| ١٣٥١ |
آية (١٨) : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)
* مناسبتها لما قبلها:
بعد أن ذكر الافتراء في الآية التي قبلها (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) قال لا أحد أظلم (مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) .
* ربنا قال (وَمَنْ أَظْلَمُ) وليس (ولا أظلم) :
(لا أظلم) هذا كلام عادي، أسلوب خبري أنت تقرر هذا الأمر، لكن (مَنْ أَظْلَمُ) هذا أسلوب إنشائي استفهامي حتى يشارك المخاطَب ويجعله يقرر بنفسه فتطلب منه أن يجيب.
* الإفتراء هو الكذب والافتراء في الأصل مأخوذ من الفري وهو قطع الجلد، وإفترى الجلد كأنه اشتدّ في تقطيعه تقطيع إفساد. فأُطلق الافتراء على الكذب بغرض الإفساد وأيُّ إفساد أعظم من إفساد شريعة الله تعالى؟!
* جاءت كلمة الكذب هنا نكرة:
المعرفة هى ما دلّ على شيء معين. الكذب يقصد شيئاً معيناً مذكور في السياق، في آل عمران (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)) الكلام عن الطعام، هم كذبوا على الله في هذه المسألة.
التنكير في اللغة يفيد العموم والشمول، كذب يشمل كل كذب وليس الكذب في مسألة معينة هنا (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) أيّ كذب في أيّ شيء، نكّر لأنها عامة تشمل كل افتراء في كل حالة.
* (يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ) يعرضهم على من أساؤوا إليه وكذبوا عليه وافتروا عليه مباشرة، لتقريرهم والإشهاد عليهم لفضيحتهم هذه فضيحة كبيرة.
* (وَيَقُولُ الأَشْهَادُ) أي الذين شهدوا هذا الأمر وعرفوه فيكون هؤلاء شهود على هؤلاء، لما قال أشهاد هذه تحتمل جمع شاهد وشهيد للمبالغة في الشهادة، فهم عندما افتروا افتروا على ناس متمرسين في الشهادة وعلى عموم من سمع فجمعهم كلهم لتكون شهادة عامة موثقة، إذن أشهاد مقصودة لأنها أعمّ، ثم زيادة في فضحهم وخزيهم يشار إليهم (هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ) يشيرون إليهم وهم موجودون أمامهم، كلهم حضور.
* قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ) بلفظ الجلالة (الله) ثم قال (هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ) :
افتروا على الله خالق السموات والأرض باسمه العلم، ثم افتروا على ربهم - بإضافة الرب إليهم - الذي أحسن إليهم والافتراء على الرب من أسوأ الأفعال وأقبحها أن تفتري على من أحسن إليك على سيدك ومن تولى أمرك ومن أنعم إليك، أليس هذا من أبلغ الإساءات؟ فإن كان الرب هو الله؟! أسوأ، فجمع، لو جاء بواحدة لم تكن بهذه الدلالة لأن كل إسم من أسماء الله له معنى معين ودلالة معينة فمعنى الربوبية غير معنى الألوهية فاللغة تفرق بين الله والرب، الله مأخوذة من ألِهَ يعني عبَد، الله هو المعبود، لكن الرب ليس فيها معنى المعبود، فالإساءة إذن صارت مضاعفة.
* القائل (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) تحتمل أمرين: أن يكون القائل هم الأشهاد، أو أن يكون كلام الله عندما شهد هؤلاء لعله يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون من كل حدب وصوب فجمع، ولو حدد ستكون محددة فإذن الآن اجتمعت اللعنتان - والله أعلم - من الله ومن الأشهاد للإطلاق لتكون اللعنة أشمل وأعم.
* قال (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) ولم يقل (ألا لعنة الله عليهم) :
لو قال عليهم لتخصص بهؤلاء لكن (عَلَى الظَّالِمِينَ) كل الظالمين ودخل فيهم هؤلاء، لما قال (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) هؤلاء ظالمون فناسبها (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، الكذب جزء من الظلم والظلم أعمّ فدخل فيه كل ظالم هؤلاء وغيرهم عموماً، أيضاً اللعنة على الظالمين عامة ليست خاصة.
