| ١٨٠١ |
ما دلالة فصل (إنما) في آية سورة الأنعام (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)) بينما جاءت موصولة في آية سورة الذاريات والمرسلات ؟
قال تعالى في سورة الأنعام (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)) وقال في سورة الذاريات (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5)) وفي سورة المرسلات (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7)).
هذا السؤال عائد إلى خط المصحف (الخط العثماني) وليس عائداً لأمر نحوي، وحسب القاعدة : خطّان لا يُقاس عليهما خط المصحف وخط العَروض. وفي كتابتنا الحالية نفصل (إن) عن (ما) وحقُّها أن تُفصل.
ابتداء يعود الأمر إلى خط المصحف سواء وصل أم فصل لكن المُلاحظ الغريب في هذه الآيات كأنما نحس أن للفصل والوصل غرض بياني. لو لاحظنا في آية سورة الأنعام (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ) فصل وفي الذاريات وصل(إِنَّمَا تُوعَدُونَ) وفي المرسلات وصل(إِنَّمَا تُوعَدُونَ) فلو لاحظنا الآيات نجد أنه تعالى لم يذكر في سورة الأنعام شيء يتعلّق بالآخرة أو متصلاً بها وإنما تكلم بعد الآية موضع السؤال عن الدنيا (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)) ففصل ما يوعدون عن واقع الآخرة. بينما في سورة الذاريات وصل الأمر بأحداث الآخرة (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)) والكلام في السورة جاء عن أحداث الآخرة فوصل (ما توعدون) بأحداث الآخرة فكأنما الفصل لفصل بين ما يوعدون وأحداث الآخرة وكذلك في سورة المرسلات دخل في أحداث الآخرة. فلمّا فصل الأحداث الآخرة عن ما يوعدون فصل (إن ما) ولمّا وصل الأحداث مع ما يوعدون وصل (إنما) وكذلك ما جاء في قوله تعالى في قصة موسى وفرعون (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) طه) السحرة صنعوا وانتهى الأمر، وكذلك قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) (الأنفال) هم غنموا وانتهى الأمر فوصل وتكلم عن شيء فعلوه. فكأنها ظاهرة غريبة وكأن الكاتب الذي كتب المصحف لحظ هذا وما في الفصل والوصل هذا والله أعلم.
وقد سبق أن تكلمنا عن الفصل والوصل في (لكيلا) و (لكي لا) في إجابتنا عن سؤال سابق.
(ما) الموصولة هنا تختلف عن (إنما المؤمنون إخوة) التي هي ما الكافة والمكفوفة التي توصل مع (إن).
الوقفة كاملة
|
| ١٨٠٢ |
في سورة الذاريات (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24)) كلمة ضيف جاءت بالمفرد مع أن الملائكة مكرمين يعني جمع؟
كلمة ضيف تقال للمفرد وللجمع في اللغة مثلها كلمة خصم تقال للمفرد وللجمع (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) ص) وهذه ليست مختصة بالإفراد. وكذلك كلمة طفل تأتي للمفرد وللجمع عندنا كلمات في اللغة تأتي للمفرد وللجمع. وكذلك كلمة بشر (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ (24) القمر) مفرد (بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ (18) المائدة) جمع. عندنا كلمات تكون للمفرد وللجمع منها كلمة ضيف تكون للمفرد وللجمع. عندنا ضيوف وأضياف وعندنا خصم وخصوم وطفل وأطفال ورسول أيضاً تستعمل مفرد وجمع، ورسل، رسول جمع أيضاً تستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمصدر أيضاً وهذا يسمى في اللغة إشتراك. الرسول تأتي بمعنى الرسالة والإرسال، المبلِّغ هذا الأصل فيها (فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) الشعراء) (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ (47) طه) فإذن ضيف تأتي مفرد وجمع.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٠٣ |
قصة ضيف إبراهيم عليه السلام:
*ما الفرق بين قصة ضيف إبراهيم في سورتي الذاريات والحجر؟
قال تعالى في سورة الذاريات (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ {24} إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ {25} فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ {26} فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ {27} فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ {28} فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ {29} قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ {30}) وقال تعالى في سورة الحجر (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِ بْراَهِيمَ {51} إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ {52} قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ {53} قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ {54} قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ {55} قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ {56}).
في سورة الذاريات جاء وصف ضيف ابراهيم بالمكرمين وهذا له معنى في سياق الآيات في السورة وعدم ذكر صفة الضيف في آية الحجر يُبنى عليه المعنى. وإذا استعرضنا سياق الآيات في السورتين يتبيّن لنا لماذا وردت الصفة في سورة ولم ترد في الأخرى:
سورة الذاريات سورة الحجر
سلام ورد التحية وردّ التحية من الإكرام (فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ) لم يذكر ردّ التحية ولم يرد الإكرام هنا (فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ)
ثم إن ضيف إبراهيم قالوا (سلاماً) أي حيّوه بجملة فعلية وهو حيّاهم بجملة إسمية والجملة الإسمية أقوى لغوياً وأثبت للمعنى وأبلغ إذن فسيدنا ابراهيم ردّ التحية بخير منها وهذا من مظاهر الإكرام أيضاً. لم يرد في سورة الحجر أي مظهر من مظاهر الإكرام كما ورد في سورة الذاريات إن من حيث عدم ردّ التحية أو تحضير الطعام أو دعوتهم إليه وغيرها.
قال (قوم منكرون) ولم يقل إنكم قوم منكرون لكن عندما رآهم قال قوم غرباء بشكل عام ولم يوجّه الخطاب لهم مباشرة وهذا من باب التكريم، وهذا يختلف عما جاء في قصة لوط عندما قال (إنكم قوم منكرون) لمّا جاءه الرسل لأنه كان في حالة أزمة.
(فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ) والعجل السمين من مظاهر الإكرام وراغ معناها أنه ذهب بخفية ولم يرد أن يظهر أنه ذهب وهذا من إكرام الضيف.
(فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) وهذا أيضاً من باب الإكرام أن قرّب لهم الطعام وقال ألا تأكلون.
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) لم يرد ابراهيم أن يطلعهم على خوفه وهذا من مظاهر التكريم ولم يقل هنا أوجس في نفسه كما جاء في قصة موسى لأن الخوف قد يظهر وقد لا يظهر وفي قصة موسى لم يُرد أن يُظهر خوفه لأنه في مواجهة فرعون وقومه. (قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ) ظهر عليه الخوف هنا وعمّ الخوف أهل البيت جميعاً.
(وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) لم يعترض ابراهيم هنا لأن الإعتراض ليس من مقام الإكرام فلم يشك في قولهم ولا اعترض عليهم (قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) واجههم بالخوف وأجهروا بالبشرى فكما قال لهم إنا منكم وجلون قالوا له إنا نبشرك بغلام عليم، واعترف ابراهيم أنه يشك فيهم مما بلغه من الخوف فقال (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ)
(فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) لم تكن خائفة أو وجلة إنما خرجت لمواجهتهم. لم يذكر امرأة ابراهيم لأن الخوف هنا كان طاغياً على البيت كله وأهله ولهذا لم تظهر امرأته لمواجهتهم.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٠٤ |
في سورة الذاريات (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28)) وفي سورة الصافات (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)) فما اللمسة البيانية في هذا الفرق؟
حليم بالنسبة لسيدنا إسماعيل وعليم لإسحق. الحِلْم هو الذي يملك نفسه عند الغضب طبعاً هذا يظهر عند التعامل مع الآخرين. ربنا سبحانه وتعالى ذكر علاقة إسماعيل بأبيه وبالآخرين قال في الصافات (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) الصافات) هذا حِلم. لما كان يبني البيت مع أبيه (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا (127) البقرة) ما شكى. وربنا ذكرنا عن اسماعيل أنه رسول نبي وأنه كان صادق الوعد (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) مريم) الرسول يقتضي التعامل مع الآخرين ويقتضي حسن التعامل مع الآخرين وقال صادق الوعد الصدق أيضاً التعامل مع الآخر بينما إسحق ما ذكر له علاقة مع الآخرين مطلقاً وقال نبي وليس رسول (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112) الصافات)
* ليس له علاقة مباشرة بينما إسحق ما ذكر له علاقة مع الآخرين، قال نبي وليس رسول (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) وكونه ليس رسولاً إذن ليس هناك مخالطة مباشرة أو كثيرة كما يحدث مع سيدنا إسماعيل؟
ما ذكر له أيّ مخالطة ما ذكرها له، ليس فيها شيء (وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) مريم) هذا العلم لا يقتضي مثل هذه المخالطة، هذا عالِم. لكن ليس له علاقة بالمخالطات، هذا عالم والتعامل مع الآخرين هذه مسألة. لكن أنبِّه على شيء ربنا إذا وصف نبياً بصفة كمال لا يعني أن الأنبياء الآخرين ليسوا متصفين بهذا
* كنت سأسأل هل الحلم يتنافى مع العلم أو العلم يتنافى مع الحلم؟
لا، ليس معناه ذلك. لما قال ربنا عن نوح أنه كان عبداً شكوراً هل يعني أن الأنبياء الآخرين ليسوا شاكرين؟ إذن ذكر ما يتناسب مع السياق أو الصفة المشهور فيها. لما ذكر عن إبراهيم أنه أواه منيب والأنبياء الآخرين؟! أليسوا منيبين. إما أنه مشهور بهذه الخصلة أو السياق يقتضي ذكر هذا الأمر.
* هل كما يقال لأن بني إسرائيل من أبناء إسحق علماء ونحن من أبناء إسماعيل فلسنا بعلماء؟
لا، عندما يذكر صفة إما يقتضيها السياق. الرسول أليس عالماً لما تقول (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) مريم) كيف يتكلم من دون علم؟!
* هل تنسحب هاتين الصفتان على الأحفاد والأولاد والأبناء الحفدة؟
ليس بالضرورة.
* أقول مثلاً يقال لبني إسرائيل عالِم لأن نبي الله موسى نبيهم الأول وصف في القرآن بأنه عالماً (بغلام عليم)
ونحن أبونا إبراهيم كلنا جميعاً، إبراهيم جامع لكل الصفات.
