| ١٠١ |
س: قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ فهذا وصف للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كان أميًّا، وقال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ فالذي يقرأ لا يكون أميًّا، فكيف يا ترى نوفق بين الآية الأولى والآية الثانية؟ وهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم أميًّا؟
ج: الأمي هو: الذي لا يكتب ولا يقرأ الكتابة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمي بهذا الاعتبار، قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ أما قوله: اقْرَأْ فالمراد به إلقاء القرآن إليه بواسطة جبريل، وحفظه له من غير كتابة، فلا تعارض بين أميته صلى الله عليه وسلم وقراءته القرآن بالتلقي.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الوقفة كاملة
|
| ١٠٢ |
س: يقول السائل: ما تفسير قول الحق تبارك وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا الآية؟
ج: معنى الآية على ظاهرها، وهذا وعد من الله عز وجل، أن الناس لو استقاموا على الطريقة، التي رسم الله لهم من اتباع الشرع، وطاعة الأوامر وترك النواهي، لأسقاهم الله الغيث الكثير، الذي ينفعهم في حروثهم وفي آبارهم، وفي سائر شؤونهم، ولكن بسبب التفريط والإضاعة، والتساهل قد يؤخذ الناس بأنواع العقوبات التي منها الجدب والقحط ومنع الغيث، كما قال جل وعلا : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ
وقال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، فالحاصل أن القوم قد يعاقبون بالجدب والقحط، لمعاصيهم وقد ينزل الله عليهم الغيث، ويمنحهم من فضله أنواع الخيرات، بسبب طاعاتهم واستقامتهم على أمر الله، وقد يبتلي بعض عباده بالسراء على معاصيهم ، لعلهم يرجعون ولعلهم ينتهون، كما قال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ، فالواجب الحذر وألا يغتر الإنسان بإملاء الله وإمهاله له على ما هو عليه من المعاصي، مع وجود النعم العظيمة والخير الكثير، فقد يكون استدراجًا.
وهذه الطريقة التي جاءت في الآية الكريمة هي طريقة إسلامية مشروعة، وليست طريقة صوفية .
الوقفة كاملة
|
| ١٠٣ |
س: يقول السائل: ما تفسير قوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا الآية ؟
ج: المشهور عند المفسرين أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، وكان من كبار الكفار ومن صناديدهم، ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا هذا وعيد من الله لهذا الرجل إذا استمر على كفره وضلاله نعوذ بالله .
الوقفة كاملة
|
| ١٠٤ |
س: رسالة بعث بها المستمع ع. ا. ح. يقول: فسروا لنا قول الحق تبارك وتعالى عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى الآية؟
ج: هذه الآية تفسيرها ظاهر واضح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشغولاً ببعض كبار قريش في مكة قبل الهجرة رجاء أن يسلموا ويهديهم الله؛ لينتفع بهم المسلمون وكان لديه ابن أم مكتوم فحصل من النبي صلى الله عليه وسلم بعض الإعراض عنه مشغولاً بهؤلاء الجماعة، فعاتبه الله في ذلك والأمر واضح لا يحتاج إلى تفسير.
الوقفة كاملة
|
| ١٠٥ |
س: ع. م. من السودان يقول: أرجو تفسير الآية الكريمة من سورة عبس ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ مع العلم أنني قرأت في تفسير ابن كثير ولم أفهم الشرح مأجورين ؟
ج: الآية الكريمة واضحة ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ إلى آخر الآية، أن الله جل وعلا يميت الناس، وهذه الدنيا دار متاع ومؤقتة، ولها نهاية كما قال جل وعلا: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى . وقال جل وعلا: قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ . ثم يخرجهم يوم القيامة كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ظاهر الآية والله أعلم أن الإنسان يموت وقد يكون هناك أشياء لم يقضها من الشؤون التي أمر بها؛ لأن الإنسان قد يفجؤه الأجل، قد يحل به الموت وهناك أشياء لم يقضها
فالعاقل والحازم هو الذي يبادر ويسارع فيما أوجب الله عليه وترك ما حرم الله عليه قبل أن يهجم عليه الأجل يكون هذا من الحزم أن يبادر ويسارع إلى قضاء ما أوجب الله عليه وترك ما حرم الله عليه قبل أن يهجم عليه الأجل، وهو لم يقض ما أمره الله به، قد فرط وأضاع، وهذا مثل قوله جل وعلا: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ هذا كله من باب الحيطة للمؤمن؛ ليسارع ويسابق حتى لا يهجم الأجل وقد فرط .
