئك السائلين المنافقين.
20 ـ ثم قال (له باب) للدلالة على أنهم غير محتجزين فيه، وإنما ينفذون منه إلى مرادهم.
21 ـ ثم قال (باطنه فيه الرحمة) وهو تكريم آخر وكيف لا وهم في رحمة الله؟
***أما دلالتها على إهانة المنافقين وإرهاقهم فهو أوضح ما يكون:
1ـ فقد ذكر أن المنافقين والمنافقات يطلبون من المؤمنين أن ينظروهم للاقتباس من نورهم، وهذا يدل على أنهم في ظلمة، وقد قيل إنهم أعطي لهم نور ثم انطفأ من باب إهانتهم وخديعتهم والاستهزاء بهم كما كانوا يخادعون ويستهزئون في الدنيا. قال تعالى: "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم " النساء 142
جاء في تفسير ابن كثير: "ويقول المنافقون للذين آمنوا "انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا" وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال "يخادعون الله وهو خادعهم" فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب"
2 ـ وقال (قيل ارجعوا) ولم يذكر أن المؤمنين ردوا عليهم، فبنى الفعل لمجهول، وقيل إن القائل هم الملائكة، فهم الذين تولوا الرد عليهم، أما المؤمنون فلا يعنيهم هذا الطلب وإنما هم مشغولون بما هو أهم، وهذا إهانة للمنافقين أن يطلبوا من المؤمنين فلا يجيبوهم وإنما يجيبهم آخرون.
3 ـ وقال (ارجعوا) وهو إهانة أخرى.
4 ـ وقال (وراءكم) وهو إما أن يكون ظرفاً مؤكداً أو يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون كأنه قيل لهم: ارجعوا ارجعوا، وهو إهانة ظاهرة.
5 ـ قال (فالتمسوا نورا) وهم يعلمون أن ليس ثمة نور، وهو من باب الاستهزاء بهم.
6 ـ وقال (فضرب بينهم بسور له باب) فحجزوهم عن اللحاق بالمؤمنين وهو إهانة ظاهرة.
7 ـ وقال (وظاهره من قبله العذاب) وهي جهتهم.
8 ـ وقال (ينادونهم ألم نكن معكم) فذكر أنهم يرفعون أصواتهم من وراء السور ينادون المؤمنين ليلتحقوا بهم، ولكن حيل بينهم وبين ما يريدون.
9 ـ وفي رد المؤمنين عليهم إهانات متعددة، فقولهم لهم: إنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأماني، وغركم بالله الغرور، كل خصلة منهن إهانة وتبكيت.
10 ـ قوله تعالى: "فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا"و "مأواكم النار" "هي مولاكم" "وبئس المصير" كله إهانات وإخبار لهم بما سيلاقونه من سوء العاقبة والمنقلب، نعوذ بالله.
فالأشياء محشودة حشداً فنياً دقيقاً في إكرام المؤمنين وإهانة المنافقين.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٥ |
(اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17))
*نظرة عامة على الآية وارتباطها بما قبلها وما بعدها:
أمرنا ربنا أن نعلم هذا الأمر وهو أن الله تعالى هو الذي يحيي الأرض بعد موتها فما كانت لتحيا لولا أن الله يحييها، لا تحيا من الماء بنفسها ولا أن هنالك ذاتاً معه أو بدونه قادرة أن تحيي وإنما هو الذي يحيي الأرض وأراد أن نعلم هذا الأمر فقال (اعلموا). الارتباط بما قبلها ظاهر من جهتين: أولاً في الآية قبلها قال تعالى (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) فهو تمثيل لأثر الذكر والقرآن في القلوب وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض. أثر الذكر والقرآن في القلوب يحييها كما يحيي الغيث الأرض. الله تعالى يحيي الأرض بالغيث والذكر والقرآن يحيي القلوب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) الأنفال) هذه حياة. إذن أثر الذكر الذي أمرنا به (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) هذا الذكر يحيي كما تحيا الأرض بالغيث فالذكر يحيي القلوب من موتها كما يحيي الله الأرض من موتها، هذا أمر. والأمر الآخر أن فيها دلالة على بعث الأموات وقد ذكر قبلها مشهداً من مشاهد الآخرة (فضرب بينهم بسور له باب) ويذكر لنا في القرآن حياة الأرض للتمثيل بحياة الآخرة فينتقل منها إلى الآخرة (كذلك يحيي الله الموتى). إذن من جهتين من جهة أن الله سبحانه وتعالى كما يحيي الأرض بعد موتها يحيي القلوب بذكر الله وما نزل من القرآن، هذا أمر ومن ناحية أخرى دليل أو تشبه كيف يحيي الله الموتى وذكر مشهداً من مشاهد الآخرة هذا أيضاً تدل على أن الله سبحانه وتعالى سيحيي الموتى كما يحيي الأرض، يحيي الموتى في الآخرة كما يحيي الأرض.
*قال تعالى (يحيي الأرض بعد موتها) أليس هذا مظنة والعياذ بالله لأي شك أن الذي يميت هو غير الله تعالى؟
قال يحيي بعد موتها ولم يقل بعد إماتتها. يقال مات فلان وأماته أي شخص آخر يميته. قال تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) النجم) (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (28) البقرة) أنت تقول مات الإنسان. يميتكم من أمات، عندنا مات يموت وعندنا أمات يميت. هناك فرق بين الموت والإماتة. الموت من تلقاء نفسه، أماته أي الله سبحانه وتعالى أماته. مات وأمات فعلان أحدهما لازم والآخر متعدي. لو قال يحيي الأرض بعد إماتتها يكون للسؤال وجاهة لكنه قال بعد موتها.
إرتباطها بما بعدها (إن المصدقين والمصدقات) شأن الأرض التي تحيا بالغيث تضاعف ما فيها (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) البقرة) والمصدقين والمصدقات أيضاً يضاعف لهم كما أن الأرض بعد موتها تضاعف ما يخرج من الغلّة كذلك الصدقة تضاعف الأجور (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ) المنفق والمقرِض يضاعف له كما أن الأرض تضاعف. إذا أحيا الله سبحانه وتعالى الأرض بعد موتها تضاعف الحبّ وكذلك المصدقين يضاعف لهم الله تعالى الأجور. ثم ذكر الآخرة (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ (19)) أيضاً فيها دلالة على الحياة الآخرة. وسيأتي ذكر للآخرة فيما بعد. فهي ترتبط بما قبلها وبما بعدها من ناحيتين.
هل إرتباطها بما قبلها أقوى؟ التذكير بقدرة الله تعالى حاصل لكن من الناحية الفنية عندما قال (يضاعف لهم) وهذا شأن الأرض التي تحيا بالغيث ولما ذكر المصدقين والمصدقات قال يضاعف لهم ولهم أجر كريم كما تضاعف الأرض فالمناسبة ظاهرة. والآية مدخل للآية التي بعدها
الوقفة كاملة
|
| ١٩٦ |
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18))
ذكر تعالى في غير موطن المتصدقين والمتصدقات وأشرنا في أكثر من مناسبة ووقفنا عند هذا وقلنا أنه من باب الإبدال الجائز. أصل المصّدّقين والمصدقات متصدقين ومتصدقات مثلما ذكرنا يدّبر ويتدبر وذكرنا في حينها أنه فيها تضعيفان (المصّدّقين) والتضعيف فيه مبالغة فهنا قال (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ) لما بالغوا في الصدقة أعطاهم مضاعفة لذا لاحظ في سورة يوسف قال (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) يوسف) لم يطلبوا المبالغة في الصدقة وهذا من حسن أدبهم يعني يكفيهم الشيء القليل فلم يقولوا (فاصّدّق علينا) كأنهم يريدون الشيء الكثير. قسم قال (يجزي المتصدقين) لم يقل المصدقين لأن المتصدقين تشمل المقلّين والمكثرين. لو قال المصدقين تدل على أنه يجزي المبالغين في الصدقة دون غيرهم لكنه يجزي المُقِلّ والمُكثِر. المصّدّقين والمصّدّقات هم المكثرون في الصدقات فقال تعالى يضاعف لهم ولهم أجر كريم، هؤلاء المبالغين في الصدقة وأقرضوا الله قرضاً حسناً والجزاء على قدر العمل. (مصّدّق) الذي يُخرج أمواله في سبيل الله ومنها قد تكون من باب الفروض كالزكاة ورب العالمين سماها صدقة.
