عرض وقفة التساؤلات

  • وقفات سورة البروج

    وقفات السورة: ٥٦٤ وقفات اسم السورة: ٢٢ وقفات الآيات: ٥٤٢
س: سائل يطلب من سماحتكم تفسير سورة البروج؟ ج: ذكر الله جل وعلا في سورة البروج، حالة الذين اعتدوا على المسلمين، وحرقوهم وقتلوهم، تحذيرًا للمسلمين من أعمالهم الخبيثة، وحثَّ على الصبر على ما يبتلى به العبد ؛ ولهذا قال عز وجل: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ أقسم بالسماء سبحانه وتعالى ذات البروج، وهي النجوم العظام في قول جماعة من المفسرين، والله يقسم بما شاء من خلقه سبحانه وتعالى : له أن يقسم بالسماء وبغيرها، كما أقسم بالطور، وبالذاريات وبالضحى، والليل إذا يغشى إلى غير ذلك؛ لأنها آيات دالة على قدرته العظيمة، وأنه الخلاق العليم سبحانه وتعالى، وأنه القادر على كل شيء، أما العبد فليس له أن يحلف إلاَّ بالله، الحالف ليس له أن يحلف إلاَّ بربه، ولا يحلف بالأنبياء ولا بالملائكة ، ولا بالأمانة ولا بأصنام، ولا بشرف فلان إلى غير ذلك، يقول النبي عليه الصلاة والسلام : مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ويقول عليه الصلاة والسلام : مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ أَشْرَكَ أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وفيه أحاديث كثيرة، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: من حلف بالأمانة فليس منَّا وقوله سبحانه تعالى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ يعني يوم القيامة. وقوله: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ الشاهد هو يوم الجمعة، في قول جماعة من أهل العلم: والمشهود هو يوم عرفة ؛ لأنه يشهده أمم كثيرة من الحجاج، وهما يومان عظيمان يوم الجمعة ، هو خير أيام الأسبوع وأفضلها، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يرد فيها سائل، يستجيب الله فيها الدعاء. ويوم عرفة فيها وقفة الحجاج، وفيها دنوّ الرب لعباده سبحانه وتعالى؛ لما في الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلاَئِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ؟ ويقول النبي: الْحَجُّ عَرَفَةُ وسئل النبي عن صوم يوم عرفة لغير الحجاج فقال: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ أمَّا الحجاج فلا يشرع لهم الصيام ، فهم منهيون عن الصيام يوم عرفة ، في حالة الحج، والسنة أن يقف الحاج مفطرًا لا صائمًا، كما وقف النبي صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع مفطرًا. وقوله جل وعلا : قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ، يبين سبحانه وتعالى عظم جريمة أهل الأخدود ، ولهذا قال: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ، يعني لعنوا بجريمتهم العظيمة الشنعاء، حيث ألقوا المؤمنين في الأخدود إذ لم ينقادوا لباطلهم، فلهذا يحذر الاستجابة لأهل الباطل، ويدل على أن الواجب على المؤمن أن يحذر أسباب الهلاك، وأن يبتعد عن الباطل وأهله، وفي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم شرع الله للمكره أن يدفع الإكراه بالاستجابة لما أمر به، مع طمأنينة قلبه للإيمان، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن المكره إذا أكره على الكفر والضلال ، فله أن ينطق به متابعة لهم، دفعًا للظلم، مع إيمان قلبه وطمأنينة قلبه بالإيمان، ويسمى المكره؛ لقول الله جل وعلا: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فإذا ألزموه بالكفر، أو يحرقوه أو يقتلوه أو يضربوه فله أن ينطق بالكفر، مع الإيمان والطمأنينة في القلب، كما فعل بعض الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فآذن لهم النبي بذلك عليه الصلاة والسلام ، فالإكراه بالقتل أو الضرب أو نحو ذلك، مما يتضرر به العبد، إذا كان بيِّنًا يبيح له أن يتكلم بكلمة الكفر، إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، وإنما قالها موافقة لدفع الشر باللسان فقط، وهذا من رحمة الله لهذه الأمة، وإحسانه إليها سبحانه وتعالى. قال تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ . هؤلاء الذين ألقوا في النار، وهم أصحاب الأخدود، وما نقموا منهم، أي المشركون الكفار الظلمة إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني ما عابوا عليهم ولا عاقبوهم إلاَّ من أجل إيمانهم، وهذا العيب محل مدح، وهو عيب عند أهل الباطل، ولكنه مدح وشرف لأهل الإيمان .