الوقفة كاملة
|
| ١٣٥٢ |
آية (١٩) : (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)
* هنا وصف الظالمين بالمضارع (يَصُدُّونَ) :
قلنا هذه فيها احتمالان احتمال أن هذا مما قاله الأشهاد حين يعرض هؤلاء على ربهم في الآخرة فيكون هذا من حكاية الحال عن أمر مضى، واحتمال أن القائل هو الله سبحانه وتعالى فيصير عاماً (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) تشمل الدنيا والآخرة.
* (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) أي سبيل الله إما يصفونها بالاعوجاج بأنها سبيل معوجة وهي مستقيمة، أو يبغون أهلها أن يرتدوا عن هذا الطريق، ويقولون لماذا تتبعون الطريق وهي كذا وكذا؟ .
* (وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) بينما في الأعراف (وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ) :
في سورة هود آكد لأنه زاد الكذب قبلها (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) فلما زاد الكذب زاد التوكيد في وصفهم، لكن في الأعراف (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)) من هم؟ (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)) فقط.
الوقفة كاملة
|
| ١٣٥٣ |
آية (٢٠) : (أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ)
* في قوله (مُعْجِزِينَ) لم يذكر المفعول به أنت إذا قلت هل فلان يسمع؟ تقول لا يسمع، إذا جئت بمفعول فأنت تعلقه بذلك المفعول، لكن إن لم تحدد فأنت تنفي عنه صفة السمع أصلًا، وفي الآية هو لا يريد أن يحدد فهم ليسوا معجزين لا لخالق ولا لمخلوق ولا لأي أحد هم أضعف من أي شيء، هذا إطلاق فليس لديهم صفة إعجاز يتصفون بها نفاها عنهم أصلًا.
* (مُعْجِزِينَ) بالإسمية ولم تأت بالفعلية يعجزون مثلًا:
الاسم أقوى وآكد وأثبت من الفعل، فهذه صفتهم الثابتة أصلاً وليست صفة عابرة.
* إذا كانت هذه صفتهم فلماذا حددها بالأرض؟
الإنسان أقوى ما يكون وأعز ما يكون أليس في بلده ومستقره؟ بلى، فإن كان غريباً؟ لا حول له ولا قوة، هؤلاء في مكانهم معجزين، نفاها في مكانهم في موضعهم الذين هم أعز فيه، إضافة إلى ضعفهم هم ليس هنالك من ينصرهم (وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء) .
* (مِنْ أَوْلِيَاء) هذه (من) الاستغراقية، تفيد الاستغراق والتوكيد والنفي المطلق.
* جمع أولياء مع أنه في آية أخرى أفرد (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (١١٦) التوبة) :
(من ولي) أشمل في النفي، لكن هنا لا يصح الإفراد لأن الكلام في الآخرة والآخرة جماعات مختلفة وأزمان مختلفة وبين الجماعات أحياناً قرون متطاولة هؤلاء لا يمكن أن يكون لهم ولي واحد، كل واحد له وليّ، كل جماعة لهم وليّ غير الله، إضافة إلى أنه لم ترد (مِنْ أَوْلِيَاء) أبداً في القرآن الكريم إلا في الآخرة وعندما يقول (ولي) تكون في الدنيا.
* (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) لأنهم جمعوا أكثر من حالة، فيها افتراء وكذب على الله وكفر بالآخرة، وصد عن سبيل الله، هذه ذنوبهم وذنوب غيرهم ويبغونها عوجاً إذن سيتحملون ذنوبهم وذنوب غيرهم وقطعاً يضاعف لهم العذاب.
* قدّم السمع على الإبصار مع أنه في الكهف قدّم آلة الإبصار على السمع:
في سياق آية هود ذكر ما يُسمع، ذكر الكذب، والافتراء على الله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) (هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ) الكذب يُسمع فقدّم السمع، بينما في الكهف ذكر ما يُرى وهو عرض جهنم قال (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)) هذا مما يُرى.