*ماذا يفيد العطف بين المصدقين والمصدقات؟
أولاً يدل على استقلال النساء في أموالهن، وما دام مالها فلها الحرية في أن تصرف وتقرض الله قرضاً حسناً وأن تفعل ما تشاء في مالها. ويبين أيضاً أنه إذا كان لها مال فلا تغني صدقة زوجها أو أبيها عنها وأنها يضاعف لها كما يضاعف للرجال. ثم ذكر المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات فالجو العام هكذا فذكر المصدقين والمصدقات.
*ألا تشمل المصدقين كجمع مذكر النساء أيضاً للتغليب؟
أحياناً وأحياناً يراد به التفصيل، يذكر الأمرين وحتى المصدقات إذا كان لهن مال فليس لأحد أن يرغمهن على أموالهن فيمنعهن من الصدقة ولهن أن يتصرفن بأموالهن وأن عليهن الصدقة كما على الرجال ولا تغني صدقة أزواجهن ولا آبائهن إذا كان لهن مال لذلك أفردهم (والمصدقات). ومثله جرى في السورة فذكر المنافقين والمنافقات والمؤمنين والمؤمنات فذكر أيضاً المصدقين والمصدقات، جرى هذا النمط في السورة. هذا ما ذكرناه في الحلقة الماضية.
*ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (وأقرضوا الله قرضاً حسناً) ولماذا ذكر القرض بعد المصدقين؟
قسم ذهب إلى أن الصدقة غير القرض. قسم قال القرض هو تطوع والصدقة في الواجب. ربنا تعالى سمّى الزكاة صدقة لكن هي ليست مقصورة على الزكاة وإنما هي عبادة عامة (المال) ومنها الزكاة لكن قسم من الصدقة هو فروض كصدقة الفطر وبعض الصدقات كالكفارات هذه فروض والزكاة فرض. فقسم قال الإقراض المذكور هو من باب التطوع ولا يدخل في باب الفروض. المصدّقين قد يدخل فيها الفرض. وقسم قال القرض هو أعمّ من الصدقة يدخل في الفروض وغير الفروض. فإذا كان الأمر كذلك فهو من باب عطف العام على الخاص إذا كان القرض هو أعم من الصدقة (ما كان تطوعاً وغير تطوع) أي الصدقة في عمومها يصير أعم من الصدقة فعند ذلك إذا كان الأمر كذلك أي إذا كان القرض عموم الصدقة فتكون أعم من الصدقة فيكون من باب عطف العام على الخاص. وقسم يقول لا هي تطوع الصدقة هي في الفروض والقرض هو في التطوع والذي يبدو لي - والله أعلم- أن القرض في التطوع ويختلف عن الصدقة بدليل أنه فيما أظن أن القرض هو في صدقة التطوع نلاحظ أن القرآن الكريم يذكر القرض الحسن بعد الزكاة في مواطن وقد يأمر به بعد الأمر بالزكاة كما في قوله (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا (12) المائدة) ذكر الزكاة ثم ذكر القرض الحسن، الزكاة فرض فقال بعدها (وأقرضتم الله). وفي آية أخرى قال تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (20) المزمل) هذا أمر. يبدو لي أنه لما عطفها على الزكاة والزكاة فرض صار القرض من باب التطوع، من باب المندوبات وليس كل المندوبات فروض لكن علمنا أن الزكاة فرض وعطفها على الزكاة فلا يأخذ نفس الحكم لأنه ليس بالضرورة أن يأخذ المعطوف نفس الحكم خاصة في المندوبات فقد يكون عطف مندوب على فرض.
ثم تسميته (قرض) المُقرِض ليس ملزماً بالإقراض. القرض في اللغة إعطاء مال تحديداً. القرض إعطاء مال ويتوقع إسترداده أما الزكاة فلا تُردّ. لما قال المصدقين والمصدقات الصدقة لا تُردّ، المقرِض عندما يُقرِض شخصاً المفروض أن يرد عليه قرضه. لذلك لما قال تعالى (من ذا الذي يقرض الله) رب العالمين سيرده عليه بأضعاف كثيرة (فيضاعفه له). تسميته قرضاً المقرِض ليس ملزماً بالإقراض إذا أردت الاقتراض من أحد فهو ليس ملزماً بإقراضك فلما قال ربنا (قرض) معناه أنه ليس ملزماً، معناه أنه من باب التطوع. وبخلاف التصدق لأن منه ما يلزم. وقال تعالى في أكثر من موضع (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) كأنه من باب الترغيب. فتسميته قرض توحي والله أعلم بأنه ليس من باب الفروض وحتى طبيعة قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) من باب الترغيب وليس من باب الإلزام.
(قرضاً) أحد أمرين: إذا كان المقصود مال تحديداً يكون مفعولاً به وإذا كان مصدراً فيكون مفعولاً مطلقاً.
*ما المقصود بالقرض في (قرضاً)؟ هل هو مال؟
إذا كان مالاً يكون (قرضاً) مفعولاً به (أقرضتك مالاً) وإذا كان مصدراً يعني أقرضتك إقراضاً حسناً يكون مفعولاً مطلقاً ويصير حدثاً. المصدر أقرض إقراضاً وليس قرضاً. المسألة أن قرض مصدر قَرَض وقَرَض وأقرض كلاهما بمعنى واحد ثلاثي ورباعي وأحياناً نأتي بالمصدر، نأتي بالفعل وتأتي بمصدر فعل آخر كما في قوله تعالى (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) نوح) لم يقل إنباتاً وقال في مريم عليها السلام (وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) آل عمران) المفروض أن يقال إنباتاً، لكن هذا يكون لغرض. إذا كان الفعلان بمعنى واحد قرض وأقرض أو حتى لم يكونا بمعنى واحد يكون لغرض آخر مثل قوله تعالى (وتبتل إليه تبتيلا) المفروض تبتّلاً. تبتيل مصدر بتّل وبتل غير تبتّل تماماً والمعنى مختلف. ليجمع المعنيين يأتي بالفعل للدلالة ويأتي بالمصدر من فعل آخر من دلالة أخرى فيجمع بينهما حتى يجمع المعنيين. فبدل أن يقول: وتبتل إليه تبتلاً وبتّل نفسك إليه تبتيلاً يقول (وتبتل إليه تبتيلاً) فيجمع المعنيين وهذا من أعجب الإيجاز. هذه الآية (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) المزمل) فيها أمور في غاية الغرابة في الإيجاز. في مريم قال (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) آل عمران) لم يقل إنباتاً لأنه لو قال إنباتاً هو الله تعالى أنبتها فالمنبِت هو الله تعالى لم يجعل لها فضلاً لكن أنبتها فنبتت نباتاً حسناً جعل لها من معدنها الكريم قبول هذا النبات وأنبتها فنبتت نباتاً حسناً أي طاوعت هذا الإنبات فجعل لها قبول، فجعل لها فضل في معدنها الكريم. بينما لو قال إنباتاً لم يجعل لها فضلاً رب العالمين أنبتها يفعل ما يشاء، لكن نباتاً جعل لها فضلاً، هي نبتت وجهل لها فضلاً فنبتت نباتاً حسناً فجعل لها في معدنها قبول لهذا النبات فنبتت نباتاً حسناً.
*هل المقصود بالقرض في الآية (قرضاً حسناً) المال أو المصدر؟
أحياناً يسمونه التوسع في المعنى. يمكن أن نذكر هذا التعبير بعدة صور: أقرضوا الله إقراضاً حسناً، قرضوا قرضاً حسناً باعتبار فعل قرض بمعنى أقرض. لو قال أقرضوا الله إقراضاً حسناً لم يكن إلا معنى المصدر، معنى واحد هو الحدث إقراضاً فقط. لما قال قرضاً حسناً فيه أمران المال والحدث، الإقراض الحسن في التطوع وكيفية الإقراض والمال هو حسن في نفسه من الحلال الطيب فيجمع الأمران الإقراض والمال. لو قال إقراضاً فقط كأنه فقط المصدر، فقط الحدث ولذلك جمع بين الأمرين.
* لماذا استخدم أقرضوا الله ولم يقل قرضوا الله؟
أقرضوا الله أشهر.