* كان أمّة. هذه لا تدل على أن إسحق أعلم من إسماعيل عليهما السلام؟.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٠٥ |
*ما الفرق بين المؤمنين والمسلمين في سورة الذاريات(فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36))؟
هذه الآية تتكلم عن بيت واحد هو نفسه لكنه وُصِف مرة بكلمة المؤمنين ومرة أخرى وُصِف بكلمة المسلمين في موضع واحد وهو بيت لوط . والحكاية أن الملائكة جاءوا إلى إبراهيم والقصة معروفة فسألهم إلى أين أنتم؟ قالوا: إلى هذه البقعة قال: إن فيها لوطاً، قالوا نحن أعلم بمن فيها (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) العنكبوت) فأخرجوها من الأهلية لأنه في الأصل المرأة من أهل البيت لكن أخرجوها لما كانت تعمل بإتفاقها مع المشركين ضد لوط . الآية تقول (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (فيها) تعني من هذه البلدة التي كان فيها لوط يدعو قومه إلى الإيمان لأنه الوحيد الذي آمن بإبراهيم من أهل البلدة ثم صار نبيّاً وصار يدعو (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
نحن عندنا في القرآن الكريم في بعض المواطن هناك تفريق بين المؤمنين والمسلمين بل حتى في الحديث: في حديث سعد بن أبي وقاص لما قال : يا رسول الله أعطِ فلاناً فإنه مؤمن. قال: أو مسلم. فهناك فرق بين المؤمن والمسلم وفي الآية (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (14) الأحزاب) فإذن الإيمان شيء داخلي : ما وقر في القلب وصدّقه العمل. العمل المصدِّق هو الإسلام لأنه لما جاء جبريل يعلّم المسلمين أمور دينهم " حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب. شديد سواد الشعر. لا يرى عليه أثر السفر. ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فاسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا" قال: صدقت. قال فعجبنا له. يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: "أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أمارتها. قال: "أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان". قال ثم انطلق. فلبثت مليا. ثم قال لي: "يا عمر! أتدري من السائل؟" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " الأعمال الظاهرية هي الإسلام والباطن هو الإيمان. المؤمن يقيناً هو مسلم لأن الذي يستقر الإيمان في قلبه يطبّق لكن ممكن أن الإنسان يطبّق والإيمان لمّا يدخل بعد في قلبه. كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤناً. عندما يحدثنا عن إنسان معيّن ويقول إنه مؤمن ثم يقول بعد ذلك أنه هو مسلم معنى ذلك أنه جمع له الأمرين: الإيمان الباطني والتطبيق العملي أراد أن يشير إلى التطبيق العملي. فأهل هذا البيت كانوا مؤمنين (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين) لوط وأهل بيته لأنه (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) البيت المقصود به أصحاب البيت، سكان البيت لأن البيت هو ما يبيت فيه الإنسان، هو ما يقضي فيه ليله . هذه على قبيل (واسأل القرية) في سورة يوسف. (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) بمعنى غير أهل بيت من المسلمين. لم يقل المؤمنين حتى لا تتكرر أولاً لأنه لو قال في غير القرآن ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا غير بيت من المؤمنين) هنا التكرار غير محمود لأنه لا معنى له. (غير بيت) يكون مطلقاً ولو قال (غير بيت منهم) كأن يصغّرهم وهو يريد لهم قيمة. فإذا كرر المؤمنين هنا وهي قريبة كأنما يكون تركيزاً على الإيمان وليس فيه إشارة إلى التطبيق العملي والآية أرادت أن تذكر أنهم مؤمنون مطبقون لإيمانهم عملياً فجمعت لهم بين الإيمان والإسلام لأنهم هم أنفسهم وليسوا فريقان فريق مؤمن وفريق مسلم كما (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) لكن هؤلاء وصفهم بالإيمان. فحينما يعود ويصفهم بالإسلام معناه هذا تأكيد لقيامهم بالتطبيق العملي لإيمانهم، أنهم مطبقون عملياً. هذا قول جمهور المفسرين. هناك قول آخر ولا بأس أن نذكره والمشاهد الكريم يحاول أن يرى إلى أي التأويلين يطمئن قلبه لأن اللغة تحتمل ذلك. الرأي الأول وفيه رفع منزلة لأهل لوط، نحن لا ندري على وجه التعيين من كان مع لوط من أهل بيته. هم يقولون إستناداً إلى ما ورد في التوراة أنه كان عنده بنتان وامرأته لكن هذا ليس ثابتاً عندنا من الناحية التاريخية ومن الممكن أن يكون لديه آخرون، من الممكن أن يكون في بيته من المؤمنين، وفيه وإن كان فرداً حتى إذا كان ذكر البنتين يمكن أن تكون إحدى إبنتيه إستقر الإيمان في قلبها والثانية هي مسلمة على دينه ولم يستقر الإيمان في قلبها هذا الإستقرار. فلما قال (غير بيت من المسلمين) معناه هي تدخل معهم ولو قال من المؤمنين لا تدخل معهم هذه البنت التي لم تكن قد إستقر الإيمان في قلبها أما قوله المسلمين فيشملها ذلك لأن المؤمن مسلم والمسلم غير المؤمن ذُكر أنه هو مسلم فيكون الكلام أعم عند ذلك وهذا رأي مرجوح. والرأي الراجح هو الأول أن الجميع كانوا مؤمنين، أنه نوّع بالعبارة حتى يبيّن أن أهل هذا البيت كانوا مؤمنين مطبقين عملياً لإيمانهم فوصفهم مرة بالمؤمنين ثم ألحق ذلك بكلمة وصف المسلمين. فكان الإيمان مستقراً في قلوبهم وكانوا مطبقين لعلامات الإيمان لأنه قد يكون الإنسان مؤمناً لكن يقصّر في التطبيق ولذلك يتوب إلى الله تعالى ويستغفر وليس من قبيل عدم الإيمان. فإذن هذا الوصف فيه رفعة شأن لهؤلاء.