* في سورة هود عرّف السمع (مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) أما في الكهف فهو منكّر (وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) :
في هود آلة السمع غير معطلة فهم كانوا يسمعون لكن يستثقلون نوع معين من الكلام ويكرهونه فيما يتصل بالدعوة المرسلة من قبل النبي والإسلام والدين ولذلك عرّفه ليدل على نوع معين من الكلام.
في الكهف آلة السمع معطلة وآلة الإبصار معطلة، لأن هنالك غطاء، فإذن السمع ليس خاصاً بأمر معين، أيّ سمع إثباتًا لعدم الاستطاعة فجاءت نكرة.
* اللمسة البيانية في استخدام كلمة السماء في آية سورة العنكبوت وعدم استخدامها في آية سورة هود:
الكلام في سورة هود متعلق بالآخرة وبمحاسبة أهل الأرض أما السياق في سورة العنكبوت ففي الدعوة إلى النظر والتدبر في العلم والبحث (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)... وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)) وهذا الذي يجعل الإنسان ينفذ إلى السماء وحتى عند ذلك لن تكونوا معجزين هناك، ثم إن كلمة السماء نفسها وردت في سورة العنكبوت ٣ مرات وفي هود مرتين.
الوقفة كاملة
|
| ١٣٥٤ |
آية (٢١) : (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ)
* (مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) (ما) فيها احتمالان: الأول مصدرية يعني ضل افتراؤهم كله ذهب هباء والآخر الأصنام كله ذهب وليست هناك قرينة سياقية تحدد معنى معينًا للإطلاق ضلّ هذا وذاك.
الوقفة كاملة
|
| ١٣٥٥ |
آية (٢٢) : (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ)
* قال تعالى الأخسرون وليس الخاسرون فالأخسرون هذا تفضيل يعني أعلى درجات الخسران، فالذي يخسر نفسه ماذا بقي له؟! هؤلاء أخسر الناس ليس هنالك أخسر منهم، ليس فقط أخسر وإنما الأخسر.
* التوكيد بـ(لا جرم) وبـ(أن) وفي آية سورة النمل (وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)) بدون (أن) :
لا جرم بمعنى لا بد ولا محالة والعرب تستعملها بمعنى القسم بمعنى حقاً للتوكيد.
آية سورة هود فيها توكيدان حيث جاء فيها الأخسرون أي الأشد خسارة وهي فيمن صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم، وقد ذكر هنا أربعة أوصاف (كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ) (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) (وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) ثم قال (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) .
آية سورة النمل (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)) هذا الخسران للذين لا يؤمنون بالآخرة فقط، وهي حالة من الحالات التي ذكرت في هود تلك أربع أضعاف وهذه واحدة.
* في هود قال (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) وفي النحل قال (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)) :
- آية النحل هي فيمن صد هو ولم يصد غيره، بينما آية هود في الأشد خسارة الذين صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم.
- في النحل قال قبلها (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)، فبسورة هود ذكر معاصي أكثر من النحل فاستعمل الأخسرون الآكد مع الكثير من المعاصي والخاسرون مع المعاصي الأقل.
الوقفة كاملة
|
| ١٣٥٦ |
آية (٢٤) : (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)
* الله سبحانه وتعالى ذكر صفات كثيرة كالأعمى والأصم والبصير والسميع ولم يذكر الأبكم:
هذا الفريق يتكلم، هم كذبوا على ربهم وافتروا ويصدون عن سبيل الله، إذن هو ليس أبكمًا.
* بدأ بالأعمى والأصم وقدّمهما على السميع والبصير:
بعد أن ذكر أولئك وذكر صفاتهم، بدأ بالنموذج الأول الذي هو الفريق الكافر ثم ذكر الذين آمنوا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ) بحسب الترتيب الذي ذكره.
* (هَلْ يَسْتَوِيَانِ) ما قال لا يستويان، لكن أراد أن يُشرك المخاطَب حتى يجيب هو ليقيم الحجة ويحكم على نفسه.