*ما فائدة حسناً بعد قرضاً؟
ذكرنا سابقاً القرض الحسن. وللعِلم أنه لم يذكر القرض إلا وصفه بالحسن في جميع القرآن. ذكرنا في حينها ما المقصود بالقرض الحسن: في الشخص أن يكون من دون منٍّ، عن طيب نفس وبشاشة وجه، وفي المال ينبغي أن يكون في المال الحلال الطيب الكريم وأن لا يبتغي الخبيث (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (267) البقرة) ثم في الجهة أن يتحرى أفضل الجهات، هذا القرض الحسن. القرض الحسن يكون له صفات في المقرِض وصفات في المال وصفات في الجهة، هذا هو القرض الحسن يكون من كريم المال وحلاله ويكون من دون منّ ويكون في أفضل الجهات التي فيها نفع للمسلمين ولذلك لا تجد في القرآن إلا وصفه بالحسن، القرض بالذات. أيضاً لا تجد القرض إلا لله. الصدقة أطلقها لكن القرض لم يأت إلا قرضاً حسناً ومع الله تعالى (أقرضوا الله قرضاً حسناً) حتى يفرق بين القرض الذي هو في المعاملات والقرض الذي هو عبادة مع الله. هنا الإقراض قد يكون بين الناس في المعاملات وهنا المقصود العبادات ولذلك دائماً يقول وأقرضوا الله. لو قال أقرضوا لم تختص بالعبادة وإنما بالمعملة بين الناس ولذلك الصدقة دائماً عبادة أما الإقراض فليس دائماً عبادة فقد يكون في المعاملة والتعامل بين الناس ليس له علاقة بالعبادة. ولذلك في القرآن هنالك أمران أنه وصف القرض بالحسن والآخر أنه لله تعالى. هذان الأمران في جميع القرآن لم يرد الإقراض إلا بهذين أنه حسن وأنه لله تعالى فقط ولهذا ثوابه من الله عز وجل يضاعف له.
* لماذا عطف بالفعل على الإسم في الآية (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)؟
هذا يجوز إذا كان الإسم المشبه بالفعل يجوز عطفه على الفعل (واعطف على اسم شبه فعل فعلاً وعكس استعمله تجده سهلا) تكرر أكثر من مرة على ما هو مقرر في القرآن أن الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث. الصدقة لازمة ثابتة ولذلك لا تجد في القرآن (المقرضين) لأنها ليست صفة ثابتة ثبوت الصدقة كما نجد المتصدقين التي هي ثابتة.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٧ |
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20))
*نظرة عامة على الآية ودلالة الترتيب واللمسة البيانية فيه :
حقيقة ما يعيشه الناس أجملَه تعالى في هذه الآية ورتّبها بحسب ترتيبها في حياة الناس. بدأ باللعب واللعب عادة يقع في دور الطفولة والصبا مبكراً هذا هو الأصل وإن كان أحياناً يُطلق على نقيض الجَدّ (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (65) التوبة) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) الزخرف) (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) الأنبياء) نقيض الجد أي غير جادّين. اللهو عادة يكون في دور الفتوّة والشباب بعد دور الطفولة. ثم اللهو أعمّ من اللعب لأن الكبير قد يلهو في أمور يضيق صدره في أمور فينتقل إلى أمر يلهو به بعض الشيء. ثم ذكر الزينة والزينة مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن - خاصة النساء - وحتى الشباب يتزيّن لا يرضى كما كان طفلاً يلبس ما تعطيه أمه. ثم ذكر بعدها التفاخر وهذا أكثر ما يكون في شأن الرجال يتفاخرون بأعمالهم وبأنسابهم ومآثر ما يفعل هو وما فعل آباؤه وأحسابه لذلك الشعراء يفتخرون بآبائهم وأحسابهم وأنسابهم (أولئك آبائي فجئني بمثلهم). هذه المفاخرة هي أن ينسب الخير إلى أهله ونفسه كالشجاعة والكرم. ثم ذكر التكاثر في الأموال والأولاد وهذه مرحلة جادة يبدأ يشتغل بجمع المال والإنجاب لأن الحياة تقوم على هذين الأساسين المال والولد ولا تستديم الحياة بلا مال وولد وقدّم المال لأنه جمعه أكثر يشتغل به أكثر. حتى الوقت، الأولاد يهتم بهم وهم أعلى شيء والمال يتركه لهم لكن جمع المال يحتاج إلى وقت وإلى الذهاب إلى المحلات التجارية والأسواق فيبقى مع المال أكثر بكثير مما يبقى مع ولده. غالباً الأموال مقدمة على الأولاد في القرآن الكريم وفي مواطن تتأخر. في مواطن الحُب تتأخر الأموال (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) التوبة) هذه في المحبة ولا يمكن أن يرقى المال إلى محبة الأولاد. المال في خدمة الأولاد ويتركه لهم. فحينما يقدّم يكون حسب الموضع. في الانشغال يقدّم المال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) لأنه يشتغل بها كثيراً أما الأولاد أقل وإن كانوا في ميزان الآباء أثقل لكنه سيرحل ويترك الأموال لهم. وختم بالأولاد وهذه هي مراحل الحياة وأطوارها أجملها ربّنا تعالى وهي أطوار الناس في الحياة ثم صوّرها بقوله تعالى (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
* هل هناك ترتيب مقصود لذاته في هذه الآية؟
هي هكذا حسب الأطوار في الحياة رتبها وذكرنا التقديم والتأخير وقلنا أنه ليس هنالك نمط واحد للتقديم والتأخير إنما هو السياق ومدار الاهتمام. العرب يقدّمون ما هم ببيانه أعنى وما هو أهمّ، الأهمية التي بحسب السياق فمرة نقدّم المتقدم ومرة نقدّم المتأخر، مرة نقدّم من القلّة إلى الكثرة ومرة من الكثرة إلى القلة ومرة نبدأ بالأفضل ثم ننتهي إلى المفضول ومرات أخرى تبدأ بالأدنى ثم الأعلى، المفضول ثم الفاضل. الذي يحدد التقديم والتأخير هو المقام ففي قوله تعالى مثلاً (والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين) البلد الأمين هو مكة وهي أفضل من طور سنين لكنه أخّرها وبدأ بطور سنين. هناك دواعي للتقديم والتأخير تُنظر في سياقها والمقام الذي قيلت فيه (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ (2) التغابن) بدأ بالمفضول (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) هود) تأتي بحسب كيف وضعها في السياق هو الذي يحدد التقديم والتأخير وتقدر كل حالة بقدرها. (فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) لما ذكر الذين أنعم الله عليهم بدأ بأعلى النِعم (النبيين). إذن هو حسب المقام الذي تقال فيه.
*قال تعالى (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) عدد أشياء كثيرة وفي غير موطن في القرآن قال (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ (32) الأنعام) فقط ولم يذكر بقية الأطوار كما في آية الحديد، لماذا؟
أحياناً يقتصر على اللعب واللهو لأن ما ذكره بعدها يندرج (الزينة وما بعدها) يندرج في اللهو فإذا أراد أن يفصّل فصّل وإذا أراد أن يُجمِل وقف عندها. الزينة قد تُلهي والتفاخر يلهي والتكاثر يلهي. الله تعالى سمّى المال والبنون زينة (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) الكهف) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) دخلت في الزينة والزينة دخلت في اللهو. ما ذُكِر في الزينة دخل هنا في اللهو. قال تعالى (ألهاكم التكاثر) دخل التكاثر في اللهو، أطلق التكاثر. لما فصّل في آية الحديد (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) فصّل وعندما أراد أن يُجمِل يقف عند الأصل والباقي يدخل فيه (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ (32) الأنعام) وقف عندها وما مثّل (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) محمد). يقولون البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال أراد التفصيل يفصّل، أراد الإجمال يُجمِل.
*ما معنى الإجمال والتفصيل في القرآن الكريم ؟ من المستشرقين من يقول لِمَ يُجمِل هنا ويفصّل هنا مع أن الدلالة وصلت؟
أحياناً يريد أن يوضح المسألة ويعطيها أبعادها، أحياناً يكتفي بكلمة أو كلمتين وأحياناً يشرح أدق الأمور ويتعرض لها. هذا ليس تكراراً وإنما هو تفصيل يريد أن يوصل المعلومة كاملة في كل أبعادها وفي كل أحوالها. ثم إن الناس ليسوا سواء في الفهم والاستيعاب. إذا قلت (لعب ولهو) كم واحد يُدخِل فيها ما ذكر؟ كم شخص سيذكر الأموال والزينة والأولاد؟ قليل. يفصّل للجميع وكل آية تضيف ملمحاً في إطار السورة حتى تتضح جميع جوانبها.