الوقفة كاملة
|
| ١٠٦ |
س: سائل يطلب من سماحتكم تفسير سورة البروج؟
ج: ذكر الله جل وعلا في سورة البروج، حالة الذين اعتدوا على المسلمين، وحرقوهم وقتلوهم، تحذيرًا للمسلمين من أعمالهم الخبيثة، وحثَّ على الصبر على ما يبتلى به العبد ؛ ولهذا قال عز وجل: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ أقسم بالسماء سبحانه وتعالى ذات البروج، وهي النجوم العظام في قول جماعة من المفسرين، والله يقسم بما شاء من خلقه سبحانه وتعالى : له أن يقسم بالسماء وبغيرها، كما أقسم بالطور، وبالذاريات وبالضحى، والليل إذا يغشى إلى غير ذلك؛ لأنها آيات دالة على قدرته العظيمة، وأنه الخلاق العليم سبحانه وتعالى، وأنه القادر على كل شيء، أما العبد فليس له أن يحلف إلاَّ بالله، الحالف ليس له أن يحلف إلاَّ بربه، ولا يحلف بالأنبياء ولا بالملائكة ، ولا بالأمانة ولا بأصنام، ولا بشرف فلان إلى غير ذلك، يقول النبي عليه الصلاة والسلام : مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ويقول عليه الصلاة والسلام : مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ أَشْرَكَ أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وفيه أحاديث كثيرة، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: من حلف بالأمانة فليس منَّا وقوله سبحانه تعالى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ يعني يوم القيامة. وقوله: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ الشاهد هو يوم الجمعة، في قول جماعة من أهل العلم: والمشهود هو يوم عرفة ؛ لأنه يشهده أمم كثيرة من الحجاج، وهما يومان عظيمان يوم الجمعة ، هو خير أيام الأسبوع وأفضلها، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يرد فيها سائل، يستجيب الله فيها الدعاء. ويوم عرفة فيها وقفة الحجاج، وفيها دنوّ الرب لعباده سبحانه وتعالى؛ لما في الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلاَئِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ؟
ويقول النبي: الْحَجُّ عَرَفَةُ
وسئل النبي عن صوم يوم عرفة لغير الحجاج فقال: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ أمَّا الحجاج فلا يشرع لهم الصيام ، فهم منهيون عن الصيام يوم عرفة ، في حالة الحج، والسنة أن يقف الحاج مفطرًا لا صائمًا، كما وقف النبي صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع مفطرًا.
وقوله جل وعلا : قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ، يبين سبحانه وتعالى عظم جريمة أهل الأخدود ، ولهذا قال: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ، يعني لعنوا بجريمتهم العظيمة الشنعاء، حيث ألقوا المؤمنين في الأخدود إذ لم ينقادوا لباطلهم، فلهذا يحذر الاستجابة لأهل الباطل، ويدل على أن الواجب على المؤمن أن يحذر أسباب الهلاك، وأن يبتعد عن الباطل وأهله، وفي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم شرع الله للمكره أن يدفع الإكراه بالاستجابة لما أمر به، مع طمأنينة قلبه للإيمان، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن المكره إذا أكره على الكفر والضلال ، فله أن ينطق به متابعة لهم، دفعًا للظلم، مع إيمان قلبه وطمأنينة قلبه بالإيمان، ويسمى المكره؛ لقول الله جل وعلا: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فإذا ألزموه بالكفر، أو يحرقوه أو يقتلوه أو يضربوه فله أن ينطق بالكفر، مع الإيمان والطمأنينة في القلب، كما فعل بعض الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فآذن لهم النبي بذلك عليه الصلاة والسلام ، فالإكراه بالقتل أو الضرب أو نحو ذلك، مما يتضرر به العبد، إذا كان بيِّنًا يبيح له أن يتكلم بكلمة الكفر، إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، وإنما قالها موافقة لدفع الشر باللسان فقط، وهذا من رحمة الله لهذه الأمة، وإحسانه إليها سبحانه وتعالى. قال تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ . هؤلاء الذين ألقوا في النار، وهم أصحاب الأخدود، وما نقموا منهم، أي المشركون الكفار الظلمة إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني ما عابوا عليهم ولا عاقبوهم إلاَّ من أجل إيمانهم، وهذا العيب محل مدح، وهو عيب عند أهل الباطل، ولكنه مدح وشرف لأهل الإيمان .
الوقفة كاملة
|
| ١٠٧ |
س: السائل: ش. ص. ، من مصر ، ومقيم بالقريات ، يستفسر عن الآيتين الكريمتين في سورة البروج، الآية الكريمة الأولى وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ من هو الشاهد، ومن هو المشهود في هذه الآية ؟
ج: للعلماء في هذا كلام كثير، وأحسن ما قيل فيه: أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة ، يشهده الناس يوم الحج وقيل غير ذلك، لكن هذا أحسن ما قيل: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ يوم القيامة وَشَاهِدٍ يوم الجمعة وَمَشْهُودٍ يوم عرفة .