* (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) وليس تتذكرون:
قاعدة: الحدث الأخف يخفف معه من الفعل ويحذف منه والعمل الأثقل يعطيه أكثر. الآن لو تسأل أيّ واحد أيّ صاحب عقل تقول له هل الأعمى والأصم هو مثل البصير والسميع؟ هل يحتاج هذا إلى تفكير؟ إلى طول تذكر وتأمل؟ لا، فالحذف من الفعل يدل على أنه يكتفي بكلام قليل ولا يحتاج إلى تذكر كثير، مثل توفاهم تتوفاهم، تفرقوا تتفرقوا، تستطع تسطع.
الوقفة كاملة
|
| ١٣٥٧ |
آية (٢٥) :
* قصة سيدنا نوح عليه السلام متضمنة في أكثر من عشر سور تقريباً في القرآن الكريم:
في القصص القرآني عموماً ليس هنالك تكرار، وإنما يُذكَر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه وما يُراد أن يسلط عليه الضوء، وقد تكون القصص أحياناً مكملة إحداها للأخرى، يعني يُذكر في السورة ما تكمل السورة التي قبلها، لو لاحظنا في الأعراف أول موضع وردت فيه قصة نوح عليه السلام كانت القصة موجزة من حيث أحداثها، وبدأت بقوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩)) من دون أن تُسبق بالواو، ثم في كل المواطن التي تلتها قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) عدا سورة نوح لأنها بداية السورة، وهي كلها ليست عاطفة (الواو) لكن كأنها معطوفة على القصة الأولى.
في سورة الأعراف
- تبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله وهي دعوة الرسل جميعاً في الأعراف (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)) .
- هم ردوا عليه أجابوا (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٦٠)) .
- هو رد عليهم (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)) .
- لاحظنا أنه لم يذكر له أتباع هنا لأنها في ابتداء الدعوة فلم يذكر له أتباعاً.
في سورة يونس
- لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله فاكتفي بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف ولم يكررها هنا كأنها استكمال لما ورد هناك.
- اكتفى برد قومه في الأعراف فلم يذكر ماذا قال له قومه في يونس ولكن ذكر كلاماً آخر.
- بدأوا في الكلام في الأعراف وهو رد عليهم، واستكمل الرد عليهم في سورة يونس فيما أخذوه على شخصه هو، فتحداهم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (٧١)) فليفعلوا به ما يشاؤون، هذا ملمح جديد لم يذكره في الأعراف.
- لم يذكر أن له أتباعاً (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢))، حتى هذه اللحظة الدعوة لا تزال في مهدها.
في سورة هود
- القصة طويلة وهي أطول ما ذكر في سورة هود.
- دعاهم إلى عبادة الله وذكر أنه لهم نذير مبين وذكر رد الذين كفروا.
- الآن ظهر له أتباع لأنها دعوة، لكنهم سفّهوا الأتباع وبدأوا يزدرونهم (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)) هذا ليس في يونس.
- كان هنالك كلام طويل وجدال بينهم (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)) .
- ثم ذكر كيفية النجاة التي وصفها، لم يذكرها في الأعراف ولا في يونس.
- وذكر صنع الفلك (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ (٣٨)) واستهزاؤهم به وجريان الفلك وماذا يحمل ومن يحمل والحوار إلى قوله (وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (٤٤)) كأنها استكمال وتوضيح لما سبق، ففي يونس قال (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ (٧٣)) ولم يذكر كيف نجّاه.
- كل ها لغرض بياني ليعرف كيف يتصرف الداعية فبدأ أول مرة بـ (الدعوة) ثم تعرّضوا لشخصه، كيف يدافع عن شخصه هو؟ تعرّضوا لأتباعه كيف يدافع؟ كيف يقول؟
في سورة الأنبياء
- القصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ أصلاً وإنما في سياق نجاة من نجى من الأنبياء واستجابة من دعا من الأنبياء، هو ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه واستجابه دعاء أيوب وذي النون وزكريا.
- قال (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)) لم يذكر دعوة، هذا في سياق دعاء الأنبياء.