قد يقول القائل لماذا لم يقل : وجدنا فيها غير أهل بيت؟ لماذا حذف (أهل)؟ وفي آية سورة يوسف (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)) حذف أهل أيضاً؟
الحذف هناك يختلف عن الحذف هنا بحسب السياق. هناك حذف أهل وهنا حذف أهل. هناك فارق في الصورة هناك (وإسأل القرية) إخوة يوسف كانوا متهمين بأنهم ليسوا صادقين لأن عند أبيهم تجربة سابقة معهم لما جاءوا وقالوا أكله الذئب يوسف وهو لم يأكله فالآن يقولون إبنك سرق وقد يكون كذباً كالذئب فقالوا: (واسأل القرية التي كنا فيها) صحيح هي أهل القرية لكن كأنهم يريدون أن يقولوا له أن صدقنا ثابت في القرية حتى بجدرانها ،حتى بحيوانها، إسأل القرية كاملة، القرية التي كنا فيها والبلدة كأنها جميعاً تشهد لنا ليس بناسها فقط وإنما حتى بجدرانها. وهذا ينسحب على العير أي القافلة (والعير التي أقبلنا فيها) العير ومن عليها ومن معها ومن فيها لأنهم كانوا يشكّون في أنفسهم. أما في آية سورة الذاريات (غير بيت) لو قال : غير أهل بيت تكثر. أهل البيت تصير كثير: القرية من بيوت فأراد أن يبيّن قلة الذين إتّبعوا لوطاً فقال (غير بيت) واحد ولو قال أهل بيت: الأهل مجموعة فتكون الصورة فيها كثرة فحذف هنا. هنا أراد الحذف حتى يبيّن القِلّة وهناك (في سورة يوسف) حذف حتى يبيّن الكثرة. ولكل حذف مكان بحسب السياق والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٠٦ |
*ما الفرق بين أنزلنا –أرسلنا إليك وعليك؟
(على) أقوى من (إلى) وتأتي (على) في الغالب في العقوبات (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) الذاريات) وفيها معنى الاستعلاء هي استعلاء ولذلك كان فيها معنى الشدة والقوة، أما (إلى) فليست كذلك وإنما تفيد منتهى الغاية فقط. ربنا لما يقول مرة (لولا أنزل عليه ملك) (لولا أنزل إليه ملك) نلاحظ أن السياق يختلف وهناك فرق بين إليه وعليه، قال (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ (8) الأنعام) فيها تهديد، (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) الفرقان) ليس فيها تهديد. الأقوى (على) إذن نزّل أقوى من أنزل وعلى أقوى من إلى.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٠٧ |
*(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) وفي السجدة (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) الجنة مقصود بهم الجن فما الفرق بين الجن والجِنّة؟ وما دلالة البدء بالجن والجِنّة؟
الجن القرآن يستعمله بما يقابل الإنس (الجنّ – الإنس) هما الأصلان لهذين الجنسين، أصلان للمخلوقات (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء) أما الجِنة فيستعملها بمقابل الناس (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ (6) الناس). الجنّ والإنس هما الأصلان أما الناس فتكون مجموعة قليلة أو كثيرة من هؤلاء أو أفراد منهم، قد يكون الجميع (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (158) الأعراف) لجميع المخاطبين من آدم إلى أن تقوم الساعة، أو أفراد منهم (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ (173) آل عمران) تكون هناك قرينة سياقية تحدد المعنى لكن لا تدل على عدد معين إنما تدل على مجموع قد يشمل جميع الناس (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) وفي الحديث " أشيروا عليّ أيها الناس" والمقصود الأنصار. الجِنّة مجموعة من الجن قد تكون قليلة أو كثيرة. الجنّ هم الأصل مع الإنس ويستعمل في الغالب الجان بمقابل الإنسان. الجنّ الأصل مثل الإنس والجان قد يكون واحد من هؤلاء مثل الإنس والإنسان والإنسان واحد من الناس وقد يطلق على الأكثر. الإنس غير الناس أحياناً لا يمكن استعمال الإنس مكان الناس (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ (13) البقرة) لا يمكن أن يقال كما آمن الإنس. أصل البشرية الإنس، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ (173) آل عمران) لا تنفع هنا الإنس، فإذن الإنس بمقابل الجنّ والناس بمقابل الجِنّة. الذي يدل على عموم الجنس في البشر الإنس ومقابله الجنّ، الجنّ مقابل الإنس والجِنّة مقابل الناس والجان مقابل الإنسان (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15) الرحمن). هذا ليس من خصوصية الاستعمال القرآني وإنما هو في لغة العرب.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٠٨ |
خاتمة الذاريات (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)) وفي الطور (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11))، (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)) مقابل (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11)) المشهد هو واحد، كلا المشهدين في الآخرة. المكذبون طائفة من الذين كفروا.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٠٩ |
*تناسب خواتيم الواقعة مع فواتح الحديد*
الواقعة ختمت (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)) وفي الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)). الخطاب في الواقعة كان موجهاً إلى الرسول سبَّح لله فسبح أنت معهم ونحن أيضاً ينبغي أن نسبح مع المسبحين.
*هدف سورة الحديد: التوازن بين المادية والروحانية*
السورة مدنية وهي تدل في آياتها على أنه علينا التوازن بين المادية والروحانية وتحدثت السورة عن نوعين من الناس: الماديين الذي أخذتهم الحياة وخاطبهم الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) آية 16، وتكلمت أن الذين عاشوا في روحانية مطلقة وخاطبهم الله تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) آية 27، والنموذجين لم يستطيعوا أن يكملوا حمل الرسالة والمنهج. وجاءت الآية بعد خطاب الماديين (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) آية 17 أن الله الذي يحيي الأرض بعد موتها فالله تعالى القادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي القلوب في الصدور.
فالسورة تقول مخاطبة أمة محمد: أنتم لا ماديين كبني إسرائيل ولا متفرغين للروحانية كالنصارى إنما أنتم متوازنين بين الإثنين.
وفي السورة آية محورية هي من أهم آيات السورة (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) آية 25 (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات): تدل على الروحانية، و(أنزلنا الحديد): تدل على الماديّة. وعليها سميّت السورة: (الحديد) وفي قوله (وليعلم الله من ينصره) إشارة إلى استعمال الحديد في الصناعات وعدة الحروب والغواصات والمدافع والسيوف والرماح. فيا أمة محمد يا أمة الحديد وأمة الإيمان وازنوا لأن الكون كله متوازن ولذا بدأت السورة بعرض كل المتضادات في الكون وكل شيء متوازن بأمر الله تعالى فهل يعقل أن تكون أمة سورة الحديد ليس لديها تكنولوجيا؟ فعلينا أن نهتم بالصناعات التي فيها قوة الإنسان في السلم وفي الحرب وعدّته في البنيان والعمران.