هذا هو أحسن ما قيل في ذلك، الآية الثانية قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ من هم أصحاب الأخدود؟ هم جماعة من الكفرة والظلمة، عذبوا المؤمنين بأن أخدّوا لهم أخاديد، وجعلوا فيها النيران، نسأل الله العافية، الله جل وعلا ذمّهم، فقال: قُتِلَ يعني لُعِنَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . ناس من الكفرة الملحدين، ظلموا المؤمنين وجعلوا لهم خدودًا، عذّبوا من لم يطاوعهم نسأل الله العافية .
الوقفة كاملة
|
| ١٠٨ |
س: ما هو تفسير قوله تعالى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ الآية ؟
ج: الحجر هو العقل، والله يقول سبحانه وتعالى: وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ هذه الآية تبين أن هذه أقسام عظيمة، أقسم الله بها سبحانه، والله جل وعلا يقسم بما شاء ، لا أحد يتحجر عليه سبحانه وتعالى، وإنما أقسم بها لأنها من آياته الدالة على قدرته العظيمة، وأنه رب العالمين، فقال: وَالْفَجْرِ وهو انفلاق الصبح بعد ذهاب الليل، وَلَيَالٍ عَشْرٍ فسّرت هذه الليالي بليالي عشر ذي الحجة، وبليالي العشر الأخيرة من رمضان ، فهي كلها معظمة وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ . الشفع: اثنان وأربعة وستة، ونحو ذلك، والوتر الواحد والثلاثة والخمسة ونحو ذلك، كلها من آيات الله سبحانه وتعالى، جعل شفعًا ووترًا في مخلوقاته جل وعلا ، وهي من آياته سبحانه وتعالى، السماوات السبع وتر، والأراضي السبع وتر، والعرش واحد وتر، والكرسي واحد وتر، وجعل أشياء شفعًا كالليل والنهار شفعًا والذكر والأنثى شفعًا وغير ذلك، كما قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ و وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ من آياته كذلك، هذا الليل، حين يأتي بظلامه، والنهار حين يأتي بضيائه، كلها من آياته سبحانه وتعالى، ثم قال بعد هذا: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ فالمعنى والله أعلم، هل في ذلك قسم لذي حجر، لذي عقل يقتضي أن يخالف، بل يجب على المؤمن أن يتدبر ويتعقل ويعرف، أنه سبحانه إنما أقسم بهذه الأقسام؛ لدلالة عباده على عظم هذه المخلوقات ، وأنها من الدلائل على قدرته العظيمة، ووحدانيته سبحانه وتعالى، وأنه لا يجوز للمؤمن أن يخالف ما دلت عليه، ويشرك بالله ويعبد معه سواه، وهو الخلاّق لهذه الأشياء، القائم بأرزاق العباد، إلى غير هذا سبحانه وتعالى، ويحتمل معنى آخر، هو أنه سبحانه يريد: هل في ذلك قسم لذي حجر، يقسم به أولى، من هذه الأقسام التي فيها دلائل على قدرته العظيمة، مع أنه سبحانه حرّم القسم بغيره جل وعلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ فليس لأحد أن يقسم إلاَّ بربه سبحانه وتعالى، فالآية فيها شيء من الغموض، لكن يحتمل أن المراد أن هذا القسم كافٍ في الدلالة على عظم هذه المخلوقات، وأنها من دلائل قدرته العظيمة، ويحتمل أن المعنى هل في ذلك لذي حجر، قسم آخر ينبغي أن يقسم به، للدلالة على توحيد الله والدعوة إلى عبادته، والإخلاص له سبحانه وتعالى، هذا والله أعلم من المعنى، ويحتمل معنى آخر، ولعلنا نعود إلى ذلك في حلقة أخرى لمزيد البيان والإيضاح؛ لما قاله أهل العلم، في تفسير هذه الآية، والله جل وعلا أعلم، وأحكم سبحانه وتعالى .
الوقفة كاملة
|
| ١٠٩ |
س: يسأل عن تفسير قول الحق تبارك وتعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
ج: الآية على ظاهرها فالله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتحدث بنعم الله جل وعلا . هذا من الشكر، التحدث بالنعم من شكر الله سبحانه وتعالى فالنعمة شكرها يكون بأمور ثلاثة، إذا اعترف بها باطنًا وأنها من الله ومن فضله سبحانه وتعالى، والتحدث بها ظاهرًا بلسانه، والثالث صرفها فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، والاستعانة بها على طاعة الله جل وعلا قال سبحانه: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ، هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا كل مسلم وكل مسلمة عليهما التحدث بنعم الله، وشكر الله على ذلك، فالله منّ علينا بنعم كثيرة يجب أن نحمده ونشكره عليها، ونتحدث بنعم الله علينا، منها نعمة السمع والبصر، والصحة والمال والولد والزوجة والزوج، كل هذه من نعم الله، ونشكره سبحانه على ذلك، لطاعته وترك معصيته، فلا بد من أمور ثلاثة، الإيمان بذلك في الباطن، وأن هذه من نعم الله من صحة أو ولد أو مال، كله من الله فعلى المسلم أن يؤمن بقلبه أن هذه من نعم الله، وأنه سبحانه المحسن بذلك، ويتحدث بذلك بلسانه عن هذه النعم، ويشكر الله عليها بلسانه، ويشكر الله أيضًا بعمله وذلك بطاعة الله على هذه النعمة، وأن يستعين بها على طاعة الله، وأن يصرفها في مرضاته، لا في معاصيه .