- سمة عامة متشابهة للأنبياء المذكورين على تطاول المدة ذكر كيف كان الأنبياء مع أقوامهم وكيف كانوا يدعون لهم وكانوا يلجأون إلى الله بالدعاء وربنا يستجيب لهم.
في سورة المؤمنون
- ذكر قصة نوح والنجاة في الفلك بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)) الفلك عامة.
- الجانب المذكور في سورة المؤمنون من قصة نوح لا يطابق ما ورد من قبل، هو بلّغهم بالدعوة فقط (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)) ولم يقل شيئاً آخر.
- قومه لم يواجهوه بكلام أبداً لكن كانوا يذكرون رأيهم في مجالسهم في غيبته (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)) أما أمامه لم يذكروا شيئاً، هذا مشهد آخر لم يُذكر فيما سبق هذا استكمال، هذا واقع الناس هكذا أنه إذا شخص يتكلم يتحدثون معه ثم إذا ذهب يتكلمون عنه، وهذا تنبيه أيها الداعية أنت تتوقع أن الكلام بينك وبينهم تكلمت وانتهت المسألة لكن فيما بعد سيكون هناك كلام وحديث.
- لأول مرة دعا ربه لينصره بصورة صريحة (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)) لجوء إلى الله بصراحة.
في سورة الشعراء
- أولاً قال في قوم نوح مثل ما قاله في الأقوام الأخرى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)) كل الرسل بدأ بمثل هذه البداية لتدل على وحدة الرسالة.
- ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم وهي كلها على نمط واحد والتعليق واحد في الأخير.
- في هذه السورة لم يطلب منهم عبادة أصلاً وإنما تقوى الله وطاعة رسوله كأنها كانت استكمالاً لما قبلها، ذكرنا أنه أمرهم بالعبادة في الأعراف وفي المؤمنون (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) وفي هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) أما هنا مرحلة بعد العبادة، وكأن الخطاب السماوي تغير وانتقل إلى مرحلة أخرى.
في سورة العنكبوت
- لم يذكر لا دعوة ولا موقف قومه منه.
- لم يذكر تقوى ولا طاعة.
- ذكر مدة لبثه في قومه وأنهم أخذهم الطوفان لظلمهم، كأن واحد يسأل كم بقي؟ قال عبارة قصيرة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)) .
- حتى السفينة لم تذكر إلا هنا وفي الباقي ذكر الفلك.
في سورة الصافات
- ليس فيها دعوة.
- لكن ذكر أن نوحاً دعا ربه فأجابه ونجاه وأهله من الكرب العظيم (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)) من أي كرب؟ لم يوضح.
- إنما جعل ذريته هم الباقين (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧))، هذا لم يذكر المواطن الأخرى، بعد الـ٩٥٠ سنة الذي حصل أنه نجاه وجعل ذريته هم الباقين.
- ذكر ما كان بعد نوح، بعد النجاة، ماذا ترك عليه في الآخِرين؟ (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)) (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٨٢)) من هم الآخَرين؟ لم يذكر.
- في النجاة لم يذكر غير أهله لم يذكر من آمن بينما في السابق كان يذكر من آمن، هذا يسمى من المقامات الخفية، هو قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) معناها أهلك الآخرين، هل نجاهم ليهلكهم؟ لا. هم نجوا، لكن قضوا أعمارهم وماتوا فلم يشر إليهم، وبقيت ذرية نوح فقط.
في سورة القمر
- استهل القصة كما يستهل القصص في بقية الأقوام (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (٩)) .
- نلاحظ أنه لم يذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله وإنما ذكر أمراً آخر وهو تكذيب قومه وزجر قومه له.
- ثم دعا أنه مغلوب (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠)) المغلوب يطلب النصر، الآن بعد أن طالت المسالة واستمرت قروناً ونفض يده من استجابتهم دعا ربه.
- وبعد الدعاء الإستجابة السريعة (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)) .
- لأول مرة تذكر كيفية صنع السفينة (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)) .