** لمسات بيانية في سورة الحديد للأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي**
*نظرة عامة:
تبدأ سورة الحديد بقوله تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هل لها علاقة بما قبلها؟ هي قبلها سورة الواقعة تنتهي بقوله تعالى (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)) وقال بعدها (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) الحشر) يعني لقد سبّح لله فسبِّح أنت، توافق مع ما في السموات والأرض، هؤلاء كلهم سبحوا الله سبحانه وتعالى فسبِّح أنت باسم ربك العظيم. لا شك أن هذه مناسبة بيانية لطيفة.
علاقتها بما بعدها؟ بعض الذين كتبوا في القرآن قالوا: القرآن في إتصال بعضه ببعض وقالوا كالسورة الواحدة ثم قالوا بل كالآية الواحدة بل قالوا كالكلمة الواحدة في كونه متصلاً بعضه ببعض. وقال الرازي " هو كالكلمة الواحدة في توافقه وإتصال بعضه ببعض". فعلاقة السورة بما بعدها: خاتمة السورة هي (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) وتأتي بعدها سورة المجادلة (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)) نسأل: جبار السموات والأرض ملك الملوك يسمع لشكوى امرأة لم يجد لها الرسول مخرجاً أليس هذا من الفضل العظيم؟ جبار السموات والأرض ملك الملوك يسمع لخولة بنت ثعلبة تجادل في زوجها أوس ابن الصامت فإذن أولاً من أعظم الفضل أن يسمع الله سبحانه وتعالى لهذه المرأة ويذكر لها مخرجاً والرسول لم يذكر لها مخرجاً وإنما قال "لا أراك إلا قد حرُمتِ عليه"، هذا أمر. والأمر الآخر الآية الأولى في سورة المجادلة (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) قال تعالى (يسمع) ولم يقل يعلم لأن العلم قد تكون بعيداً عنه وتعلم أما السمع فيدل على القُرب. في أوائل سورة الحديد قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)) هو معكم، إذن يسمع تحاوركما، الذي معك يسمع التحاور إذن هناك إرتباط. في آية المجادلة قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أليس هذا مرتبطاً بقوله تعالى في سورة الحديد (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)؟ إذن الإرتباط واضح ظاهر سواء كان في خاتمة السورة السابقة أو في بداية السورة اللاحقة. إذن هذا الترتيب هو ترتيب توقيفي وهذا الذي عليه الجمهور. والعرب كانت تفهم هذا الكلام وتفهم أكثر مما نفهم لكن فقط الناحبة العلمية والمكتشفات العلمية هذا أمر آخر. لكن من حيث البلاغة هم يفهمون أكثر مما نفهم لذلك عندما تحداهم بسورة قصيرة كالكوثر أو العصر أو الصمد (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ (23) البقرة) لم يفعلوا، سور قصيرة ليس فيها تشريع ولا قصص ولا تاريخ لكنهم سكتوا وعجزوا معناه أنهم كافرهم ومسلمهم يدركون من أمور البلاغة ما لا ندركه نحن.
الوقفة كاملة
|
| ١٨١٠ |
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1))
*(سبّح) ما معنى كلمة التسبيح؟ وهل له أنواع؟
التسبيح هو التنزيه عما لا يليق، أصل التسبيح هو التنزيه (سبّح لله) أي نزّهه هؤلاء كلهم بما نفقه وبما لا نفقه من تسبيحهم (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الإسراء) الطير تسبّح والأشجار تسبّح وكل شيء يسبح (وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) الرعد) لا نفقه تسبيحها. التسبيح هو التنزيه عن كل ما لا يليق، عن كل نقص، أن تقول لله ولد أو تشبهه بخلقه أو أي شيء لا يليق بذاته. التسبيح ورد في صور شتّى: ورد التسبيح بالفعل الماضي (سبّح) وورد بالفعل المضارع (يسبح) وورد بفعل الأمر (فسبِّح) (سبِّح اسم ربك) وورد بإسم المصدر (سبحان الذي أسرى بعبده) كل هذا ورد فيه، لماذا؟ سبّح للزمن الماضي، يسبح مضارع للحال والاستقبال (المضارع للاستقبال كما في قوله تعالى (إن الله يفصل بينهم) هذا في يوم القيامة) حتى أن بعض النحاة قالوا هو للإستقبال أولاً ثم للحال. (سبِّح) الأمر وهو يدل على أن تبدأ به وتستمر، سبحان إسم مصدر. إسم المصدر قريب من المصدر، سبحان معناه علمٌ على التنزيه.نلاحظ أن الفعل مرتبط بزمن وبفاعل حتى يكون فعلاً، المصدر هو الحدث المجرّد الذي ليس له زمن ولا فاعل. إذن صار التنزيه إستغراق الزمن الماضي (سبح) والحال والمستقبل (يسبح) والأمر بالتسبيح ومداومته (سبّح) وسبحان التسبيح وإن لم يكن هناك من لم يسبح في السموات والأرض قبل الزمان وبعد الزمان إن كان أحد أو لم يكن فهو يستحق التنزيه سبحانه سواء كان هناك من يسبح بفاعل أو بدون فاعل فاستغرق جميع الأزمنة وقبل الأزمنة وبعد الأزمنة واستغرق الخلق وما قبل الخلق وما بعد الخلق.