*قدّم الله تعالى اللعب على اللهو في هذه السورة وفي آية سورة العنكبوت قدّم اللهو على اللعب (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)) فما دلالة تقديم اللهو؟
قلنا ليس هنالك أمر يقضي بتقديم كلمة على كلمة وإنما هو السياق. لو لاحظنا سياق العنكبوت تقدّم هذه الآية قوله تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62)) الرزق مدعاة إلى الالتهاء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) ربنا تعالى ذكر أمرين: البسط والتضييق، الذي بسط له رزقه يلتهي بجمعه والذي قُدِر عليه رزقه يلتهي للحصول عليه حتى يعيش فإذن سيكون مدعاة للهو فقدّم اللهو. ما دام قدّم البسط في الرزق والتضييق سيكون مدعاة للهو (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) الفجر) (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) العاديات) الخير فسروه بالمال. (قُدِر عليه رزقه) أي ضيّقه. (نقدر عليه) أي نضيّق عليه، حتى في قصة ذي النون (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) الأنبياء) هو هنا في هذا المكان لم يجد أذناً صاغية ولم يجد من يستجب له قال أذهب إلى مكان آخر والله تعالى يوسّع عليّ في مكان آخر (لن نقدر عليه) أي لن نضيّق عليه، هناك متسع وهذا اجتهاد من ذي النون قال أذهب إلى مكان آخر فيه متسع والله تعالى لن يضيّق عليّ لكنه لم يخرج بإذن ربه ولكنه اجتهاد من تلقاء نفسه لذا قال تعالى (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) الصافات) مليم أي أتى ما يُلام عليه، ملوم يُلام لكن مليم أتى فعلاً يُلام عليه، لماذا خرجت من دون إذن؟ لذا قال (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ولذا قيل للرسول (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) القلم). إذن نقدر يعني نضيّق.
* (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (20) الحديد) لماذا ذكر في الأموال ولم يقل بالأموال؟
(في) ظرفية والباء للإلصاق وقد تكون ظرفية أحياناً. التكاثر بالأموال يعني بما عنده، تكاثر في الأموال ينفق وقته في الحصول عليها، يتكاثر في الحصول عليها. أما الباء فبما عنده. ربنا يقول (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (274) البقرة) يعني في هذين الوقتين فقط. نحن نقول ينفق المال في الليالي الحمراء يعني يُذهب المال فيها، يصرفها فيها، تكون ظرفاً لصرف الأموال.
و(ينفق بـ) أى بهذين الوقتين.
* عجيب! ينفق بالليل والنهار جعل الليل والنهار زمناً لإنفاق الأموال في مصادر أخرى وينفق في جعل الليل ظرفاً تذهب فيه الأموال. وهنا (وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)؟
ينفق وقته في الحصول عليها، التكاثر ينفق الوقت في الحصول على المال.
*ما المقصود بالكفار في الآية (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)؟
المفسرون ذهبوا إلى أمرين في تفسير الكفار قسم يقول الكافرون بالله الجاحدون لأن هؤلاء هم الذين يغترّون بالدنيا وقسم قال هم الزُرّاع لأنها من كَفَر البذرة أي سترها في الأرض وأصل كفر في اللغة ستر ومنه الكفر أي ستر الفطرة المؤمنة لأن رب العالمين سبحانه وتعالى خلق الناس فطرتهم مؤمنة. فإذن المفسرون قسم من قال الكفار هم الزُرّاع وقسم يقول هم الجاحدون وأنا يترجّح عندي أنهم الكفار الذين يكفرون بالله وآياته لأنهم يغترّون بالدنيا وقد يكون المعنيان مقصودان وليس هناك مانع أن يعجب هؤلاء ويعجب هؤلاء.
*في موضع آخر في القرآن قال تعالى (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (29) الفتح) وهنا قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) فما الفرق بين الآيتين واللمسة البيانية في كليهما؟
اختيار كل كلمة في مكانها أنسب اختيار. الزُرّاع في آية الفتح أنسب ولا يقال يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار، الزُرّاع أفضل. ليس هذ فقط هذا تشبيه بصورة محمودة وإنما هناك فرق بين الزُرّاع. هذه الآية في سورة الفتح في أصحاب محمد (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) اختار كلمة الزُرّاع لأن الزارع يزرع ما ينتفع به هو وينفع الآخرين وهؤلاء ليسوا كالذين ذكرهم (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) غيث نزل في الأرض وخرج النبات وقد يكون فيه أدغال وحشائش لا تنفع الناس. هناك تصريح بالزُرّاع وقّيدت الآية بـ (نبات) وهو أي نبات نبت في الأرض وقال تعالى (كمثل غيث) ولم يقل مثل زارع والغيث عندما يمطر يُخرِج حشائش الأرض التي لو خرجت في حديقتك ستقلعها. في آية الفتح ذكر الزُرّاع لأن الزارع لا يزرع الحشائش وإنما يزرع ما ينتفع به هو وينفع الآخرين. ذاك كمثل غيث، الغيث أنت لا تسيطر على ما يُخرِجه فقد يُخرِج مما تريد وما لا تريد. آية الفتح وقعت في صورة محمودة في تشبيه أصحاب الرسول (محمد رسول الله والذين معه). ثم إن الزُرّاع كأنما هناك من زرعه فخرج أي خرج بأمر مقصود. مثال ذلك قوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (110) آل عمران) ما قال خرجت لأن ربنا أخرجها إخراجاً، هذه الأمة الإسلامية ربنا أخرجها بالصورة التي أرادها أُخرجت للناس ولم يقل خرجت من تلقاء نفسها. (خرجت) يعني خرجت من نفسها وليست برسالة، أخرج فعل متعدي (أخرجته)، خرج فعل لازم (خرجت من البيت). (أُخرجت للناس) أي أن الله سبحانه وتعالى أخرجها على نمط معيّن كما يريد ولم تخرج من تلقاء نفسها كما تخرج الحشائش والأدغال في النبات. الزارع ينتقي ويعلم ما يزرع وهذه الأمة أُخرِجت إخراجاً إلى الناس ولم تخرج من تلقاء نفسها وفق منهج معين معدّ واختيار دقيق. هذه الأمة أُخرجت بهذا المنهج لهذا الغرض للناس كافة. تلك الآية خرج كما تخرج الحشائش بالغيث يُعجِب من يُعجِب وأما في سورة الفتح إختار الزُرّاع يزرعون وينتقون ماذا يريدون. كنتم خير أمة أخرجت للناس أخرجها ربنا بصورة معينة ولغرض معين منهج معيّن واختيار معين وباصطفاء معين (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (75) الحج). هذا هو الفرق بين كمثل غيث أعجب الكفار نباته هذا تشبيه حالة مذمومة بينما آية الفتح في الثناء والمدح في وصف سيدنا محمد والذين معه.
*هل كلمة الزراع جمع زارع؟
الزُرّاع جمع زارع مثل كُتّاب وكاتب وواعظ وعّاظ. وعندنا زارعون جمع وأحياناً الكلمة يكون لها أكثر من جمع مثل كلمة ساجد تُجمع على سُجّد (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا (29) الفتح) وسجود (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) وساجدين (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) الشعراء) يكون هناك أكثر من جمع للكلمة. وعندنا ميّت تُجمع على ميّتون (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) الصافات) وموتى (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى (39) فصلت) وأموات (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء (154) البقرة) كلها جمع ثم تختلف بين القِلّة والكثرة ودلالات أخرى.
*في سورة الواقعة قال تعالى (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)) ولم يستعمل الزُرّاع لماذا؟
لما يذكر ضمير التعظيم يذكر جمع المذكر السالم.
