عرض وقفة التساؤلات
- ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ ﴾ [الأعراف آية:٢٠٥]
- ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴿١١﴾ ﴾ [مريم آية:١١]
- ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴿٢٨﴾ ﴾ [الكهف آية:٢٨]
- ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿١٧﴾ ﴾ [الروم آية:١٧]
- ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴿٤١﴾ ﴾ [آل عمران آية:٤١]
- ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴿١٨﴾ ﴾ [ص آية:١٨]
- ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٩﴾ ﴾ [ص آية:١٩]
#تفسير_آية
س/ لا حظت أن هناك آيات كثيرة تحث على الذكر بالغدو والآصال، وبكرة وعشية، وبالغداة والعشي، وحين تمسون وحين تصبحون، وبالعشي والإبكار، فما سر ذلك؟
وهل هناك كتاب أحصى كل هذه الآيات؟
وهل أذكار الصباح المساء هي المقصودة؟
ج/ لعل السرّ والحكمة في ذلك والله تعالى أعلم أنَّ الْعَشِيَّ آخِرُ النَّهَارِ، وَالإبْكَارُ أولُ النَّهَارِ، فيفتتحُ المسلمُ يومَه بِالتَّسْبِيحِ، ويختمُهُ بِالتَّسْبِيح.
ومن كان كذلك كان منسجمًا مع جميع الكائنات في تسبيحها لله تعالى؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴾
ولما كان الصباح والمساءُ يتجددان كل لحظة على وجه الأرض بسبب دورانها، ولا يخلو موضع فيها أن يكون الوقت فيه أول النهار، أو آخره، لذا كان التسبيح مستمرًّا لا ينقطع عنها لحظة واحدة.
وأما المقصود بالذكر والتسبيح في هذين الوقتين، فذكر أهل التفسير أقوالًا :
القول الأول: أن المراد الصلاة .
قال الواحدي : "وقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ أي: صَلِّ لله تعالى. والصلاة تُسَمَّى تسبيحًا ، لأن الصلاة يُوَحَّد فيها الله تعالى، وُينَزَّه، ويُوصف بكلِّ ما يُبَرِّئه من السوء "، انتهى من "التفسير البسيط"(5/ 242).
وقال البغوي : "قيل: المراد بالتسبيح الصلاة، والعشي: ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس، ومنه سمي صلاة الظهر والعصر: صلاتي العشي، والإبكار ما بين صلاة الفجر إلى الضحى"، انتهى من"تفسير البغوي"(2/36).
وقال ابن الجوزي: " قوله تعالى: وَسَبِّحْ قال مقاتل: صل. قال الزجاج: يقال: فرغت من سُبحتي، أي: من صلاتي. وسمّيت الصلاة تسبيحاً، لأن التسبيح تعظيم الله، وتبرئته من السوء، فالصلاة يوصف فيها بكل ما يبرئه من السوء" انتهى من "زاد المسير" (1/281).
ورجحه الرازي لوجوه ، قال: " في قوله وسبح قولان :
أحدهما: المراد منه: وصل؛ لأن الصلاة تسمى تسبيحًا، قال الله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون).
وأيضا: الصلاة مشتملة على التسبيح، فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح.
وهاهنا الدليل دل على وقوع هذا المحتمل وهو من وجهين:
الأول: أنا لو حملناه على التسبيح والتهليل: لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله : (واذكر ربك) فرق، وحينئذ يبطل؛ لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز .
والثاني: وهو أنه شديد الموافقة لقوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار).
وثانيهما: أن قوله (واذكر ربك): محمول على الذكر باللسان"، انتهى من"تفسير الرازي"(8/ 216).
وعلى القول بأن المقصود بالذكر: الصلاة، فقد ذكر أهل التفسير كما نقله البغوي رحمه الله في تفسيره أنه قد يُراد بالغدو والآصال جميع الصلوات المفروضات، فالتي تؤدى بالغداة صلاة الصبح، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما..
القول الثاني: أنَّ المراد به الذكر باللسان .
قال ابن عطية: "وقوله تعالى: (وَسَبِّحْ) معناه: قل سبحان الله، وقال قوم معناه: صلِّ.
والقول الأول أصوب؛ لأنه يناسب الذكر، ويُستغرب مع امتناع الكلام مع الناس".
انتهى من"المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز"(1/432).
وقال ابن كثير: "ثم أمر بكثرة الذكر والشكر والتسبيح في هذه الحال"، انتهى من"تفسير ابن كثير" (2/ 39).
وظاهر صنيع الطبري أنَّه ذكر قولًا يجمع بين القولين، وهو أنَّ المقصود بالتسبيح العبادة : " وأما قوله: وسَبِّح بالعَشِيِّ [آل عمران: 41] فإنه يعني: عظم ربك بعبادته بالعشي".
انتهى من"تفسير الطبري"(5/391).
وهو قول ظاهر، متجه؛ يجمع بين القولين، والله أعلم.