الوقفة كاملة
|
| ١١٠ |
س: يسأل عن تفسير قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ
؟
ج: الله سبحانه ذكر القارعة، وهي القيامة فقال سبحانه: الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ، يعظم شأنها وأن شأنها عظيم، كما قال سبحانه: الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ وهي يوم القيامة؛ لأن أمرها عظيم وخطير، وقال فيها جل وعلا : فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى وهي القيامة وقال سبحانه: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ وهي القيامة أيضًا، الصاخة وهي الغاشية في قوله سبحانه: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ فيوم القيامة يوم عظيم، يحاسب فيه العباد وتنشر فيه الموازين ، ويعطى المؤمن فيه كتابه،
بيمينه، والكافر كتابه بشماله، ولهذا قال سبحانه: الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ . كالجراد ونحوه، كالدبا ونحوه، هذه الطيور الصغيرة المنتشرة في الأرض، إذا اجتمعت يموج بعضهم في بعض، وتكون الجبال كالعهن المنفوش، الصوف المنفوش، بعد قوتها وصلابتها العظيمة، تكون كالعهن المنفوش، وتكون كالهباء وتسيَّر، وتزول عن أماكنها وتبقى الأرض خالية من ذلك، ثم قال سبحانه: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ، في ذلك اليوم يوم القيامة يوم الحشر، يوم الجمع، يوم التغابن فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ يعني من ثقلت موازينه بالحسنات، والأعمال الصالحة، فهو في عيشة راضية يعني فله السعادة والخير العظيم، وسوف يكون إلى الجنة في عيشة راضية، في نعيم مقيم وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ بسبب كفره وضلاله وعدم إيمانه، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ يعني النار نعوذ بالله، ولهذا قال بعدها: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ ، هذه عاقبة هؤلاء وهؤلاء، عاقبة أهل الحسنات الجنة والكرامة، إذا ثقلت موازينهم بها، وخفت موازين السيئات، وعاقبة الكفار ومن خفت موازينهم من أهل المعاصي، بسبب معاصيهم الكثيرة، حتى ثقلت موازينهم السيئة، وخفت موازين الحسنات، فالوعيد لهم النار، نسأل الله العافية، لكن الكفار يخلدون في النار أبد الآباد، أمَّا العصاة فلا يخلدون ، إن دخلوا النار بسبب معاصيهم لا يخلدون، وقد تثقل موازين بعضهم بحسنات، فينجون من النار، ويغفر لهم ما جرى منهم من معصية، وقد يشفع لهم الأنبياء والأخيار والأفراط والملائكة ؛ لأعمالهم العظيمة الصالحة، وإيمانهم بالله فينجون من شر ما ماتوا عليه من بعض المعاصي وكثير من العصاة يدخلون النار بمعاصيهم من الزنى والسرقة، أو الخمر أو العقوق للوالدين، أو أحدهما أو الربا والنميمة أو غير هذا من المعاصي، كثير من هؤلاء العصاة يدخلون النار، ويعذبون فيها على قدر معاصيهم، ثم يشفع فيهم الشفعاء، فيخرج الله منهم من شاء سبحانه وتعالى، بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم، وبشفاعة الملائكة والمؤمنين والأفراط، ثم يبقى منهم بقية في النار يخرجهم الله برحمته، سبحانه وتعالى بعد انتهاء أمد عذابهم، ولا يبقى في النار إلاَّ الكفار، وعليهم تطبق وفيها يخلدون، نعوذ بالله وليس لهم محيص عنها، كما قال عز وجل، في شأن الكفرة: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ نسأل الله العافية، وقال فيهم أيضًا سبحانه وتعالى: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ هذه حال الكفرة، أمَّا العصاة فلهم أمد، إذا دخلوا النار، لهم أمد، على قدر معاصيهم فإذا انتهى الأمد، أخرجهم الله من النار إلى الجنة، بسبب توحيدهم وإيمانهم الذي ماتوا عليه، هذا قول أهل السنة والجماعة، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأتباعهم بإحسان خلافًا لأهل البدع، الذين يعتقدون خلود العصاة في النار، من الخوارج والمعتزلة ، ومن سار في طريقهم، نعوذ بالله من ذلك .
الوقفة كاملة
|