* ما اللمسة البيانية في الالتفات في الضمير في الآية (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)؟
ذكر مآل الزرع الذي خرج بالغيث حتى يخرج منه إلى تشبيه الحياة الدنيا كيف هي بعد أن ذكر أنه يُعجِب الكفار نباته ذكر ما سيؤول وذكر النتيجة حتى ينتقل منه إلى الآخرة. قال (ثم يهيج) يتحرك أول مرة ثم ييبس، هاج تأتي بمعنى يبس وتأتي بمعنى تحرك في النمو ثم يبس، هاج الزرع تأتي في اللغة بمعنى يبس الزرع وفي القرآن. يبس فتراه مصفراً. لكن بالنسبة للسؤال (فتراه مصفراً) الإسناد يختلف عن يهيج ويكون حطاماً ما قال ثم يكون مصفراً هذا يدلنا على زوال الزينة لأن الزينة تتعلق بالناظر لأنه قال قبلها (وزينة) لما قال فتراه مصفرّاً أي زالت الزينة بالنسبة للناظر لأن الزينة تتعلق بالناظر وإلا لماذا يتزين؟ لذا قال (فتراه مصفراً). الخطاب موجّه لكل سامع ولكل ناظر (فتراه مصفراً) كما قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) الحجر) لأن الزينة تتعلق بالنظر لذلك الأعمى لا يرى الزينة فالزنية ليست للعُمي وإنما للمبصرين. (فتراه مصفراً) أي الزينة زالت لأنه علّقها بالرؤية لأن الزينة تتعلق بالرؤية. ولم يقل وتراه حطاماً أنت تراه حطاماً لكن أحياناً الذي تراه أنت حطاماً له قيمة كبيرة والقيمة لا تتعلق بالرؤية لكن الزينة تتعلق بالرؤية. أنت قد ترى حطاماً لكنه قد يكون ثميناً جداً وقيمته عالية لا تقدر الأمور بما ترى. الحجر الصناعي أجمل من الطبيعي لكنه ليس أغلى منه هذا الأمر لا يتعلق بالرؤية. هذا يكون حطاماً وليس تراه حطاماً إذا رأيته حطاماً هذا لا يتعلق بقيمته لأن الرؤية لا تقدّر القيمة وإنما تقدّر الزينة، قد يراه حطاماً وفيه فائدة كبيرة أنت تراه هكذا ولكنك لا تحسن تقديره. (ثم يكون حطاماً) أي أصبح حطاماً لا فائدة فيه ولا يتعلق برؤيتك له وتقديرك، رؤيتك تتعلق بالزينة. هذا الأمر في تقييم حقيقة الأمر وقيمته الحقيقية وهذا لا يتعلق بالزينة وإنما يتعلق بالمعرفة الحقيقية والقيمة الحقيقية فقال (ثم يكون حطاماً) أصبح حطاماً لا فائدة فيه. إذن فرق بين تراه مصفراً وثم يكون حطاماً. (فتراه مصفراً) يعود على الزينة وعلى رؤيتك للشيء أما يكون حطاماً فهو حقيقة الأمر ذهبت الحياة الدنيا وتحطمت ولم يبق فيها شيء (إعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو) تحطمت وذهبت زينتها وأصبحت حطاماً فلِم تغترّ بهذا؟ لو قال في خارج القرآن فتراه مصفراً ثم تراه حطاماً لا يُفهم هذا المعنى أنت تراه ولكن لا تقدّر قدر الشيء لكن ما يعرفه أصحاب الشأن قد ترى أشياء حطاماً تراها حطاماً ولا تقدّر قيمتها لكن هناك صاحب شأن من يعرف قيمتها وفرق بين تراه وبين يكون. الإسناد في (فتراه) لكل ناظر.
*ما دلالة اتسعمال (ثم) والفاء في الآية (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)؟
لما قال يهيج إنتهى. هي كلها (ثم والفاء) عاطفة لكن الفاء للترتيب والتعقيب و(ثم) للترتيب والتراخي أي مدة. (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ (22) عبس) الميت يُقبر فوراً (فأقبره) (ثم) للتراخي (ثم إذا شاء أنشره) النشور بعد الموت بآلآف السنين وليس مباشرة. (ثم يهيج) يبس (فتراه مصفراً) فوراً تراه مصفراً فاستعمل الفاء. (ثم) تحتاج لوقت.
*في هذه الآية قال تعالى (ثم يكون حطاماً) وفي آية أخرى قال (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا (21) الزمر) فما الفرق؟
لو عدنا إلى السياق وقراءة كل آية يتضح الفرق. هذه الآية عرفناها، كل الكلام عن الغيث وما يخرج منه. في آية الزمر قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ) هو الذي أنزل ما قال في آية الحديد أنزل غيثاً وإنما قال (كمثل غيث) لم ينسبه إلى نفسه سبحانه، (فسلكه ينابيع في الأرض) الله سبحانه وتعالى هو الذي سلكه، (ثم يخرج به زرعاً) الله سبحانه وتعالى يُخرِج، (ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً) الذي أنزل من السماء ماء وسلكه ينابيع في الأرض وأخرج به الزرع هو الذي جعله حطاماً. ولو قال يجعله حطاماً في آية الحديد ليس هناك إسناد لله سبحانه وتعالى أما في سورة الزمر فالاسناد لله تعالى ابتداء من أول الآية إلى آخرها هو الذي جعله حطاماً. في آية الحديد ليس هناك إسناد لله تعالى أما في الزمر فالاسناد لله تعالى ابتداء.
* هل الماء والغيث كلاهما مطر؟
ذكر الغيث في آية الحديد وماء في آية الزمر وهناك فرق بين الماء والغيث لكن الماء والغيث في الآيتين هو ما ينزل من السماء لكن هذا الماء الذي ينزل من السماء قد يكون غيثاً وقد يكون مطراً بحسب التعبير القرآني. المطر يستعمله الله سبحانه وتعالى في العقوبات (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) الأعراف) لم يستعمل القرآن المطر إلا في العقوبة (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ (40) الفرقان) (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (74) الحجر) (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ (173) الشعراء) أما الغيث فيستعمله في الخير. هذا في الاستعمال القرآني أما في الحديث فاستعمل المطر للخير ولكن للقرآن خصوصية في الاستعمال اللغوي نخصص لها إن شاء الله تعالى حلقات لنتحدث عنها لأنه موضوع كبير. والعرب فهمت هذا الفرق من الاستعمال. (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) الشورى). إذن في القرآن الكريم يذكر المطر للعذاب.
*ما دلالة تقديم العذاب على المغفرة في الآية (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)؟
العذاب يسبق المغفرة والرضوان في الآخرة: عذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء والدخول في الجنة أو النار والناس ينتظرون خمسين ألف سنة قبل القضاء، هذا العذاب الأول. ورود النار لجميع الخلق (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) مريم) هذا عذاب قبل دخول الجنة، قسم من الناس يعذّبون ثم ينتهي عذابهم ثم يخرجون إلى الجنة وليس العكس لا يمكن أن يكون أحد في الجنة ثم يدخل النار، إذن العذاب يسبق المغفرة. وتقديم المغفرة على الرضوان لأنها تسبق الرضوان لأن الرضوان في الجنة والمغفرة قبلها حتى يدخل الجنة يجب أن يكون هناك مغفرة إذن العذاب قبل المغفرة والمغفرة قبل الرضوان.
ونلاحظ أنه في العذاب قال تعالى (عذاب شديد ومغفرة من الله) ولم يقل عذاب من الله لكن في المغفرة قال ومغفرة من الله للدلالة على سعة رحمة الله تعالى ما ذكر الجهة المعذِّبة وإنما قال (عذاب شديد) بينما في المغفرة نسبها له سبحانه وتعالى فقال (ومغفرة من الله) لا ينسب تعالى السوء إلى نفسه أبداً (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) الجن) مع أنها إرادة الله تعالى في الحالين. وكذلك قوله تعالى (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) الشعراء) (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ (51) فصلت).
* في آية الحديد قال تعالى (ومغفرة من الله ورضوان) وفي مواضع أخرى في القرآن استعمل مرضاة وغفران فما الفرق؟
عندنا المغفرة وغفران ورضوان ومرضاة. كلمة غفران لم ترد إلا في موطن واحد في قوله تعالى (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة) في طلب المغفرة من الله تعالى. إذن كلمة غفران مخصصة بطلب المغفرة من الله تعالى، هذه دعاء أي نسألك المغفرة (غفرانك ربنا). إذن غفران تستعمل في طلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً. المغفرة لم تأت في طلب المغفرة أبداً وإنما جاءت في الإخبار وفي غير الطلب (وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً (268) البقرة) (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ (6) الرعد). في طلب المغفرة فقط يستعمل كلمة غفران ومن جهة واحدة وهي المغفرة من الله عز وجل. لم تأت المغفرة في الطلب وقد تأتي من غير الله سبحانه وتعالى كما في قوله (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) البقرة) قد تأتي من العباد. إذن المغفرة ليست خاصة بالله سبحانه وتعالى ولها أكثر من جهة ولم يستعملها القرآن في طلب المغفرة. الغفران مختصة بطلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً.