ليس هذا فقط إنما لاحظ كيف ورد التسبيح؟ ورد التسبيح (سبِّح اسم ربك الأعلى) ذكر الإسم، و(سبّحوه بكرة وأصيلا) لم يذكر الإسم وذكر المفعول به مباشرة، (سبّحه) (سبِّح اسم ربك الأعلى) متعدي وسبّح بإسمه متعدي بالباء، متعدي بنفسه والتعدية بالإسم وبالحمد (فسبح بحمد ربك)، (سبّح) هو في الأصل فعل متعدي. الفعل اللازم هو الذي يكتفي بفاعله ولا يأخذ مفعول به مثل ذهب ومشى ونام، الفعل المتعدي يتعدى إلى مفعول به مثل أعطى، وأحياناً يستعمل المتعدي كاللازم بحسب الحاجة مثلاً أحياناً يكون متعدياً إلى مفعوليم أو يذكر مفعولاً واحداً مثلاً (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) الضحى) ماذا يعطيك؟ أطلق العطاء ولم يقيّده بأمر معيّن. وقالوا يستعمل إستعمال اللازم كما في قوله تعالى (حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) التوبة) وأحياناً لا يذكر المفعول به أصلاً (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) يونس) (يفقهون) فعل سمع متعدي (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) النمل) علم تأخذ مفعولين ما ذكرها لأنه أراد الفعل بالذات ولم يُرِد المتعلق. قد نستعمل المتعدي كاللازم نريد الفعل وليس مرتبطاً بالمفعول به كما تقول مثلاً: فلان يعطي ويمنع، ماذا يعطي؟ وماذا يمنع؟ (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) هو يسمع ويرى ولا يقيّد بشيء معين.
*لم لم يستخدم إسم المصدر ليخرجه من دائرة الزمان ودائرة الفعل؟
هذا فيه زمان وفيه فاعل (أسمع وأرى) الفاعل موجود والزمن موجود.
*(سبّح) يستخدمه القرآن متعدياً بنفسه مرة أو بحرف جرّ مرة أخرى فهل هناك من فرق بياني؟
سبّحه أي نزّهه، سبّح لله للتعليل أي الإخلاص تسبّحه لأجله (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) الأنعام) يسموها لام التعليل لبيان العِلّة وهي تدل على الإخلاص. فقوله (سبّح لله) أي أخلص التسبيح له فمن صلّى ولم يصليّ له فلا تقبل صلاته لأنه صلّى رياء ولم يصلي لله، هو قام بالفعل لكن لم يصلي لله لأنه لم يُخلِص، لو سبّح أمام الناس لكن لم يكن التسبيح لله فهو لم يسبح لله، هذا هو الإخلاص معقد النية التي تتحول إلى عبادة ألم يقل تعالى (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (6) الماعون) هم يصلّون ولكنهم يراءون، (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) لو أنفق لله لقُبِل، لو سبّح لله لقُبِل. إذن هناك فرق (سبّح) قام بالفعل لكن (سبّح لله) قام بالفعل وأخلص التسبيح له (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) لو نسك لغير الله ما يُقبل.
إذا تعدى الفعل بنفسه (سبّحه أي نزّهه) أي قام بالفعل، (سبّح لله) صلّى وصلّى له، زكّى وزكّى له، نسك ونسك له، لأجله إذن (سبح لله) أي سبّحه بإخلاص.
*يقول تعالى (سبح لله ما في السموات والأرض) ومرة يقول (سبح لله ما في السموات وما في الأرض) فهل هناك فارق بينهما؟
كل الآيات بلا استثناء إذا كرر (ما) يعقب الآية بالكلام على أهل الأرض في كل القرآن في آيات التسبيح كلها، إذا قال (ما في السموات وما في الأرض) يعقب الكلام لأهل الأرض (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) الصف) لأهل الأرض، في سورة الحشر (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ (2)) لأهل الأرض. وإذا لم يكرر (ما) لا يذكر أهل الأرض لا يعقبها وإنما يعقبها بشيء عن نفسه أو شيئ آخر (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) الحديد) لم يتكلم على أهل الأرض. في جميع القرآن حيث كرر (ما) يعقب الآية بالكلام على أهل الأرض في جميع القرآن ولذلك لاحظ في سورة الحشر بدأ بتكرار (ما) وانتهت السورة بقوله تعالى (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)) ما كرر (ما)، سورة الحشر أولها قال (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) كرر (ما) وفي نهاية السورة (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لم يكرر (ما) لأنه لم يأت بعدها كلام على أهل الأرض وانتهت السورة. لذلك نقول القرآن تعبير فني مقصود كل كلمة، كل تعبير، كل ذكر، كل حذف قُصِد قصداً ولم يأت هكذا.
*ما الفرق بين (ما) و (من) في الإستخدام اللغوي؟
في اللغة تستعمل (ما) لذوات غير العاقل ولصفات العقلاء (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ (29) طه) ماذا في يمينه؟ عصاه، (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) لذات غير العاقل ولصفات العقلاء. تقول من هذا؟ هذا فلان، تسأل ما هو؟ تسأل عن صفته فيقال مثلاً هو تاجر، (من هو؟) تسأل عن ذاته. (ما) هي تستعمل لأمرين: لذات غير العاقل ولصفات العقلاء (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (3) النساء) عاقل وربنا سبحانه وتعالى يستخدمها لنفسه كما جاء في سورة الشمس (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)) يتكلم عن نفسه سبحانه. (ما) تقع على صفات أولي العلم جميعاً حتى قسم من النُحاة أدق لا يقولون العقل لأن الله تعالى لا يوصف بالعقل ولا يصق نفسه أنه العاقل وإنما العالِم، فيقول النحاة لذوي العلم وذوات غير العاقل. في سورة الليل قال تعالى (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (3)) من الخالق؟ الله سبحانه وتعالى، في سورة الكافرون (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)) ما أعبد هو الله تعالى، (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4)) الأصنام غير عاقلة و(ما) تستعمل لذوات غير العاقل وتستعمل لصفات العقلاء.
(من) إذا إنفردت تكون لذوات العقلاء تحديداً، قد تستعمل في مواطن تخرج عن هذا الأمر مثلاً أنت تُنزِلأ غير العاقل منزلة العاقل، تتكلم مع حصانك يقولون لك: من تُكلِّم؟ تقول: أكلِّم من يفهمني، من يحفظني، هذا تجوّز. في الأصل أن (من) لذات غير العاقل وأحياناً يشترط العاقل مع غير العاقل فتطلق عليهم (من) فيصير تفصيل (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) النور) من يمشي على بطنه غير العاقل، من يمشي على رجلين الإنسان، اجتمعت في عموم فصّل بـ (من) لها مواطن. أما إذا انفردت فلا تكون إلا للعاقل (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك) لذي العِلم.
