عرض وقفة التدبر
فقد ذكر الله انشقاق القمر، وبين أن الله فعله، وأخبر به لحكمتين عظيمتين، أحدهما: كونه من آيات النبوة، لما سأله المشركون آية، فأراهم انشقاق القمر، والثانية: أنه دلالة على جواز انشقاق الفلك، وأن ذلك دليل على ما أخبرت به الأنبياء من انشقاق السماوات؛ ولهذا قال تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر *وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر* وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر* ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر* حكمة بالغة فما تغن النذر* فتول عنهم يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر* خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر}، فذكر اقتراب الساعة، وانشقاق القمر، وجعل الآية في انشقاق القمر دون الشمس وسائر الكواكب؛ لأنه أقرب إلى الأرض من الشمس والنجوم، وكان الانشقاق فيه دون سائر أجزاء الفلك؛ إذ هو الجسم المستنير الذي يظهر فيه الانشقاق لكل من يراه ظهورا لا يتمارى فيه، وأنه - نفسه - إذا قبل الانشاق فقبول محله أولى بذلك، وقد عاينه الناس وشاهدوه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار، مثل: صلاة الجمعة، والعيدين ليسمع الناس ما فيها من آيات النبوة، ودلائلها، والاعتبار بما فيها، وكل الناس يقر بذلك ولا ينكره، فعلم أن انشقاق القمر كان معلوما عند الناس عامة، وفي صحيح مسلم: " أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى، والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ {ق والقرآن المجيد}، و{اقتربت الساعة وانشق القمر} "()، ومعلوم بالضرورة في مطرد العادة، أنه لو لم يكن انشق لأسرع المؤمنون به إلى تكذيب ذلك، فضلا عن أعدائه الكفار والمنافقين، ومعلوم أنه كان من أحرص الناس على تصديق الخلق له، واتباعهم إياه، فلو لم يكن انشق لما كان يخبر به ويقرؤه على جميع الناس، ويستدل به، ويجعله آية له، وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: " إن أهل مكة سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين "().()