مرضاة ورضوان: الرضوان من الله سبحانه وتعالى فقط ولم ترد في القرآن من غيره (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) التوبة) (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ (109) التوبة). المرضاة من الله تعالى ومن غيره ولم تستعمل في القرآن إلا في ابتغاء وطلب الرضا من الله تعالى ومن غيره (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ (1) التحريم) (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ (207) البقرة) في الابتغاء وفي طلب الرضا فقط أما الرضوان فهو في الابتغاء وغير الابتغاء. الرضوان عام وخاص بالله سبحانه وتعالى والمرضاة أخصّ من الرضوان وهو من الله تعالى وغير الله وهذه أيضاً من خصوصيات القرآن الكريم في الاستعمال اللغوي.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٨ |
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24))
*نظرة عامة على الآية :
هذا وصف آخر للذين لا يحبهم الله تعالى والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون، (الذين يبخلون) هي ليست معطوفة على ما قبلها لأنه ليس هناك حرف عطف. على رأي جمهور النحاة هذه بدل لـ (كل مختال فخور) وعلى رأي بعض النحاة على أنها نعت، صفة. أصل التقدير خارج القرآن والله لا يحب الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل أي الذين وصفهم هكذا. سبب الاختلاف بين الجمهور والأخفش أنه عند الجمهور أن الصفة تطابق الموصوف تعريفاً وتنكيراً فلما قال (كل مختال فخور) هذه نكرة و(الذين يبخلون) معرفة فلا يجوز أن تعرب نعتاً لأنهما اختلفتا في التعريف والتنكير إختل الشرط. أحياناً البدل فيه معنى الوصفية. الأخفش يجيز أنه إذا كانت النكرة مخصصة موصوفة أن تعرب نعتاً لقوله تعالى (ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً) (الذي) صفة لما بعدها، إذا كانت النكرة مخصصة بشيء يمكن. (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) نكرة ومعرفة (الذي) صفة لمقام محمود وعلى رأي الجمهور يقول أنها بدل. يجوز قول وابعثه المقام المحمود وهذه ليس فيها إشكال.
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) هذا وصف آخر لمن لا يحبهم الله فيبخلون بما آتاهم الله لا يكتفوا بأنهم يبخلون وإنما يأمرون الآخرين بالبخل ومن دواعي ذلك حتى لا يُذكَر أحدهم بخير ويتساوون لأنه إذا أنفق واحد قد يُذكر بخير وهو لا يريد أن يذكر أحد غيره بخير فيكونون سواء كما قال تعالى في المنافقين (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء (89) النساء).
(ومن يتول) أي يُعرض عن الأشياء التي أمر الله بها فإن الله هو الغني.
*ختمت الآية بقول (الغني الحميد) لماذا لم ترد مثلاً فإن الله غني حميد مع أنها وردت في صيغ متعددة (هو الغني الحميد) (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فما دلالة الاختلاف؟
لما يقول هو الغني الحميد فيها حصر وفيها توكيد، حصر الغنى بالله تعالى عندما تقول فلان غني وفلان هو الغني، فلان هو الغني يعني هو الأغنى. السؤال الذي أثير أنه سبحانه وتعالى قال في آيات إن الله غني حميد، إن الله هو الغني الحميد، إن الله لهو الغني الحميد هذه بعضها فيها توكيد أكثر. قال تعالى في لقمان (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)) لم يعرّف ولم يأت بـ (هو)، أكّد بـ (إنّ) فقط. في آية لقمان لم يذكر له ملك (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) من الغني في عُرف الخَلق، الذي يملك أو الذي لا يملك؟ الذي يملك هو الغني الغني لكنه لم يذكر ملك. لو واحد قال أعطني فأمدحك تقول له أنا غني عن مدحك لا أحتاج إليك. الخليل بن أحمد لما أرسل له أمير الأهواز سليمان بغالاً محملة بأشياء وقال لو جئت إلينا والخليل ليس عنده إلا الخبز اليابس فقال: أبلِغ سليمان أني عنه في غنى غير أني لست ذا مال، هو غني بنفسه قانع بما حصل. في آية لقمان لم يذكر ملك وإنما قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) الله تعالى غني عن شكره وعن كفره بينما هناك قال (ولا تفرحوا بما آتاكم) الله آتانا به فالله هو الغني إذن أنتم أيها الخلق الأغنياء ما غناكم والله تعالى هو الذي آتاكم؟ فإذن الله هو الغني الحميد وليست مثل تلك الذي لم يذكر معه شيء لأنه ذكر (ولا تفرحوا بما آتاكم) لما آتى الخلق ما عندهم أصبحا ليسا بمنزلة واحدة فإذن (فإن الله هو الغني الحميد). آية الحديد توكيجها نظير ما جاء في لقمان في آية أخرى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) لقمان) هذه فيها ملك إن الله تعالى ليس غنياً وإنما هو الغني، كل ما في الأرض وكل ما في السموات ملكه إذن هو الغني وهذه ليست مثل (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ). (هو) هنا ضمير فصل يفيد الحصر هو الغني حصراً في الحقيقة لا غني سواه أفادها ضمير الفصل والتعريف (هو الغني). ضمير الفصل له أغراض يفيد التوكيد ويفيد الحصر ويفيد التعريف وهنا يفيد الزيادة في التوكيد. هذه فيها حصر أكثر وآكد. في الحج ذكر ما هو آكد من هذه فقال (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)) أولاً هو لم يكرر (ما) وهنا كرّر (له ما في السموات وما في الأرض) أكّد بإن وضمير الفصل هو واللام. أولاً هو لم يكرر (ما) فقال في الحديد (له ما في السموات والأرض) وهنا كرّر (ما في السموات وما في الأرض) ذكر ما هو أكثر فهو آكد وقال (وإن الله لهو الغني الحميد) جاء بالواو. ماذا تفيد الواو؟ نقول فلان يملك مائة دار ومائة بستان وفلان يملك مائة دار ومائة بستان وإنه غني. الأول مصدر غناه مائة دار ومائة بستان أما الثاني فهو يملك مائة دار ومائة بستان ولو ذهبت وهي من جملة ما يملك يبقى غنياً، هذا استئناف غنى جديد وكأن المائة بستان مما يملك فإن ذهبت فيبقى غنياً. الواو تعطف جملة على جملة والغرض البلاغي منها الغنى المطلق. إذن أولاً كرر (ما) للتوكيد والتكرار يفيد التوكيد ثم جاء بالواو الذي دلنا على أنها من جملة ما يملك. إذا كان هناك من عنده بصر باللغة لا يمكن أن يفعل غير ذلك تماماً مثل المعادلة الرياضية ولا بد أن يضعها كما وردت. وجاءت بثلاث صيغ وكأنه يترقى بالغنى إلى أن وصل مرحلة الغنى لله تعالى ولهذا في الحديد ختمت الآية (إن الله هو الغني الحميد). والملاحظ أنه في الحديد لما قال (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) بينما في آل عمران قال (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)) هذه حزن فبمَ يفخر؟ هناك يفخر بما آتاهم (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) هذا يفخر بما آتى، (لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ) بم يفخر؟ هذه ليست مثل هذه.
الوقفة كاملة
|
| ١٩٩ |
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25))
*نظرة عامة على الآية :
قال سبحانه وتعالى في سورة الحديد (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)) ربنا سبحانه وتعالى ذكر أنه أرسل الرسل بما ذكر: البينات والكتاب والميزان وذكر الغرض (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ثم ذكر إنزال الحديد وذكر أن فيه بأساً شديداً (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) ثم ذكر العِلّة (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) ثم بيّن أنه سبحانه ليس محتاجاً للنصر (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ولكن هذا ما يتعلق به الجزاء وليس لنصرة الله لأنه هو القوي العزيز. ليس المقصود نصرة الله لأنه هو القوي العزيز لأن الله تعالى ليس محتاجاً لذلك وإنما هو نصر لدعوته وإقامة شرعه. هذا العمل يتعلق به الجزاء للشخص في قائمة حسناته.
* ما دلالة تقديم البينات على الكتاب والكتاب على الميزان؟ هل له غرض بياني معين؟
البينات هي المعجزات الظاهرة التي أوتيها الرسل والدلائل والحجج التي تدل على النبوّة مثل عصا موسى وناقة صالح وإبراء عيسى للأكمه والأبرص هذه هي البينات وهي جمع بينة. وذكر معها الكتاب والميزان فقدم البينة على الكتاب لأنها سبيل للإيمان به والتصديق، البينة أي المعجزة هي السبيل للإيمان وإلا كل واحد يدّعي أنه عنده كتاب أو جاءه كتاب، إذن ينبغي أن تكون هناك بينة تصدق هذا المرسَل وتصدق ما جاء منه من كتاب. إذن البينة تسبق الكتاب. والكتاب أسبق من الميزان لأن الكتاب فيه الميزان لأن الميزان هو كل ما يتميز به الحق من الباطل والعدل من الظلم وكل ما يتعلق بأمور الشرع هذه تكون في الكتاب. الكتاب يتضمن الميزان لأن فيه كل ما يتعلق بالحقوق والميزان للحقوق. والميزان هو الآلة المعروفة. الكتاب والميزان هو كل ما يتميز به الحق من الباطل والعدل من الظلم من أمور يذكرها في حياة الناس، وحياة الناس ليست فقط ما يتعلق بهذه الآلة وإنما هنالك حقوق وواجبات ومعاملات وحقوق وعقائد وكله يندرج تحت الميزان لأنك تقول كلامك حق أو باطل، احتجاجك حق أو باطل هذا ميزان، وهذه موضوعة في الكتاب إذن الكتاب يتضمن الميزان إذن هو أسبق من الميزان لأن الميزان هو في الكتاب. إذن الترتيب البينات لأنها تدل على صحة الكتاب وتثبته والحجج التي تقوم على صحته، الكتاب، الميزان.