*(سبّح لله) بصيغة الماضي وفي بعض السور (يسبح) بصيغة المضارع فهل هذا مقصود بذاته؟
إجاب الدكتورحسام النعيمى :
طبعاً الفعل الماضي لا يراد به المضي دائماً يعني مضى وانقضى، قد يراد به المواصلة والاستمرار. عندما تُسأل ما شأن فلان؟ تقول: سكن في حارتنا أو محلتنا. سكن فعل ماض يعني هو الآن ليس ساكناً؟ كلا بل تعني والآن ما زال ساكناً. فلما يأتي (سبح لله) يعني هذه الموجودات سبّحت لله سبحانه وتعالى نزهته وقدسته لكنها هي ماضية على ذلك. عندما يكون الحديث حديث يحتاج إلى ذكر للحاضر والمستقبل (للاستمرار للحضور) يعني فيه كلام عن الحضور يستعمل المضارع (يسبح لله). لاحظ في سورة الجمعة قال (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)) لكن انظر كيف قال (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) ) الكلام على الرسالة والرسالة حاضرة ومستقبلة. قال (يتلو) ما قال تلا فيسبح تنسجم مع يتلو ويعلّم ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب. لما كان الكلام كلاماً على حاضر ومستقبل استعمل الفعل يسبح ولما كان الكلام مطلقاً استعمل الفعل الثابت سبّح. فيها كلام كثير لكن لا تريد أن نطيل الاجابة.
*تقديم الجار والمجرور على الفاعل في قوله (سبح لله ما في السموات والأرض):
التقديم حسب الاهتمام في البلاغة، هل الكلام على الفاعل الآن أو على مستحق التسبيح؟ الكلام على الله وليس على الفاعل لكن يتقدم المفعول على الفاعل لأغراض بلاغية.
*لماذا قدم السموات على الأرض؟
أولاً من الذين كان يسبح سابقاً أهل السماء أو أهل الأرض؟ أهل السماء لأن أهل الأرض لم يكونوا موجودين أصلاً، قبل أن خلق آدم فبدأ بمن هو أسبق تسبيحاً، بمن هو أدوم تسبيحاً (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) الأنبياء) (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) فصلت) فبدأ بأهل السماء لأنهم أسبق في التسبيح قبل خلق آدم ولأنهم أدوم تسبيحاً، أدوم في هذه العبادة.
*أول آية في سورة الحديد من الناحية البيانية :
ذكرنا أن فيها تقديم وتأخير وفعل ماضي ومضارع لكن الآية (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) العزيز في اللغة هو الغالب الممتنع والحكيم لها دلالتان إما أن تكون من الحُكم أو من الحِكمة. أصلاً الحكيم لها أكثر من دلالة لكن هنا فيها دلالتين. الحكيم قد تكون إسم مفعول بمعنى محكم (فعيل بمعنى مفعول مثل قتيل بمعنى مقتول) وحكيم بمعنى مُحكم قال تعالى (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) آل عمران) وفي سورة هود قال تعالى (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)) يعني مُحكم. هنا في هذه الآية حكيم لها دلالتان: حكيم من الحُكم وحكيم من الحِكمة ونجمع المعنيين للتوسع في المعنى لأنه أحياناً في اللغة الكلمة الواحدة يراد كل معانيها التي تحتملها في آن واحد وهذا يسمى التوسع في المعنى في جملة واحدة تحتمل كل دلالاتها اللغوية ويريد هذا الشيء وليس لها معنى محدداً لأن أحياناً المعنى احتمالي. الجملة العربية نوعان ذات جلالة قطعية وذات دلالة احتمالية حتى لو وضعتها في سياقها. دلالة قطعية أي دلالة واحدة (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (275) البقرة) دلالة واحدة وتأتي بدلالة احتمالية تحتمل أكثر من معنى، تقول: اشتريت قدحَ ماءٍ، ماذا اشتريت؟ ماء أو قدح؟ إذا قلتها بالإضافة فيها إحتمالان إحتمال أنك اشتريت الماء ومحتمل اشتريت القدح، فلو قلتها بالنصب : إشتريت قدحاً ماءً تعني أنك اشتريت الماء فقط ولم تشتر القدح، إشتريت الماء ولا يمكن أن تكون اشتريت القدح. هنا الحكيم يحتمل المعنيان والمعنيان مرادان.