- كان التعقيب على القصص كلها كان تعقيباً واحداً (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) تعقيب على موقف البشرية من الرسل على مر التاريخ.
في سورة نوح
- آخر موطن تذكر فيها قصة نوح واسم نوح، وفي كل موطن يذكر جانباً مختلفًا.
- سورة نوح هي أشبه بتقرير نهائي قدّمه نوح إلى ربه في مسار الدعوة، ذكر فيه موقف قومه منه، ولم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء:
- (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)) هذا بدء الرسالة، أمره ربه بإنذار قومه.
- استجاب نوح لأمر ربه (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢)) .
- ثم ذكر إلى ماذا دعاهم (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)) .
- ثم ذكر ماذا كان منه (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)) .
- ثم ذكر ماذا كان منهم وماذا كان موقفهم؟ (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)) .
- ثم ذكر أنهم مكروا مكرا كبارا (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)) .
- ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة، تقرير جامع والعقوبة كانت جامعة في الدنيا (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا (٢٥)) وفي الآخرة (فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا) .
- ثم ذيل التقرير بمقترح الخاتمة وهو توصية أن يهلكهم كلهم، (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)) خاتمة التقرير.
- ثم علل المقترح لماذا؟ (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)) إذن المقترح والتعليل.
- ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) لعله أن يكون قد قصّر في عمله.
- طلب المغفرة والدعاء لأوسع مجموعة لم يذكر مثلها في القرآن الكريم (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) أوسع دعاء لم يرد مثله في القرآن ، على العموم والإطلاق أوسع دعاء في أوسع دعاء جامع، في أوسع تقرير. سورة نوح عجيبة!..
- لم يرد لهم ذكر في القرآن بعد هذه السورة.
- هذا التقرير الذي اقترحه (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) ولم يصنعه كثير من الأنبياء لأن قول نوح للبشرية ، والبشرية الآن كلها أولاد نوح أبو البشرية الثاني ولذلك قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧) الصافات)، وأما قول الباقين فلأقوامهم، لا يمكن أن تكون مجموعة صغيرة مثل الذي يقدم هذا التقرير، هذا تقرير للبشرية.
هذا تقرير عجيب جمع صورة الحدث كله، الصورة النهائية لكل تاريخ الدعوة وخلاصة رحلته الطويلة!
- في الأعراف والمؤمنون الأمر بالعبادة (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ)، وفي هود إنذار (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، وفي الشعراء أمر بالتقوى والطاعة (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)، وفي التقرير النهائي في نوح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) جمع ما تفرق وما قيل في كل القصص في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء، وكأنه يختصر الرسالة التي جاء من أجلها كلها بجميع أركانها بهذا المقترح.
- ليس فقط هذا بل جمع بين القول الصريح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) و(أن) المفسِّرة (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ)
وهذا أيضاً ما تفرق في الأعراف والمؤمنون (فَقَالَ يَا قَوْمِ) قول، وهود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) (أن) المفسرة، والشعراء (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)) قول، فجمع كل الصورة التعبيرية ولم يجمع بينها في موطن آخر.
* (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) ما هي هذه الواو مع أنه ليس قبلها قصة؟
هذه ابتدائية، ذكرنا الغريب أنه عندما ذكرت أول مرة قال (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩) الأعراف) وكل الباقي بعدها عندما يذكر أرسلنا جاءت كلها بالواو (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) كلها بالواو إلا إذا كل القصص الموجودة ليس فيها واو كما في الشعراء والقمر والباقي كلها بالواو وإن لم تكن هناك معطوفة على كلام.
* (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) جاءت إني بالكسر على إضمار القول، على تقدير فقال إني لكم نذير مبين.
الوقفة كاملة
|
| ١٣٥٨ |
آية (٢٦) : (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ)
* (أن) هنا مصدرية أو مفسرة وفيها احتمالان إما متعلقة بالإرسال يعني أرسلناه بـ(أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ)، هذا ليس قولاً، بما أرسله ربنا؟ أرسله بهذا، وإما متعلقة بنذير (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) أنذركم بألا تعبدوا إلا الله. والإثنان مقصودان الرسالة والإنذار فالرسالة هي عبادة الله وعدم عبادة غيره (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) والإنذار هو (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ)،.