معنى القسط هو العدل والحِصّة والنصيب ايضاً "أخذ كل منهم قسطه" حتى البيع بالتقسيط. إذن القسط له دلالتان هنا العدل والحصة والنصيب. الفعل الثلاثي قَسَط بمعنى جار وظلم (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) الجن) أقسط الهمزة تسمى همزة السلب يعني رفع الظلم والجور سلبه رفعه وأزاله أي عدل مثل جار أي ظلم وأجار أزال الجور ومنعه، صرخ وأصرخ أي أزال صراخه، عجم الكتاب وأعجمه أي أزال عجمته.
* لماذا قال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ولم يقل بالعدل؟
القسط يكون أولاً في الوزن وغيره وله معنيان العدل والحِصّة والنصيب ولذلك كلمة القسط تستعمل في القرآن في الوزن وفي غيره (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ (42) المائدة) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ (135) النساء) لكن هنا استعمال القسط أنسب في هذا الموضع. أولاً لم يستعمل العدل مع الميزان مطلقاً في القرآن كله لم يستعمل إلا القسط لأن القسط هو الحصة والنصيب والغرض من الميزان أن يأخذ الإنسان نصيبه ولذلك لم ترد في القرآن كلمة العدل مع الوزن (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ (152) الأنعام) (ونضع الموازين القسط () ) (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) الرحمن) ومن أسماء الميزان القسطاس (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (35) الإسراء) باعتبار يأخذ حقه. القسط عامة لكن مع الميزان لم تستعمل إلا كلمة القسط لأن من معاني القسط الحصة والنصيب والغرض من الميزان الحصة والنصيب. وللعلم كلمة يقوم لم ترد في القرآن مع العدل (قوامين بالقسط) فقط (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (25) الحديد) (وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ (127) النساء) (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ (18) آل عمران ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ (135) النساء) (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) الرحمن) (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ (85) هود). إذن هنالك أمران: الأول أنه ذكر الوزن ولم يستعمل القرآن مع الوزن إلا القسط وقال ليقوم ولم يستعمل مع يقوم في الوزن وغير الوزن إلا القسط. إذن هناك أمران اقتضيا ذكر القسط دون العدل. يقوم أي ينهض به (وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) المعارج) القيام بالعمل (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) الحج) ينهض بالأمر يقوم به. لم يستعمل القيام مع العدل وإنما استعمله مع القسط وليقوم لم يستعمل القيام مع العدل وإنما استعمله مع القسط.
*في قوله تعالى (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ما هو ارتباط الآية بما قبلها؟
وأنزلنا معهم الكتاب بأس شديد إشارة إلى أن الحق بحاجة إلى قوة لتحميه (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) قيام الناس بالقسط إنما يكون بالبأس والقوة والناس لا ترعوي إلا بالقوة. لذلك قال فيه بأس شديد ولم يقل قوة لأنه أحياناً يقتضي الحرب لإقامة القسط. إذا لم يكن قوة تحمي العدل تضيع الحقوق، وإذا تُرك الناس هكذا دون قوة تحمي الحقوق تكثر المظالم. إذن إنزال الحديد إشارة إلى أن تلك المصالح تحتاج إلى قوة لتنفيذها لذا جاءت بعدها (فيه بأس شديد). (بأس) بمعنى حرب أو الشدة في الحرب والبأس العذاب (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ (5) الإسراء) (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ (33) النمل) (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) الأحزاب) إذا اقتضى الأمر الحرب لإقامته لأن الحق لا يقوم من نفسه إذا لم تكن هنالك قوة تحميه وتحفظه لا يمكن أن يقوم وتضيع الحقوق وإذا اقتضى الأمر حتى لو أُعلن الحرب على الظالم أو على الظلم ومن يتعدى الحدود نعلن الحرب (وأنزلنا الحديد) حتى تحمي حقوق الله.
ماذا أفاد وصف البأس بالشديد؟ البأس درجات كما أن الحرب درجات والردع درجات ليست كلها على درجة واحدة. فيه بأس شديد أحياناً يحتاج إلى شدة البأس. لم يقل قوة شديدة لأن القوة عامة في الحرب وغير الحرب، قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً (54) الروم) ليس لها علاقة بالردع (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ (12) مريم) أحياناً ليس لها علاقة بالردع وإنما عامة. (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (60) الأنفال) هذه إعداد القوة للبأس. إذن القوة عامة والبأس خاص (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ (33) النمل) وهم مع ذلك أشداء في الحرب لأنه قد يملك الإنسان قوة لكن ليس لديه بأس، يملك أدوات الحرب لكنه ليس ذا بأس. نرى جنوداً عندهم قوة لكنهم ليسوا أشداء في الحرب. فإذن القوة عامة (ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) ليست مخصصة بحالة صراع.
*ما دلالة كلمة أنزلنا مع الحديد؟
(وأنزلنا الحديد) كلمة أنزلنا هذه ما معناها؟ القدامى والمحدثون يقول القدامى أن الحديد أنزله الله تعالى من السماء ولم ينشأ في الأرض، أنزله ربنا وهذا ما يكيل إليه المحدثون أن الحديد أُنزل وقالوا كل عمر الأرض لا يكون حديداً وبحثوا فيها بحوثاً كثيرة والمحدثون يميلون أن المقصود بأنزلنا الإنزال أن الحديد منزل إلى الأرض ولم يتكون في الأرض واكتُشف بعد أن أنزله ربنا. وقسم يقول أنزلنا بمعنى خلقنا (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ (6) الزمر) أيضاً القدامى اختلفوا فيها هل تكونت الحياة في الأرض أو ربنا كوّنها عنده ثم أنزلنا. المحدثون أكثرهم يميلون إلى الإنزال ويعتبرون هذه الآية من الاعجاز العلمي. أنزل قالوا أنها موجودة بمعنى خلق وقد يكون هذا وهذا وقد يكون أنزله ثم اكتشفه الناس. والأظهر أن الإنزال يكون من عند الله سبحانه وتعالى والله أعلم.
(لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) ما معنى بالغيب؟ يقولون هي للدلالة على إخلاصهم ونصرتهم لله فهم ينصرونه سواء علِم بهم الناس أم لم يعلم بهم الناس. هم فعلوا ذلك وإن لم يطّلع عليهم أحد، غائبين عن عيون الناس. وقسم يقولون ينصرونه ولا يبصرونه، ينصرون الله وهم مؤمنون به. أنت تعبد ربك ولا تبصره هذا هو الغيب. الغيب إما غيب عن الناس أخفياء يفعلون ذلك أخفياء وليس بالضرورة أن يطّلع عليهم أحد وبالغيب أي يعبد ربه بالغيب مؤمناً به كما يؤمن بالآخرة بالغيب فهو ينصره بالغيب أي مؤمن به ولم يره. والآية تحتمل المعنيين إحداهما دليل إخلاص والإيمان بالغيب من شدة الإخلاص.
*ما دلالة (ليعلم) مع أن الله تعالى هو العليم الخبير؟
لا شك هو ربنا عالم بالشيء قبل وقوعه وهو الذي كتب كل شيء لكنه هو يقصد العلم الذي يتعلق به الجزاء. ربنا يجازي الشخص على عمله لا على علمه فقط، يعلم ويعمل ويجازيه. هذا العلم الذي يتعلق به الجزاء وهو في القرآن كثير (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (25) الحديد) ربنا يعلم لكن يريد من ينصره ورسله في واقع الحياة، لمقصود علمه بعد عمل المرء. (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (143) البقرة) هو يعلم قبل ذلك لكن علم يتعلق به الجزاء، تطبيق على ما في علم الله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) محمد) .