تكلمنا في الحلقة الماضية على مفتتح سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وذكرنا بعض الأمور التي تتعلق بالتقديم والتأخير وذكر (ما) وعدم ذكرها وتوقفنا في نهاية الحلقة عند (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وقلنا أن معنى العزيز هو الغالب الممتنع والحكيم فيها إحتمالان فعيل من الحِكمة أو من الحُكم. الحكمة هي وضع الشيء في محله قولاً وعملاً ويقولون (توفيق العلم بالعمل). بالنسبة للناس إذا يتكلم واحد في غير مكانه وفي غير مقام فهو ليس بحكيم وإنما ينبغي أن يختار الوقت المناسب مع الأشحاص المناسبين ويتكلم بما هو في مستواهم ولا ينبغي أن يقول شيئاً ويفعل ضده فهذا ليس بحكيم. إذن الحكمة وضع الشيء في محله قولاً وعملاً. والله تعالى ذو الحكمة البالغة. الحكيم فيها اعتباران: قد تكون من باب الحكمة (الحكيم) وقد تكون من باب الحُكم (حكيم) والآية تجمعهما معاً وهذا يسمى باب التوسع في المعنى. أحياناً يؤتى بكلمة واحدة أو تعبير واحد يجمع عدة معاني كلها مرادة داخل سياق واحد. إذا أردت أن تعيّن لا بد أن تأتي أما بتعبير ذي دلالة واحدة قطعية أو تأتي بأمور أخرى حتى تصل إلى هدفك. مثال قوله تعالى: (وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا (160) النساء) ما المقصود؟ كثيراً من الناس؟ كثيراً من الصدّ؟ كثيراً من الوقت؟ يحتمل ولا يوجد قرينة سياقية تحدد أحدها وإنما أرادها الله سبحانه وتعالى جميعاً يصدون كثيراً من الناس وكثير من الصدّ، هذا يسمى التوسع في المعنى. (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) الفتح) هل قليلاً من الفهم؟ قليلاً منهم؟ يحتمل وهي مرادة. (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82) التوبة) هل هو القليل من الضحك؟ أو من الوقت؟ المعنى: فليضحكوا ضحكاً قليلاً وقتاً قليلاً وليبكوا بكاءً كثيراً زمناً كثيراً ولو أراد تعالى أن يحدد يأتي بما يحدد كما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) الأحزاب) المراد هنا الذكر. هناك تعبيرات يسموها احتمالية ويراد بها أن تجمع لها المعاني من باب التوسع في المعنى. مثلاً في الأحكام الشرعية: (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ (282) البقرة) و (لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) هذا حكم شرعي. (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ) (لا) ناهية وليست نافية بدليل الراء في (يضارَّ) مفتوحة. هل هي لا يضارَر؟ أي لا يضره أحد أو لا يضارِر، هو لا يضر أحداً؟ محتمل أن الكاتب والشهيد يضغط عليه ويضر عليه ويهدد فيغير من شهادته يحتمل هذا المعنى أو أن الشهيد لا يريد أن يشهد لأسباب في نفسه، يغير في الشهادة. لا يضارَر أو لا يضارِر؟ لو أراد أن يقيّد كان يقول ولا يضارَر فيكون قطعاً هو المقصود (نائب فاعل) لو أراد أن الكاتب هو الذي يُضرِ يقول لا يضارِر. مع أن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن (ومن يرتدد) في مكان وقال (ومن يرتد) في مكان آخر (من يشاقق) و (من يشاق) بدل أن يقول ولا يضارِر أو ولا يضارَر جاء بتعبير يجمعهما معاً يريد كلاهما. إذن لو فك يجعل هناك عطف لكنه أوجز تعبيراً ويجمع المعاني ويسمى التوسع في المعنى.
(لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) لا يوقع عليها ضرر يحبث الأب يضرها إذا كانت مطلقة؟ أو هي لا تضر زوجها بحيث تمنع إبنها؟ ما المقصود؟ المعنيان مرادان وكلاهما منهي. عندنا باب إسمه التوسع في المعنى في علم المعنى، عندنا دلالة قطعية وعندنا دلالة احتمالية وهذه الاحتمالية تحتمل معاني قد تراد كلها أو بعضها فإذا أريد بعضها أو كلها يسموه التوسع في المعنى.
الحكيم من الحِكمة ومن الحُكم، هذا الجمع (العزيز الحكيم) أجمل جمع: العزيز قد يكون حكيماً وقد لا يكون حكيماً، وقد يكون حاكماً وقد لا يكون حاكماً، الحاكم هو منتهى العزة منتهى العزة أن يكون حاكماً فإذن الآن صار كمال العزة بالحكم أعزّ شيء. نأتي إلى الحكمة إذا كان العزيز متهوراً تكون عزّته صفة ذم فإذن ينبغي أن يتمم بالحكمة. فإذن ربُّنا تعالى هو العزيز الحكيم والحاكم الحكيم، كمّل في العزة بالحُكم فكان أعلى شيء لأن منتهى العزة أن يكون حاكماً وأكمل الكمال عندما كان عزيزاً فهو حكيم وعندما كان حكيماً فهو حكيم إذن اجتمعت العزة والحكم والحكمة. لو كان عزيزاً غير حكيم تكون صفة ذم ولو كان حاكماً غير حكيم تكون صفة ذم. إذن الإثنين مرادان وقدّم العزيز على الحكيم لأنه عزّ فحكم، ليس عندنا في القرآن الكريم حكيم عزيز.
ما الحكمة من تقديم العزة؟ العزة قد لا يكون صاحبها حكميماً، هو تدرج، فبدأ بما هو أقل ثم انتقل للأعلى، يكون عزيزاً ثم يكون حاكماً، كيف يكون حاكماً؟ كيف وصل إلى الحكم؟ إذا لم يكن هناك جماعة تعزه فتوصله إلى الجكم؟ لا بد أن هناك جماعة أوصلوه فلا بد أن يكون عزيزاً عند هؤلاء حتى أوصلوه، إذن عزّ فحكم.
الأمر الآخر، قال (العزيز الحكيم) بالتعريف ولم يقل هو عزيز حكيم بالتنكير لأنه أراد أن يقصر العزة في الحقيقية وحده لا عزّة لغيره على سبيل الحقيقة والحكيم هو الحاكم في الحقيقة ولا حاكم سواه على وجه الحقيقة. أإن الله تعالى هو الذي يعز ويذل ويؤتي الحكم وينزعه (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) آل عمران) إذن هو صاحب العزة، الحكمة (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء (269) البقرة)، الحكم (وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (41) الرعد) هذا التعريف القصر على أنه في الحقيقة كل عزة سوى عزته هي منه سبحانه سواء أعز أو أذلّ. وقد استخدم كلمة (عزيز) نكرة في القرآن وهذا بحسب السياق الذي تأتي فيه وهذا يحدد التنكير والتعريف.
الوقفة كاملة
|