* إذا قال (إني) هذا قول وإذا قال (أني) قطعاً ليس قولاً وإنما أرسلناه بهذا، وهذه الآية فيها قراءتان متواتران، الأولى (إني) والقراءة المتواترة (أني). المعنى مختلف، (أرسلنا أني) يعني أُرسِل بذلك، (إني) هذا قول نوح هو بلّغهم، القراءتان تدلان على أنه أُرسل بذلك وبلّغهم ما أرسل به، هذا توسع.
* وصف اليوم بأنه أليم وليس العذاب هذا تعبير مجازي، اليوم لا يكون أليماً وإنما ما يقع فيه من العذاب، هذا موجود عند العرب مثل نهارك صائم أو ليلك قائم ويسمى هذا مجاز عقلي، هذا يدلنا على اتساع الألم وشدته بحيث الوقوع في ذلك اليوم على سبيل الاستغراق، استغراق اليوم، شمول. لو كانت كما قلت (أخاف عليكم عذاباً أليماً) يحتمل أن يكون في وقت من أوقات اليوم لكن عذاب يوم أليم صار اليوم كله عذاب، صار أشمل، وليس فقط في الوقت بل فيمن يقع عليه العذاب فلو لم يذكر اليوم قد يكون مقيداً بأشخاص (قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) هذا محدد بشخص وهو يوسف. لكن هذا يوم أليم وشامل للمجموع، اليوم أعم، ولذلك في القرآن لم يصف اليوم بأنه أليم أو عظيم أو محيط إلا في سياق العذاب (عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (٨٤)) ولم ترد في الدخول إلى الجنة، لأن هذا اليوم يوم القيامة عظيم شامل محيط لجميع الخلق هذا أشمل، لكن الجنة ليست لعموم الخلق وإنما مخصصة.
الوقفة كاملة
|
| ١٣٥٩ |
آية (٢٧) : (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)
* هؤلاء الملأ أشراف القوم ذكروا أموراً تدعوهم إلى الشك، ذكروا شبهات:
- الشبهة الأولى: أنه بشر (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا) فلم أُثرت بهذا الفضل؟ قسم يرون أنه لو أراد الله أن ينزل رسولاً لأنزل ملائكة.
- الشبهة الثانية: من الذين اتبعوك؟ أراذل القوم ضعفاء اتبعوك بادي الرأي يعني من دون تفكير، من دون روية، وهم ليس لهم قيمة في المجتمع، كيف يرى هؤلاء الأراذل ما لا يراه الأشراف الذين يرون أنفسهم أصحاب منطق وحجة.
- الشبهة الثالثة: قالوا (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) الجميع، أنت ومن معك هؤلاء دخلوا هكذا من دون إيمان، الأتباع أيضاً كاذبون في ظنهم، لم يؤمنوا حقاً به إنما لغرض من الأغراض، أول الأمر آمنوا ولم يشاؤوا أن يرجعوا عن ذلك.
* هنا (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) وفي الأعراف (وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)) وفي الشعراء (وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)) :
- القائل مختلف، في الأعراف هذا قول قوم عاد إلى هود وفي الشعراء قول قوم شعيب لشعيب وهنا لنوح.
في الأعراف مؤكدة بـ (إنّ) واللام فمقام التكذيب أشد من الموطنين الآخرين والدليل أنهم قالوا لنبيهم (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) هذا إتهام حقير لم يرد في المواطن الأخرى، ثم كان بينه وبين قومه مشادة عنيفة لم تحصل في المواطن الأخرى (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ) المواجهة شديدة لذلك كان التكذيب شديداً (وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
في الشعراء بـ(إن) المخففة أقل توكيداً لأنهم قالوا (إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أى مسحور، ثم لم يواجههم شعيب بل قال (قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) ردة الفعل مختلفة في كلامهم و فيما رد عليهم الرسول.