* ختمت الآية بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) وفي سورة الحج (إن الله لقوي عزيز) ما اللمسة البيانية بين الآيتين؟
ذكرنا أنه ختم قوي عزيز ليبين أنه غير محتاج لمن ينصره وربنا قوي عزيز لكن حتى يتعلق به الجزاء. الذي يحدد هو السياق لو نظرنا في سياق آية الحج قال (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)) هذه الآية في سياق الإذن للمؤمنين بالجهاد (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ثم وعدهم بالنصر المؤكد (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) اللام لام القسم والنون للتوكيد قسم وتوكيد فصار مؤكداً. هنا من الذي ينصر؟ الله سبحانه وتعالى. في الحديد قال (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) هناك المؤمن هو الذي ينصر الله ووفي الحج الله تعالى هو الذي ينصر المستضعفين. إذن آية الحديد فيمن ينصر الله (وليعلم الله) هنا ربنا هو الذي ينصر (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) من الأقوى الناصر أو الذي يُنصر؟ الناصر أقوى. إذن آية الحج قطعاً تحتاج لتوكيد ولا يمكن أن يكونا سواء في واحدة ذكر من ينصر الله والثانية ذكر أن الله تعالى هو الذي ينصر الناصر هو أقوى ولهذا قال (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) لا يمكن أن يكونا سواء وهذا ميزان في التعبير.
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٠ |
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (26))
* النبوة مقدمة على الكتاب فهل في هذا لمسة بيانية؟
*نظرة عامة على الآية :
كما قدم البينة على الكتاب قدم النبوة على الكتاب لأنها هي سبيل للتصديق به. النبوة لها دلائل وبينات، فالنبوة تكون تصديقاً للكتاب وكيف يصدق الكتاب إذا لم تكن هناك نبوة فيها دلائل وبينات وأحياناً الكتاب يتأخر عن النبوة بزمان بعيد مثل موسى مكث مدة طويلة قبل أن يؤتى الكتاب إذن قد يتأخر الكتاب عن النبوة وأحياناً النبوة بدون كتاب مثل اسحق ويعقوب ليس لهما كتاب. الرسول مكلّف بالتبليغ وليس شرطاً أن يكون له كتاب، لم يذكر تعالى أن صالح وهود لهما كتاب، الله تعالى ذكر صحف إبراهيم وموسى والانجيل والزبور. الرسول مكلف بالتبليغ ووجود كتاب ليس شرطاً بكونه نبياً أو رسولاً. القرآن ذكر اسماعيل قال (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) مريم) ولم يذكر له كتاب. الكتاب ليس شائعاً كالنبوة فالنبوة أعم وقد يتأخر الكتاب عن النبوة كما ذكرنا في موسى فشيء طبيعي أن تكون النبوة أولاً ثم الكتاب. وقد تكون النبوة بدون كتاب فإذن النبوة أعم من الكتاب وقد تكون أسبق من الكتاب وهي أيضاً فيمن عنده كتاب هنالك حجج تصدقه بالنبوة حتى يكون سبيلاً لتصديق الكتاب. فالنبوة أسبق من الكتاب فمن حيث العموم هي أعم ومن حيث الإنزال تكون اسبق وتكون سبيلاً للإيمان به.
*(فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) ما قال كثير منهم ضالون وإنما قال فاسقون مع مهتدي؟
الضلال هو نقيض الهداية (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى (16) البقرة) لكن الفرق بين الفسق والضلال أن الضلال قد يكون عن غير قصد وعن غير علم. الضلال هو عدم تبيّن الأمر تقول ضلّ الطريق قال تعالى (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) الكهف) هذا من دون معرفة ضلّ ولا يعلم، ضل عن غير قصد. وقد يُضلّ بغير علم (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ (119) الأنعام) أما الفسق فهو بعد العلم تحديداً وحتى يكون فاسقاً ينبغي أن يكون مبلَّغاً حتى يكون فسق عن أمر ربه. إذن هنا زيادة أنهم مبلّغون ثم خرجوا فإذن هم فاسقون لو قال ضالون قد يعطيهم بعض العذر أنهم عن غير قصد لكنهم فاسقون بعد المعرفة وبعد التبليغ فسقوا. في قوله (ولا الضالين) ولا الضالين عامة لأن الضلال عام واليهود والنصارى منهم وليس حصراً عليهم. (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) النجم) نفى عنه الضلال بعلم أو بغير علم أما الفسق فلا يكون إلا بعد علم، ينبغي أن يعلم أولاً حتى يقال عنه فاسق ولذلك هذه أدل على الذم (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) لأنه أرسل لهم الكتاب والنبوة والميزان (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) هذا بعد التبليغ (فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) تنكّبوا الصراط بعد المعرفة. أصل الفسق هو الخروج عن الطريق يقال فسقت الرطبة أي خرجت من قشرتها. زيادة في الذم لما قال (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) لم يقل كثير منهم مهتد وإنما قال وكثير منهم فاسقون لم يصف المهتدين بالكثرة. (مهتدٍ) بدون ياء هذا منقوص أصلها مهتدي وهذه مبتدأ مرفوعة (مهتد)، (منهم) خبر، مهتدٍ مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على الياء المحذوفة منع من ظهورها الثقل لأنه منقوص يقدر عليه الضمة أصلها مهتديٌ مرفوع علامة رفعه الضمة والضمة ثقيلة فحذفت الضمة بقي التنوين والياء مهتدي إلتقى ساكنان حذفنا الياء وبقي التنوين فصارت مهتدٍٍ.
* كل أولي العزم قيل لهم (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) إلا سيدنا إبراهيم قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) الشعراء) لا يوجد ولقد أرسلنا إبراهيم إلى قومه. ثم إبراهيم لا يوجد لديه معجزة تثبت النبوة كناقة صالح وعصا موسى .. فهل لهذا لمسة بيانية؟ هل سيدنا إبراهيم رسول؟ وما هي معجزته؟
سيدنا إبراهيم في القرآن الكريم ورد الإيحاء إليه والتنزيل عليه والرسالة فكان رسولاً. وورد أيضاً ذكر لقومه وذكر من آمن معه يعني كل الأشياء التي ذكرت في الرسل ذكرت في سيدنا إبراهيم. قال تعالى (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ (136) البقرة) أُنزل إليه، (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ (84) آل عمران) (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) النساء) (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) مريم) هذه الأمور ثابتة. يبقى هل هو رسول؟ صرّح برسالته قال تعالى في سورة الحديد (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (26)الحديد) أرسلنا.
* لكن لم يأتي (أرسلنا إبراهيم) منفرداً !
قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14)) (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (16) العنكبوت)
* على تقدير "وأرسلنا إبراهيم لقومه"؟
ذكره وذكر له كتاب وصحف قال (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) الأعلى) يعني هو موحى إليه ومنزل عليه وهو رسول وله صحف أرسلت عليه. (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) النجم) إذن أرسله وأوحى إليه ونزّل عليه
*لكن الذي نزل على موسى هو التوراة وهذه صحف!
أنزل عليه شيء.
* لكن ليس له إسم معين كالقرآن والانجيل والتوراة!
نسميها صحفاً كما سماها ربنا. إذن من حيث الرسالة نص عليها تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ). ليس فقط هذا وإنما ذكر قومه قال (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ (70) التوبة) إذن هو رسول وله قوم. (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) الحج) إذن هو له قوم ورسالة، إذن يدعوهم. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (15) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) العنكبوت) هذا تبليغ الرسالة، إذن هو رسول. ليس هذا فقط وإنما ذكر من معه من المؤمنين (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ (4) الممتحنة) دعوة وقوم ورسالة وآمن من آمن وقال (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ (26) العنكبوت) إذن هو مثل بقية الأنبياء وقال فيه ما لم يقل في الأنبياء الآخرين (واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125) النساء) (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) النجم) (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (120) النحل). يسأل السائل عن المعجزة؟ هل ذكر لنوح معجزة؟ ما معجزة هود؟ ما معجزة لوط؟ ما معجزة يونس؟ ما معجزة شعيب؟ لم يذكر. لم يذكر معجزات لكل الأنبياء وإنما عندهم آيات بينات، ذكر ناقة صالح وعصا موسى وذكر معجزات عيسى لم يذكر شيئاً آخر. معناها نلغي نوح ونلغي هود وشعيب؟! هذا أمر آخر، عندهم آيات يذكرونها وجاؤوا بحجج لكن لم يذكرها كلها، ذكر ما يتعلق بالدعوة والرسالة، ذكر التبليغ وسيدنا إبراهيم بلّغ، ذكر الإرسال بالنصّ (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (26) الحديد)
* ربما كان السؤال أنه لم يأت عليه النص الصريح وحده ولقد أرسلنا إبراهيم مثلاً
(وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ) هذا نصّ (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ (4) الممتحنة) له جماعة مثل بقية الأنبياء كما قال في نوح قال (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) هود) كل الأمور المذكورة في الأنبياء الآخرين مذكورة في إبراهيم وزيادة أنه اتخذه خليلاً وأنه أبو الأنبياء.
الوقفة كاملة
|