في هود من دون توكيد هم قالوا (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا) ليس فيه سفاهة ولا مسحرين حتى الرد عليهم لم يكن شديداً (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)) .
الوقفة كاملة
|
| ١٣٦٠ |
آية (٢٨) : (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)
* (يَا قَوْمِ) نداء متلطِّف حتى يتألفهم لا يريد أن يثيرهم يريد أن يتودد لهم ويتألف لهم حتى يسمعون.
* (أَرَأَيْتُمْ) معناها أخبروني فيها معنى التعجيب من موقفهم. إذن أرأيتم أخبروني.
* رد عليهم رداً منطقياً وكأن هذا سؤال، أخبروني إذا كنت مرسلاً بالفعل إفترضوا أني على بينة وعلى صحة، كيف نلزمكم هذه الحجة وعندكم مانعان الآن أنها مبهمة عليكم ما فهمتموها ثم أنتم لها كارهون تكرهون النظر فيها، لا تريدون أن تسمعوها كيف أوصلها لكم؟!
* قال (إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ) ولم يقل بينة من ربكم:
لأن البينة بمعنى الرسالة أو الحجة أو المعجزة جاءته هو، لو كانت البينة جاءتهم لكان يقول (مِّن رَّبِّكُمْ)، ولذلك في القرآن حيث يتكلم النبي على نفسه هو يعني البينة له يقول (مِّن رَّبِّيَ) وحيث يقول جاءتكم يقول (مِّن رَّبِّكُمْ) في جميع القرآن، لكن هنالك ملاحظة في هذا التعبير جميع الأمم السالفة التي ذكرها ربنا بالقرآن التي خوطبت بنحو هذا يقول (قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) (قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) قالها قوم صالح ومدين وموسى إلا الذين أرسل لهم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال (فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) زاد الهدى والرحمة، لماذا؟ لأن الأقوام الماضية كذبوا وعذبوا وهلكوا إلا سيدنا محمد رُحِموا وهُدوا وهذا إلماح إلى أنهم يهتدون ويُرحمون.
* (وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ) قدّم الرحمة على الجار والمجرور وفي موطن آخر قال (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً (٦٣)) :
التقديم قائم على الأمور الأهم هنا قدم الرحمة لأن الكلام على الرحمة (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) فقدمها، أما في الآية الثانية الكلام عن الله تعالى (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) (الله، منه، الضمير في عصيته) كلها تعود على الله تعالى لذا اقتضى السياق تقديم (مِنْهُ) على الرحمة.
* الفرق بين (رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ) و (رَحْمَةً مِنَّا) :
الرحمة قطعاً من عند الله. لكن خصوصيات التعبير القرآني أنه لا يستعمل (من عنده) إلا مع المؤمنين فقط فيها خصوصية (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ) (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)، أما رحمة منا عامة للمؤمن والكافر، للبشر(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) .
* (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) لم يقل أُبهمت وأخفيت:
لو نظرنا ماذا قالوا له قبل قليل (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ) هم ذكروا الرؤية (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا) (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ) (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ) نقيض الرؤية العمى، فقال (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) أنتم لا ترون، والغريب هو قال (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) بالتضعيف وفيها قراءتان عُمّيت وعَميت، عمّيت عليكم، عَميت أيضاً معناها التبست عليهم البينات، والإثنان مرادان ليؤدي أكثر من معنى، لكن عُمّيت فيها تشديد، لأنهم قالوا (ما نراك) ثلاث مرات فشدد، كما ضعّفوا ضعّف.
* (وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) قدّم الجار والمجرور لأنهم يخصونها بالكراهة لا يطيقون سماعها، لا يكرهون شيئاً ككراهتهم لها. لو قال كارهون لها لاحتمل أن يكونوا كارهون لها ولغيرها.
* قال (كَارِهُونَ) بالإسم ولم يعبر بالفعل (تكرهون) لأن الاسم يدل على الثبوت وهذه صفتهم الثابتة لا تتحول، ولو عبّر بالفعل قد تتغير، فالفعل يدل على الحدوث والتجدد.
الوقفة كاملة
|